Saturday, December 28, 2013

يسقط حكم العسكر.. شعار لئيم ضد وطن مأزوم

يسقط حكم العسكر.. شعار لئيم ضد وطن مأزوم

الجمعة 22-11 – 2013

 

اصطلاح “العسكر” اصطلاح إسلامي قديم للدلالة على المقاتلين الفاتحين ، و ظل دالًا على جند الخلافة الغازية ، و عندما تدهورت قوة الخلافة اصطنع الولاة و الخلافة جيشًا من المرتزقة المصنعين للقتل و السلب و النهب ، فكان النخاسون يختطفون الصبية الذين عرفهم التاريخ باسم المماليك الانكشارية ، لتتم تربيتهم على الفروسية دون نبالتها ، فلا هُم منا و لا علاقة لهم بمصرنا ، ولاؤهم لمصالحهم ، هم من أصول آسيوية هجينة من القوقاز و المجر و ألبانيا و وسط آسيا و شرقي أوروبا ، عاشوا في جيتوهات منفصلة عن المجتمع المصري لاختلافهم في العنصر و اللون و اللغة و الثقافة ، و منذ أسس محمد علي جيش مصر الحديثة ، و قضى على شراذم المماليك لم يدخل هذا الجيش سوى المصري بتجنيد إجباري لأداء الخدمة الوطنية ، ليدافع عن وطنه دون مماليك انكشارية بلا وطن و لا هوية و لا التزام وطني أو أخلاقي ، و من هذا الجيش كان قائده العام ابن الفلاحين أحمد عرابي ، و بعدها توارى اصطلاح العسكر و حل محله اصطلاح الجيش المصري ، و لم ينشغل المصري بتسمية الجيش كمؤسسة ما بين وزارة الدفاع و وزارة الحربية ، لأنه كان لا يتعامل معه كوزارة سيادية و لا بحسبانه مؤسسة ضمن مؤسسات الدولة ، كان يراه ساحة شعبية يُمثل فيها الجميع جبرًا ، يراه قطعة من الناس تتواجد فيه كل طبقات المجتمع و ليس وزارة ، لأن الجيش المصري أصبح تكوينه العضوي من كافة عناصر و طوائف و أديان المصريين ، رأوه هو مصر و هو الشعب ؛ لأنه قطعة من روح مصر و لحمها.

كان “العسكر” اصطلاح الغازي الغريب بثقافته الوافدة ، و كعهد الإسلاميين في استدعاء مصطلحاتهم من أكفان الماضي النافق و المقبور ، ليستزرعوها في مصر بخلفية و مرجعية صحراوية غازية تجاوزها التطور الإنساني ، و تناسي عارها اللاإنساني ، قام الإسلاميون بتمييز أنفسهم عن بقية الشعب لتأكيد انفصالهم عن المجتمع المصري ، فابتدعوا الجلباب القصير و اللحية و الحجاب و النقاب ، الإسلام هو الحل ، و لا لحكم العسكر.

المدهش أن الإسلاميين و متصوفة الليبرالية و اشتراكيي لاهوت التحرير الأمريلاتيني لا ينزعجون أبدًا من احتلال عمرو بن النابغة لمصر ، و لا يستنكرون احتلالهم الاستيطاني ، بل و لا يستنكرون أن كل سادة مصر عربًا و عثمانيين كانوا عسكرًا ، كما حكام أمريكا اللاتينية و نموذج كاسترو و جيفارا ، كل الصحابة كانوا قواد جيوش و حكام للبلدان و كذلك كانت المنظومة الاشتراكية.

هجمة مرتدة يقودها ليبراليون و اشتراكيون و إسلاميون لم يراجعوا أنفسهم مراجعة ناقدة متطورة ، ينددون بحكم العسكر الذي لم يحدث حتى الآن سوى في تاريخهم ، فالآن لا الجيش يحكم ، و لا السيسي يأمر و يداهم و يمارس العسكرة ، و إلا لرأينا لفعله الحازم وجودًا ملموسًا في واقع سائل غير منضبط بالمرة. إذن هي هجمة استباقية حذر ترشيح السيسي لنفسة للرئاسة ، مما لا يعطي لغيره فرصة متكافئة معه ، ليس لممارسات عسكرية قمعية مارسها الرجل ، و لكن لأنه بقرار تاريخي غامر فيه بمستقبله و بحياته هو و من معه ، قد تمكن من قلب مصر حبًا و احترامًا ، أفئن ترشح و نجح.. أصبح الحكم عسكريًا؟ و أفئن ترك المستشار عدلي منصور منصة القضاء و ترشح للرئاسة و فاز يكون الحكم ساعتها حكم قضاة؟ أو إن ترشح محمد سلماوي و فاز يكون حكم مثقفين؟ و إن فعلها الدكتور محمد غنيم و فاز بها يكون حكم أطباء ، أم أنه لغو بائس بؤس فرضياتهم.

إن ما تحتاجه مصر اليوم بداية و قبل كل قول ، هو أن تختار مَن يُحسن الإدارة رجلًا أو امرأة ، مسلم أو مسيحي ، يمكنه الضبط و الربط ، يمكنه إرساء دولة القانون و تفعيل القانون لصنع سلام مجتمعي ، يحرص على دعم التجربة الديمقراطية و إنضاجها ، مع تاريخ وطني لا تشوبه الشوائب ، الكفاءة الإدارية و الوطنية الصادقة و التاريخ النظيف هي معيار أي لون من ألوان القيادة رئاسة أو وزارة أو تمثيلًا نيابيًا ، فإن تقدم لها من يحمل المواصفات المعيارية قبلناه و عزرناه و عذزناه و وقفنا معه سندًا و معينًا و ظهيرَا.

وكما توجد اختبارات ذكاء ، توجد لدى المصري اختبارات في الوطنية ، لديه فلاتر و ذائقة تاريخية يمرر عليها قراءته للشخص المطلوب للقيادة ، و قد استحسنت هذه الذائقة شخص الفريق السيسي ، فخرج أربعون مليون مصري ظهيرًا للجيش ، و نجح السيسي و الشعب و تأكدت سلامة الذائقة الوطنية بعد خلل ناتج عن عواطف دينية ، أربعون مليونًا خرجوا يعلنون أنهم قد عانوا من فشل حكم الإخوان ، و عانوا من غلظتهم و جهلهم و قسوتهم في الشارع ، تأكد لهم أنهم قد اختاروا كائنات شاذة رمامة لا ترحم ، إن فشل الإخوان قد لمسه العوام الذين لا يعرفون ماهو الدستور و ما هي الحكومة ، بعد 85 سنة من الوهم عرف المصري أن معيار الذائقة بوهم التقوى كان مدمرًا لهذه الذائقة ، و أدرك المصري أن وهم التدين كمؤهل للقيادة أصاب ذائقته التاريخية بالخلل ، فأسكن شيطانًا مريدًا روحه و عقله و بلاده ، و استفاق بعد عام واحد من التجربة ليستعيد ذائقته التاريخية بمعيارها و هو قدر الوطنية و الكفاءة و النزاهة.

تجسدت الوطنية في شخص الفريق السيسي عندما اختار شعبه و وطنه و لم يخذل الشعب عندما احتاجه ، لم يخذل الشعب عند الاحتياج كما فعل أيقونة الثورة الصدئ ، و رغم احتمالات الفشل و ما يليه من تنكيل و إهدار للسمعة و ربما الإعدام فعلها الرجال و لم يولوا يوم الزحف مدبرين ، و مع الجيش و الشرطة (وقدر من السماح الشعبي المؤقت و مرحليًا لزبانية الداخلية و المجلس العسكري حتى يتم تجاوز المرحلة) ، و عقد الجيش بموقفه المصالحة الوطنية للخروج من المأزق الوطني ، تمكن المصريون شعبًا و جيشًا و شرطة من استعادة وطنهم من مخالب أشباح الماضي المرعب ، تمهيدًا للبناء الآتي.

http://www.albawabhnews.com/228349

Posted by المجموعة الليبرالية in 16:36:40 | Permalink | Comments Off

Thursday, November 28, 2013

شخصية المجتمع الصحراوي – جزيرة العرب نموذجا

شخصية المجتمع الصحراوي (جزيرة العرب نموذجا)

في النظام المجتمعي الصحراوي البدوي، يعيش البشر في قبائل ترتبط بروابط القرابة، و لأنها مرتحلة وراء خيرات الطبيعة الشحيحة فإنها لا ترتبط بمكان و لا حتى على المستوى العاطفي. فقد يجف النبع و يموت الضرع فترتحل القبيلة بحثا عن موضع آخر يضمن العيش، فإن لم تجده خاضت صراعا صفريا ضد قبيلة أُخرى تستمتع بمكان يملك مقومات الحياة، و الصراع الصفري هو صراع و جود إما أنا و إما أنت، صراع من أجل أن أستمر حيا. هي قسوة طبيعية طبعت البدوي بقسوتها و رؤيته للموت شيئا اعتياديا، فإذا كان ظرفه يجعله مقاتلا كي لا يموت جوعا، و أن استمرار حياته لا يكون إلا بموت غيره، فما أهون الموت في شؤون أعلى أو أدنى.

لهذه الأسباب البيئية كان تماسك القبيلة في لحمة واحدة في ظل قانون طوارئ دائم، تماسكا خراسانيا حتى لا تفنى، و تاريخنا العربي يزدحم بأسماء من فنى من قبائل الجزيرة فناء تاما، و أصبحوا مجرد أسماء و روايات يتسلى بها البدو حول النار في أمسيات فيافيهم القارصة، و ليالي صيفهم اللافحة، و تعلموا من حكايات الفناء أن تماسك القبيلة يعني استمرارها موجودة، لذلك كان يمكن أن تفنى القبيلة دفاعا عن أحد أفرادها، و كان طبيعيا أن يفنى الفرد فداء للجماعة. و في نظام أبوي صارم كهذا لا مجال لأي تمايز أو اختلاف، الكل في واحد و الواحد في الكل في منظومة عسكرية دوما متحركة دوما طاردة أو مطرودة. تصدع لآمر واحد له مستشارين هو من يختارهم و تتشابه عادات أفرادها و تقاليدهم و فنونهم و ملبسهم و مأكلهم، حتى أن لكل قبيلة لغة ضمن لغات تتقارب بتقارب القبائل في المكان، حتى زمن النبي العربي في الحجاز كان الاختلاف بين القبائل في اللغات و ليس مجرد اللهجات.

على المستوى الثقافي ترتبط القبيلة قرابيا و تنتسب لسلف صالح و احد يرونه خير أب لخير خلف، فالقبيلة من دم واحد و عنصر واحد و سلف صالح واحد و هو ما يجمعها و يربطها ببعضها و منه تستمد القداسة لذاتها بالتعبد له، مما يُحوَّل الجد البعيد بمرور الزمن و تباعده من مقدس مُبجل إلى إله، و عادة ما تم الربط بين تلك القداسة و رمز طوطمي على الأرض يتمثل في واحد من كائنات الطبيعة أو ظواهرها. و في حماية هذا الأب البعيد المقدس الإلهي تتحرك القبيلة تحمل رسما أو تمثالا أو راية ترمز له و يحل فيها، لذلك لا تعرف القبيلة شيئا اسمه الوطن و لا تملك انتماء و لا عواطف لأرض و لا تتفهم معنى المواطنة، ما تعرفه شئ اسمه (الحِمى)، و الحِمى للقبيلة هو المعادل التصوري المعنوي البديل للمواطنة، هو شئ غير محسوس مُبهم يمثل و يدل على توحد القبيلة و التحامها ببعضها يتحرك معها أينما يمَّمت و يمتزج بها و بأفرادها. الحمى هو الإله الذي يتجسد في رمز طوطمي و تتماهى فيه القبيلة، و إن تعرض الرب الرمز أو اسم القبيلة أو الفرد في القبيلة لأي نقد، تكون القبيلة كلها قد تعرضت للإهانة و تتحرك نوازع العنف الدفاعية البدوية دفاعا عن الحمى الديني للقبيلة، و يكون الدفاع دفاعا عن ذات الفرد التي يتمثل فيها الحمى و ذات القبيلة لأن الرب في الفرد و الفرد في القبيلة و القبيلة في الحمى أقانيم ثلاثة في واحد. و أحيانا ترمز صخرة أو حيوانا أو شجرة للحمى، فيتم المزج بين طوطم كائن كالخروف مثلا كواحد من أهم السوائم البدوية، و بين رمز سماوي كالقمر لأهميته في ليل الصحراء، فيكون قرني الكبش اختصارا للقمر عندما يكون في حالة الهلال، لذلك تجد الكثير من قبائل العرب تعبد القمر السماوي مرموزا له بالخروف الأرضي. فالقبيلة بحكم ظرفها البيئي هي تكوين متماسك متوحد يمنع الضياع في الصحراء تعبد ربا واحدا هو ذاتها و هو حماها و هو بالضرورة واحد، تحارب له و باسمه من أجل قبيلته التي اختارها بالنسب لنفسه، و إن كان ذلك لا ينفي وجود أرباب أخرى لقبائل أخرى لكنها لا ترقى لرب قبيلتي بل هي آلهة غير حقيقية، و كان البدوي موسى النبي اليهودي ينادي رب قبيلته الإسرائيلية في فيافي سيناء: “من مثلك بين الآلهة يارب، الآن علمت أن الرب أعظم من جميع الآلهة / سفر الخروج / الكتاب المقدس” ، فربي ليس مثل ربك، لأن ربي هو الصحيح و الأعظم، و ربك هو الباطل.

ولأن رب القبيلة واحد موحد فإن المبادئ و القيم لديه واحدة بدورها فلا يسمح بوجود أي اختلاف بين رعيته فكلهم نمط عسكري أحادي التكوين و الرؤية و القرار، و من ثم يتحول الصراع الاجتماعي على مواطن الحياة إلى صراع بين أرباب صحيحة و أرباب باطلة، و باسم الصحيح أريقت دماء البشرية أكثر من أي حروب أخرى، و تحت سمع و بصر مختلف الآلهة عانى البشر من الظلم و القهر و الاضطهاد من أجل رضى الإله، فلا يجوز لطائفة من أبناء القبيلة أن تفهم الرب و أوامره بغير السائد المستقر اللا متغير، و من يفعل ذلك مخالفا ما استقرت عليه القبيلة يتم نفيه للصحراء و حيدا حيث يموت وحيدا أو ينضم لمجتمع الصعاليك و الذؤبان المطرودين من حماهم، أو يتم تكفيره منعا لتمزق القبيلة بعد فترة استتابة مناسبة ليعود للحمى المتماسك أو يتم قتله.

ولو نظرنا إلى أبرز طائفتين في دين صحراوي كالإسلام هما الشيعة و السنة، على ما بين كل طائفة من اختلافات أنشأت فرقا أخرى فرعية داخل كل مذهب، تجد أن صراعهم في النهاية لايعود إلى رب واحد ينتمي إليه الفريقان يفترض أنه يوحد أتباعه معا، بقدر ما يعود إلى مستجدات مجتمعية أدت إلى تباعد الأفهام حول الرب الواحد، و هو ما يعني أن الإله الواحد لقريش (الله) الذي صعد ليسود بقية القبائل بعملية التوحيد القسري لجزيرة العرب على يد الجيش الإسلامي، و بعد الفتوحات و دخول العرب لبيئات طبيعية مختلفة عن صحراء الحجاز، قد أصبح بمواصفاته البدوية غير كاف للمتسع الجديد و أصبح معنى ضيقا على المجتمع الجديد الفسيح، و أمسى غامضا غير مكتمل الوضوح مما ألجأ المسلمون إلى الاختلاف حوله فهما و تفسيرا عقليا، و ظهرت المذاهب المختلفة في فهمها و أحكامها التي أسهم المتغير البيئي في تغير أحكامها فكان الشافعي يحكم في مصر بغير ما حكم في العراق، أصبح الحمى مع وجود الأرض الوفيرة بالخيرات و مع الاستقرار العربي في بلاد الحضارات المفتوحة بحاجة إلى تحديد أكثر، و وضوح علاقته بشعبه و قبيلته المختارة، و قد انتهى البدو اليهود إلى إنهم شعب الله المختار، و انتهى العرب إلى إنهم خير أمة أخرجت للناس، و انقسم المسلمون على السيادة سنة و شيعة فجنح كل منهم إلى نصوص تم اختراعها أحيانا كما في الحديث النبوي، ليأخذ الرب الصحيح إلى جانبه. و مع غموض معنى الحمى الأول تصارع الأتباع و انقسموا و حاربوا بعضهم بعضا، حتى كادت صفات الرب المعبود باختلافها و تباعدها تُقسم الرب الأول سلف قريش و حماها إلى آلهة تختلف في صفاتها و ماتطلبه من عبادها و علاقة كل رب بطائفته، فانقسمت السماء استجابة للمتغير الأرضي، و هو نفسه مايكرر تاريخ القبيلة القديم في بواديها عندما كان يكثر عددها و يزيد عن المناسب للمعطى البيئي ، فتنقسم تكرارا للانقسام البدائي عند الأميبا، و هو شأن معلوم سجلته لنا كتب أنساب العرب، و هو الانقسام الذي كان يستتبعه بالضرورة ظهور رب جديد يتخفى في الإله القديم يتسمى باسمه و يلبس زيه لكن ليزيحه ليستوي مكانه باسم مذهب جديد. و يبدأ صراع جديد و انقسام جديد و حروب دينية دموية لا تنتهي.

يليه ………

شخصية مصر ( فرادة الأصول ):

الحوار المتمدن-العدد: 4304 – 2013 / 12 / 13

Posted by المجموعة الليبرالية in 16:09:26 | Permalink | Comments Off

Monday, July 15, 2013

الدليل

خطوطنا الحمراء Sayyid al-Qimni
خيــــر القــــرون ادفنوا موتاكم !
د.سيد القمني شجاعة الحقيقة امام دهاليز الخرافة اعداؤك  يا وطني 2
دافع عن عقلك اعداؤك يا وطني 11
درس في علاقة القائد بجنوده اعداؤك يا وطني 12
دروس من زمن النبوة اعداؤك يا وطني 3
دولة الاستعباد التام أو الموت الزؤام اعداؤك يا وطني 4
دولة الحداثة الفقهية اعداؤك يا وطني 5
ديمقراطية الهلاك اعداؤك يا وطني 6
ديمقراطية… بلقيس اعداؤك يا وطني 7
رساله الي الدكتور سيد القمني اعداؤك يا وطني8
سعد الدين إبراهيم و الاخوان اعداؤك ياوطني 10 
سقف المعرفة غاية مستحيلة اعقروا الجمل
سلسلة فقهاء الظلام اعلان من سيد القمني لكل من يهمه الأمر
سيـد القمني …. هـل هــذا هــو الحـل..؟! الاستبداد الشرقي فقيه نموذجي 
شهادة لى زمن ما قبل التمكين الاستبداد بمساندة السماء
صاحب الزنج ودين الحرية؟! الإخوان الوهابية
صراع بين زمنين الإخوان يتمقرطون
عار علينا أن نكون همج القرن الحادي والعشرين  الإرهاب نظريا وقدسيا 
عروبة مصر عبودية لاحتلال طال أمده أكثر مما ينبغى الإسلام هو الحل
عقلهم.. ونقلنا الإسلام و الحضارة
علماء لا دعاة الإسلام والجراد
على الأزهر أن يصلح شأن نفسه أولا الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية
فأين ذهب الإرهاب؟! الآخرون
فتاوى تغييب العقل وعلماء الضياع الآن أو الطوفان
فصل المقال فيما بين القانون والشريعة من انفصال البحث عن الإصلاح
فعل اعتدال .. علني البنوك الإسلامية… هل هي إسلامية
فقهاء السلطان البنوك الربوية هل هي ربوية؟
فلسفة القيم إبداع إنسانى لا إلهى البيعة ليست هي التصويت
فلسفة الكمال فلسفة ضد الحياة التغيير اللايف أم الخراب العاجل؟
فلما اشتد ساعده ……… رمانى الجهاد ضد المسلمين
فوضى الولاءات الحكومة المدنية الإسلامية
قبل أن تنقرضوا!! الدفوع الشرعية عن المفتي و عطية
قف مع حرية التعبير الدولة المسلمة
قلق مشروع الدولة الوهم
قليل من الفلسفة يصلح العقل و يحفظ الوطن الدين الرسمي والإسلام الأصلي
قمة الـ17 الذئاب يعظون
قيمة الوفاء بالعهد الشك في تأريخنا المقدس هو أول الصواب
قيمنا … و قيمهم العار
كانوا بشراً العزف مع حركة (كتاله) النوبية
كم راهنت على غبائهم؟ الفتوى آلية تقنين بدائية 
كهنة دولة الظلم القمنى كمان وكمان
كهنة دولة الظلم الكذب في  سبيل الله
لا محيص! الكهنوت الاسلامي يسرق الدين
لقد عادوا بنا للعصر الحجري المرأة ليست نصف الذكر
لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟ الملجمون في الأرض
لماذا تخلفنا و لماذا تقدموا؟ الناطـق الرسمـي
ليثال اليفن – سيد القمنى والأختيار الصعب النقض الثاني لصحيفة المعاقل
ما قبل التمكين الواقع يفرض علينا التغيير
ماذا جري لمصر؟ الوطن والمواطنة عند الإسلاميين
ماذا حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين إرهابيونا في الخارج
مبروك لقطر.. واللهم لا شماتة إما أتاتورك أو جودو
متضامنون معك إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين
مدينة قرضاوي الفاضلة إنه التلفزيون
مسيلمة الكذاب بعد التحسينات إنها مصرنا يا كلاب جهنم
مشايخنا يصلحون؟ أبو إسلام وبطانيته يشوهون صورة الإسلام
مصر تمنح جائزة الدولة التقديرية لسيد القمني. أحذروا فتنه المسيخ الدجال!!
معالجة : كيف نفكر؟ … قبل أن نفكر أعداؤك يا وطني (1)
معنى الولاء للوطن أعدؤك ياوطني (9)
مقاومة المقاومة أقدم للوطن شيئاً أعتقد أنه صواب
مكانة الحجاب بين فضائل العرب أنا الشعب !
من الشبه إلى أبى سعدة أوباما تحليل الخطاب وردود الفعل
مــن المحتــال ؟! أولاد الأبالسة
من دفتر على الرصيف أي فخر يا عراق؟
من فهمي هويدي إلى قرضاوي ياوطن احزن بيان هام
من هو سيد القمني؟ تسونامي – يد الله الباطشة؟
مواجهة أمريكا بثقافة ألف ليلة وليلة تعالى إلي يا أخي الحبيب
نحو إصلاح القيم ثقافة القبيلة والكساح الفكري
نظرية أن كل مسلم إرهابي -1/2 ثقافة وامعتصماه!
نظرية أن كل مسلم إرهابي -2/2 جماعة “العلم والإيمان” أما آن لكم أن تستريحوا و تريحوا ؟!
نعم … لقتل سيد القمني جنود الرحمن .. والعلم
نوتة التكفير الجاهزة في مجمع البحوث حد الردة و التجديد في الفقه الإسلامي
هاهم يقفون عرايا حديث غني مع د. سيد القمني
هل الإسلام هو الحل؟ حريـة الفوضى ومعنى المواطنة
هل الإسلام هو سر تخلف المسلمين؟ حزب الظلام (النور سابقاً) و أمور أخرى
هل غير المسلم غير ذي خلق بالضرورة؟ حكاية الخمر في عرس النبي
هل نحن قوم عصريون؟ حكاية والدى مع روزاليوسف
هلوسات صحوة الموت حكومة المتطرفين الخفية
هيئــة علمــاء الإرهــاب حوار  د. القمنى على قناة الجزيرة
واقع و مستقبل الأقليات في الفقه الإخواني حوار مع سامح سامي
ومن دخل بيت (التربيون) فهو آمن خطاب مفتوح إلى مفتى الديار المصرية
يـــا لقـــسوتــك يا وطــــن
Posted by المجموعة الليبرالية in 00:02:09 | Permalink | Comments Off

Tuesday, July 9, 2013

حزب الظلام (النور سابقاً) و أمور أخرى

حزب الظلام(النور سابقاً)  و أمور أخرى

حزب النور الذي يسمي الثورة فتنة و يجرم الثورة بحسبانها خروجاً على الإمام و لم يشارك لا في الثورة الأولى و لا في الثورة الثانية ، و شارك في حصار الدستورية و الإعلام و حالف كل خطوات الإخوان و أعضاؤه يقاتلون الشعب و الجيش إلى جوار الإخوان في رابعة و الحرس الجمهوري، يدهشك موقفه الاعتراضي و الفيتو الذي يقدمه على المرشحين لإدارة المرحلة الانتقالية، و هو الأمر الذي يحتاج توضيحاً لتحديد من له حق الفيتو الآن.

لماذا ثورة 30 يونيو المجيدة؟!

إن ثورة مصر الثانية و نزول 22 مليونا و قعوا استمارة تمرد، و نزول 11 مليونا آخرين لم يتح لهم التوقيع ، حسب أدنى التقديرات ، حدثت لأن حكم الإخوان لم يحقق مبادئ الثورة و كفى، إنما سعى إلى هدم الدولة (ارجع لموضوعاتنا المنشورة هنا) و إلى بيع الوطن و تراب الوطن، و أدى إلى سفك المزيد من الدماء شباباً و أطفالاً و شيوخاً بيد الإخوان و أتباعهم من الجماعات الإرهابية و ميليشياتهم المسلحة، اعترض الشعب و هو يشاهد الأحداث المتتابعة في الاستيلاء على إدارته و تصفية ثورته و لجنة و ضع الدستور الإرغامي لوضع أنف مصر في الرغام، اعترض الشعب، و هو يرى و طنه يخطف منه بيد جماعات إرهابية، متعاونة من قناة الجزيرة التي تتدلى منها خصية ضامرة اسمها قطر، مع الصهيونية و إدارة أوباما، التي ستنتهي بفضيحة يقدمها شعبنا هدية إلى الشعب الأمريكي المحترم و العظيم، لذلك قامت أعظم ثورة في تاريخ الإنسانية برصد من العالم كله و في مشهد جليل غير مسبوق لا في جلاله و لا جماله و لا في تحضره و سموه.

الشعب و حده صاحب الأمر و النهي

من عزل مبارك هو ثورة شعب مصر، و من عزل مرسي هو ثورة شعب مصر، و من ألغى الدستور العار هو ثورة شعب مصر، و من ثم يكون لهذه الثورة و حدها و ليس غيرها التي عزلت و ألغت، أن تقوم بالتعيين لمن تراه يناسب طموحاتها و أن تضع الدستور، الذي يحقق مطالبها، و إلا ما نزل الشعب إلى ميادين التحرير، الشعب الثائر هو و حده في ميادينه هو صاحب هذه الحقوق، و لأنه لو لم يتم تحقيق رغبه الشعب الثائر فإنه سيظل يثور إلى ما نهاية، لو جاءت إدارة أو تم و ضع دستور على غير رغبة من الشعب أو الإبقاء على الدستور المرفوض و ترقيعه سيظل ثائراً، و المستغرب هو محاولة الالتفاف على الدعوة لتشكيل لجنة مستقلة من فقهاء الدستور الأحرار غير المنتمين إلا للعمل القانوني العادل، فالمعلوم أنه ليس هناك مشكلة أو ندرة في الورق أو الكلام أو الأقلام لوضع الدستور المطلوب، و دون ذلك ستستمر الثورة في موجات متتابعة، و هو ما يؤكد مقولة الإخوان أنفسهم أنه إذا تم عزل مرسي فسيستمر العزل، لكن دون أن يعلنوا السبب، نعم ستستمر موجات الثورة و ما يلازمها من اضطراب شأن الوطن، إن لم يتم تلبية مطالبها في العزل و الإلغاء و الوضع و التعيين و الهدم و الإنشاء، و إلا لماذا نسميها ثورة؟

الثورة تكررت و ستتكرر في موجات كاسحة إن لم يتم أولاً و ضع دستور يخلو من المواد الدينية بالمرة و بالمطلق و يحرم و يجرم العمل بالدين في السياسة، بما يوافق ما انتهى إليه الشعب من تجربته مع الإسلاميين و بما يحقق كافة مطالب شعبنا العبقري، و إن لم يتم و صول رئيس يتفق عليه الثوار و قد اتفقوا، و إن لم يتم إقامة مجلس تشريعي حسب الشروط العالمية، و إن لم تحقق الثورة أهدافها سيظل ثائراً، و ليس مفهوماً أن تحدث كل مرة ثورة فنأتي له بما لا يرضيه و بمن لا يرضيه.

حق الفيتو للشعب و حده

إذن لا صوت يعلو فوق صوت الثورة، و هي و حدها هي صاحبة حق الفيتو على ما يحدث في العملية السياسية، و ستنصرف الملايين إلى أعمالها لبناء الوطن عندما تحقق أهدافها في دستور و رئيس و مجلس يستحقون الوكالة عن شعب الثورة، و إن من يمارس الكذب و التدليس هو إنسان لا يستحي مما يفعل و يفعله في العلن، لذلك يجب ألا نستحي عندما نناقش مواقفهم و أخص بالذكر هنا سلفيي حزب النور الذي لا علاقة له بمسماه بل هو على العكس تماماً، هو حزب الظلام.

السؤال: لماذا يعترض الظلاميون؟!

إن حق الفيتو مكفول لجهة و احدة فقط هي شعب مصر الثائر، لأنه هو من و ضع فيتو على مبارك و مرسي و عزلهما، و لم يكن حزب النور و لا السلفيين ثوريين في أي ساعة من ساعات الثورة المصرية، لذلك يبقى الحق للشعب يأتي بمن يرغب و يعترض على من يرغب، و إن لم تكن ثورته حقيقية ما تمكن من عزل النازي و الفاشي، فإن رأى مواطناً هو الأحق بالقيادة و جب له هذا، هو الآمر الناهي.

الرجل الذى لم يتعظ

الشرعية أصبحت للشعب الثائر و ليست لحزب النور لأنه لم يكن مشاركاً في الفعل الثوري، قد يكون له فقط حق الانتخاب إذاً تجاوزنا و اعتبرنا أعضاءه مواطنين مصريين، لأنهم يعتبرون المواطنة كفراً و تمزيقاً للأمة الإسلامية، و إذا أرادوا أن يحصلوا على حق الفيتو فليفعلوا ما يؤهلهم لذلك، (تمرد) صنعت صندوقاً ديموقراطياً لم تصل إليه بعد أعظم ديموقراطيات العالم، يخلو تماماً من التزوير، فقد تم في العلن و بدون ضغط و بكامل رغبه الموقعين، و اتضح بعدها أن الإسلاميين أقلية كم رأيناهم في الواقع في رابعة و ميدان نهضة مصر، و ثبت أن الإخوان و السلفيين و الجهاديين بعد ثورة 30 يونيو هم أقلية أقل من مسيحيي الوطن بما لا يقارن، ثبت أنهم أقلية الأقلية فليس أمامنا شيء عن استمارات (تجرد) الوهمية، يريدون دوراً في الفيتو فعليهم النزول للشارع و إحضار 22 مليون استمارة مثل تمرد، أو أن يملأون الميادين بثلاثة و ثلاثين مليون سلفي، ساعتها يمكنهم الاعتراض و الرفض و القبول، إن و جود أعضاء حزب الظلام في العملية السياسية إهانة لثورة الشعب، و ليس لكلامه أي قيمة لنقبله أو نرفضه فلو أرادهم الشعب لأتى بهم دون كل هذا الهدير الثوري.

سادتي الثوار الأبرار أوقفوا المهزلة و لا تهادنوا و لا ترتكبوا المواءمات السياسية حتى لا يسرقوا ثورتكم مرة أخرى.

صندوق 306306

شخصي المتواضع يعيش من دخله المتواضع مما يكتبه و من معاشه، و قد أعلنت رغبتي في المساهمة بالصندوق بمعاشي مدى الحياة، و طلبت حضور من يهمه الأمر لبيتي لاستلام كارت الفيزا و الرقم السري و وثيقة التنازل، و أكرر هنا طلبي الملح بهذه المشاركة، رقم تليفوني معلوم لديكم و لدى إدارة البوابة نيوز .

أقترح على من يهمه الأمر بشأن صندوق 306306 أن يتم تخصيص جزء من هذه الأموال لدعم الحريات الديمقراطية، فيصرف الشعب من جيبه على عمليات التصويت الإلكتروني، فصوتي هو حقي و لا أريد أن يسرقه شخص أو فريق، و يتم تمويل العمليات الانتخابية من جيب المواطنين .

 كان الإسلاميون يتبرعون لحماس و كان نسوانهم يخلعون مصاغهم و يتبرعون به، فهل تبرعوا لصندوق دعم مصر؟

هل تبرعت النقابات الإسلامية لصندوق دعم مصر؟

هل تبرع أحد من أثريائهم لصندوق دعم مصر؟

 

Posted by المجموعة الليبرالية in 15:28:43 | Permalink | Comments Off

Monday, July 8, 2013

قلق مشروع

قلق مشروع

قلق مشروع لاشك أن الشعب هو البطل الحقيقي لكن تمردهي بطل المقدمة فلماذا كان ممثلها يجلس في مؤخرة مشهد البيان ولماذا لم يلق كلمة كالآخرين ؟

كيف جاز للبابا أن يعطي تفسيرا للون الأحمر في العلم أنه زمز دماء شهداء الشرطة ؟ وماذا عن أطهر دماء ولاد مصر الأطهار من 25 يناير حتى اليوم ؟

ماذا عن الدستور ولماذا ليس أولا ؟ هل سنعود إلى نفس الدائرة المقيتة مرة أخرى ؟

أجيبونا يا أهل السياسة وأصحاب القرار يرحمكم الله ولا تفسدوا علينا فرحنا الذي بدأ توا

الحوار المتمدن-العدد: 4143 – 2013 / 7 / 4

Posted by المجموعة الليبرالية in 00:54:17 | Permalink | Comments Off

Monday, July 1, 2013

من دفتر على الرصيف

 من دفتر على الرصيف

كتابات في دفتر يوميات صغير على رصيف البيت ، في الشارع الطويل المزدحم بالناس و بالدموع و بالأشواق ، و المتقاطع مع كل ميادين التحرير ، في بؤرة الكون تماما حيث انبعثت عنقاء الفينيق و ولدت الكواكب و النجوم و السماوات، من حيث عاد ضياء الماضي السحيق يشع على العالم أرضا و سماء ، من مصر أم الأرض و صانعة الحضارات و الضمير و مهد الإنسانية و معراج السماء .

 

الأحد الثلاثين من يونيو 2013 الساعة الثاثة عصراً

بناتي في التحرير و أنا عاجز أجلس بين علمين أمام بيتي و دموعي السعيدة ببني وطني تطهرني من خطية القعود ، يابناتي و يا أولادي في كل ميادين و شوارع مصر ، أقبل الأرض تحت نعالكم ، و أعفر جبهتي بترابها لأتبارك بها ، المجد لك ياشعب ، إن الحكم إلا للشعب ، إن العزة لمصر و السيادة لبنيها و ليس لغيرهم في أي أرض أو أي سماء .

أعيد هنا كتابة الإهداء الذي صدرت به كتابي (النبي موسى الصادر عام 2000) في نبؤة و أمل يصنعه أولادي اليوم صبية و صبايا ، خرجوا على الدنيا كفلق الصبح و إشراق شموس الكون في جلاء و بهاء و جلال يليق بأحفاد بُناة الأهرام ، لينصت لهم العالم و يرهف الأسماع مُصغيا ليطهر آذانه و ينظف ما علق بقلبه بسيمفونية المجد المصري بإيقاعها القديم الجديد .

يقول الإهداء الحالم بالأمل يصور المشهد المتحقق بعدها بعقد من الزمان :

“على أوتار الحشا بين الجوانح و الضلوع تسكنينني يا حبيبتي ، ذُبت فيك حبا و وجدا فأعطيتك عمري كله مهرا ، و سكبت في أحشائك عُصارة عقلي كلمات ، أستزرعها في رحمك أجنة ، لتلدي للدنيا ابن العهد الآتي ، و قربت إليك نفسي أُضحية يا معشوقتي ، يا أم الدنيا حقا و صدقا. فلك يا مصر السلام و عليك السلام .. يوم تتفتح أزاهيرك مواليدا .. صبايا يعرفن كيف يتكلمن لغة الحرية ، و صبية يصوغون مُعجم مفردات النهار .. و يهزون معا جذوع المسلات لتساقط على صفحة الزمان علما و عدلا و حضارة و مدنية”

…. لم أكن أحلم إذن ياوطن و لم أكُن أتوهم و لم أكن أرجم بالغيب ؟ ! ….. يابناتي و يا أولادي في كل الشوارع و الميادين ، هزوا جذوع المسلات معا ، زلزلوا الأرض تحت أقدام الطغاة ، أطردوا الاحتلال المقيت و الفكر المريض و الغزو الذي آن أوان طرده الأبدي من البلاد و من العقول و من و ادينا الخصيب ، ليعود إلى فيافيه و بواديه حيث عاد أسلافه الهكسوس أعداء النور و السلام ، و املأوا الدنيا علينا بهجة و لا تبأسوا و لا تحزنوا على دم الشهداء فهم قرباننا للمستقبل ، فبدون دم و سفك دم لا تحصل مغفرة على حد قول مقدسنا الشرقى ، الذي يشرح درس التاريخ في إيجاز قاسي القرار ، أليم في ضريبته .. بهيج في بُشراه و قيامته خلوداً أبديا . زغردي يا مصر و اخلعي طرحتك السوداء و حجابك الذي حجبك عن مجدك ردحا من الزمان ، و القي عنك نقابك و خمارك ، و دعي شعرك للريح يخفق و يرف بالجمال ، لتشاهدك الدنيا كما كنت دوما الجميلة بين البلدان ، و أخرجي من بطنك حبا يرعاهم و مجدا يشرف تاريخنا ، و يلطخ و جه أبناء الأفاعي بالعار و الشنار ، و يجلل أبناء جيلي العجائز بالعز و بالفخار ، بجيل حلموا به و تحقق الحلم و هم بعد أحياء فشكرا يا شعب و شكرا يا و طن .

الإثنين الأول من يوليو 2013 الساعة التاسعة مساء في نفس المكان

شد الشعب الحبل الواصل ما بين القلوب و الحناجر إلى الثكنات ، معطيا الأمر لجيوشة بالتحرك لبدء الزحف لطرد المحتل الغاصب من الوطن ، فخرج الحب من بطن مصر الولادة و أعلن الجيش أن مصر أزلية أبدية القدم و الدوام ، و خرجت أفراسه على أجنحة العنقاء ترف في سماء الوطن تعلن أن بيضة مصر طاهرة لم يدخلها دنس و لا نجس و لا رجس ، ليعلن أنه راعي الحب الوطني المقدس فوق أي مقدس بعد القساوة أزمان و أزمان ، و أنه جيش مصر النيل و ليس جيش البدو الغزاة ، و أن قادته هم أبناء الملك المظفر مينا موحد البلاد ، و أن فيالقة هي امتداد لفيالق تحتمس الثالث جلت ذكراه ، و أن جنوده مازال يسري فيهم دم الرعامسة ملوك الأرض و ملوك الزمان ، سلام مصري عظيم يامصر لجيشك و شرطتك و شعبك و صباياك و شبابك و نسائك و رجالك . لقد أزفت الآزفة على الدهاقنة و السدنة و الكهنة و المسترزقين يالدين و القتلة و مصاصي الدماء ، لقد آن الأوان يابلدي و زفتك آتية لا ريب فيها بعد ليالى طويلة تحنت فيها الأرض بحنة من أطهر الدماء ، .. آن الأوان ياوطن ، آن الأوان.

الثلاثاء الثاني من يوليو المجيد 1952 ـ 2013 من نفس المكان

رُفعت الأقلام و جفت الصحف .

 

الحوار المتمدن-العدد: 4142 – 2013 / 7 / 3

Posted by المجموعة الليبرالية in 01:40:07 | Permalink | Comments Off

Saturday, June 29, 2013

صراع بين زمنين

صراع بين زمنين

عندما نشاهد و نسمع و نتذوق مرارة ارتداد الإخوان و الفرق الإسلامية عن القيم الإنسانية الرفيعة، أو مجرد السلوك القويم، و نستشعر في تلفيقاتهم و دفوعهم انتكاسًا إلى مرحلة ما قبل البشرية ؛ لا بد أن تتم إحالة ذلك للدين الإسلامي نفسه ؛ لأنهم يقولون إنهم ممثلوه الحقيقيون، بما يفسر الموجة الكبيرة من الإلحاد بعد تجربة الناس مع الإسلاميين، الذين يحيلون أقوالهم و أفعالهم المشينة لكرامة أي إنسان إلى مرجعية دينية من الكتاب و السنة المحمدية.

ويكون طبيعيًّا أن يفهم المتابع أن هذه المرجعية تبيح لهم ما يفعلون و يعلنون اليوم و عكسه غدًا، و قول هذا اليوم و قول نقيضه بعد ساعات أو قول يناقضه الفعل أو فعل لا يلتئم بالمرة مع القول، هو مشهد لإنسان تخلى عن السلوك الإنساني المرتقي عن الحيوان بالقيم، فيكون شكله شكل إنسان و فعله فعل حيوان، و عندما يرددون حديثًا منسوبًا للنبي: “إذا بليتم فاستتروا“، فإنهم يعودون للحيوانية مستترين بقناع الإنسانية؛ لأن ستر الجرائم بديلاً عن فضحها، و إنزال العقوبة العلنية على المجرم، هو ردة عن قوانين العدل التي عرفتها الإنسانية منذ فجر الحضارات القديمة التي أنسنت الوحش في الآدمي.

ومثل هؤلاء لا يُتوقع منهم أن يؤسسوا أي لون ممكن من التحضر و الرقي، ناهيك عن إدارة دولة بحجم مصر التي أسست حضارة القيم العليا قبل بدأ تاريخ الإنسانية على كوكبنا. هم يحيلون قيم الأخلاق و بداياتها إلى الزمن النبوي و نبي الإسلام الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، و يخونون هذا المعنى في كل قول و فعل علني أو مستتر و المستتر هو الأنكى و الأمرّ، بينما المعلوم في تاريخ العالم أن القيم الأخلاقية و فجر الضمير كان مهده مصرنا القديمة، و أنها كانت المؤسس لقيام حضارتها العظمى، إضافة إلى كون هذه القيم النبيلة قد تم إرساؤها في مناطق حضارية لم تعرف أيًّا من الديانات الإبراهيمية كما في حضارات الهند و الصين، و هو ما يعني أن القيم الأخلاقية كانت منجزًا بشريًّا بتمامه و كماله، و لا علاقة لها بأي رب أو أي سماء.

وتؤكد شواهد التاريخ أن ظهور الديانات الإبراهيمية منذ اليهودية الأولى كان مأساة أخلاقية تحمل العداء المستطير و الكاره و الحاقد لكل ما أنجزته الحضارة البشرية و أرسته من رفيع القيم، عندما حولت الانتماء الحضاري للوطن إلى انتماء للطائفة الدينية، و سلب الولاء عن الوطن و إحالته إلى السماء و حدها، فكان أن بدأ في تاريخ البشرية انقسام مجتمعات الحضارات على نفسها، و سفك دم المواطن لأخيه المواطن إخلاصًا للطائفة، و عاد ما كان محرمًا تحريمًا عظيمًا في الحضارات القديمة ليطل برأسه من جديد، فيقتل الإنسان أخاه الإنسان و يستعبده و يسبي نساءه و يأكل لحمه حيًّا.

لم يسجل التاريخ مذابح و بحور دم مثلما سجل مع الحروب الدينية للديانات الإبراهيمية، بينما بلد مثل مصر القديمة لم تعرف الاسترقاق، و لم تمر بعصر عبودي، و لم تقتل الأسرى، بل كانت تستجلبهم من بلادهم لتعيد تربيتهم بثقافتها و تعيدهم لبلادهم، ليكونوا سفراء للحضارة، و في كل النصوص و النقوش لا تجد نقشًا و احدًا لامرأة أسيرة، فلم يكن بين أسرى الشعوب المهزومة نساء بالمرة و بالمطلق. و لم يتم انتهاك امرأة لأنها من بلاد أجنبية أو بلاد محاربة؛ لأن قيم المصري القديم كانت قد ارتقت به عن مثل هذا الفعل المشين.

واستثمر دهاقنة الديانات الإبراهيمية ما تحت أيديهم من نصوص مقدسة؛ لسلب أرواح الناس، و استثمار الرب للسيادة عليهم، و تسخيرهم لمزيد من التراكم الثروي و السيادي، فتميزوا عن بقية الناس ليكونوا عبيد أوامرهم بالترغيب و الترهيب في عملية سحق استمرت لأكثر من ثلاثة آلاف عام لكرامة الإنسان و تدمير القيم الكبرى التي أسستها الحضارات القديمة، و رغم ذلك لم يتمكنوا من القضاء على نسمات تلك القيم؛ لأنها قامت على ما يوافق الضمير الحي و على سلطان العقل و ليس سلطان السماء البعيد عن و اقع الناس و مطالبهم و ما يصلح حياتهم، و لأن تلك القيم و ضعت أساسًا لتقدم حلولاً حقيقية لمشاكل الناس في و اقعهم الأرضي دون تأجيل هذا الإصلاح إلى يوم أخير لم يأت أبدًا و لم يصلح في الواقع شيئًا؛ لأن حلوله كانت دومًا مؤجلة لليوم الذي لا يأتي، بقيت لأنها صنعة بشرية صنعها الإنسان بنفسه لنفسه بما يتناسب و متطلبات و اقعه، فكانت حلولاً حقيقية و فاعلة و نافعة أينما طبقت.

فمن و ضعها كانوا بشرًا مثل كل البشر و اجهوا مشاكل فاستخدموا عقولهم لحلها، و ظلت تلك الحلول العملية قائمة جنبًا إلى جنب مع السماوية بإقرار نبي الإسلام: “أنتم أعلم بشؤن دنياكم”، و مع ذلك ظل السدنة يتاجرون بضرورة العودة إلى الحلول الإلهية، مع حرب لم تهدأ على الحلول البشرية التي لم تكن بحاجة لدعوة و لا لحرب كي تستمر فاعلة.

وعندما احتدم الأمر بالبشرية ما بين الطرائق السماوية و اختلافها و تنازعها على سيادة رب من بينها دخلت عصورًا من الآلام و المحن، و عادت البشرية تبحث عن مخرج فاكتشفت المنهج العلمي في التفكير كأفضل المناهج لحل المشاكل بالعقل البشري و حده؛ مما أدى لقيام عصر النهضة الذي لم يقم على أي مما جاءت به الأديان الإبراهيمية، بل عاد إلى المنجز الحضاري القديم عند اليونان و الرومان و القانون المصري (الماعت) و قوانين حامورابي و فلسفة الحكي التعليمي في ملاحم أوزيريس و جلجامش؛ لأنها كانت صاحبة القيم البشرية التي نسجها العقل البشري، بينما في بلادنا يهتف الشيخ محمد حسان بالمسلم: “إذا عارض عقلك إسلامك فضع عقلك تحت جزمتك”.. !!.

هم يعيدون و يزيدون: (إن الحكم إلا لله و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون و الفاسقون)؛ و ذلك لعجز عقلهم عن و ضع القوانين و القيم فيستوردونها “دليفري” من السماء، و أيضًا لآفة و علة خطيرة في بنيانهم، هو اعتقادهم بقصور العقل البشري عن معرفة صالحه، و هو السبب في عدم قدرتهم على فهم المنجز العقلي البشري التاريخي و الحاضر، فيعطونه قفاهم ببساطة إنكارًا لوجوده كما تفعل النعام و الأنعام.

إن العلمانية ليست حدثًا مفاجئًا كما يتصور الكهنوت المسلم، و ليست بدعًا معاصرًا، فهي ليست و ليدة الأمس، إنها منذ ظهر جاليليو و نيوتن و لافوازييه و فرنسيس بيكون، ظهرت في حقبة الأزمة الإنسانية في عصر الظلمات المسيحي، و استمرت في سبيلها رغم تعذيب و حرق و سجن العلماء العظام، ظهرت كفاصل في تاريخ البشرية بحرب ضروس بين زمن المنهج العلمي في التفكير و زمن الفكر الإلهي النصي الثابت المعلب الجاهز، كانت إعلانًا عن صراع بين زمنين، بين المؤمنين بقدرات العقل البشري و بين من يريدون استمرار شل العقل عن العمل رعاية لمصالحهم الأنانية المقيتة و المجرمة في حق الإنسانية، و بعدها أصبح الصراع بين العقل الإنساني و العقل الإلهي حول أحقية أي منهما في إدارة شؤن البشرية.

وأثبت عقل الإنسان و المنهج العلمي في التفكير قدراته الفائقة عل و ضع الحلول المناسبة في المعرفة و في السياسة و في تنظيم المجتمع و في أساليب الحكم و في الحقوق و في الاقتصاد، و ممكناته التي لا تنفذ على صيانة كرامة الإنسان و حريته و حياته و توفير سبل الراحة و الرفاه و السعادة، و تقزم دور الكهنة و سمائهم حتى تلاشى من المشترك الاجتماعي العام، و انكمش داخل دور العبادة، لمن أراد العيش العبودي المريح للعقل و الأروح الكسولة التي تلقي بكسلها على السماء من أجل راحة نفسية موهومة، و كفلها لهم المجتمع الراقي؛ لأنها اختيار حر في حالة تسامح و غفران نادرة المثال في تاريخ الإنسانية، رغم ما عانته الإنسانية ألوف السنين على أيدي دهاقنة المعابد.

الحوار المتمدن-العدد: 4137 – 2013 / 6 / 28

Posted by المجموعة الليبرالية in 23:01:42 | Permalink | Comments Off

Wednesday, June 5, 2013

فصل المقال فيما بين القانون والشريعة من انفصال

فصل المقال فيما بين القانون والشريعة من انفصال

أهدي هذا الموضوع إلى باحث كبير وأستاذ قدير وفارس في ميدانه، وإنسان يتمتع بنبل من لون فريد وتكامل نفسي نادر المثال..

إلى الأستاذ الدكتور كمال مغيث..

يقول فقيه الزمان الأستاذ (يوسف قرضاوي) إن الشريعة شأن و القانون الذي يتم تشريعه بالمجالس النيابية البشرية شأن آخر، و يرفض بوضوح تشريعات المجالس البشرية؛ لأنها وضعية و لا يرى تشريعًا صالحًا سوى ما جاءت به الشريعة الإسلامية، و يشرح ذلك في كتابه (الشريعة: ص 28، 29/ طبعة مكتبة وهبة) بقوله: “إن الاختلافات الأساسية بين الشريعة و القانون هي من عدة وجوه: الوجه الأول أن القانون من صنع البشر أما الشريعة فمن عند الله، و كل من الشريعة و القانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع الشر و يتمثل فيه نقص البشر و عجزهم و ضعف حيلتهم؛ و من ثم كان القانون عرضة للتغيير و التبديل أو ما نسميه التطوير… فالقانون ناقص دائمًا، و لا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن وصفه بالكمال… أما الشريعة فصانعها هو الله… لا تبديل لكلمات الله… إن الله وضع الشريعة الإسلاميه قانونًا ثابتًا كاملاً لتنظيم الأفراد و الجماعات و الدول”.

و هو كلام عليه أكثر من مأخذ و أكثر من ملاحظه.

إن الأستاذ قرضاوي لا شك يعلم أن كلمات الله قد طالها التبديل و النسخ و الرفع و المحو و الإنساء (ما ننسخ من آيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) [106- البقرة]، (وإذا بدلنا آية مكان آية و الله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) [101- النحل]، (يمحو الله ما يشاء و يثبت) [39- الرعد]. و هو ما يعني بداية أن القرآن، الذي هو أبو الشريعة و منبع الدين، قد تغير و تبدل؛ استجابة لمتغيرات الواقع على الأرض زمن الدعوة.

وهو ما يعني أيضًا أن الوحي لم يحاول استكشاف السنوات الـ23 التالية ليضع لها الشريعة الملائمة دفعة واحدة في بداية الدعوة، لتعريف الناس بها جامعة و اضحة؛ حتى ينضبط سلوك الصحابة حسب أوامر الشريعة، فقد تتالت الآيات و تواترت منجمة و مفرقة تنسخ بعضها بعضًا و تمحو بعضها بعضًا، و تبدل بعضها بعضًا، و ترفع بعضها و تنسى بعضها.

و رغم علم الأستاذ الفقيه، الذي لا نشك في علمه و فقهه، فإنه يقول في ذات الكتاب (ص 28، 34): “إن القانون قواعد مؤقتة تضعها الجماعة اليوم و متخلفة عن الجماعة غدًا.. تستوجب التغيير كلما تغيرت الجماعة، لكن الشريعة قواعدها دائمة لا تقبل التغيير و التبديل”. بينما صدق القول هو أن قوانين الشريعه ظلت غير معلومة بوضوح للصحابة و للتابعين بشكل محدد كامل قاطع، بل اتضح أنها لم تكتمل يومًا، بدليل الاستكمال الذي تم في العصر العباسي على يد كوكبة الفقهاء، الذين رتب كل منهم أوراق الشريعة و أحكامها على طريقته، و على خلاف مع بقية زملائه الذين عاصروه أو سبقوه، و على غير انتظام بين المذاهب؛ مما أدى إلى تباعدها و اختلاف الأفهام حولها.

لقد استمر تشكيل الأسس الأولى للشريعة على مدى 23 سنة هي عمر الوحي، و لم تكتمل، و قد بدأ عملية الاستكمال الخلفاء الراشدون بقرارات اتخذها كل منهم حسب تقديره و بضميره الشخصي و بحدود فهمه و حسب ظروفه و ظروف الواقع في زمنه؛ فأوقفوا حدودًا، و أضافوا حدودًا، و ألغوا فروضًا، و حرموا حلالاً، فأوقف عمر تطبيق حد السرقة عام الرمادة، و ألغى فريضة إسلاميه مقررة بالأمر المباشر بالقرآن بإلغائه فريضة “المؤلفة قلوبهم”، و حرم متعتين كانتا حلالاً هما متعة الحج و متعة النساء.

ولم يأت القرن الرابع الهجري حتى تحولت أحكام الشريعة التي تعد على أصابع اليد الواحدة إلى ألوف الأحكام، و وصلت إلى ما يزيد على ثنتي عشرة ألف مسألة، فكانت ماكينة تشريع لا تتوقف و لا تكتمل، فأصبحت أكبر قانون عرفه العالم. و رغم ذلك ظلت الشريعة الإسلامية غير مكتملة، و استمر سيل الفتاوى ينهمر على رءوس المسلمين، حتى و صل – بحسابات دار الإفتاء المصرية-  إلى ما يزيد عن ألف فتوى يوميًّا زمن غير المأسوف عليه الأستاذ علي جمعة.

وبعد و فاة النبي تسبب عدم اكتمال الشريعة في ذبح الصحابة و التابعين بعضهم بعضًا في مجازر مخزيه لرتبة الإنسانية؛ لأنها لم تحدد تحديدات قاطعة الأخطاء المطلوب تجنبها و العقوبات المطلوب توقيعها؛ فحدثت الفتنة الكبرى و تبعتها الفتن الأكبر. و قد وقعت الأولى الكارثية زمن الخليفه عثمان، الذي أخذ ما شاء من بيت المال ليوزعه على أهله و أقاربه، و زين حريمه و جواريه بالدر و الجوهر و الذهب المنهوب من البلاد المفتوحة، و كما يفعل اليوم الرئيس محمد مرسي، وزع عثمان المناصب السيادية على أهله و عشيرته من بني أمية؛ لأنه لم يجد نصًّا يحرم ذلك أو يجرمه و يعاقب عليه، ففعله و هو موقن أنه لا يأتي معصيه و لا يرتكب إثمًا، فقتله الصحابة و أبناء الصحابة و هو على سجادته يصلي ببيته و يقرأ القرآن؛ لأنه لم يعطهم مثلما أعطى أهله و ليس لأي سبب ديني؛ لأنه لو أدخلنا الدين سببًا، و لو أخذنا بقول أم المؤمنين عائشه “اقتلوا نعثلاً فقد كفر” لتمت إدانة الخليفة و الصحابة معًا.

وكان الأغرب في ذلك الحدث الرهيب أن الذين قتلوا الخليفة لم توقع عليهم أية عقوبة؛ لا لسبب سوى أنهم كانوا صحابة و أبناء صحابة. و ظهرت بعدها مسألة تحاول الإجابه على السؤال: هل يعد الخروج على الحاكم (الإمام) حلالاً أم حرامًا، لتنتهي إلى تحريم و تكفير من يخرج على حاكم لم نر منه كفرًا بواحًا. فعبرت الفتنه الكبرى عن و ضع الشريعة القاصر و آليات تنفيذها غير المحكمة، و اختلافها في تطبيق الحدود حسب الرتبة الاجتماعية بين الصحابة، أو بين الرعية، سيد أو عبد، ذكر أو أنثى، فتفاوتت قرارات الخلفاء الراشدين الأربعة، و لو كانت الشريعة كاملة ما ازدحم التاريخ الإسلامي بصراع الفرق الدموي، و صراع الخلفاء و انقلابهم على بعضهم البعض بحجة الكفر و الزيغ عن صحيح الإسلام، و استمر الصراع حتى اليوم دون أن تقدم لنا فرقة و احدة من الفرق ما هو صحيح الإسلام الذي يرضي الجميع لإيقاف عمليات الذبح و الجزارة.

يُفترض في التشريع أن يوجد قبل و قوع الحدث ليكون حاكمًا له و عليه، و ليكون معلومًا للناس، دون اختلاف أو تناقض، بما يؤدي لتحقيق العدل عند التطبيق بينما التشريع الإسلامي كان يأتي تاليًا لوقوع الحدث، فكان النبي و الصحابة على غير معرفة بالشريعة و قوانينها لمجيئها على دفعات تلغي التالية ما قد سلف، و أوامر و نواهٍ تأتي بغتة عند و قوع حدث جديد لتنسخ القديم، و مع طريقة جمع المصحف العثماني، الذي اختلط فيه الناسخ بالمنسوخ دون ضابط أو رابط، و صل التضارب بين أحكام الشريعة إلى حد التضارب التام و الكامل، فلا تعلم هل نحارب و نقطع كل بنان أم نجنح للسلم؟ و هل التوراة و الإنجيل فيهما هدى و نور و فيهما حكم الله، أم هي كتب مُحرفه كفر أهلها فوجب قتالهم؟!

كانت صورة المستقبل في الفترة المكية غير و اضحة؛ فمارس النبي الفعل و رد الفعل حسب متغيرات الواقع، فيأتي التشريع بعد و قوع الحدث، و يقوم المسلم أولاً بالفعل، ثم يذهب ليسأل النبي عن حرامه من حلاله، ليقوم النبي بدوره باستخبار جبريل عن القانون الجديد، و استمر هذا الوضع طوال عهد الدعوة و ما بعده و حتى اليوم؛ لذلك لا ترى المسلم يضع خططًا مستقبلية؛ فعلم المستقبل عند الله، و لا يعرف النظريات الشاملة كما كان موجودًا من قرون عند المصريين و الرافديين، أو كما كان عند أرسطو أفلاطون و سولون و غيرهم. و هو الأمر الذي ظل مؤرقًا للمسلمين حتى اليوم، فيقوم المسلم بالفعل أولاً، ثم يذهب بعده إلى الفقيه ليسأله فيفتي دون أن يكون جبريل مُتاحًا لكل مُفتٍ؛ و من ثم لم يحمل المسلمون أي نظرية مستقبلية سوى فتح بلاد العالم.

كان الصحابة لا يعرفون ما هو المطلوب منهم غدًا، و هل سيكون حسب شرائع الأمس أم حدثت تغييرات؟
الخمر يوم حلال و يوم حرام،
و المتعة يوم حلال و يوم حرام،
و حتى اليوم لدى المسلمين سيل تشريعي لا يتوقف، فكان القرآن مُشرعًا أول، ثم أبو بكر مُشرعًا ثانيًا، ثم عمر مُشرعًا ثالثًا، ثم عثمان مُشرعًا رابعًا، ثم عليّ مُشرعًا خامسًا، بل إن قواد الجيوش كانوا يشرعون حسب الموقف، و حسبما يرى عقلهم، كما كان يفعل خالد بن الوليد إبان فتوحه البلدان.

كان كل مسئول مشروعًا قانونيًّا مستقلاًّ يختلف عن سابقه و عن لاحقه، و هو ما يضع المُنظر الإخواني فقيه الزمان (الأستاذ قرضاوي) موضع الكذوب الأشر فيما قال عن كمال الشريعة مقارنة بقوانين المجالس النيابية القاصرة و الناقصة لتغيرها و تطورها.

الغريب أن يقول قرضاوي قوله القاطع: “ليس هناك فعل لمكلف يمكن القول إنه خارج دائرة الشريعة، فأي عمل يعمله المكلف لا بد أن الشريعه تقول لك هذا حرام و هذا حلال، و هذا فرض أو مستحب أو مكروه.. عندنا فقه اسمه السياسة الشرعية، و فقه العبادات، و فقه الأسرة، و فقه الجرائم و العقوبات، و فقه المواريث، و الفقه الدستوري، و فقه العلاقات الدولية، و فقه الجهاد و السلم و الحرب (حلقتان بعنوان الدين و السياسة على قناة الجزيرة). و هو نفسه من يقول في كتابه (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده/ ص 167): “وآيات الأحكام التشريعية لا تبلغ عشر آيات في القرآن“.

ولو سألنا عن سبب هذا الاتساع الهائل في شريعة جاءت في عشر آيات إلى مئات ألوف الأحكام؟ يجيبنا قائلاً: “هناك قطعيات في الشريعة و النظم و قطعيات في الأخلاق و الآداب، و ما عدا القطعيات من أحكام و أنظمة فإنه لم يترك لعبث الأهواء: بل هناك أصول و قواعد أئمة الإسلام في أصول الفقه و أصول الحديث و أصول التفسير(نفس المصدر).

وهكذا نجد الشريعة لا تزيد عن خمسة أحكام و ردت في عشر آيات بينها متكررات، ثم تم الإضافة إليها مئات ألوف الأحكام و ضعها أئمة الإسلام، و هم بدورهم لم يكونوا على اتصال بجبريل، فتكون الشريعة و الحال كذلك و ضعية بشرية. و يكون القانون البشري هو الأكمل و الأقدر على حل مشاكل الناس و المُعبر عن الصالح العام للمجتمع؛ لأن المجتمع هو من و ضعه لنفسه عن رضا و اقتناع عبر نوابه في تصويت شارك فيه الجميع.

يعلن الإسلاميون أن الغرض من السعي لتطبيق الشريعة هو اللجوء لقانون سماوي أصلح بما لا يقارن من قوانين البشر الوضعية التي يتوافقون عليها في مجالس نيابية؛ لأن و اضعها هو خالق الخلائق و الأدرى بصالح خلقة من أنفسهم، و أن تطبيق الشريعة هو الكفيل بحل مشاكل المجتمع و الدولة، اقتصادية كانت أم علمية أم اجتماعية، و إقرار العدل التام بين الناس؛ مما يشيع الأمن و السلام للمجتمع و يتيح لنا التنمية و التقدم، لنتفوق بعون الخالق على كل الأمم و نسود الدنيا بأستاذيتنا للعالم الجهول، بأسطع الأدلة التاريخية زمن الدعوة، عندما تحول البدائيون الأجلاف الحُفاة الرُعاة إلى سادة على العالم القديم و إقامتهم إمبراطورية الخلافة الإسلامية.

فإذا كان هذا صحيحًا فلماذا سقطت دولة الرب الخلافية سقوطها الفضائحي المروع، و انتهت إلى مجرد تاريخ نموذجي للظلم و الطغيان و التخلف على كل المستويات، لا أعادها الله و لا ردها؟

و إذا كان ادعاؤهم ذلك صحيحًا فسيكون لنا مع تطبيق الشريعة في زماننا أكثر من مشكلة، فأحكام الشريعة كلها عقوبات بدنية، منها: القطع، و السمل، و الجلد، و الذبح، و الرجم، و هتك عرض الإماء و نساء المهزوم، فهل سيسمح لنا عالم الأمم المتحدة و مواثيق جنيف بإقامة ساحات القطع و الجلد و الرجم..؟!، و في حال اتخاذ مجلسنا النيابي المتأسلم لقرارات تشريعية حسب الشريعة الإسلامية؛ فهل سيكون ملزمًا للدول الإسلامية الأخرى باعتباره شرعًا و دينًا و عقيدة؟ و ماذا سيكون الموقف في حال رفضت تلك الدول ما يصل إليه مجلسنا الموقر؟ و هل سيصح في هذه الحال اعتبار قراره تشريعًا إسلاميًّا دون حصوله على شرط الإجماع؟.

مشكلة من نوع آخر ستواجهنا، و سببها هو بنود الدستور المسلوق بليل من أهل ليل هم الجهل و الإعاقة العقلية المنغولية ذاتها، الذين أصروا على الشريعة الإسلامية في المادة الثانية، على مذهب أهل السنة و الجماعة في المادة 219 الشارحة، و لطمأنة أهل الكتاب و ضعوا مادة ثالثة تتيح للمسيحيين و اليهود المصريين الخمسة الباقين بمصر العمل بشرائعهم، و المشكلة هنا أن الدستور الكوميدي أعطى لخمسة مواطنين حق الاحتكام لشرائعهم، و حرم ذات المبدأ على مئات الألوف من الشيعة المصريين بقرار المادة الشارحة بشريعة أهل السنة و الجماعة، و عملاً بمبدأ المساواة الذي أقره الدستور الأهطل تتوقف المادة الشارحة ليصبح من حق كافة الفرق الإسلامية العمل بشرائعهم المختلفة عن بعضها و المتباعدة تباعدًا يصل حد التناقض؛ و من ثم تتعدد الفرق، و تتعدد الشرائع، لنغرق في فوضى تشريعية لا سبب لها سوى الإصرار على التمييز الديني و الطائفي، و هو الإصرار الكفيل بإسقاط أي دستور ليصبح هو و العدم واحدًا.

ناهيك عن كون مراعاة التشريع لكل مذهب و فرقة هي من المستحيلات؛ لذلك لن يكون هناك حل سوى فرض تشريع و احد و تكفير ما سواه، و هو ما حدث بالفعل في المادة الشارحة، مع هجمة شرسة على كل فرق الشيعة، إثناعشرية أو إسماعيلية أو أباضية، و اتهامها بالكفر الصريح، دونما نص قرآني أو حتى حديث نبوي، بل و صل الأمر لمحاولة تفكيك الأزهر و إسقاطه لأنه أشعري المذهب، و هو المذهب الوسطي بين مذاهب أهل السنة و الجماعة المطلوبة، لكنهم لا يبغون و سطية، هم يريدون سنّة و جماعة من لون خاص بلون البداوة و القسوة و الجلافة، ممثلة في الوهابية التيمية الحنبلية دون غيرها، و دون النص عليه في دستورهم الأغبر.

هذا ما كان عن المشاكل المتعلقة بالشكل، أما المشاكل المتعلقة بالموضوع فهي الأخطر و الأفدح؛ لأن تطبيق شرع دين من الأديان أو مذهب من المذاهب شأن لا علاقة له بالدول، إنما هو شرع صالح فقط للقبائل و العشائر البدائية عندما كان لكل قبيلة و فرقة شرعها الخاص، و هو ما يسقط مفهوم المجتمع الجامع و مفهوم الوطن و المواطنة، فلا و جود لمجتمع مع قسمة تمييزية طائفية أو مذهبية أو جنسية؛ و من ثم لا يكون لدينا و طن، إنما هو “السداح المداح” مع الأهل و العشيرة و القبيلة ذات نفس المذهب؛ و من ثم تسقط حدود الوطن، و يمكن التنازل عن حلايب و شلاتين للعشيرة الإخوانية السودانية، و التنازل عن سيناء للعشيرة القاعدية النسيبة، فهكذا.. تشريع يعني أنه لا و طن و لا مجتمع و لا مواطنين يتساوون في حقوق المواطنة و يحكمهم قانون و احد؛ لأنها شريعة تقسم المواطنين قبائل و شيعًا و عشائر بدائية يختلفون دينيًّا و مذهبيًّا و ذكورة و أنوثة، و كل له حقوق تختلف عن الكل و واجبات تختلف عن الكل. إن دستورنا النغل المولود سفاحًا، و مطلب تطبيق الشريعة، يعود بنا إلى زمن ما قبل قيام الدولة المصرية، إلى زمن ما قبل الأسرات الفرعونية، إلى ما قبل طيب الذكر صاحب العزة الملك المظفر (مينا) موحد القطرين.. !

في شريعتنا كافة الدلائل التي تؤكد صلاحيتها للنظام القبلي و حده، و استعصائها على التطبيق في منظومة دولة المؤسسات الحديثة؛ و من ذلك الحديث النبوي في التشريع الجنائي الذي يعود للأصل القبلي اللامجتمعي الذي يقول: “من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُفدي، و إما أن يقتُل” [رواه الجماعة إلا الترمذي]، و هو ما يضع تطبيق القانون و تنفيذ العدالة بيد أهل القتيل، و يخيّرهم بين أن يقتلوا القاتل أو أن يقبلوا فيه فداء الدية!! دون و جود بالمرة لمفهوم الحق العام للمجتمع، و دون محاكم و مرافعات و سجلات و شرطة و شهود و وقائع، و هذا الحق الاجتماعي العام هو أساس أول للعدل في المجتمعات التي توافقت على العيش في دول، أما في المجتمع القبلي فيجوز و ضع حق الحكم و التنفيذ بيد آحاد الأفراد، و هو الحديث المدعوم من حديث آخر يؤكد هذه القبلية و يقول:

“من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، و هذا أضعف الإيمان”. و بالطبع لن يرضى المسلم أن يكون ضعيف الإيمان؛ فيكون هو الشاهد، و هو القاضي، و هو الجلاد، دون اعتبار لمعنى المجتمع أو الدولة.

وإن إشاعة التصور بين بسطاء المسلمين أن تطبيق الشريعة سيعمل بآلية فورية سحرية لتحقيق الأمن و السلام هو إفك ضال و مُضل؛ لأن تاريخ مجتمع الشريعة زمن الخلافة الراشدة لم يضمن الأمن للخلفاء أنفسهم، و لا ضمن عدم الصراع بين المسلمين في مجازر مُخزية في فتن كبرى، لم تتوقف حتى استأصلت آل بيت مؤسسها، و ذُبح فيها الأطفال من أحفاد النبي، و هُتكت فيها أعراض الأجلة من الصحابة و التابعين.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على تاريخ الخلافة الراشدة لتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود في جدوى تطبيق الشريعة، فيروي لنا ابن جرير الطبري في تاريخه: “جاء عمر بن الخطاب إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: رفقة نزلت في ناحية من السوق، خشيت عليهم سُرّاق المدينة، فانطلق بنا نحرسهم”، و هو ما يعني أن مداد الوحي لم يكن قد جف بعد حتى انتشر السُرَّاق في مدينة رسول الله، و أن الشريعة لم تمنع و جودهم، و لم تتمكن من ردعهم عن السطو على الضيوف من تجار، و أنهم كانوا كثرة أوضحها قول عمر: “سُرَّاق المدينة”.

وفي زمن خلافة عثمان بن عفان، و قتما و قع الخلاف بينه و بين أم المؤمنين عائشة، التي كانت تنادي المسلمين تحرضهم على قتل الخليفة: “اقتلوا نعثلاً فقد كفر“، يروي الطبري: “أن عثمان قال في رهط من أهل الكوفة استجاروا ببيت السيدة عائشة: أما يجد مُرّاق العراق و فُسَّاقهم إلا بيت عائشة؟ [ج4، ص 477، انظر أيضًا الإمامة و السياسة، ج 8 ص 66]؛ و هو ما يعني أن تطبيق الشريعة لم يضمن عدم مروق الناس من الإسلام، و لم يمنعهم عن الفسق، و أن هؤلاء المارقين و الفاسقين كانوا معلومي الأمر من الخليفة نفسه، و لم تنههم صلاتهم و لا صيامهم، و لم يردعهم وجود الشريعة، و لا رفقتهم لأم المؤمنين، و لا و جودهم زمن الخلافة الراشدة عن المروق و الفسوق..!

ولتبرير التلكؤ الإخواني في تطبيق الشريعة، استبق الأستاذ قرضاوي الأمر بقوله عن استلام الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز منصب الحلافة: “إن عمر بن عبد العزيز خاف أن يقيم الشريعة مرة و احدة فيترك الناس الإسلام” (كتابه «ملامح المجتمع المسلم» ص 184)، و المهم بشدة في هذا القول أنه لم تمر سنوات حتى كانت الشريعة قد تعطلت و نسيها المسلمون، بل و أصبحوا يجهلونها، حتى أنها إن طُبقت عليهم خرجوا من الإسلام هربًا منها؟! هذا مع و جود الإسلام بعد طازجًا في خلافة مستتبة و إمبراطورية خلافة قوية..!

لكن قرضاوي، مثل أي إخواني، يقول في كتاب قول، ليقول في كتاب آخر عكسه، حسب الظروف و الهدف المطلوب، فيقول في كتابه الشريعة الإسلامية ص 151: “من الحقائق المسلم بها أن الشريعة الإسلامية قد و سعت العالم الإسلامي كله، على تنائي أطرافه، و تعدد أجناسه، و تنوع بيئاته الحضارية، و تجدد مشكلاته الزمنية.. و أنها ظلت القانون المعمول به في بلاد الإسلام حوالي ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، إلى أن جاء الاستعمار الغربي الذي استبدلها بالتشريعات الوضعية”.. !!

فإذا كان ذلك حال العدل و الشريعة زمن الخلافة الراشدة، فتُرى كيف كان الشأن زمن النبوة؟. “روى أبو حاتم و ابن مردويه عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى النبي فقضى بينهما، فقال الذي قُضي عليه: رُدّنا إلى عمر بن الخطاب، فأتيا إليه فقال الرجل: قضى لي رسول الله على هذا فقال رُدنا إلى عمر، فقال عمر: أكذلك؟ قال الثاني: نعم، قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مُشتملاً سيفه فضرب الذي قال رُدنا إلى عمر فقتله، و أدبر الآخر فقال: يا رسول الله قتل عمر صاحبي، فقال (ص): ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن، فأنزل الله: «فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت و يسلموا تسليمًا» [النساء: 65].

لدينا هنا صحابيان صديقان مسلمان مؤمنان، اختلفا في مسألة ما، فذهبا يتقاضيان بمودة عند النبي، و رأى الذي حُكم ضده أنه لم يأخذ حقه، فطلب الاستئناف لدى عمر بن الخطاب، الذي ساءه الاستئناف فقتل الرجل، ذهب يشكو فقتلوه، و ننزعج من شرطة بلادنا عندما يذهب ضعيف الشأن يشكو طالبًا حقه فيلبسوه قضية؟!، و فر الثاني راجعًا للنبي يشكو عمرًا مُلتاعًا على صاحبه، و عقب النبي أنه ما ظن أن عمر يقتل مؤمنًا، لكن لم توقع أي عقوبة على ابن الخطاب؛ و لحل المشكلة جاءت الآيات تؤكد أن على المسلم الرضى بما يقضي به النبي دون مراجعة و لا مناقشة، و هي الآية التي تُستخدم اليوم لتأكيد الاستسلام للقضاء و الحكم بشرع الله، و ألا نجد في أنفسنا حرجًا مما سيقضون به و نسلم تسليمًا!!، هذا بينما النبي نفسه قال في حديثه الصحيح: “إنكم لتختصمون إليّ و إنما أنا بشر مثلكم، و عسى أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو يتركها”، و هو ما يعني أن النبي نفسه قد يخطئ في تطبيق الشرع، و هو القاضي الأول في الإسلام، و العارف بالخبايا باتصاله بخبر السماء عبر جبريل، فما بالنا بإسلاميي اليوم؟!، كان النبي لا يجد حرجًا في الاعتراف بجواز خطأ أحكامه، و أن مسلمًا متمكنًا من اللحن و العرض المرتب لحجته يمكن أن يخدعه ليكسب قضيته؛ و هو مما لا يمكّن النبي من التأكد من عدالة أحكامه، تاركًا للمحكوم له أن يختار حسب ضميره، رغم أن ضميره هذا لم يمنعه من اللحن لكسب قضيته دون عدل؟ فهل يجوز مع هذا كله إطلاق الزعم بضمان الشريعة للعدل و الأمن و السلام؟

ولا زال لنا قول بشأن القانون و الشريعة..

في حال البحث في التاريخ الإسلامي عن أسلوب تطبيق العدل الشرعي زمن النبي و الراشدين، بحسبانه الزمن النموذج لتطبيق الشريعة، نكتشف مفاجآت تند عن الحصر، سنضرب منها هنا مجرد أمثلة سريعة لا تشكل و احدًا بالمائة من مجموع تلك المفاجآت؛ لنضعها أمام من يريدون إقصاء القانون المدني و تبخيسه، بكونه وضعيًّا، و استبداله بالشريعة الإسلامية ضمانًا للعدل، مع تساؤلات سريعة في إشارات تنبيهية، تترتب بالضرورة على نماذج تطبيق العدل الإسلامي في زمنه القدسي.

في رواية حدثت سنة ثمان للهجرة، لا يخلو من ذكرها مصدر إسلامي، سواء كان سيرة أو تاريخًا أو حديثًا، تفصح عن طبيعة الأحكام و طريقة تطبيقها لتحقيق العدل السماوي، تقول الرواية:
“كان مولد إبراهيم عليه السلام -ابن رسول الله من السيدة مارية القبطية- في ذي الحجة سنة ثمان للهجرة…”، و روى الواقدي بإسناده قال: “كان الخصي الذي بعث به المقوقس (اسمه مابور) مع مارية يدخل عليها و يحدثها، فتكلم بعض المنافقين في ذلك، و قالوا: إنه غير مجبوب و إنه يقع عليها. فبعث الرسول علي بن أبي طالب أن يُقرره و ينظر فيم قيل فيه، فإذا كان حقًّا قتله، فطلبه علي فوجده فوق نخلة، فلما رأى عليًّا يؤمه أحس بالشر، فألقى إزاره فإذا هو مجبوب ممسوح”، و هو ما يعني أن عليًّا لو و جد له أعضاء تناسلية سليمة لقتله تنفيذًا للأمر النبوي، لمجرد الظن، و استجابة لشائعة و مكيدة، و دون أربعة شهود عدول عالمين بالشريعة، و دون التيقن من دخول المرود في المكحلة، القتل هنا بالأمر المباشر؛ بسبب شبهة غير مؤكدة. فهل مثل هذه العدالة هو ما يعرضه علينا طُلاب الشريعة اليوم؟.

ولا تجد مسلمًا لا يعلم بقصة إرسال النبي خالد بن الوليد لتحصيل الزكاة من القبيلة المسلمة المعروفة ببني جذيمة، لكن خالدًا و جدها فرصة و نهزة للانتقام من بني جذيمة، الذين سبق و عدوا على عمه، الفاكهة بن المغيرة، زمن الجاهلية فقتلوه، و لما و صل خالد مضاربهم سمع و جيوشه صوت الأذان بمساجدهم، و دخل عليهم و هم يتهيأون لإقامة الفجر، فأمرهم بالاستئسار و ربطهم مكتفين في حبل طويل، و قدمهم إلى الذبح على التتابع، رغم إقرارهم بالزكاة و جمعهم لها لتأديتها، و تمكن بعضهم من الفرار من المجزرة هاربين إلى النبي يخبرونه ما فعل خالد، فغضب النبي غضبًا شديدًا حتى رؤي لوجهه ظلل، و رفع يديه إلى السماء حتى ظهر بياض إبطيه مناديًا ربه: “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”، قالها ثلاثًا.

هذا ما فعله النبي مع كل الغضب بسبب مجزرة خالد في بني جذيمة، نادى ربه ليشهده أنه بريء مما فعل خالد، فلا أمر به و لا علم، و أنه برئ من دمهم!! و لم يصدر بشأن خالد أي عقوبة لقتله هذا العدد من المسلمين ثأرًا لكافر مات في الجاهلية، رغم أن المجزرة قد تمت عن نية مُبيتة و عن سابق إصرار و ترصُد.

الكارثة أن تجد بعض المتفيقهين يحاول تبرئة خالد بقولهم إن بني جذيمة كانوا مرتدين أو إن بعضهم ارتد، فلم يكفهم ما لحق الجذاميين من إبادة جماعية، بل يتم تكفيرهم لتبرئة القائد المُدلل في تاريخنا خالد بن الوليد، و هو الموقف المُخزي الذي يرد عليه تصرف النبي نفسه؛ إذ أمر بدفع الديات لمن بقي من الجذاميين، و ما كان للنبي أن يدفع دية لغير مسلم أو لكافر مقتول بيد مسلم (انظر نموذجًا سنن النسائي 8/ 237)، مرة أخرى ترعبنا فروق الزمن و أساليبه لنسأل هل سيطبقون علينا هكذا عدالة؟.

وخالد هو النموذج للرعب و ارتكاب ما هو جرائم تامة المواصفات ضد الإنسانية، و إشفاقًا على أجدادي و جداتي البعيدين، أحمد الله أن قائد فتوح مصر لم يكن ابن الوليد، و الوليد أبوه الذي عسى في الكفر و التجبر حتى خصص له القرآن آيات تخصه بالغضب الإلهي، و مصيره في الحطمة: «ذَرْنِي و مَنْ خَلَقْتُ و حِيدًا و جَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا»، و “الوحيد” كان لقب الوليد المتجبر في الجاهلية، و من بعده تجبر و ليده خالد في الإسلام على المسلمين و غير المسلمين..

ففي خلافة أبي بكر أرسله الخليفة لجباية الزكاة من بني يربوع، و كانوا من المسلمين الخُلَّص، و كان سيدهم، مالك بن نويرة، قد أصبح صحيح الإسلام و صحابيًّا جليل القدر، و ما أن و صل ابن الوحيد مضاربهم حتى استأسرهم، و أجرى فيهم السيوف، في مذبحة دموية رهيبة، دونما سبب و اضح سوى الهمس الخافت، لكنه الواضح و المتكرر في كتب السير و الأخبار، أن خالدًا قد بلغه مبلغ جمال و فتنة زوجة مالك بن نويرة، و ما كان له من سبيل إليها و هي زوجة مسلم، فتم تكفير القبيلة كلها، و ذبح زوجها مع من ذبحوا؛ لتصح لخالد سبية حرب ينكحها كملك يمين، و تم و ضع رأس الصحابي مالك تحت قِدر طعام يغلي يُعد لخالد بعد إشعاله، ليضاجع بعد عشائه السمين أرملته المكلومة في زوجها و عشيرتها..

وهو مالم يسامحه عليه عمر بن الخطاب أبدًا؛ فذهب يطلب من الخليفة أبي بكر عزله: “اعزله إن في سيفه رهقًا”، و أن يحاكمه، قائلاً لخالد: “يا عدو الله، عدوت على امرئ مسلم فقتلته، ثم نزوت على امرأته، و الله لأرجمنك بأحجارك”، لكن الخليفة لم ينفذ لعمر هذا و لا ذاك، قائلاً: “والله لا أشيم سيفًا سله الله على المشركين”؛ فخالد كان مقاتلاً شجاعًا شرسًا و سيفه مطلب هام و ضروري للجيوش و الفتوحات، و لا توقع عليه العقوبة؛ فهو ليس من عوام المسلمين، فهو من أصول قبلية عريقة و قوية و كثيرة النفر و النفير و ثرية و لها مكانتها، و يُعمل لها ألف حساب. لكن عمرًا ظل على موقفة؛ فكان أول أمر أصدره عند توليه الخلافة هو عزل خالد بن الوليد (انظر نموذجًا تاريخ بن الأثير 7 / 165).

وهو ما يعني أن الشريعة كانت تُطبق أو لا تُطبق،

و أن العدل كان يعمل أو لا يعمل؛

فيصبح ظلما صريحًا، حسب الظروف، و حسب مكانة الجاني و المجني عليه، دون قاعدة و احدة و اضحة تطبق على الجميع، و هو ما يحرص عليه بشدة القانون المدني اليوم، بنصوص دقيقة، و مراحل تقاضٍ و أدلة، و دفوع، تطبق على الجميع بذات القدر و المعيار، فهل يريدنا دُعاة الشريعة التخلي عنه و الخضوع لمزاج ابن أبي قُحافة، أو ابن الوليد، أو ابن العياط، أو ابن بديع؟.

وقبل أن يعزله العادل عمر بن الخطاب، كان خالد قد سجل اسمه في التاريخ كسفاح نموذجي، و جرائمه أكثر من أن تُحصى، منها ضربًا للمثل ما ترويه أحداث سنة 12 هجرية عن و قائع فتوحاته شمالي الجزيرة، ففي واقعة منها حول القبائل المسيحية في الحيرة، أمر خالد بجمع الأسرى و أمر بذبحهم جميعًا، إلا أسرى قبائل كلب، توسط لهم عنده بنو تميم؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، فقتل أسرى و عفى عن أسرى، دونما سبب له علاقة بالعدل و استقامته، إنما بالواسطة و المحسوبية، دونما أي ضابط أو رابط، و هل يكفر هنا من يتساءل: هل كان فعل خالد طبقًا للشريعة؟ و هل من تم استثناؤهم كان لسبب من الشريعة؟ أم كان الاستثناء أو الذبح بالأمر المباشر حسب المزاج و “الروقان” من عدمه؟ و إذا كان ما فعله بقتل الأسرى شريعة، فهل كان يحق لبني تميم إيقاف تطبيق الشريعة على قبائل كلب إعمالاً لحلف يعود لزمن الشرك، و أن يُقر خالد عهود الشرك و يحترمها زمن عقيدة التوحيد؟! أم أن السبب كان غياب قانون و اضح محدد لمعاملة الأسرى؟ و غيابًا كاملاً و تامًّا لمفهوم الدولة و قوانين العدل؟

وهكذا تجد أن مطالعة سريعة لمفهوم العدل و أساليب تطبيقه في الزمن الأزهى للشريعة، تكشف أن فرمانات القتل كانت تصدر في التو و اللحظة بالأمر المباشر، الواجب النفاذ بمجرد النطق به، حسب مكانة الآمر و المأمور، و مزاج الآمر في لحظة إصداره للأمر، و حسب تكوينه النفسي و حشيًّا كان أم سمحًا، و هو ما تزيده توضيحًا حادثة مقتل الخليفة عمر على يد أبي لؤلؤة الفارسي، و كان عبدًا أسيرًا للمغيرة بن شعبة الثقفي، و قبل أن يلفظ روحه “سأل عمر عبد الله بن عباس: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فقال الناس: معاذ الله ما علمنا و لا اطلعنا.. قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام”، و مات بن الخطاب؛ فجُن جنون ابنه عُبيد الله؛ فانطلق يقتل كل من له أصل فارسي، فذبح صديق أبيه (الهرمذان)، الذي قال في عمر قوله الأشهر: “حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر”، و عرج على شريف من الحيرة، هو جُفينة، فذبحه؛ لأنه سمع من عبد الرحمن بن أبي بكر أنه كان يتناجى مع أبي لؤلؤة، و في بيت أبي لؤلؤة و جد ابنته -وكانت بعد طفلة- فشقها بالسيف.

ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة أثار الصحابة جرائم عُبيد الله بن عمر، و طالب المقداد و علي بن أبي طالب بتوقيع القصاص، بينما رفض آخرون، و منهم عمرو بن العاص، الذي أعطى الخليفة عثمان مبرر عدم توقيع القصاص بقوله: “لا يُقتل عمر بالأمس و نقتل ابنه اليوم”، فجعلها عثمان دية و احتملها من ماله الخاص، و قال: أنا و ليه. لكن عليًّا ظل على رأيه في و جوب القصاص، و لما تولى الخلافة بعد مقتل عثمان هرب عبيد الله إلى الشام، و انضم إلى معاوية في حربه لعلي بن أبي طالب، و مات في و قعة صفين.

فهل سيكون حالنا اليوم مع أصحاب الشريعة هو حال “مابور” و “بني جذيمة” و “بني يربوع” و “الهرمذان” و “جفينة” و “طفلة أبي لؤلؤة”؟.. لأن الحاكم في الأمور كان مزاج أولي الأمر، و ليس العدل..!!

 

Posted by المجموعة الليبرالية in 16:26:25 | Permalink | Comments Off

Saturday, April 6, 2013

واقع و مستقبل الأقليات في الفقه الإخواني

واقع و مستقبل الأقليات في الفقه الإخواني

كان هذا عنوان مؤتمر مركز الشرق الأوسط للحريات الذي استمرت فعالياته لثلاثة أيام ، و كنت مشاركا بالمحاضرة تحت العنوان المذكور الذي يحدد للمحاضر موضوع البحث و المحاضرة ، و هو ما و ضع أمامي مشاكل تتعلق بصيغة العنوان ، ففيه عبارات تختلف دلالتها حسب اختلاف الظروف ، كمصطلح الأقلية و ماذا يعني هذا المطلح و ماهي معانيه و دلالاته في ظرف مكاني له خصوصيته هو مصر ، و في ظرف كظرفها الرجراج الحالي ، و بالعنوان إشكالية أخرى لاتقل غموضا تتمثل في التسليم بوجود شيئ اسمه (الفقه الإخواني) ، بينما الإخوان أنفسهم كالزئبق الحربائي لا تسلم محاولة تحديدهم مذهبيا لمعرفة فقههم من التباسات عند الباحث و استنكارات من قبل الإخوان ، بتوزيع للأدوار بينهم ليقول هذا شرقاً و يقول زميله غرباً ، و هو توزيع تراكمي فيه كل المتناقضات نتيجة لتوزيع الأدوار للحسابات السياسية أو لمن سيتوجه الخطاب لتأييف الخطاب حسب المُستقبل و الظرف ، و يلبس كل منهم منهجا و مذهبا يخالف زميله لتظل الأقوال كلها عند الضرورة هي و جهات نظر فردية لاتعبر عن موقف الجماعة . لكنهم إجمالا لو قمنا باستبعاد التكتيكات المراوغة مرحليا و استراتيجيا و اسلوب التقية ، يقفون تحت أشد الرايات تطرفا و راديكالية ، راية الدعوة الدينية الحديثة التي لاتسمي نفسها مذهبا و تقف مع المذاهب في صف و احد خلفي ، إنما دعوة مثلها مثل الدعوة المحمدية ، هي الدعوة الوهابية الامتداد و التطور الطبيعي للقسوة و الجلافة و الإيغال في التصخُر في المودودية و القطبية و التيمية و الحنبلية . و هو ما يأتي جلياً في جملة سريعة خاطفة للأستاذ يوسف قرضاوي  بكتابه الشريعة / مكتبة و هبة / ص 109 ، 110 ، في قوله : “كان أبلغ مذهب عبر عن الشريعة بحق هو المذهب الحنبلي .. و أقوى من قاد هذه الحملة .. ابن تيمية و ابن القيم” .

الفقه الإخواني

يجب إذن للبداية الصحيحة أن نعرف ماهو فقه الإخوان ، لأن قيام جماعة دينية بالاشتغال بالعمل السياسي لا بد ان تضع لنفسها فقهها الذي سيتلائم مع اشتغالها بالسياسة ، فكما ستضع ابوابا للنكاح و الطهارة و النجاسات ، فعليها أيضا أن تضع أبوابا فقهية في نظام الحكم الإسلامي و طرائقه و طرق تولي الحكم في هكذا نظام ، و الشروط الواجب توفرها في الحاكم و القواعد المنظمة للعلاقة الحقوقية بين المواطن و مؤسسات الدولة ، و ان يكون فقها و اضحا في اتجاهه يملك المستحيل ، يملك السند من القرآن و السنة و التاريخ الإسلامي (ما داموا مصرين على أنهم إخوان مسلمين) ، و في الوقت ذاته يملك السند الديمقراطي ، و المستحيل مُستحيل ، لأن الإسلام لايعرف شيئا اسمه الديمقراطية لا مبنى و لا معنى و لا حتى في كناية أو تشبيه ، بل لايعرف شيئا اسمه الدولة و نظام الحكم. و بخصوص الفقه يقول الأستاذ قرضاوي  بالكتاب المذكور و في كتابه الإخوان المسلمون الصادر عن نفس الدار و في حلقة الدين و السياسة الجزء الأول على قناة الجزيرة : أن لديهم “فقه السياسة الشرعية و فقه العبادات و فقه الأسرة و فقه المعاملات المالية و فقه المرافعات و فقه الإجراءات و الدعاوي و البينات و فقه الجرائم و العقوبات و فقه المواريث و الفقه الدستوري”. و هنا يبرز السؤال الضروري :      طالما كل هذه الفروع من الفقه موجودة بالفعل و سماوية المصدر فما حاجة الإخوان و الإسلاميين لدستور و برلمان و صندوق و انتحابات و ديمقراطية؟            أم أننا سننتخبهم لنمكنهم من الكراسي فقط ثم يظهرون لنا كل هذا الفقه الجليل بعد التمكين؟ و كنا نتمنى مع كل ألوان هذا الفقه الإسلامي أن يحمي هذا الفقه الخليفة عثمان من القتل و التمثيل بجثته على يد الصحابة و أبناء الصحابة ، و أن يحمي المجتمع من الفتن الكبرى المتوالية ، و أن يحمي أمن المواطنين بينما الراشدين الأربعة ماتوا قتلى انعدام الأمن ، و في حياتهم لم تكن سياسة و أحكام أحدهم و طريقة توليه الحكم إلا المخالفة التامة للثلاثة الآخرين .

المهم أن مثل هذا الفقه الذي سيهتم بالسياسة في عالم يختلف عن عالم الإسلام الأول بالكلية ، هو كالفرق بين الجالسين على أشجار الغابة اليوم و بين الإنسان الباحث في المختبر ، و هل سيتم تعريف بقية المسلمين في العالم به ، و أيضا بقية دول العالم ليأخذوا بنظامنا و يعملوا به بحسبانه تجربة تطويرية تستند لإعمال الإيمان في السياسة ، و كيف سنلزمهم به ؟ و هل عدم التزام المسلمين به في البلدان الأخرى يسقطه و يُغيب عنه صفة الإجماع المطلوب شرعا؟ أم ترانا سنشن الحروب على من لايعترف بنظامنا الإسلامي من الدول المنعوتة بالإسلامية ، لإعادتهم لحظيرة صحيح الإسلام؟

لم يفعل الإخوان شيئا من الافتراضات السالفة مما يجعل حال الإخوان الحكام هو ذات حال الجماعة ، وضع غير قانوني لجماعة سرية بدون قواعد و لا رقابة ، حتى أصبح قصر الرئاسة مجرد سكن للممثل المقيم للجماعة الغير شرعية. فهل يكون في حياتنا بعد ذلك شيئا شرعيا؟

سيواجه الإخوان مشاكل جمة لو قرروا أن يضعوا فقها ، فماذا سيقولون بشأن لجؤهم للديمقراطية و تركهم للشورى و البيعة ، و هو اللجؤ الذي يتضمن رفضهم الواضح و العلني لطرائق الخلفاء الراشدين ، و تفضيلهم ديمقراطية الغرب الطاغوتي بدليل أخذهم بها و استبعاده و هو الديني و القومي الأصيل ، و ما كان لإخواني أن يفعلها لولا يقينه أن تاريخة الديني ليس صالحاً لكل مكان و زمان ، و أن الزمن تطور و تركه مكانه ثابتا حتى أصبح تاريخا ليس أكثر . و هو ما يعني أيضا أن الدولة الإسلامية منذ نشأتها كانت معيبة ، و منقوصة ، لعدم تطبيقها ما فعله الإخوان ! و أن هناك أربعة عشر قرنا ذهبت هباء لتقصير فقهائنا في معرفة نظرية الإخوان السياسية و الإدارية .

 و عندما يريدون و ضع فقههم فماذا سيقولون بشأن الترشح للانتخابات و الدعاية الانتخابية و الاستفتاءات و الصندوق و التصويت ؟ أليس هذا ضربا بالقداح في معبد الطاغوت (كانوا يسمون الدستور و القانون بالطاغوت قبل عامين فقط و سيأتي تعريفه الدقيق من بعد على لسان الأستاذ قرضاوي )! و ماذا عن الأغلبية و الأقلية مابين القرآن و السياسة ، أتحدى أن يأتيني أحدهم بآية تأتي على ذكر الأكثرية دون ذمها و تبخيسها ، و أن يأتيني بلفظ قرآني يدل على الأقلية غير مصحوب بالتمجيد و الرعاية الربانية ، ببساطة لأن زمن الدعوة كان المسلمون هم الأقلية ، و الإخوان لايقول أحدهم عبارة إلا و فيها (نحن الأغلبية اختارنا الشعب في انتحابات ديمقراطية نزيهة) ، و ماذا عن الدستور و المعارضة و كلها ألفاظ و معان لم ترد لا في قرآن و لا سنة و لا فقه ، و لم يعرفها الإسلام في و اقعه بالمرة ، لأنها قواعد بشرية تطورت عن أصول قديمة في ديمقراطية أثينا و دستور روما و كلاهما كانت بلادا و ثنية ، لقد عرف القرأن الإغريق و أثينا بحديثة عن ذي القرنين تلميذ الفيلسوف أرسطو (الإسكندر بن فيليب) ، و عرف روما و أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون و يومئذ يفرح المؤمنون ، و عرفهم النبي و الصحابة و الراشدون و لم يأخذوا عنهم لا دستورا و لا ديمقراطية ، و فعلها الإخوان و لا زالوا لشديد الدهشة يزعمون أنهم مسلمون! . لا بل أنهم وحدهم المسلمون! أليست تلك بقاصمة الظهر؟

هنا يواجه الإخوان مشكلة في العقيدة لأنهم أضافوا لديننا ما ليس فيه و هي الإضافة التي لاتحتمل سوى أحد حالين : البدعة المكروهة و البدعة الملعونة ، و يواجهون مشكلة مع المسلمين الذين تحول دينهم على يد الإخوان إلى ملهاة فرانكو آراب ، فلم يحدث على مدار تاريخ الخلافة على طولها الزمني ، أن تم فتح باب الترشيح للولاية أو للخلافة.

ثم مشكلة مع الأصول الشرعية للخلافة الإسلامية فهي لا تجوز لغير قرشي ، و الإخوان جميعا ليس بينهم قرشي و احد ، و لا يبقى سوى استيراد قرشي من بلاد الحجاز ، و لدينا أشهرهم اليوم عبد الصمد القرشي المُتوقع أن يملأ حياتنا بالطيب و الفل و الياسمين ، و لكن ذلك يلزمه أولا قيام الخلافة في مصر و الحجاز (السعودية) معا ، و هو ما يعني أن يذهب آل سعود لحال سبيلهم ، مع خلط ميزانية السعودية بميزانية مصر ، فهل سيرضى السعوديون؟ لكل هذا كان آل سعود هم الأكثر دهاء ، فلم يقيموا دولة بالمعنى الحديث للدول ، و عمقوا القبلية المتمايزة و المذهبية المتباعدة ، رغم أن هذا التعدد ثروة حقيقية للجزيرة في حال احتكمت للأحزاب و الديمقراطية ، لذلك لم يقم آل سعود حزبا و لا سمحوا بوجوده لأنه نظام غربي لاسابقة له في الإسلام ، و لم يقيموا خلافة رغم و جود الجغرافيا الإسلامية المقدسة تحت أيديهم لأنهم ليسوا من قبيلة قريش ،ولا يتمتعون بحق الخلافة بقول قاطع من أبي بكر (الخلافة في قريش ما بقى منهم إثنان / صحيح الرواية و السند) ، فأقاموا مملكة استبدادية و اضحة ليس في سلوكها و لا قوانينها و لا سياساتها ما يتعارض مع شرع الله ، بل أن الملك ليس خليفة إنما هو مجرد خادم للحرمين يسهر عليهما ، أما حقوق الإنسان فهي بدعة صليبية و لا يوجد شيئ اسمه حقوق الإنسان ، مايوجد في الشرع هو حقوق الله فقط.

الدستور الإخواني

لو قدمنا حسن الفطن و حسن الظن لافترضنا أن ما و ضعه الإسلاميون في الدستور الإخواني في غيبة علنية للوطن كله ، و فضيحة عالمية من طراز فريد في بدائيته و جهالته و استقوائه و همجيته ، هو بالضبط ما يريدونه من فقه ، و حتى يستقيم هذا الفرض يجب أن يلزم الدستور أو الفقه أوامر الدين و نواهيه فيأمر بكل فضيلة و ينهى عن كل رذيلة ، رغم ذلك نراهم يضاعفون الضرائب على الخمور كسلعة كمالية و يستدينون بالربا و يسالمون أعداء رسول الله الذين كان ينعتهم مرسي قبل الفوز بأحفاد القردة و الخنازير، سلاما مُستخذيا مُخنثا ، و على الجانب الآخر أن يلتزم أوامر الديمقراطية فيضع القواعد التي تضمن للمواطن ممارسة حقه في حرية الرأي و الاعتقاد ، مع نواهي عن الاستبداد و إهانة كرامة الإنسان و هو مالانرى سوى عكسه و نقيضه التام على أرض الواقع ، لأنهم لايبغون ديمقراطية حقا ، إنما هم يلبسون الدولة الدينية القناع و الرداء المطلوب كتصريح مرور مزور فنكون دولة بوجهين ، و جه مدني بمواجهة العالم ، و وجه داخلي ديني متعصب و مستبد.

ان الإخوان منذ نشأة جماعتهم يدخلون على الإسلام ما ليس فيه ، و آخرها إدخاله مداخل سياسية لم ترد لا في قرآن و لا سنة ، كممارستهم لديمقراطية تعود لشعوب و ثنية و هو البدعة الملعونة كما و صفها فقهنا ، و لأن شاغلهم الأول كان الاستيلاء على مفاصل الدولة ليتم التمكين المبين ، فقد كرسوا كل همهم للسيطرة على الأساس لهذه المفاصل بأن يضعوا هُم الدستور بأيديهم و حدهم . لذلك كانت جريمتهم مع المجلس العسكري بتأجيل و ضع الدستور و إحداث خلل دستوري باستفتاء على مواد دستورية ثم بيانات دستورية ثم فوضى دستورية ، في مؤامرة فصيحة و فضيحة لن يغفرها لهم التاريخ أبداً ، في احتيال آثم سمح لتجار الدين بمكاسب سياسية بدلا من محاسبتهم و مصادرة أموالهم و مقارهم غير الشرعية ، و بدلا من و ضع الدستور أولا ليُحرم و يُجرم العمل بالسياسة في الدين ، و يُحرم و يُجرم أي أيديولوجيات تقسم المجتمع بالتمييز و بالصراعات ، لقد أعطى المتآمرون لهؤلاء و بالتحديد دون غيرهم الفرص و النُهز ليضعوا للوطن دستورة ، و تمكن الإخوان و حلفهم الإسلامي من و ضع دستور لمصر ، و من الطبيعي أن يضعوا فيه فقههم .

والمطالع للدستور سيجدة ذا غلاف قانوني حديث ، و بلغة دستورية ، لكنها تتضمن ماهو أكثر من مصيبة و أشنع من كارثة ، فالمعلوم أن مالا ينهى عنه الدستور هو أمر مباح ، و هذه الإباحة تسمح له بالظهور حين يشاء ، فعدم تجريم الدستور للاتجار في البشر يعني أنه بإمكان المجلس التشريعي المقبل تقنين تداول العبيد و نكاح ملك اليمين و تحديد مواقيت و مواضع محددة لتلك التجارة مع عقود بشروط الملكية . مستنداً إلى المادة الثانية بالدستور التي أقرت الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ، و مادتها الشارحة 112 ، و لاشك أن المحكمة الدستورية ستعجز عن التصدي لهكذا تشريع و بذلك تكون إباحة العبودية قد تمت حتى دون تشريعه ، لقد تمت عندما لم يجرمها الدستور، لقد تم تشريع العبودية عند صدور هذا الدستور .

ومثلها عدم و جود مواد تمنع زواج القاصرات و تجرمه ، مما يعني السماح بصدور قوانين تبيح زواج الرضيعة أو الطفلة ، التي عادة ما يكون زواجها عبودية كاملة التمام ، فهي تُباع بمهر كبير لثري عجوز لتقوم على خدمته و خدمة عياله و مُتعته إن أمكن ، و أحيانا تكون مُتعة لذكور الأسرة جميعاً في عبودية دنيئة مقابل المسكن و الطعام ، و ما أكثر إمائنا في فيافي الأرض المقدسة .

تعريف الأقلية في ظرف مصر اليوم

بدخول الجماعات الدينية إلى ساحة العمل السياسي تغيرت الدلالة لتكتسب دلالات خاصة بنا دون بقية العالمين ، فعندما تقول الصناديق أن الإخوان أغلبية تصبح أي جماعة في الشعب أقلية ، فمنطقهم أنه لاتوجد أغلبيتان ، توجد أغلبية و احدة و قد فازت ، إذن كل من لم يشمله هذا الفوز فهو أقلية ، و عليه تكون جماعة الإخوان هي الأغلبية و كل الشعب المصري هو الأقلية .

والمعلوم لدى الكافة أن الحكم العنصري و حده هو من يتولى المناصب و الإدارات و السيادات و يكون منه الخبراء و المستشارين ، و الإخوان يعملون بنصيحة الجد البعيد للسنة في شؤن الحكم ، الطليق أبو سفيان بن حرب بن أُمية لعشيرته من أمويي قريش عندما آلت الخلافة إليهم ممثلة في عثمان بن عفان : (تلقفوها يابني أمية تلقف الكُرة) أي إجعلوها لكم فقط و مرروها بين بعضكم فقط و امنعوها عن الفرق المنافسة ، تداولوها بينكم مرة حزب الإخوان و مرة و لاد أبو إسماعيل و مرة حزب الجهاديين ، و كلكم بنعمة الله في الاستبداد إخوانا.

لذلك ترى حال الإخوان دون خجل و لا حياء كالحزب الوطني بل اشد نكالا ، يخدمون مصالح بعضهم و جماعتهم بغض النظر عن الكفاءة ، و عن مصير الوطن مع إدارة كتلك الإدارة التي لاتعرف شيئا من شؤن الإدارة و لا معنى المواطنة و المساواة في قسمتها بين المواطنين .

ان الشعب المصري الذي يتظاهر اليوم لا يريد رئاسة و لا و زارة ، إنه يتظاهر ضد أخونة الدولة و ليس أسلمتها لأن هؤلاء الثوار مسلمون أيضا مثلهم مثل الإخوان فلا خلاف في الدين ، فيقتلهم الإخوان و هو مايعني أن هذا القتل ليس دفاعا عن الله و لا عن النبي و لا عن الدين إنما هو من أجل بقاء الإخوان في الحكم ، و يؤثرون أن يتعامل معهم الشعب تعامل أفراد الجماعة حسب مبدأ السمع و الطاعة ، و هو ليس بالمبدأ الرديئ إلا إذ استحدم كله من طرف و احد فيكون السمع و الطاعة معا من نصيب فريق دون فريق ، و هو المعنى الذي يقصده الإخوان فيقول الأستاذ قرضاويعن المسلمين في دولة الإسلام في كتابه ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده / و هبة ص 19 ، 20 : (لايترددون لحظة في قبول الحكم .. ليس لهم الخيرة من أمرهم ، و لا يتولون عن الانقياد و الطاعة ، .. شعارهم و مبدؤهم دائما < سمعنا و أطعنا > و هذا بخلاف المنافقين الذين لايرضون الاحتكام إلى غير الله و رسوله و هذا هو الطاغوت < يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت > فهما حكمان لا ثالث لهما إما الله و إما الطاغوت ، فمن أعرض عن هذه النذر كلها .. و رضي أن يحكم في هذه الأمور الخطيرة فلاسفة من الشرق أو الغرب و علماء و حُكماء و مشرعين ، سمهم كما تشاء ، فقد حاد الله فيما شرع و ناصب الله و رسوله العداء .. و من لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الكافرون / 44 / المائدة ، و من لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الظالمون / 45 / المائدة ، و من لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الفاسقون / المائدة / 47) ، و بهذا تكون السيادة في مبدأ السمع و الطاعة لطرف و العبودية لطرف ، لكنه يكون مبدأ حميدا لو و زع بين الطرفين ، طرف عليه السمع للآخر و طرف عليه الطاعة للآخر، فيكون على الحكومة أن تسمع لنا و تستحيب لمطالبنا ، و يكون علينا لها في هذه الحالة الطاعة لما تصدره من قوانين تحمي و تشرع مطالبنا ، و يتحول عن كونه مبدأ للعبودية إلى مبدإ للحريات.(

ان ما يفعله الإخوان بمصر اليوم لايشير إلى إعتبار أنفسهم الفصيل الفائز في الانتخابات لكنه الفائز في آخر إنتخابات ، منطق يطابق بشدة منطق الاستعمار الغازي المحتل المستوطن ، فرغم أن الغزاة يكونون عادة و عبر التاريخ هم أقلية في البلد المفتوح ، فإنهم بسلطانهم و تجبرهم أصبحوا من يفوز بنصيب الأغلبية من عوائد و مناصب و جاه و سيادة ، و يتحول الشعب كله إلى أقلية فقيرة ذليلة بلا حول و لا قوة .

الإنجليز مثلا استعمروا بلدا كالهند شبه قارة تعدادا بشريا و جغرافيا ، و استعمروا دولا في الشرق الأوسط ضمنها مصر ، مثلهم أيضا القلة البيضاء التي كانت تحكم في جنوب أفريقيا ، كل الإدارات و كل المناصب كانت من نصيب فريق و احد هو عدديا أقلية لكنه من حيث السيادة هو السيد القوي الباطش ، هو الأكثرية ، هو الأغلبية ، هذا هو منطق الاستعمار ، أقلية مُنتصرة تُقصي غيرها ، هو منطق الغلبة الغشوم لامنطق الديمقراطية، هو منطق لايسمع لمطالب الشعب في الحرية و في الأمان و في السكن و في العلاج و في الحياة الكريمة ، لأن المُستعمر يجب أن يتميز بكل نياشين السيادة دون بقية الشعب ، فعدم المساواة هو الذي يجعل الأقلية أغلبية ، و هو ما يميزها عن بقية المجتمع بالثراء المادي و الوجاهة الاجتماعية و السيادة الطبقية ، إن عدم المساواة في ديمقراطيتنا المكسحة هو أُس الفساد و معدن الظلم و سورس الاستبداد ، فالمسيحيون في مصر من حيث العدد هم أكثر من الإخوان بمسافات و رغم ذلك و مع انعدام المساواة هم أقلية ، الإعلام أقلية ، القضاة أقلية ، مدن القناة أقلية ، كلنا أصبحنا أقلية … و بالصندوق ؟! لايسمعون لنا احجاجا بل يضربوننا بقنابل الاستعمار السامة بيد عسكر الاحتلال الوطني . فمقياس الأغلبية و الأقلية العددية يصلح فقط في مجتمعات المساواة في مواطنة كاملة على التساوي بين الجميع في الحقوق و الواجبات و غير منقوصة لسبب من لون أو جنس أو عرق أو دين ، ساعتها يُمكنا الحديث عن أكثرية و أقلية بمنطق سليم . أما ما حدث عندنا فهو سرقة علنية للحكم و سلب مُشهر للسيادة و احتلال صريح للوطن بموجب و ثيقة إعادة الفتح لخيرت الشاطر ، إحتلال قام على الغش و الخداع من أجل السيادة بغض النظر عن تطابق الأساليب مع الدين أو مع الديمقراطية ، فقد استخدموا الديمقراطية كعملية تخليقية لخلق أغلبية مُزيفة ، حولوا بعدها المجتمع عبر مجموعة من القرارات و البيانات و السياسات إلى مجموعة من الجزر التي تزداد بؤسا و المنفصلة و المتعادية فيسهل احتلالها ، و تظل الجزر دوما مُستضعفة فكل منها ستحتاج العون ضد الأخرى ، و الإسلاميون جاهزون . فقديما كانت غنيمة الحرب هي ثوب القتيل و نعله و سيفه و درعه و حصانه أو جمله و ما في جرابه من طعام ، فأصبحت اليوم خطف الوطن بكامله .

التعريف الدقيق للأقلية هو الجماعة الأضعف التي يمكن بسبب ظروفها أن تقع فريسة الاستغلال و الاحتقار و ضياع الحقوق و الاستعباد ، و من يمارس بقوته السيادة على الأضعف هو فاشي عنصري لايقر بالحقوق لغير فصيله و يدهس مبدأي : المساواة و الكفاءة . فالمستعمر لايعبأ بأكثرية المجتمع مهما كانت مطالبها مشروعة ، لأن ذلك ينتقص من نصيبه و من سيادته ، و يجب أن يظل الناس مجموعة أذلاء بحاجة إلى العطف و الشفقة و إلى الحسنة و الصدقة ليتم تفعيل شريعة العطاء صدقة و زكاة . يجب أن يكون صوت الأقلية خفيضا مستعطفا و ليس لهم أن يقدموا مطالب و يُسمح لهم أحيانا بتقديم التماسات ، فكيف لحزب يؤكد دوما أن فرقته هي الفرقة الوحيدة الناجية ، أن يدير جدلا هادئا و مسالما مع المواطنين غير المسلمين ؟ و كيف سيكون عدله و تلك عقيدته ؟ كيف لحزب يجعل المرأة نصف رجل في الدين و في العلم و في و في العقل و في الشهادة و في الميراث و في الدية و أنها ليست أهلا للولاية الكُبرى أن يدير و طنا كمصر قطعت فيه المرأة شوطا ينوء به الرجال ؟ كل هؤلاء أقليات في فقه الإخوان، و من يعلو صوته بالرفض أو بالتصويب يتم تشويهه و طنيا و مجتمعيا و تكفيره دينيا ، مليون خرجوا للاتحادية و شربوا من البحر…. ألا تُكبرون ؟ !.

الإخوان خرجوا على صحيح الملة

أعلن الإخوان إنهم جماعة دعوية تريد تطبيق شرع الله ، فإن لم يطبقه الحاكم فعليهم الوصول إلى الحكم بغض النظر عن الوسائل لتطبيق هذا الشرع ، و قد نجحوا و فعلوها . هنا لدينا مع الإخوان و خطتهم لتطبيق شرع الله عدة مشاكل،أولا لأنه لايصح جعل الإسلام أساسا نقوم بالبناء عليه أو تعليته بأبنية إضافية ، لا يجوز أن يقيم الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أحزابهم الدنيوية السياسية على الإسلام ، لأن ذلك يجعله غير تام و بحاجة إلى الإضافة و التعلية ، ناهيك عن كون الإسلام سيكون جزءاً من كل هو الحزب و رجال الحزب و أفهام رجال الحزب كله على التساوي أو حسب الظرف و الحاجة ، بينما العقيدة الإسلامية ترفض قاطعة بلا لبس أي إضافة لدين الله من البشر ، و ترى أن الإسلام هو الكل و لا يتجزأ و لا يكون جزءاً من كل ، لأنه كامل بذاته مُستغن عن غيره لايشوبه نقص .

وتأكيداً لهذا القرآن نفسه الذي يُلزم المسلم بالاعتقاد الراسخ في الآية القرآنية الخاتمة للقرآن بسورة المائدة ، و هي الأهم قطعاً في الدين كله لكونها كانت ختام الوحي ، و كانت خير ختام إذ يقول الله فيها للمسلمين (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا) ، و هي الآية النصية بصدق ، فهي تطابق التعريف الدقيق لما هو نص ، قاطعة اللفظ و اضحة الدلال لايختلف في فهمها اثنان ، فكلمة (اليوم) تعني اليوم الذي نزلت فيه الآية من حيث الزمن ، و (أكملت) تعني كل ماهو ضد النقصان ، بقرار و لسان إلهي و اضح جلي ، و هو ما لا بد أن يُفهم منه بالضرورة عدم الحاجة إلى تكملة أو زيادة أو إضافة ، و (دينكم) ، تعني أن الله لم يطلب من المسلمين شيئا غير الدين ، و لم يطلب منهم إقامة جماعة و لا حزب و لا حتى دولة ، طلب الدين فقط ، و أنه قد أكمل هذا الدين إلى تمام ختام نهايته بما لايحتاج أي مزيد . و الكلمة (أتممت) تؤكد حصول المسلم على النعمة الكاملة (أتممت عليكم نعمتي) ، تأكيداً لوصول الدين لمتهاه و تمامه النهائي ، بتمام النعمة ألا و هي الإسلام ، و لم يقل بجماعة الإخوان أو السلفيين ، و البلاغة كلها و جمال الإيجاز البليغ في القول (و رضيت لكم الإسلام دينا) ، و هو تعبير لو تعلمون عظيم ، فالعبارة (رضيت لكم) تعني أن الإيمان بهذا الدين و فقط و دون إضافات هو مما يرضي ربنا و يُسعده ، و لم يطلب لهذا الرضى ما هو أكثر من الإيمان بالإسلام، فلا طلب مذهبا و لا طلب جماعة و لا طلب كُرسيا رئاسيا و لا طلب مجلس نواب و لا طلب دولة ، و إعمالا لهذا يكون و جود جماعة الإخوان ليس فقط مخالفا لقانون الدولة المدنية الحديثة و إنما هو يخالف الشريعة الإسلامية بالأساس ، فوجودهم افتئات على الدين و إهانة له و إضافة إليه و وسمه بالنقص و الهوان لدرجة احتياجه لجماعة مثل الإخوان لتسنده و تحميه . هذا ناهيك عن عدم و جود أي سابقة لجماعة الإخوان في التاريخ الإسلامي ، فلم توجد في هذا التاريخ جماعة دينية و صلت للحكم بانتخابات ، و لا يوجد لها أصل من قرآن أو سُنة ، فالراشدين مثلا لم يقيموا مثل تلك الجماعات و لا أمروا بها ، بل المعلوم أن تشكل الفرق و المذاهب كان بداية الاعتداء على الدين بشن كل فريق الحرب على الآخر باسم الدين ، و كلاهما كان من المسلمين بل و من الصحابة . و إذا كان لكل فرقة إمام مؤسس ، فلماذا لانجد جماعة أبي بكر و أين فرقة عُمر و أين مذهب عثمان ؟؟ باختصار : بمن تأسى الإخوان في إنشاء جماعتهم ؟ أسوة بمن أقام السلفيون حزبهم ؟ إن دولة الأمويين كانت نسبة إلى أمية جد معاوية مؤسسها ، و دولة العباسيين نسبة للعباس عم النبي ، و الفاطميين نسبة إلى فاطمة بنت محمد ، لكن لا أمية و لا العباس و لا فاطمة الزهراء هم من أقاموا هذه الدول و لا أمروا بإقامتها ، و رغم ذلك لو جعلنا تلك الدول هي الأسوة ، فليشر لنا الإخوان لمن ينتسبون إذن ؟

والأفدح أن الإخوان ظلوا يرددون آيات (إن الحكم إلا لله) حتى نالوا الحكم ، فإذا كان مبدأهم الأساس أن الحكم لله و حده ، فلماذا يشاركونه الحكم و الرأي و يقيمون مجلس تشريعي رغم علمهم أن الله شرع بالتمام و انتهى الأمر ، إنهم يعتدون على اختصاصات الله .

ويل للذين يعتدون على اختصاصات الله و هم يعلمون .

Posted by المجموعة الليبرالية in 14:27:51 | Permalink | Comments Off

Thursday, March 28, 2013

العزف مع حركة (كتاله) النوبية

العزف مع حركة (كتاله) النوبية

(1)     إبراهيم الأبيض

نشأت طفولتي في مدينة أقرب إلى القرى ، في بيت متدين لأب أزهري التعليم يقرض الأشعار والمدائح في الله وفي الرسول ، وضمن ما ترسب في روحي في هذا السن الطري الطفولي الساذج ، الخوف من اللون الأسود كرمز للشر والعدوان ، ولم تكن الكهرباء قد عرفت طريقها بعد إلى مدينتنا القروية ، وكان مجئ الليل مع الأخيلة التي ترسمها الشموع ومصابيح الكيروسين على الحوائط ، يعني حضور قوى الشر فتظهر العقارب والحيات ويبدأ عواء الذئاب في البر الشرقي البعيد ، في نواح حزين يحمل رائحة الموت ، فنسرع إلى الاغتسال قبل الانكماش تحت الأغطية حتى لاتشمنا الشمامة وتخبر العوا وأبو رجل مسلوخة عن مكاننا لالتهامنا ، و كلها – كما علمنا أهلونا – كائنات سوداء مرعبة و شريرة تظهر ليلا لأنها تخاف بياض النهار .

ومع أول سنوات التلمذة بدأنا نتعلم في حصة الدين معنى الخير و الشر بالألوان الطبيعية ، فالجن أسود و  العفريت أسود و الشيطان أسود ، و عيونهم بلون الدم تقذف بالشرر، و تعلمنا معنى الفضائل ففضيلة التوفير و  عدم الإسراف كانت هامة في البلدان الفقيرة ، و تتمثل في كون القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود ، أما الخير فأبلج أبيض و اضح و الشر أسود غطيس ، و الخير لايصدر إلا عن القلب الأبيض ، أما القلب الأسود فلا يعرف سوى الشر ، و القلب الأبيض هو العفو المتسامح الكريم الذي لا يحمل ضغينة حتى للمسيئ، أما صاحب القلب الأسود فلا ينسى الإساءة و ينحو نحو العنف و الانتقام و يمتلئ بالغل و الكراهية ، و الزوجة الصالحة تبيض و جه زوجها ، و الإبن الفالح يبيض و جه أهله ، و مولانا صاحب الفضيلة سميناً ممتلئاً ذا وجه يضج بياضاً ، ليس لأنه يعيش الرفاة و إنما لرضا الرحمان عن رجاله في الأرض فيجعل وجوههم تشع بياضا هو نور الهداية و الولاية ، و أن السيدة آمنة أم نبينا عندما حملت به خرج منها نور أضاء لها قصور كسرى و قيصر ، و بعد ولادته كان سيدنا النبي يشع نوراً ابيضاً ، و أن الله نورُ أبيض خالص لاتشوبه شائبة من سواد ، و الملائكة خُلقوا من نور أبيض ، و من سيتمكنون من رؤية الله يوم القيامة هم أصحاب الوجوه البيض ” وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ” ، بينما الشر يرتبط حتماً باللون الأسود فالغراب الأسود نذير شؤم و الشيطان يتنكر في صورة قطط و كلاب سوداء ، و هو ما كان كفيلا بترسيخ مفهوم أن الخير و الشر يرتبطان بالخلقة و بالفطرة ، و أن الله هو خالق كليهما و أنه كلفنا بمحاربة الشر و نُصرة الخير ، و أن الخير في الإسلام و عداه شر محض ، إذن فالإسلام أبيض و بقية الأديان سوداء ، و بقرآنه آية الكرسي القادرة على طرد الشياطين السوداء لأن الكرسي هو عرش الله النوراني الأبيض .

كان لمدرستنا بابين ، باب خلفي ضيق من الخشب الردئ لدخول التلاميذ ، و باب أمامي ضخم و سيع هو المدخل للأساتذة مصنوعا من النحاس اللامع المشغول كأنه مزار لولي من الأولياء ، و كان حارسه هو عم داوود البواب و هو عملاق  من النوبة فاحم السواد أجش الصوت ، و عند دق ناقوس الطابور يُغلق باب التلاميذ الخشبي ، فيحاول المتأخرون التسلل من الباب الرسمي ، فيقبض عليهم عم داوود البواب ، بعد أن يصرخ فيهم بصوته المرعب و يكتفهم معطيا أظهرهم لحضرة الناظر الذي يلهب إلياتهم بخيزرانته الرفيعة.

تدرجت في صفوف مدرستي بتفوق حتى أصبحت (ألفا) لفصلي ، و هو لقب عزيز شريف يصبح التلميذ بموجبه نائبا عن المعلم في ضبط الفصل أثناء فرصة مابين الحصص و في حال تأخر المعلم ، و كان معلمنا الأستاذ عبدالستار يحب ترك الفصل عندما تمر(أبلة نعيمة) أو (الميس وردة) و أنوب عنه لأكتب إسم أي زميل لي يتحرك أو يتكلم ريثما يحتسي شايه الساخن في شمس الشتاء ، مع وصلة غزل نعرفها جميعا و لا نجروء على الإفصاح عن اكتشافنا العظيم و لو بالابتسام . و يعود الأستاذ عبدالستار ليتناول مدونتي ليعاقب أصحاب الأسماء المدونة بها ، و بالطبع لم أكن أعلم حينها أن لقب (ألفا) مأخوذ من الحرف الأول بالأبجدية اليونانية بتأثير الجالية اليونانية المهاجرة إلى مصر سعيا وراء الرزق حيث الوفرة و الأمان و التجارة الحرة .

ولسوء حظ عم داود النوبي أن ابنه إبراهيم كان زميلا لي ، يجلس في آخر الصفوف منكسا رأسه لايتحرك و لا يتحدث يستشعر الدونية فأبيه بواب  ، و كان شبيه أبيه أفطس الأنف حالك السواد ، فكان فرصتي للتقدم بالقربان إلى ربي معاونا لقوى الخير بمعاقبة قوى الشر، فكان إبراهيم هو الإسم المستدام على مدونتي العقابية ، و كان أذاه يثلج صدري لأنه يرفع قدري عند ربي الأبيض و نبينا الأبيض ، و بقمعي للشر الأسود ولو بالكذب و الافتراء كنت أستشعر الطهارة و الملائكية ، و لم يحدث أن أنبني ضميري لحظة في ذلك السن الطفولي الابتدائي ، و هو ما فسر لي فيما بعد – و بعد زمان – تركيبة عقل المؤمن المُخلص المُتعصب ، وروحه التي لاترى في فعلها الشرير مع المخالفين إلا كل الخير ، لأنها لم تزل في مرحلة الطفولة الابتدائية على سلم تطور الإنسانية .

بعد اليفوع و تجاوز مرحلتي الطفولة و الصبا إلى البلوغ الرجولي ، انتقلت من مرحلة التلقي الأصم و الطاعة المطلقة العمياء إلى مرحلة طرح السؤال و إعمال العقل و الفهم ، فلم يعد النقل الذي كنا نتلقاه حفظا مقنعا لعقلي و لم يعد يحمل رهبته الأولى ، فبدأت أكسر الطاعات لعدم قناعة عقلي بجدواها ، حتى تحولتُ إلى مشكلة مؤرقة لأبي الأزهري بأسئلتي التي لاتنتهي ، و كان عادة ما ينهيها بالأمر الصارم بالطاعة و عدم السؤال حتى لا أصلى النار الحامية ، و هو ماكان حالي مع أساتذتي الذين لايملون تكرار محفوظاتهم و حكمهم و مواعظهم ، فتبهتهم أسئلتي و تحرجهم أمام زملائي ، و بدأت درجاتي في أعمال السنة تنخفض انتقاما مني ، مما كان يضطرني في امتحان نهاية العام لتغيير خطي نحو القبح و الرداءة ، حتى لا يتعرف عليه الأستاذ المصحح و يصب نقمته علي ورقتي إرضاء لرب الخير و النور الأبيض . و في هذه المرحلة اكتشفت مدي زيف التدين الظاهري و ما التقطته ملاحظتي لكسر الكبار لكل القواعد و الفضائل في الخفاء و أن الله لا يعاقبهم – كما لقنونا و أفهمونا – حتى انه يكاد لايعلم شيئا عنهم ، و اكتشفت أن غزل الأستاذ عبدالستاروابتسامته اللطيفة و كلماته الرقيقة – بجوار ما رأيته و فهمته من بعد – هو عفة و طهارة ، و اكتشفت أيضاً أن الفضيلة لاتتأتى من الطاعات إنما من الداخل الخاص للإنسان ، أما الاكتشاف الأهم فكان أن خضوعي للطاعات لم يكن له أي تأثير في تفوقي من عدمه ، و أن المسألة تتعلق بجهدي و إرادتي الحرة لتحديد أهدافي و كيف أبلغها ، و توقفت عند أداء الامتحانات عن ترديد الآية: “رب اشرح لي صدري و يسر لي أمري و احلُل عقدة من لساني يفقهوا قولي”و التي نصحني أبي بترديدها عند دخول كل لجنة امتحانات.

في هذا الوقت ترك زميلي الطيب (إبراهيم داود) المدرسة ليلتحق بورشة (عم روبي الحداد) ليساعد أسرته، و هو الوقت الذي أدركت فيه فداحة جرمي ليتحول إبراهيم داود إلى عقدة نفسية تطاردني ، لأقوم أنا بمطاردته مابين المنزل و الورشة أطلب منه الصفح و الغفران و هو مندهش ، و تخرجت و سافرت و تزوجت و أنجبت و عُدت و صرتُ كاتباً ، و سكنت القاهرة لكن لأنهض في أنصاف الليالي مسافراً إلى بلدتي أدق باب إبراهيم داود لأقدم له قرابين يستحقها ليصفح و يسامح ، حتى ضاق بي الرجل ذرعاً لأنه نسي الأمر و كاد يشك في قدراتي العقلية . كان ابراهيم بن عم داود البواب أسود اللون لكنه بعكس ماعلمني مأثور الطاعات كان أبيض القلب كريما سمحاً ، بينما كنت أنا الطائع لربه أسود القلب حسب مصطلحات المأثور ، ورحل إبراهيم داود عن الدنيا قبلي تاركا في قلبي شوكة لم تخرج منه حتى اليوم.

ترتبط حكايتي الشخصية السالفة ارتباطا موضوعيا و ثيقا بحال المجتمع في بلادي و تأثير الدين في هذا المجتمع منذ النشأة الطفولية سواء في الأسرة أو في المجتمع الأوسع أو في المدرسة ، و دور النقل و  الطاعات في تشكيل الأرواح و تنميط العقول و تحجيم السؤال و تلجيم العقل بما يشوه الروح و يشيع التعصب الأعمى ، مع الغباء الناتج الطبيعي و الضروري عن الحفظ و الترديد دون فهم و لا سؤال ، و ترتبط تجربتي مع إبراهيم داود بأحداث اليوم ، و ظهور حركة (كتالة / بكسر الكاف) النوبية ، و التي تضم في صفوفها رغم حداثتها ستة آلاف شاب جلداً ، و اختارت لها شعاراً يحمل صورة لمدفعي رشاش متقاطعين ، معلنين أنه الرد المقابل لشعار الإخوان المسلمين السيفين المتقاطعين ، و كالعادة المأثورة لدينا قام المتنطعون من الآكلين على كل الموائد يتهمون أهل النوبة بتشكيل ميليشيلت مسلحة بغرض الانفصال عن الوطن الأم ، عمالة للمخططات الأمريكية و الصهيونية ، مع تكفير ديني يضاف إلى التخوين الوطني …

وهنا تبدأ حكايتنا الثانية .

 

 (2)   الإخوان و أهلنا في النوبة

على قناة دريم استضاف برنامج العاشرة مساء قيادة من قيادات حركة (كتالة / بكسر الكاف) النوبية ، و رد الشاب الأسمر الثلاثيني على السؤال بشديد الوضوح و دون أن يتحرج أو يتلعثم ، و سأسمح لنفسي هنا بتبني هذه القضية مستعينا بما قدمه النوبي عن انفعال و توتر لايخفيان . قال الرجل الصلب مقدما حجته القوية  إنهم حركة مسلحة تم تكوينها للدفاع عن كرامتهم التي لايساومون فيها ، و أن امتهان كرامة المصريين كان هو السبب الرئيسي في قيام ثورة 25 يناير المجيدة ، و إذا كانوا قد تسامحوا في حقوقهم و قدموا لمصر أرضهم التي امتلكوها ألوف السنين عن طيب خاطر لتغرق تحت مياه النيل ، و معها رفاة أجدادهم في مقابرهم التي تركوها ، حتى يتم بناء السد العالي ، و إذا كانوا قد تسامحوا عندما نسيهم أهلهم في الشمال مع الحكومات المتعاقبة ، و ذهبت تضحياتهم هباء و دون ذكر و لا تذكرة بهم كما لو كنوا مجرد أشياء تم نقلها ، كما تم نقل بعض الآثار لحمايتها من الغرق ، و إذا كانوا طوال الزمن الماضي يقبلون بسلام و احترام للوطن رغم معاناتهم و أوجاعهم ، و يكتفون برفع المطالب الحقوقية و شرح المظالم التي لحقت بهم  لكل حكومة ، و لا يأخذون سوى مزيد من الوعود الباطلة و غير المحترمة قياسا على ما قدموه لوطنهم من تضحيات تحمل كل معاني الاحترام ، فإن قيام الإخوان المسلمين  بإهانة الكرامة النوبية ، فهذا وحده يكفيهم لرفع السلاح دفاعا و ذوداً عن كرامتهم ، فليسوا أقل من عرب سيناء الذين رفعوا السلاح فتنبه لهم الجميع و وضعوهم بالحسبان و الاعتبار، و إذا كان شعار الإخوان سييفين متقاطعين بزعم الجهاد في سبيل الله ، فقد رفععوا شعارهم رشاشين متقاطعين للجهاد في سبيل الوطن حقا و ليس زعما.

على الهاتف جاء صوت الخبير الاستراتيجي سيادة اللواء السمين الذي يضج وجهه دما و بياضا و نعمة ، ليكيل التهم لأهل النوبة الممصوصين جوعا الملفوحين بشمس الجنوب ، مع اكتشافة الاستراتيجي الجلل أنهم يعملون على الانفصال عن مصر بدليل استعدادهم للقتال ، و أنه يعرف عن ثقة  أن و راءهم المؤامرة المزمنة في عقول خبرائنا الاستراتيجيين ، و التي يحوكها لمصر العدو الصهيوني و تمولها الإمبريالية العالمية! مع بعض المحفوظات الاستراتيجية التي أصبحت كوميديا رخيصة و هازلة و مُقرفة . و رد الشاب المعجون بطمي النيل الأسمر إنهم يتحدثون على المكشوف ، و لا يقيمون ميليشيات لتدمير الوطن في الخفاء كالإخوان ، هنا كان على السيد اللواء الخبير أن يقدم وثائق عمالتهم للأجنبي ، و أن يوجه خبرته الاستراتيجية نحو قصر الاتحادية ، و نحو مقر الإخوان بالمقطم ، فتبعية قصر الاتحادية للأمريكي واضحة كالشمس ، و سفريات مقر المقطم إلى بلاد العم سام معلنة غير خفية ، و خطاب ساكن الاتحادية لصديقه العظيم بيريز معلوم منشور تعرفه كل الدنيا ، و استخذاء الإخوان أمام إسرائيل مقارنة بهتافاتهم قبل التمكين ضد نظام مبارك ، و ضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية و طرد السفير الإسرائيلي و إلغاء معاهدة السلام دليل واضح كالنهار ، لأنهم لما تمكنوا لاقطعوا و لا طردوا بل عمقوا و تصادقوا و أمنوا إسرائيل لأول مرة تأمينا حقيقيا مع فرعهم الغزاوي الذي انفصل عن دولته الأم ، و يعمل على إنفصال سيناء عن مصر ، فالانفصاليين الحقيقيين هم الإخوان  و العملاء الحقيقيين هم الإخوان ، و ليس أهل النوبة ، لأنهم المصريون الأصلاء منذ فجر التاريخ و هم اخلاف الفراعين العظام دون منافس .

كان سكان النوبة أو (نوبت / مجلب خام الذهب زمن الفراعين ، حتى أسمى المصري القديم معدن الذهب باسم نوبت) هم حراس حدود مصر الجنوبية عبر التاريخ ، بصلاتهم النسيبة و قراباتهم و مشتركهم في العادة و التقليد و العرف و نظام المجتمع مع أفارقة الجنوب ، فكان الباب الجنوبي لمصر يعيش سلاما من لون خاص لم يعرفه الشمال ، و بعد نزعهم من أرضهم لبناء سد أسوان ، ثم نزعهم مرة أخرى لبناء السد العالي ، تم تهجيرهم بعيدا عن نيلهم شريان حياتهم إلى بيوت في الصحراء تهالكت في عدة سنين ، و قدموا الاحتجاجات و المظالم عبثا و دون رجاء و دون أن ينالوا حظوظ الشمال الذي عاد السد العالي عليه بالخير دون الجنوب ، و تم تسمية البحيرة التي غمرت موطن أهل النوبة و تحتها مقابر أسلافهم باسم بحيرة ناصر، ثم غيروا اسمها إلى بحيرة السد العالي ، بينما كان يجب أن يطلق عليها بحيرة النوبة عن جدارة و استحقاق ، و بعدما استثمر الإسلاميون ثورة شباب الغضب و حققوا حلمهم القديم في التمكين ، دخل الإخوان مع أهل النوبة إلى مُنحنى مُنحدر زلق خطر على الوطن كله ، عندما بادءوا أهل النوبة بالتبخيس في كرامتهم بل و في نزع المواطنة المصرية عنهم .

بدون سبب واضح تحدث الرئيس مرسي في أول خطاباته عن أهل النوبة بالتعبير (الجالية النوبية) ، و هو ما أثار ردود فعل غاضبة و مستنكرة عند كل المصريين ، و كان أشدها بالطبع عند سكان النوبه . و تخفيفا لوقع العبارة المارقة قام المبررون يفسرونها بحسبانها زلة لسان غير مقصودة ، أو ما نسميه في علم النفس الفرويدي (الفلتات اللسانية) ، و هي في هذا العلم لا تصدر عن قائلها عبثاُ كما يبدو من المُسمى ، إنما تعود لأسباب وراءها تكمن في لاوعي القائل ، و تكون مستقرة في لاشعوره و تخرج منه عفو الخاطر لتفضح مكنون ضميره المخفي .

كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد لكن يبدو أن أهل النوبة يشكلون مشكلة لحكام مصر الجدد ، و أن الرئيس مرسي عندما اعتبرهم جالية أي أجانب كان يقصد ذلك قصداً ، فقد أتبعة القطب الإخواني (حسين عبدالقادر) ليقدم لنا تقريراً مفاده أن أهل النوبة هم من عنصر البربر الصحراوي ، و هو كلام لا يخرج عن حالة هذيان مُطبق ، فلا علاقة قديما و لا حديثا لأمازيغ الصحراء الكبرى بمصر ، و هو إصرار غريب على خلع النوبيين من المصرية ، و من بعد هذا الهاذي خرج علينا وكيل الحزب الإخواني (عصام العريان) ليشرح للناس أن أهل النوبة بالفعل ليسوا مصريين و لكنهم ليسوا أمازيغ كما ذهب عبدالقادر في نظريته اللهلوبة ، إنما هم بقايا بقيت من الاحتلال الهكسوسي القديم زمن الفراعنة ، و أن هؤلاء من عنصر الهكسوس الأجنبي و أنهم بقوا في الجنوب المصري  بعد طرد الهكسوس من مصر ، و المعلوم أن الغزو الهكسوسي عنصر آسيوي لاعلاقة له بأفريقيا ، قد دخل مصر محتلا عبر بادية سيناء ليُسقط الأسرة الثالثة عشر آخر أسر الدولة المصرية الوسطى و آخر فراعنتها (سوبك حوتب) و يقيم الأسر 14 ، و 15 ، و 16 . و المعنى عند الإخوان أن أهل النوبة على أي وضع غير مصريين فإما أنهم جالية ، أو هم من بربر الصحراء الكبرى ، أو هم بقايا الغزو الهكسوسي ، المهم إقصاؤهم ، و لن نجد غرابه إن اكتشفنا إنهم كائنات فضائية عثر عليها مرسي عندما كان يعمل بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) .

العريان المتخصص في تحليل السوائل البيولوجية من البول و البراز و المخاط و الحيض و النفاس ، ترك تخصصه  ليخوض في علم التاريخ القديم و علم المصريات (الإيجبتولوجي) ، ليُعرفنا و يُعرف علماء المصريات من كل الأجناس مالم يكن معلوما لألوف السنين الماضية في كشف تاريخي مبهر، ليجعل أهل النوبة من بين أبغض الخلق للمصرين ، من الهكسوس على وجه التحديد و اليقين ، مفصحا عن جهالات متراكمة و عن ضمير كريه قميئ بأي معنى نظرت إليه ، و يشير إلى أن صاحبه يعاني من حول منغولي في الوطنية ، و عمى بصر و بصيرة في معرفته بتاريخ وطنه (مع التحفظ لأن الإخوان لا يعترفون بوجود شيئ اسمه الوطن كما سنشرح لاحقا) ، و لكننا أبداً لاننكر عليه معرفته بتاريخ أسلافه الحجازيين (وهو بدوره محل اهتمام و شرح آت) .

العريان لا يعلم أن الهكسوس توقفوا عند مدينة قفط (ومنها قبط لاختلاط الباء بالفاء في اللسان القديم ، و عُرفت مصر لذلك بقفط و  شعبها بالقبط  ، و هناك كانت روائع الصناعة المصرية التي ظلت علما حتى في لغة العرب ، و أسلاف العريان الحجازيين ، الذين كانوا يستوردون ملبسهم الفاخر منها و يسمونه القباطي ، و يعرف حتى اليوم في زي رجال الدين الإسلامي باسم القفطان) ، و لم يتمكن الهكسوس و لا يوم واحد من تجاوز قفط جنوبا حيث تحصن المصريون الخُلص الأنقياء عنصرا و ثقافة و لغة ، و هناك أقام المصريون يجتهدون في الصناعات المدنية و العسكرية ، و في ميناء القصير على البحر الأحمر أقاموا حوضهم الجاف لصناعة سفن الأسطول المصري ،  و عند النوبة قاموا يصنعون العجلات الحربية التي بسببها تمكن الهكسوس من غزو مصر ، ليتفوقوا على صنعة الغازي ، و يصبح للفرعون في عاصمته طيبة ألف عربة حربية ، تتحرك كل مجموعة منها في طريق مرسوم عندما يشد الفرعون من على عرشه في قصره طرف حبل يتصل بناقوس في ثكنات الجنود ، طيبة التي و صفها الرحالة اليونان بذات المائة باب على كل باب مائة عربة ، هي الأقصر الحالية ، و جنوب جنوبها تتموضع الغالية نوبت محل إشعاع الذهب المصري (نوبت) الذي أبهر العالم حتى اليوم و غدا و حتى إنقضاء الزمان . و من هناك شد الفرعون (سقنن رع) حباله ليتحرك الأسطول المصري البحري ميمما نحو الشمال و لتتحرك العربات الحربية في الوادي مصعدة شمالا لتحرير الوطن من الغازي ، ليموت صريع الوغى و يخلفه في القيادة ولده الأكبر كاموس، و يلقى مصير أبيه فيخلفه أخوه (أحمس) الذي قُيض له تحرير الوطن من الغازي الآسيوي فطاردهم حتى شاروهين ببادية الشام ليطهر الوادي و سيناء من (الرجس الآسيوي) كما اسماه المصري القديم ، أما أسطع الشهادات ذكراً فهي الدور العسكري العبقري الذي أداه النوبيون و ذكره لهم حقا غير منكورالفراعنة الثلاث في مدونات لا يمحوها الزمان .

فهل يعرف العريان لماذا هو عريان ؟ لأنه عريان من المعرفة و من المواطنة و من الضمير!

 

(3)     الإخوان و  إعادة فتح مصر

وكيل الحزب الإخواني الفلتان (عصام العريان) ، عندما قدم أطروحته التاريخية في الأصل الهكسوسي لأهلنا في النوبة بغرض سلب المواطنة المصرية عنهم ، إنما كان يعمل وفق منهج بحثي هو ” تكلم الداعرة تلهيك و اللي فيها تجيبه فيك ” ، لأن ما قاله لا علاقة له بعلم و لابتاريخ إنما هو لون من كيد العواهر اللائي يستشعرن النقص في دواخلهن و يعلمون بنقصهن يقينا عن غيرهن فيلقون عارهن على غيرهم ، و يختصون به أشراف الخلق دون أصحاب النقائص لأن الناقص لن يعيبه تعييره بالانتقاص ، فالعريان و جماعته ينتميان لثقافة لا علاقة لها بمصر لأنها ثقافة بدوية و اردة تختلف بالكلية عن ثقافة المزارع و خبراته التاريخية الطويلة مع نهره و زرعه ، لذلك عندما دخل الإسلام مصر قام المصريون بتمصيرة لتكييفه مع ظروفهم و مع بيئتهم و نظمهم ، و هو مالم يُرض الإسلاميين المحدثين ممن تابعوا بن عبد الوهاب الحجازي ، و اعتبروا أن كل المصريين قد خرجوا على صحيح الإسلام و صار الواجب إعادتهم إلى هذا الصحيح ، لذلك أقاموا جماعتهم (الإخوان المسلمين) لتمييز أعضائها عن بقية المجتمع من الإخوان الكافرين ، و عنهم خرج شكري مصطفى و جماعة التكفير و الهجرة ثم عمر عبد الرحمن الجماعة الإسلامية ثم الشوقيين ثم تنظيم الجهاد ..إلى آخرة ، على مختلف التسميات التي تحتكر صحيح الإسلام و تنفيه عن غيرهم من المسلمين المصريين ، و بنظرة سريعة غير مدققة تكتشف بسهولة إجتماعها جميعا عند الإسلام البدوي الصحراوي ، و الوهابي التيمي المودودي القطبي بشكل خاص. ومع هذه الثقافة التي تحمل العداء للمجتمع و تكفره لكي تعطي نفسها حق إعادته للصواب ، و هي الإعادة التي لا تتم إلا بالسيادة عليه و التمكن من مفاصله ، و تحمل كراهية مركزة للتاريخ المصري القديم و التاريخي للمزارع ، بل و تحتقر العمل اليدوي عموما زرعا كان أم صنعا بحسبان الشرف كله إنما يكون تحت شبا الرماح و ظلال السيوف لذلك كان شعارهم السيفين المتقاطعين ، لا منجل فلاح و لا مطرقة عامل لذلك اشد ما كانوا يكرهون الرمز الشيوعي للمنجل و المطرقة. أما الكراهية العميقة و التي تعيب أي مواطن لو كان مواطنا فهو تحقيرهم للمجد المصري القديم و تصويره وثنية مبغوضة و فنونا كافرة و صناعة و حرف يدوية و فنية هي (الإكارة) أي العبودية ، فالأكار هو من يعمل عملا يدويا ، و (يكريه) أي يستخدمه الحر ليقوم له بما يأنف عمله ، و (الأُكري) أو (الأُجري) هو العامل بيديه ، و الحر غير الأُجري هو تحديدا العربي المسلم المقاتل الفاتح الغازي المستوطن و عداه عبيد له ، و لو أسلموا يظلون (موالياً) للسيد الفاتح و مجرد أكارين لديه يدفعون الخراج بدلا عن جزية من لم يسلموا .

العريان و جماعته هم بقايا احتلال حقيقي حدث لمصر مع الفتوح الإسلامية التي حملت لمصر دين كريم لكنها حملت معها أيضاً جاهلية العرب و عادات و تقاليد و نظم الجزيرة البدوية ، فكان احتلالهم مصر هو الأكبر كارثية من أي احتلال سبقه ، و أشد نكراً من احتلال الهكسوس و الفرس و اليونان و الرومان و الفرنسيس و الإنجليز مجتمعين . و العريان يعود بثقافته و ولائه لهذا الغزو الاستيطاني ، الذي أخذ على عاتقه محو الثقافة المصرية و قطع المصريين عن حضارتهم و بتنجيس وتبخيس هذه الحضارة و تدعيرها و توثينها ، بتنجيس الفراعين مقابل موسى و شعبه ،وهم (العبرانيين) أبناء عمومة العريان ويشاركونه  نسبه الأصيل ، مع اعتبار كل إنجازات مصر القديمة عاراً يجب محوه محواً لنسيانه تماماً ، بتحويل الروح المصرية عن الاعتداد بالذات استناداً للأصل الحضاري ، إلى انكسار النفس و انتكاس الذات للشعور بالعار من صناع المجد القدامي ، الذين كانوا من المغرقين لأنهم كانوا من الكافرين برب اليهود و رب الإخوان المسلمين . و أمسى الفرعون رمزاً لكل ما هو شر من تجبر و عتو و كفر و استبداد .

و بسبيل تحقيق هذا الغرض و القضاء على المد الحضاري القديم في الروح المصري ، تقرر تعريب الدواوين حتى لا يتمكن المواطن المصري من الحصول على العمل دون إتقانه لغة الغازي المحتل ، و استكمل الولاة الغلاظ القساة المهمة بقوانين تجريم التحدث بلغة مصر ، و كانت العقوبة بقطع لسان من يتكلمها ،و أبرزهؤلاء الغلاظ العتاة كان (قرة بن شريك) الذي لازال يتواجد بيننا في شارع يحمل اسمه عند ميدان الجيزة حتى اليوم اعترافا بذل المصري أمام الغازي؟!

كان مطلوباً أن يفقد المصري الوعاء الحامل لثقافته و عاداته و تقاليده و تراثه و حضاراته لينقطع عن تاريخه ، و أن يبدا لمصر تاريخ جديد من لحظة دخول الغزو الحجازي إلى حصن نابيلون .

و قبل مرسي و قبل العريان و قبل التمكين ، كتب خيرت الشاطر وثيقته (إعادة فتح مصر)  في منتصف التسعينات من القرن الماضي ، لاستعادة ميراث الفاتحين الحجازيين مرة اخرى ، بالتخطيط للتمكين من السيادة بعد أن تمكنوا من العقل و الروح المصري ، بالتمكن من مفاصل الدولة و هياكلها الإدارية و صولاً بعدها إلى الكرسي الأعظم للوطن .

وقد كان لهم ما أرادوا في فرصة تاريخية ذهبية لا يجود بها الزمان مرتين ، فقفزوا فوق الثورة المجيدة بغزو جديد و بدين جديد لا علاقة له بما عرفه المصري عن الإسلام ، دين أسسه ابن تيمية و جدده بن عبد الوهاب في براري وفيافي وقفار الحجاز، فبما أن الإسلام قد أكد أنتهاء زمن النبوات و أن الإسلام خاتم الديانات ونبيه خاتم النبوات ، لم يعد ممكنا أمام المتنبئين الذين يريدون النبوة من حل سوى الإعلان إن دينهم الجديد هو ذاته الإسلام القديم لكن بعد التجديد و التحسين و التكميل ، ولم يسموا الوهابية مذهبا بل هو دين جديد فأطلقوا عليه (الدعوة الوهابية)  .

إن الجزء الأخير من وثيقة الشاطر (إعادة فتح مصر) يعني بوضوح إعادة فتح مصر بدين جديد هو ما جاء به الوهابيون و اعتنقه الإخوان المسلمون ، بثقافة أكثر إمعاناً في البداوة و أكثر انغراساً في التوحش البدائي ، و لأنهم يربطون الدين الجديد بالدين الإسلامي الكريم ، فإنهم يكونون أصحاب الحق في استعادة ميراث الفاتحين القدامي .

فالمعلوم انه بعد الفتوحات الإسلامية الأولى لبلاد العراق و الشام و مصر زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، جاءته المراسلات من رؤساء الجيوش ، فجاءه كتاب من سعد بن أبي وقاص يسأله أن يسمح لجنوده تقسيم المواطن التي فتحوها مغانم لهم و فيئاً أخذوه بسيوفهم ، و كتاب من أبي  عبيده بن الجراح يخبر الخليفة أن جنوده قد سألوه أن يقسم بينهم المدن و أهلها ، كذلك جاءته الكتب من العراق و الشام تطلب ” أن يقسم الخليفة الأرضين المفتوحة على الصحابة الفاتحين كما كانت تقسم غنيمة العسكر و كما تم في خيبر “. و كان جيش سعد إبن أبي وقاص قد بدا بالفعل عملية التقسيم ، فقسم المنازل و الدور بين رجاله”و أنزل العيالات / القبائل العربية المرافقة / في الدور فأقاموا فيها” بعد أن تركها أهلوها و هربوا فزعاً وذعراً ورعباً و تفرقوا عنها.

و يحكي أبو يوسف في كتابه (الخراج ص 24) و أبو عبيده في  (الأموال / ص 59) قولهما ” و الذي رآه عمر الامتناع عن قسمة الأرضين بين من افتتحها ” ، و قد انتهى الخليفة إلى هذا القرار ” عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك ، توفيقاً من الله كان له فيما صنع ، و فيه كان الخيرة لجميع المسلمين (يقصد العرب) ، و فيما رآه من جمع خراج ذلك و قسمته بين المسلمين لعموم النفع لجماعتهم ، لأن هذا لو لم يكن موقوفاً على الناس (يقصد العرب) من الأعطيات و الأرزاق لم تشجن الثغور ، و لم تقو الجيوش على السير في الجهاد” . و هكذا تم تحويل الأرضين من فيئ يوزع على المحاربين حسب شريعة الجهاد ، إلى فيئ موقوف دخله على العرب كملكية عامة على المشاع لجميع أجيالهم من بعدهم ، و هو ما طبقه عمرو بن العاص في مصر حين رفض تقسيمها على الفاتحين ، و أقر ذات الرأي عثمان بن عفان ، و كذلك الإمام على بن أبي طالب الذي قال : ” إن عمر كان رشيد الأمر و لن أغير شيئاً وضعه عمر ” ، و هو ما استمر قائماً في الزمن الاموي و العباسي و العثماني ، و لم تسترد هذه الشعوب أرضها وو مقدراتها و حدودها إلا مع سقوط الخلافة العثمانية ، و بسبب اتفاقية سايكس بيكون المنعوتة بالمشئومة ؟!!

و هكذا بقى أهالي البلاد المفتوحة أقناناً يعملون على أرضهم و يفلحونها و يسددون الفيئ للحكام ولاة و خلفاء و سلاطين ، حتى لا تبور الزراعات و تتدهور الصناعات في حال توزيعها على الجند الفاتحين بحكمة عمرية معلومة . لكنهم مع أرضهم ظلوا ملكاً للخلافة وقفاً على سلالة الفاتحين ، فنحن وفق هذا الميثاق العمري و بلادنا معنا إنما وقف و ميراث لورثه الفاتحين ، واليوم عاد الإخوان و السلفيون و خيرت و العريان لاستلام ميراثهم الموقوف عليهم باعتبارهم الامتداد لهؤلاء الأوائل بدليل ما بيدهم من وثائق تاريخية ، و دين فاتح جديد ، يزعمون أنه (دعوة) هي امتداد توضيحي للدعوة المحمدية القديمة .  

و لازال لموضوعنا امتداد و توضيح .



(4)       الإخوان هم النسل النقي للهكسوس

كان البدوي العربي الفاتح المسلم لا يعرف معنى الوطن و لا المواطنة ، كان بدوياً متحركاً دوماً وراء البئر و الكلأ ليغزو القبائل الأخرى ، و يأخذ أهلها عبيداً بعد أن يقتل القادرين على القتال منهم ، و يستولى على البئر و الأنعام و النساء و الأطفال غنائم ، ثم يتحرك إلى غيرها ليغيرعليها ، فهو لا يعرف معنى الارتباط بالأرض و الاستقرار عليها و إعمارها ، فالعالم كله قابل للغزو بالجهاد عند القدرة و التمكين ، وطنه الدين المتحرك معه كتحرك الحمي مع القبيلة ، و لأنه الغريب غير المواطن فيشغله ان يلغي المواطنة تماماً و خاصة عن المواطنين الأصلاء ، الممتدين بأصولهم التاريخية في عمق التاريخ المصري القديم ، و هؤلاء الأصلاء الصرحاء في أصولهم المصرية هم الأقباط و النوبيين. هم الإمتداد التاريخي للمصري القديم على أرض الوطن ، بحدوده الجغرافية المعلومة من فجر التاريخ ، بعد أن تم توحيد القطرين على يد الملك المظفر مينا. و حافظ القبطي سراً فى كنائسه على اللغة المصرية القديمة ليستخدمها في الأداء الطقوسي كي لا تندثر ، و لم يحتسبها العرب لغة إنما أداء شعائرياً لا يشغلهم ، حافظ عليها منطوقة و حافظ عليها مكتوبة بالخط اليوناني مما ألحق بها بعض التحريف ، و حافظ على السلم الموسيقي المصري القديم في تراتيله الكنيسية ، التي شكلت بعد ذلك مقامات التجويد القرآني عند أعلام مثل (مصطفى اسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد والبنا والشعشاعي) الذين تم اقصاؤهم بدورهم مع إعادة فتح مصرليحل محلهم الحجازي الحذيفي والضبيعي وكل ناهق في البيداء .

كذلك النوبي حافظ على لغته المصرية القديمة بعد أن لحقها بدورها بعض التحريف ، لكنها لم تكن للأسف مكتوبة ، و من هنا فُقدت الأبجدية المصرية القديمة و بقيت اللغة في محاريب الكنائس و بيوت أهل النوبة وبقيت المقامات الموسيقية في قراء القرآن العظام . هؤلاء و أولئك هم من يشكلون الشاهد الحي على الوطن المصري و حدوده و تاريخه ، و هم الشاهد الحي على هول ما فعل الغازي العربي بمصر ، الذي كان همه الأول هو القضاء على فكرة المواطنة و الوطن ، و تحويل مصر إلى ولاية تابعة للإمبراطورية الإسلامية ، و قضى على تاريخها بهدم ما أمكن هدمه من معمارها و استخدام أحجاره المقلوعة في بناء المساجد و القصور للسادة العرب ، و قضى على الأحجار المنقوشة بالكتابة المصرية القديمة البارزة فكانت أفضل أحجار الرحي للطواحين لحروفها البارزة القادرة على الطحن حتى زوال اللغة المكتوبة . و هكذا أمكن القضاء على الهوية المصرية و الانتماء الوطني ليحول مصر و شعبها إلى إرث للفاتح و نسله من بعده ، لذلك يظل من تمسكوا بمصرهم و مصريتهم هم الأشد مقتاً و كراهة لورثة البدوي الغازي ، الذي لا يعترف بشئ اسمه الوطن أو المواطنة .

منذ أن أمسكت القلم و قررت أن أكون كاتباً و أنا لا أمل التأكيد على أن إسلاميي الهوية و الثقافة ، الذين لا يعترفون بالهوية و الثقافة المصرية ذات الروافد الثلاثة قديمها الفرعوني و أوسطها القبطي ثم حديثها  العربي ، هم غير مصريين ، و ليسوا فصيلاً وطنياً كما يزعم جهلاء الليبراليين الذين اعتبروهم فصيلاً وطنياً ، وحاربوا لهم معاركهم ليدخلوهم لعبة الديمقراطية ، التي لا تقوم إلا في وطن و في دولة وطنية ، لايعترف بها الإخوان قبل أي قول .

  لم تكن كلمة (جالية) في خطاب السيد مرسى الرئيس (مشيراً إلى سكان النوبة) زلة لسان و لا حتى فلتة لسانية ، بدليل ما قرره بعدها العريان ثم حسين عبد القادر. ولم يكن تواري قراء القرآن المصريين مجرد صدفة ، و قبلهم قال مرشدهم السابق محمد مهدي عاكف : طظ في مصر و أبو مصر و اللي في مصر ، و فضل أن يحكمنا ماليزي على مصري غير مسلم ، لأن المصري و خاصة الأصيل في مصريته لا يصح أن يكون سيداً ، و السيد لابد أن يكون مسلماً لأنه بالضرورة سيكون عربياً أو مستعرباً بالذوبان في ثقافة الغازي المحتل المستوطن ، هو لا يعرف معنى المصرية و لا استقلال الوطن و لا الدولة الوطنية ، هو فقط يعرف الميراث الذي تركه له الفاتحون الأوائل والثقافة الطائفية العنصرية ، و بعده قال المرشد الحالي محمد بديع لصحيفة الشروق في 5/5/2011 : ” لا نقبل أن ترتفع أصوات المواطنة و الديمقراطية على صوت الدين و الشريعة ، الديمقراطية و الحرية هي زواج المثليين ، و الوطنية هي زواج المسلمات من مسيحيين ” ،و لا تعرف أين المشكلة في هذا الزواج ما دام كليهما مصري ، هؤلاء عندما هُزمت الدولة المصرية الوطنية أمام البدو العبريين الإسرائليين أبناء عم مرسي و العريان و عبد القادر و عاكف و بديع في 1967 ، رفعوا الشكر لله سجوداً لهزيمة المشروع الوطني المصري أمام بني عمومة العرب ، هم من هللوا و كبروا لهزيمة 1967 المروعة ، من الراحل متولي الشعراوي إلي محمد بديع الذي كتب في واحدة من رسائله الأسبوعية للإخوان : هزيمة مصر في 1956 و 1976 هي انتقام إلهي”.

إنه اعتقاد ليس في رب الإسلام لكن في رب أكثر التصاقا برب التوراة ، رب للبداوة يضرب أرض مصر الوطن منذ بدو موسى و الأسباط بتسليط الضربات العشر كالقمل و الضفادع و الطاعون وهلاك الزروع وتحويل النيل دماً مُنتناً في حالة حقد مرعب على المزارع صانع الحياة … إلخ . لتصبح مصر الوفرة والعلم والفن والرخاء صحراء قفراً كصحرائهم ، رغم كرمها و استضافتها لهم و لكل أنبيائهم أعزة فيها كراماً ، دخلوها بشهادتهم بسلام آمنين ، و يظل رب البداوة ناقماً ليصب غضبه عليها في 1956 و 1976 دون سبب واضح سوى الحقد البدوي الكافرعلى المزارع المنتج المبهج المنجز الذي أخلص لربه بإعمار أرضه ليستحق فيها خلافته .

البدوي لا يملك وطناً لإنه بدوي متحرك لا يستقر ، لذلك استبدل الوطن بمفهوم الحمى (حمى القبيلة) الذي يتحرك معها إينما تحركت ، و هو حمى غيبي يعود للأسلاف و لمعبود القبيلة الذي كانوا يحملونه معهم يجتمعون حوله كمعنى لأنه لاشيئ يجمعهم ، و كانت قبائل بني إسرائيل تحمل ربها يهوه مسترخياً داخل تابوت العهد ، لذلك يصعب على البدوي التعامل مع مفهوم الوطن حتى لو استقر في مكان و توقف عن الترحال . يوسف قرضاوي كرر في كتابه (الإخوان المسلمون ص 19 ، 20) و في كتابه ملامح المجتمع المسلم ص 24 ، 57 ، 80 ، و في حلقة (الظاهريون الجدد) على قناته (الجزيرة) ، ما لا يمكن احتسابه فلتات لسانية ، إنما هو أقوال فلوتة تعبر بوضوح عن موقف الإسلاميين من الوطن المصري ، بإنكار مفهوم الوطن بالكلية ، يقول ربيب الثقافة البدوية خائن وطنه وبائع شعبه بالدنانير والريالات : “إن المواطنة هي رابطة تراب و طين و لا تعلو أبداً على رابطة الدين” ، و أنه “ليس بمجتمع مسلم الذي تتقدم فيه العصبية الوطنية على الإخوة الإسلامية ، و دار الإسلام ليس لها رقعة محددة ، و النعرة الوطنية حدثت بتشجيع الاستعمار الغربي كي يحل الوطن محل الدين ، و يكون الولاء للوطن و ليس لله ، و أن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله ، بينما الصحيح أن يضحي الإنسان بنفسه من أجل دينه ، و أن يضحي بوطنه من أجل دينه” . إن مولاهم و فقيه زمانهم يضع الوطن في مصادمة مباشرة مع الله فإما هذا و إما ذاك ، و معنى أن تعتز بوطنك و تضحى من أجله فأنت في حالة عداء مع الدين و رب الدين ، و في النشيد الإخواني العقائدي الذي وضعه القطب الإخواني (عبد الحكيم عابدين) يقول مبتداه :  (وطني الإسلام لا أفدي سواه …… و بنوه أينما كانوا إخواني). و هو ما يفسر لنا الإقصاء المستمر المتعنت و الهستيري للأقباط و النوبيين وقراء القرآن المصريين ، لأنهم هم سكان الوطن و الشاهد الحي لغة ومقامات فنية موسيقية على امتداده الحقيقي في تاريخه وفنه المصري العريق ، و المنكر الحي و المستنكر لمحاولة الغازي المستوطن سلب المصريين الولاء لوطنهم ، و توجيه الولاء إلى بوادي الحجاز شرقي البحر الأحمر .

السؤال المتوتر يفرض نفسه عن سبب اختصاص خصيان الأعراب لأهل النوبة الآن بالإهانة و التبخيس و اعتبارهم أغراباً عن مصر لأنهم ليسوا مواطنين مصريين ، و يدهشك هنا حجم الجرأة الهاذية و الذهانية بقوم لا يعترفون أصلاً بشئ اسمه الوطن ، لكن أبدأ لايدهشنى ذلك لأني أعلم جيداً الأسباب التاريخية التي لم ينساها الإسلاميون ورثة الثقافة الحجازية لأهل النوبة المصرية ، و هو ما يعود بنا إلى زمن الغزو البدوي الهكسوس الذي سجله التاريخ كأبشع زمن مر على مصر ، و يصفه علم المصريات كأنه ستارة سوداء نزلت على التاريخ المصري فلا إنتاج و لا إبداع ولا فن ولا معمار بل انقسام و قتال و تناحر بين الفرق حتى عادت مصر أقاليماً منفصلة ، وذات العلم يخبرنا أن مصر الحقيقية لم تعد للظهور بعلمها و فنونها و تحضرها و رقيها إلانساني إلا في الأسرة السابعة عشر، التي حررت مصر من الغازي البدوي  ومعها عاد  انقشاع الستارة السوداء مع طرد الهكسوس من مصر لتعود مصر تعزف للدنيا معزوفة الحياة .

و الاسم (هكسوس) يعيدة المؤرخ اليوناني (هيرودت) إلى كلمة من شقين ملصقين هما (هيك) و تعنى الملوك و (سوس) و تعني الرعاة ، و هي كلمة مأخوذة من الكلمة المنطوقة بالمصرية القديمة     (حجازوت) و حرف الواو للإضافة و حرف التاء للجمع ، فتكون الكلمة هي (الحجازيين) التي نقلها اليونان (حجاز) (هكاس) و أضافوا إليها التصريف اليوناني للأسماء (و ، س أو U S)  فأصبحت (هيكسوس) ، أو (هكسوس) ، و في كتابي (النبي موسى و آخر أيام تل العمارنة / ثلاثة مجلدات كبري) قدمت بحثي عن أصول الهكسوس الذين كانوا ملوكاً بدواً متحالفين يعودون إلى بوادي الجزيرة الممتدة من المحيط الهندي جنوباً إلى جبال طوروس شمالاً . و كان بدو هذه المناطق عبئاً دائما ً على المصريين ، يكمنون للفلاح في بواديهم لينتظرونه حتى يحرث حقوله و يبذر حبوبه و يروى زروعه حتى يأتي موسم الحصاد ، لينزلوا على الحدود الشرقية كالجراد ليقتلوا الرجال و يأخذوا النساء و الأطفال و يفرون بالمحصول ، و لا تجد فرعوناً واحداً لم يقم إبان مُلكه بحملة ولو واحدة على الأقل لتأديب (الشاسو) و هي كلمة تعني (المتحركين دوماً) أي البدو ، و تأديب (الحجازوت) و مطاردتهم حتى شرقي خليج العقبة الحالى .

و مع بدايات القرن السابع الميلادي جاءت غزوة (حجازوت) أخرى كبرى لتكتسح بلاد الحضارات شرقي المتوسط ، و ضمن قوادهم كان بن النابغة (و النابغة هي أمه و كانت داعرة من صويحبات الرايات الحمر ، و كان قد عاشرها أربعة من قريش ، أختارات منهم العاص بن وائل السهمي أباً لمولودها ، فسمي عمرو بن العاص) . الذي دخل مصر فاتحاً ، و طال الزمن بالغزاة ما ينوف على الستة قرون دون أن يتمكنوا من إخضاع الجنوب المصري حصن المصريين التاريخي ، فقد ثبت النوبيون للعرب الغزاة و صمدوا ، و أطلق عليهم العرب (رُماة الحدق) لحسن تصويبهم السهام على عيون الجند العربي ، و نكاية فيهم أطلق عليهم العرب اسم (السودان) من لونهم الأسود على وزن فعلان ، لتأكيد شرهم و شيطنتهم ، و تبخيساً لهم و تحقيراً ، حتى قال الحافظ بن كثير في التفسير : ” إن الحبش و سائر السودان فلعمري إنهم إن لم يكونوا من نوع البهائم ، فما نوع البهائم عنهم ببعيد / تفسيره آية 24 / النساء” .

لقد تحصن النوبيون المصريون في الجنوب في تكرار لذات المشهد القديم زمن أحمس حين تحصن المصريون عند الأقصر ، و حافظوا هناك على ثقافتهم و لغتهم حتى تمكنوا من قوتهم و طردوا الهكسوس من مصر جميعاً و أسسوا الأسرة السابعة عشر ، و قد تم ذلك بمساعدة الحبش (سكان كوش إمتداد النوبة الأفريقي) بحكم العلاقات النسبية و العنصر الأصيل المشترك .

هذا هو الثأر التاريخي الذي دفع مرسي و العريان و عبد المقصود و غيرهم للإفصاح عن كراهيتهم الدفينة للنوبيين ، الذين اضطروا مع مرور الزمن و تكاثر الحرب عليهم ست قرون و ربع القرن أن يعودوا للوطن الأم و يسلموا و يستعربوا ، لكنهم حتى لا يفقدوا هويتهم المصرية احتفظوا بلغتهم القديمة ، بينما تمكن العرب الفاتحون من فرض جزيتهم على نوبت / النوبة / أرض الذهب اللماع ، في شكل عدد من النوبيين يتم تسليمهم ليستخدموا عبيداً للعرب ، حتى صار اسم العبد الدارج في العربية مرادفاً للون الأسود ، فنقول عن الأسود عبداً حتى لو لم يكن كذلك ، و رغم أن العبيد تاريخياً كانوا من كل لون أبيض وأصفر وأحمر فقد ظل العبيد هم أصحاب اللون الأسود في الثقافة العربية ، و صكوا المثل الذي كرره المتنبي عن ملك مصري لكنه أسود (كافور الإخشيدي) مسمياً إياه بالعبد في قوله “لا تشتري العبد إلا و العصا معه ، إن العبيد لأنجاس مناكيد” . و كل هذا لأن المصري الأسود كان هو الأصيل في مصر ، و الأكثر استعصاء على العبودية و الإرغام و الإنقياد ، و هو الوحيد بين ألوان العبيد المعروف بأنه (يحرن) على سيده ، أي يواجهه بالرفض و العنف إذا عامله بسوء أو أهان كرامته الإنسانية .

 

   

(5)         و عادت لمصر شمسها الذهب

المبهر أن الغزو الهكسوسي الثاني او الحجازوتي أو العربي قد مر عليه حوالي أكثر من ألف و أربعمائة عام ، و لازال جنوب مصر يحتفظ بلغته القديمة و بعزته و عطائه لوطنه و إخلاصه له ، قدم النوبيون لمصرهم الغالي و النفيس ، و حفظوا لها حدودها الجنوبية بتواصلهم النسيب مع بقية العروق النسبية بامتداد فروع النيل في بطن أفريقيا ، في وئام و محبة و تسامح و قرابات و نسابات لم تسمح بالتفكير في أي عدوان يأتي مصر من الجنوب ، الذي كان هو الحد الآمن بين حدود مصر الأربعة عبر التاريخ . و عند تهاوي و تفكك أُسر الشمال أمام غزو لوبي (ليبي) تقدم اهل النوبة التي كانت تعرف أيضاً بارض كوش ليطردوا الليبيين و يقيموا الأُسرة الكوشية الحاكمة .

لذلك أيضاً ظلت الكنائس في حوض النيل حتى كنيسة أثيوبيا العريقة تابعة بكل فخر للكنيسة المرقسية الأرثوذوكسية المصرية ، و كان البابا لهم كلهم هو بابا الكنيسة المصرية الإسكندرانية ، و ظل الأمر كذلك حتى قفز عسكر يوليو على السلطة و اتجه عبد الناصر نحو العروبة و العرب و الوحدة العربية ، و هو ما أدى بداية إلى انفصال السودان عن مصر بعد ان كانتا مملكة واحدة ، كنا نهتف باسمها بالمدرسة عند تحية العلم (تعيش مملكة مصر و السودان حرة مستقلة) ، و تتالت الكوارث لتنفصل كنيسة أثيوبيا و تختار لها باباً من بلادها ، و مع ابتعادنا عن أصولنا و نسبنا و عراقة أهل نيلنا و إهمال بُعدنا الإفريقي ، أصبحت مصر اليوم مهددة في شريان حياتها ، بعد أن كانت تبني سدودها في دول أفريقيا لتكون زاداً لهم و لنا ، بأموال مصرية و عمالة و هندسة مصرية . إن أفارقة شريان النيل لم ينفصلوا عن مصر إلا بعد أن انفصلت عنهم مصر ، و قالوا قولهم الأشهر : ليأتوا بنهرهم إذن من جزيرة العرب.

و في الزمن الناصري ترك المصري الأصيل النوبي أرضه إلى مقرات خرسانية صحراوية تعسه أنشأها لهم الحكم العسكري لنبني سدنا العالي ، عن طيب خاطر ، فكانت مكافآتهم إهمالاً لا يغتفر و لن يغفره التاريخ أبداً ، بعد أن اخذ الشمال رفاة السد العالي ، و لم يعط للجنوب شيئاً ، رغم أن مينا موحد القطرين كان من الجنوب ، و أن سقنزع و كاموس و أحمس محرري مصر من الهكسوس قد خرجوا من الجنوب ، و عندما قرر حسني مبارك إقامة مشروع توشكى في الجنوب قام بتمليكه لسليل الحجازيين بينما كان الأولى به هم أهل النوبة قبل أي إنسان أو كائن آخر.

من جانبهم ظل الأقباط يقدمون الالتماسات و يرفعون المطاليب لحكام مصر لينالوا حظوظ المسلمين في وطنهم ، لينالوا المساواة و هم الأصل مع غير الأصيل الذي أصر على التسيد و السيادة بإخضاع الأقباط لتمييز بغيض لإثبات استمرار الاحتلال و العبودية ، فتتابعت هجراتهم إلى خارج مصر ليعلوا صوتهم في بلاد الحريات يطلبون حقوقهم في وطنهم فلم يلقوا منا سوى الردود المعتادة عن العمالة و خيانة الوطن لضرب مصر و تقسيمها ، و هو ذات الكلام الذي قاله (سويلم) اللواء الأبيض الأبلج السمين رداً على تكوين النوبيين حركة (كتالاً) . رغم أن حكام مصر الحاليين من خصيان الحجازوت سمن على عسل مع أمريكا و بني عمومتهم الإسرائيليين ، فإسماعيل هو أخو أسحق ، أما المصريون فقراباتهم تقع في الجنوب و لا علاقة لهم و لا نسب و لا صهر و لا عقيدة مع بني اسرائيل. أما العربي و العبري فهم بالمسمى واحد و بالأصل العنصري واحد و بالاصل اللغوي واحد و بالمنبت و المنشأ المكاني واحد و ثقافتهم الدموية واحدة و متطابقة تطابقاً كامل التمام .

إن ما تعرض له الاقباط و النوبيون تنوء به الجبال الرواسي ، لذلك ما إن لحقت كرامتهم تعريضات خصيان الحجازوت ، و لم يجدوا لهم مكاناً بعد أن أحيت ثورة 25 يناير المجيدة آمالهم في مساواة و عدل و حرية و خبز و مسكن و علاج و كرامة إنسانية ، لم يجدوا لأنفسهم مكاناً في سياسات الحكومة الإسلامية التي ركبت الثورة و استولت على الوطن إلا من باب اللمم ، لذلك قرر النوبيون أن يرفعوا إنذارهم في شعار يقابل شعار الإخوان ، رشاشين مقابل السيفين .

عربنا المسلمين مع استقلال البوسنة عن بلادها ، و مع استقلال الشيشان عن روسياها ، و مع استقلال كشمير عن هندها ، لكنهم ضد كل من يرفع صوته طالباً المساواة حتى يكون مواطناً بالفعل في وطنه ، و يتهمونه بالرغبة في الإنفصال فيكون عبداً آبقاً عن سيده.

تاريخ العرب حتى في جزيرتهم يؤكد لنا أنهم هم من يرتكب جريمة الانفصال لإصراره على أن يكون هو السيد بلا شريك و دون مساواة ، فمنذ فجر الإسلام بعد موت النبي اجتمع عرب يثرب في سقيفة بني ساعده و اختاروا أبا بكر دون حضور بقية العرب و ممثليهم ليشاركوا في الشورى ، فقرر العرب عصيان حاكم لم يختاروه بمنع الزكاة عن العاصمة ، فاعتبروهم انفصاليين ، بينما الانفصاليين الحقيقين كانوا سادة وسكان العاصمة يثرب عندما قرروا وحدهم و اختاروا و نفذوا دون بقية العرب.

الآن يعيد التاريخ نفسه ، الإسلاميون يريدون السيادة و الانتقاص الحقوقي من غيرهم لأنه لا يمكن أن يتساوى المسلم و غير المسلم ، لذلك يُقصون غيرهم عن المسيحيين ، ويسمون تجويد قراء القرآن المصريين النوادر والنوابغ بالغناء ، ويأتون من البوادي بالحذيفي والعريصي وأبو شبت وابو بريص، و ينسبوا الكفر للعلمانيين و الليبراليين ليتمكنوا من إقصائهم و استتباعهم ، و يكفرون الشيعة لأنهم روافض لا يتساوون مع النواصب ، و ينصون في الدستور على مذهب أهل السنة و الجماعة دون غيره ، و يُقصون النوبيين و يهينونهم لأنهم (رُماة الحدق) التاريخيين المستعصيين غلى العبودية ، و يُقصون البهائيين لأنهم كافرين ، الإسلاميون إذن هم من ينفصلون عن بقية الوطن بسبب إصرارهم على عدم تساوي بقية المواطنين معهم ، فيشرخون الوطن ، حتى ينقسم القضاء و تنقسم النيابة و تنقسم الشرطة و يصبح معظم الشعب كافراً ، و ينقسم الوادي لشمال و جنوب ، و ينقسم الشمال إلى بدو سيناء و سكان دلتا و سكان الغرب المطروحي ، حتى اللعب بالكرة أصبح فيه فريق الساجدين و غيرهم من غير الساجدين ، و الوادي ومدن القناة ، وبورسعيد والقاهرة ، أصبحنا فرقاً ستنتهي كل منها بالضرورة والحتم إلى فريقين : فريق القاتلين و فريق المقتولين ، وهو مابدأ بالفعل منذ أحداث الناديين الأهلي والمصري وماتلاه والحبل على الجرار .

ساكن الإتحادية و عشيرته هم سقيفة بني يعرب في مصر ، و الأعراب أشد كفراً و نفاقاً ، هم الذين انفصلوا عن الشعب المصري ، و لم ينفصل مصري واحد عن مصره .

عندما قرر أهل السقيفة الجدد جعل الرابط القيمي لسلم قيم الوطن هو الدين الإسلامي و المذهب السني وحدهما ، مزقوا الوطن ، فللقيم المجتمعية سلم له قائمتين و درجات تربط القائمتين ، و يتم رص القيم على هذه الدرجات حسب الأولويات ، الأولى هي الدرجة الرابطة لقائمتي السلم ، فإن جعلنا الرابط ديناً دون بقية أديان المجتمع و مذهبا دون بقية المذاهب ، فلابد أن تنفصل القوائم و تنهار الدرجات و يتمزق المجتمع و تسقط الدولة و يحارب الشعب بعضه بعضا. بينما المجتمعات السوية السليمة المتماسكة تضع رابطها المشترك بين جميع المواطنين الذي يربط قائمتي سلم القيم هو الوطن لأنه أرض مشتركة للجميع و تاريخ مشترك للجميع ، و حدود واضحة للجميع  ، و طموحات و آمال مشتركة بين الجميع وماض واحد ومستقبل واحد ، فإن تم استبعاد هذا الرابط و وضع الإسلام أو أي دين آخر مكانه ، فلابد أن يذهب الأقباط لدينهم ليجدوا مكاناً ، و يذهب النوبيون ، و يذهب السيناويون ، و يذهب الصعايدة ، و يذهب البحاروه ، و يذهب البورسعيدي ، و يذهب السويسي ، و يذهب السنة ، و يذهب الشيعة ، و يذهب البهائيون ، … و تنفجر مصر شظايا .

إن الإسم المصري القديم الذي اختاره النوبيون لحركتهم التي سترفع السلاح إذا استمر الإخوان في تحديهم للوطن و المواطنين ، هي (كتاله) بكسر الكاف ، و كتالة كلمة مصرية قديمة تشير إلى النسيج الرابط لسهام القتال ، و نطقها اللسان العبري الأخنف المهاجر من مصر (كتانة) ، لأن جراب الأسهم كان يصنع من نسيج الكتان وهو النسيج المصري الأشهر والأجود في العالم القديم ، و عنهم نقلها العرب و نطقوها (كنانة) ، و تحمل ذات الدلالة فهي حاملة الأسهم ، لكن الاسم ظل يحمل في طياته أصله المصري الأصيل ، فللكنانة (الكتانة / الكتالة) في لغة العرب مدلول ثان لا يفارقه هو : أرض أو بلاد الكنانة ، وهي أرض رُماة الحدق بالأسهم المحمولة في الكتانة ، وحاملو الكنانة أو الكتانة في حديث نبي الإسلام هم خير أجناد الأرض ، أجناد أرض مصر .                                       

إذن عاشت الكنانة / الكتانة /  كتالة النوبة و كتالة الأقباط و كتالة الصعيد و كتالة مطروح وكتالة سيناء و كتالة الشيعة و كتالة البهائيين و كتالة العلمانيين ، كتالة الوادي كله التي تم تنفصل إحداها يوماً عن الكنانة حتى ركبها الإخوان ليفجرها شظايا فاستحقوا أن نرفع في وجههم الكتالة .  

Posted by المجموعة الليبرالية in 23:35:37 | Permalink | Comments Off