حكومة المتطرفين الخفية
حكومة المتطرفين الخفية
هناك في مصر شيء ثمين لا نعرف هل هو الهرم أم هو النيل أم هو التاريخ أم هو اسم مصر يلقي في الروع مهابة التقديس والإجلال في البلاد المتقدمة الحرة ، لكنه لشديد الغرابة يلقي في الروح العربية الكأبة وربما الكراهية التي تنضح في قنوات الخليج الذي لم يحسم أمره حتى الآن : هل هو عربي أم هو فارسي؟
متناسين فضل مصر وفي أحلك ظروفها وكيف قدمت بنيها شهداء على مذبح العروبة ، فكانت حصناً كف إسرائيل عن التهام بلاد العرب جميعاً رغم معاناتها ومعاناة شعبها عقوداً تنوء بها الجبال الرواسي ، وهو ذات القدر الذي اختارته للدفاع عن الأمة فدفعت فاتورة الغزو الصليبي ، ودفعت فاتورة الغزو التتري وإعادته من حيث جاء كافة شره عن العالم أجمع ، ثم كان لها فضل كتابة الفصول الأولى في التنوير العربي ، وفتح أول نوافذ النهضة الموءودة بانقلاب 1952 العروبي .
منذ فتح مصر دفعت مصر فواتير غير مستحقة عليها للعربان وعواصم الخلافة المتعاقبة ، ثم وفي التاريخ المعاصر دفعت من دماء أولادها عشرات الألوف ولاء للأخوة المغدورة لأن هابيل ظل يثبت كل يوم أنه راع بدوي يكره قابيل لأنه ينتج ويعرق ويزرع ويبني .
ثم دفعت مصر فواتير الفكر الإسلامي المراوغ المدمر القادم مع رياح العائدين من الخليج في العباءة الوهابية ، حتى خسرت مزيدا من الشهداء في حربها مع الإرهاب ، ومزيدا من الدمار الاقتصادي مع كل ضربة إرهابية ، فخسرت مداخليها التنموية التي كانت مرجوة بالسياحة ، وحتى المداخيل التي كان بإمكانها كفالة الاستقرار والعيش الكريم لكل مواطن ، لأن مصر تملك وحدها دون العالمين أكبر منجم كنوز أثري وأعظم مجمع للآثار في العالم كله ، فهي تملك ثروة لا تنفد ، فقط تحتاج إلى الاستقرار والأمان لصناعة سياحة متقدمة تكفي أبناء الوطن ما هم فيه من عوز.
لماذا دفعنا كل هذه الفواتير ؟ وماذا جنت مصر منها؟ ومع دفع القواتير من دمنا كانت أسعار البترول ترتفع عند إخواننا فيتعالى البنيان بالثروات الخيالية وجيرانهم الذين قدموا أبناؤهم لتتراكم هذه الثروات على مرمى حجر منهم .. ويحدثوننا عن العروبة والوحدة الإسلامية ؟!
لقد دفعت مصر فواتير أدت إلى تخلفها ، لأنها عندما دفعت ، دفعت أيضاً من مساحة الهيبة المفترضة للدولة ، ، فعاد الغازي الفاتح في أشكال أمراء للجماعات ومرشدين ودعاة ، ليفتحوا سلة علاء الدين وما فيها من ماض اندثر ومات وتعفن ، ليستولوا على ما يمكن الاستيلاء عليه من سيادة الدولة . مما أدى لردة ثقافية وطائفية انتكس فيها المصري عن الولاء لوطنه الذي اعطاه مجده وكان هو صانعه على التبادل ، إلى الولاء لوطن معنوي ديني لا علاقة له بأرضه الأم الجليلة ، ومنذها ونحن من منحدر إلى منزلق الى هاوية بلا قرار .
لكن الصورة لا يجب أن تكون شديدة القتامة ، لأن في بلادنا لازال المصري المرتبط بالأرض وإنتاجها يعلو عنده الحس الوطني واضحاً ، فيرى ما حدث في طابا جريمة كبرى في حق الوطن ، ويستهجن فعل الدمار والموت لأنه لا يتفق وفطرته المصرية ، لذلك يحاول أن يتبرأ من فعل كهذا ، ولا يرى أبداً أن بإمكان أي مصري أن يقوم بفعل كهذا ، لأنه يثق في إخلاص المصري لوطنه ، ولا يتصور مصريا قادرا على الإقدام على هذه الجريمة المزدوجة ، لأنها ضد الإنسانية ، ولأنها ضد الوطن ، ولأنه حتى لو فعل ذلك ، فإنه لا يصبح مصريا .. هكذا كان القانون منذ الفراعين .
وهذا المصري البسيط الطيب ، يجد نفسه من يتبنى هذا الفكر البسيط ويعبر عنه في كتابات بسيطة لها مدخل واحد ومخرج واحد ، فهو أيضاً يحب دينه ، ويحب أبناء طائفته من مسلمين مصريين وغير مصريين ، ومن ثم يقوم بإسقاط الشر على رمز الشر المتفق عليه كحامل لتعليق كل المصائب : إسرائيل ، وببساطة تتم تبرئة المحبوب الإسلامي ، وتبرئة المصريين ، وتبرئة النا س الطيبة المتطهرة من الشر بلفظه عنها ولو اعتسافاً .
هذا موقف متكرر ومعتاد لا يحتاج تعقيبا لشدة وضوحه ووضوح اغراضه التي هي في النهاية غسل اليد من فعل مشين ، ولو لم تكن إسرائيل موجودة بالجوار لاخترعوها لتحمل اوزار هذا اللون ، هو غسل وبغرض النظافة من فعل لم يشتركوا فيه ، لكن هناك غسلاً آخر لا يبتغي النظافة بقدر ما هو مسح للخنجر من دماء اليوم وتلميعا ، من أجل دماء الغد ، هناك من يغسل والدماء تتقاطر من سطور مقالاته ، وتلمح وراء كل سطر رشاشاً وخلف كل فقرة تلمح الخناجر والسيوف .
هؤلاء يعرفون أن من ضرب طابا هو القاعدة أو فرخا من فروخها ، وهم أيضا يعلمون أن الضربة قصدت أحد أعمدة السياحة في مصر ، وهم أيضا يعرفون أن السياحة في كل الدراسات هي الحل الأكيد كمدخل أول وعامل تنموي متصاعد لحل مشاكلنا الاقتصادية ، ويعلمون أيضاً أن السياحة صناعة تتطلب كفالة كل الأمان والراحة للزبون لتلبية كل طلباته لا خضوعه لطلباتنا وقيمنا ومعاييرنا .
المهم أنه موقف صريح أكثر تعقيداً من الموقف البسيط سالف الذكر، لأنه لا يتبرأ من الفعل ولا يجزع من الحدث ولا ينسبه لإسرائيل لأنه منح حق الفخر لمن لا يستحق ، بل ولا يستنكر الفعل من باب الوطنية ، بل إنه على العكس تماماً ، يدافع عن الجريمة في كبرى صحفنا الأهرام في صفحته الأسبوعية ، إنه الموقف الذي يمثله الشيخ فهمي هويدي إذ يقول : "إن جميع ملابسات الحادث تشير إلى أن الإسرائيلييين هم المستهدفون وليس الأقتصاد المصري"؟!
إذن يا أهلي وناسي يقول لنا هويدي أن الهدف هو الإسرائيليون ، وعلينا في هذه الحال أن نتخلى عن قيمنا في تراثنا المصري الإنساني الرفيع لنرى في قتل المدنيين الإسرائيليين هدفاً نبيلاً شريفاً كما لو كنا في حال حرب يقودها هويدي وإخوانه .
حتى ولو أخذ هذا الهدف النبيل في طريقه الاقتصاد المصري نحو الخراب ، فسيكون الاقتصاد المصري إن شاء الله شهيداً في جنة الخلد ، قياسا على فتوى قرضاوي الديمقراطي أنه لو حدث ومات في العمليات الإرهابية مسلمون فإنهم سيدخلون الجنة شهداء ، دون أن نستأذنهم إن كانوا يحبون أن يكونوا شهداء من عدمه ، ودون أن نسأل أسرهم وأطفالهم وأحلامهم المقبورة عن مدى رغبتهم في إرسال ولدهم او رجلهم إلى الجنة .
وهكذا عرف سيدنا هويدي نية الإرهاب وأنه لا يقصد مصر بأذى ولا اقتصادها عمداً، إنما هو يقصد الإسرائيليين . ولا بأس عند صديقه قرضاوي إن تمزقت اشلاء بنينا ليس بيد الإسرائيليين ، ولكن بيد المسلمين ، ولا بأس إن ذهبت كرامة مصر وسيادتها على أرضها – مع التفجير القذر – التي انتهكها الإرهابيون دون استئذاننا على الأقل لنبحث مدى ضرر الضربة على اقتصادنا وأن نسأل من يريد الشهادة ممن لا يريد ، حتى نضعه هناك على سبيل الاحتياط لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب .
وهكذا يشرع الشيخ هويدي ضرب مصر مادام الهدف النهائي هو تمزيق أشلاء الشيوخ والأطفال والشباب اللاهي من إسرائيل ، ويشرع قرضاوي أمام الموظفين المصريين والعمال أبواب الجنة بعد أن يستشهدوا رغم أنوفهم ، ولا نعلم مصير باقي الجنسيات الذين ماتوا في الحادث ، هل سيبقون في الأعراف ، أما سيذهبون إلى الجحيم فوراً بحسبانهم غير مسلمين .. وقضايا عديدة تافهة يثيرها السدنة غباراً في وجوهنا .
هل من الممكن أن يكتب مصري شيئا كهذا رغم أنه يدين بمنصبه وعيشه وما هو فيه من بلهنية الجاه والنعمة والنعيم لوطنه مصر ؟ يشرع ضرب وطنه انتقاما لطفلين فلسطينيين استدعاهم ليبكي عليهم في مقاله ليبرر بهم ضرب مصر ، دون أن يذرف دمعة واحدة بين كلماته تشير إلى وجيعته على مصري مكافح من أجل لقمة العيش ، انتزعه الموت في طابا من أسرته وأولاده .
مع تبرير آخر أكثر صدمة إذ يقول : "إن إسرائيل هي التي بادرت بانتهاك قواعد اللعبة حينما بادرت باغتيال عضو حماس عز الدين خليل في دمشق ، الأمر الذي يثير سؤالاً هو : إذا كانت إسرائيل قد فعلتها في دمشق ، فلماذا نستغرب أن يرد عليها في طابا "؟!
إن الشيخ هويدي يريدنا أن ندفع فاتورة ما يحدث في دمشق ، وفاتورة ما حدث في فلسطين ، بعد أن سددنا للمجموعة العربية استحقاقات نقبض عليها أبد الدهر ، إن الشيخ هويدي يشرع حق ضرب طابا في مصر ردا على اغتيال الشيخ خليل في دمشق ؟! لأي انتماء يدين هذا الموقف بالولاء ؟ هذا الموقف الذي لا يرى بأسا في فتح مصر ساحة معارك للهاب والداب وكلاب جهنم ، لتخليص ثاراتها على ردم من عمارنا وسيادتنا وكرامتنا ودمائنا وهيبة بلادنا ؟
يبدو لي أن الشيخ هويدي مصاب بما يمكن أن نسميه "الخلل في الولاء" وهو مرض معد بشدة بل يصيب مخترعه ومكتشفه أول ما يصيب ، فيبدو هويدي غير معنى إلا بالولاء لسلطة لا يشغلها الوطن ، بقدر ما يشغلها التبعية لهذه السلطة والعمالة لها وتكريسها في الأذهان ، إزاء معنى السلطات المعلوم في دولتنا الحديثة . إنها سلطة تغطي المنطقة وتربط بين ما حدث في دمشق وما يحدث في مصر ، باعتبارها ساحة واحدة لتمارس فيها هذه السلطة العربدة كيفما شاءت . ألا ترونه يقول إن إسرائيل هي التي بادرت بقتل خليل ، لذلك لا بأس وفق ثقافة هذه السلطة ان يأتوا ليقتلونا هنا ، وهذه بتلك ، لذلك من المفيد هنا إلقاء الضوء على هذه السلطة غير الخفية ، التي تسحب الولاء عن الوطن ، لنحاول تحديد ولاء الشيخ هويدي وأمثالة ، حتى يستبين لنا الخط الأسود من الخط الأكثر سواداً .
كعادته في الاستثمار يستغل هويدي حماقة إعلامنا التي أعيت من يداويها ، والذي بدلآً من أن يبرز حجم الكارثة ، ويجعل من المكان احتفالية دولية للحزن والعزاء ، واحتفالية مصرية بإعادة التعمير والبناء بمشاركة وطنية ودولية بطوابع بريدية (مثلاً) مرفوعة الثمن ،للمساهمة تذكر الناس بالإرهاب وكوارثه وإصرار الشعوب على الحياء والبناء ، وبدلا من أن يبرز الناس في الداخل كم أثر هذا الحدث على مصادر رزقهم ودخل وطنهم ، نجد صحيفة قومية كبرى (الأهرام ) في 10 / 10 / 2004 تبشرنا بأن ضربة طابا قد انعشت السياحة والحمد لله وأن السياح القادمون للموت أفواجاً ، وهنا يقتضي هويدي الفريسة الغبية السهلة ليبني عليها تساؤله : "فلماذا إذن يصر البعض على أن الهدف هو ضرب مصر باستقرارها واعتدالها واقتصادها؟" .
وهكذا في حوار كاذب مع إعلام هو الأكذب نصبح نحن واقتصادنا وكرامتنا وسيادتنا على ارضنا بل وأرضنا نفسها معنا مجرد "البعض" ، اعتمادا على إعلام يصر أن يعطي تمام الجندية اليومي : كله تمام يا فندم . لأن هويدي عالم خبير بسياسة إعلامنا فهو علم فيه ، ومع هذا العلم يستثمر الموقف بكل خبث طوية ليبرر تفجير البشر والوطن بجرة قلم .
وينقل لنا عن كاتب بوكالة نوفوستي الروسية "إن الأعمال الإرهابية التي شهدتها طابا في مصر مرتبطة بممارسات إسرائيل الأخيرة في قطاع غزة وبأعمال أمريكا في العراق" .
هويدي يسافر بين الأقوال باحثا عن مرجعية فيجدها عند "ناعومكين " المعلوم الشأن بحسبانه مصدراً معتمداً يركن إليه ، ليذهب إلى النتيجة وهي وجوب فتح بلادنا بكل رضا ساحة لكلاب جهنم تدمر وتقتل وندفع نحن الفواتير .
وهناك رؤية أخرى تبز الجميع في صدمتها ، رؤية ترى أن ما حدث في طابا يجب أن يجلب لنا السعادة والفرح لما حققناه ، فهذا الشيخ مجدي أحمد حسين يهلل في عدد 8/10/2004 في صحيفة الشعب الإليكترونية ، معلنا بكل صرامة بدء الحرب على إسرائيل منادياً : "الله أكبر ، مصر تتحرك أخيراً وتنتقم لشهداء الانتفاضة" .
لم أفهم الشيخ مجدي وكيف تم الانتقام ؟
وهل الانتقام للفلسطينيين بموت العباد وخراب الديار ؟ ولماذا ينتقم المصريون للفلسطينيين داخل بلادنا ؟ ولماذا يموت المصريون انتقاماً للفلسطينيين ؟
وبحسبان الشيخ مجدي عضواً في الخط النظري للسلطة الخفية ، فقد أصدر قراراً بإلغاء معاهدة كامب ديفيد التي عقدتها الحكومة الشرعية ، فيقول : إن الفاعلين في طابا "اختاروا ذكرى حرب أكتوبر ليؤكدوا أن حرب أكتوبر ليست آخر الحروب" . ألا ترون ...؟ هذا إعلان حرب صادر عن سلطة تسرى مع الفتوى بين المسلمين ؟
والسؤال الذي عادة ما يتبادر إلى الذهن هو لماذا لا يلبس هويدي ومجدي وقرضاوي الديمقراطي وغيرهم ، من دعاة الشبق إلى الموت والحرب ، أحزمة ناسفة ويذهبون إلى إسرائيل أو إلى العراق ، أو إلى حيث ألقت ، ليكونوا قدوة لشباب الأمة وتأكيداً لهم على أن في الجنة ما هو أعظم من قصورهم التي يعيشون فيها في الدنيا الفانية ؟ لقد سأل سائل قرضاوي بالفعل الأسبوع الماضي مثل هذا السؤال على قناة الجزيرة ، فأجاب فضيلته قائلاً : "يعني علشان أمريكا تقتلنا كلنا ، دفعة واحدة ، تقتل شيوخ وآئمة الأمة"!!
إن قرضاوي الديمقراطي يرى نفسه نوعاً أعلى درجة منا ، فهو والسدنة من رفاقه في الاشتغال بالدين على الناس ، هم نوع مميز لأنهم قادة لا يدخلون تلك المغامرات ، إنما هم يديرونها عن بعد محافظة على أرواحهم ، لأنهم يتعطفون علينا بقيادتهم لنا حتى لا تضيع أمتنا بدونهم ، لذلك هم على قلوبنا "قاعدين واكلين حاكمين مفتين" ، يركبهم وهم غريب أنهم هم سند الأمة ، إنهم ممثلو السلطة الخفية ، التي أصبحت موهما بأنها الحكومة اللاهوتية المشروعة دينيا ، وأن قوانينهم غير قابلة للاستئناف ولا النقض بل هي ملزمة لكل مسلم ، وأن هذه القوانين تسري في شكل فتاوي تعارض قوانين الدولة وتنتقص منها وتعرض بها علناً ،. إنهم حكومة عينوا أنفسهم بقرار يبدو في الظاهر متسقاً مع الدين ومطالبيه ، حتى يبدون كما لو كانوا من الماضي مع تركه ذلك الماضي الثقيلة ، أو أن الله اختارهم حكومة نقيض للحكومة الشرعية كما اختارهم للحياة فيها في نعيم الدنيا وزخرفها ، واختارنا نحن وأولادنا ومستقبلنا للموت شهداء رغم أنوفنا .
إن هؤلاء يابني وطني لا يغارون مثلنا على مصرنا ولا يحن كبدهم إليها ، ولا تنفطر قلوبهم لأوجاعها ولا يرون لمصر عليهم جميلاً وفضلاً ، لأنهم يحتقرون الوطن ودولته فيقيموا الدولة البديلة الفعالة بين الناس في شكل تفاسير وفتاوي وأدعية عابرة القارات ، وعلى الناس أن تدين بالولاء لدولة الخلافة الوهمية تلك ، التي بلا حدود ، ولا معالم ، التي تمتد إلى حيث يعيش آخر مسلم على البسيطة . إنهم مازالوا يعيشون زمن الخلافة والحكومة العالمية والدين العالمي ، وهي أوهام زمن مضى وانتهى ليظهر مكان الوطن والمواطنة ، لذلك هم ينكرون علينا حب الوطن والإخلاص له لصالح وهم سبق أن قضت عليه أوهامه .
والآن سادتي ما موقفكم ، وما موقفك يا حكومة يا شرعية من تلك الحكومة الموازية ، التي تفشت في اجهزتنا الإعلامية ومعها كل المساجد والزوايا والمدارس والجامعات والجمعيات ، لتشكل في الوعي الجماعي سلطة مستقلة ذات النظام خاص يختلف بالمرة عن نظام الدولة ، ولها قوانين تختلف بالمرة عن قوانين الدولة ، مما أحدث شرخاً في الولاء ما بين الولاء للوطن بدولته ودستوره ، وقانونه ونظمه ، وما بين الولاء لدولة السدنة الموازية ، وهو الشرخ الذي أدى إلى اختلال الولاءات وفقدان الهوية ، إلى اختلال الوعي ما بين الوطن والدين والعنصر والجنسية ، فيتأرجح المواطن بين أكثرها جذباً وتأثيراً ، مما كاد أن يقضي على الولاء للوطن لصالح الولاء للحكومة الإسلامية الموازية ، حتى أمكن للمواطن أن يغدر بوطنه ويهاجمه لصالح الدفاع عن حكومته الخفية العالمية . وأن يقتل أهله وناسه انتقاماً لما جرى في أي بلادستان ، لذلك لحظت الدنيا كلها باستغراب شديد عدم انشغال المصريين بمخطوفيهم في العراق ، لأن ولاية الحكومة الخفية في العراق هي من قرر و هى من أدانهم بالتعاون مع الأمريكان ، ودون أن يلتبس الشبيه بالشبيه مرة فيسألوا أنفسهم عن المسلمين المهاجرين إلى بلاد الغرب وهل ندينهم بالتعاون ؟ وعن الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل طلباً للقوت ، وهل ندينهم بدورهم .
إن الوطن يفر من أيدينا ليتحول إلى شيء كالظل ، إنه يتحول إلى حمى قبلي تابع كولاية لحكومة إسلامية عالمية خفية ، لها هنا فرع واضح في حكومة موازية تصدر التشريعات والقوانين تعلن الحرب وتفك التحالفات والمواثيق الدولية. دون اى اعتبار لقانون أو دستور ولا لوجود مواطنين مصريين لا ينتمون إلى حكومتهم ولا إلى دينهم ولا إلى أفكارهم ، وأن هؤلاء مصريون لحماً ودماً وقلباً وعقلاً ، وأن هؤلاء يفهمون أن الوطن ليس حكراً على طائفة ولا لفريق دون فريق ، ولا للإسلام وللمسيحية ولا لأي ملة و لا أي رأي ولا أي مذهب ، ولا (بالطبع) لسلطان الحكومة الموازية التابعة للحكومة العالمية الخفية .
إن هذا الوطن ملك كل مواطن مصري ، والمصرية هي مدى الولاء لمصر ، وفي ضوء ذلك نتحاكم إلى قاضينا شعب مصر : هل آراء وفتاوي قرضاوي وهويدي ومجدي وأمثالهم تحقق المصلحة العليا للمصريين .
روزاليوسف 23/10/2004

