Wednesday, 29 November, 2006

معالجة : كيف نفكر؟ ... قبل أن نفكر

معالجة : كيف نفكر؟ ... قبل أن نفكر

مواجهة الأعداء بالدعاء
متى ندرك إن احترام العلم هو البديل الصالح؟

بعد لقاء لي مع أحد مفكرى التيار الإسلامى المتشدد ، وهو عضو بل ضلع كيبر في الجماعة الإسلامية ، التى أنهكت قلب مصر ومزقت كبدها لردح طويل ذبحا وتقتيلا ، وذلك فى برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة بتاريخ الثلاثاء 17/2/2004 حول مناهجنا الدراسية وضرورة تغييرها ، فى حوار لم يكتمل لضيق الوقت.

قرر مشايخ المساجد فى مصر استكمال الحوار لكن دون وجودى كطرف محاور ، فى خطب منبرية تحريضية من النوع القاتل ، مصحوبة بالدعاء مع "آمين" طويلة صارمة مجلجلة غاضبة تستمطر اللعنات من رب السماء ، على شخصي الواهن الضعيف. ولأن هذا النوع من التحريض المخيف ليس لونا من الحوار إنما هو نوع من الجرائم التي يعاقب عليها القانون فإني أحيل هذا الموضوع إلى السيد وزير الداخلية كبلاغ له ولكل من يهمه الأمر ، لأنى لاشك أحب أن أعيش فترة أطول لمواجهة أمثال هؤلاء ذوداً عن وطنى ومستقبل أبنائى.

مع توارد الخواطر استدعى الدعاء المبتهل على شخصى المسكين استفسارآ ساذجا يتساءل عن الموعد المحتمل للتدخل الالهى لصالح أمتنا التقية ليكسر لنا أمريكا يقضى لنا على إسرائيل ، بعد طول دعاء تجاوز الخمسين عاما. وهنا تبرز ملحوظة تفرض نفسها بشدة وهو أنه كلما طال أمد ركوعنا ندعو ، وكلما ارتفعت مكبرات الصوت بالدعاء لمزيد من التوصيل والاسماع والإعلان والإعلام و كلما ازداد عدد المحجبات فى بلادنا ، كلما ازداد تخلفنا وضعفنا وكلما ازدادت إسرائيل قوة ، وكلما تضخمت قوة أمريكا وأعداء الإسلام "كما يرونهم" في مشارق الأرض ومغاربها .

مع توارد الخواطر لابد أن نتذكر فورا ذلك الأسبوع القومى الذى خصصه السودانيون للقنوت ، للدعاء على الأمريكان بعد ضرب مصنع الشفاء بدعوة من حسن الترابي. هذا فى وقت كان حكام السودان من مؤمني الإسلام ، قد تبنوا نظرية غزو العالم بالمشروع الإسلامي ، وضموا فى معسكراتهم من حاول اغتيال رئيس الجمهورية ، وضموا أيضا ابن لادن ورجاله ، والغريب أنهم ضموا أيضا الشيوعى كارلوس ، وكل آفات الأرض وواغشها .

ولم يأت أسبوع الدعاء على الأمريكان فى السودان سوى بسلام أمريكي فرضته أمريكا لإيقاف نزيف الدم. ورضى به أشاوس السودان رضا مهينا ، وقبلوا تقسيم بلادهم وثرواتهم بديلاعن نظام علماني يحفظ للوطن وحدته وللمواطن كرامته.

قبلوا الانفصال ولم يقبلوا التخلى عن الحكم باسم الله. وهو الحكم المشكوك فى نسبته إلى سيد الآكوان مع ما نراه من مهانة أمام سيد الأرض. لقد رضوا ببيع الوطن حتى لا يتخلوا عن السلطان. ومع مزيد من الدعاء انهارت ليبيا تقبيلا على أيدي سادة الأرض في انحناء مذل ، "فسبحان المعزل المذل" هذا ناهيك عن جلوس الحاكم الأمريكي في عاصمة الخلافة ليسمح للشعب العراقي بكل ما سبق وأن حرمه منه نظام صدام حسين الوطني ..!!

كلا لم يدرك مشايخنا حتى الآن أن العلم ليس فقط فى القرآن أو فى كتب الحديث والفقه ، إنما فى علوم انجزها عباقرة من بين البشر ، وأن علينا التعرف على هذه العلوم واحترامها حتى نعرف أن العلماء ليسوا هم رجال الدين ، وأن العالم اليوم هو من ينجز وينتج ويبتكر ويكتشف ويخترع بما يؤدي إلى سعادة البشرية وتيسير معاشها وارتقائها درجة جديدة على سلم الحضارة. وأنه ليس من الضرورة أن يكون إديسون أو داروين أو آينشتين مسلمين ، كى نعترف لهم بأفضال عادت علينا وعلى البشرية بتقدم عظيم ، وكى نعترف بأنهم شرف الإنسانية وفخر البشرية الحقيقى. و أنه ليس من الضرورى أن يكون آدم سميث أو فرويد أو هيجل من الصحابة حتى نقدم لهم إجلالا يليق بالعلماء ، حتى نتمكن من اعتياد قيمة احترام العلم التى هي فى زماننا البديل الصالح عن الدعاء الصالح ، وأن هؤلاء هم الأمثلة نموذجية المعاصرة البديلة لنماذج الرجل الصالح .. هذا إذا كان فينا بعد رغبة فى الاستمرار بالوجود بعد أن خرجنا من التاريخ.

لكن يبقى السؤال : ما الذى يدفع إمام مسجد للتحريض واستمطار اللعنات ؟.. قال للمصلين إنه كان يحاول الاتصال بالبرنامج الخبيث ليفحمنى لكنه كان لا يرد عليه "كما لو كانوا يعلمون من هو وماذا سيقول" لذلك قرر أخذ المبادرة بالرد فى صلاة الجمعة. لأن هناك طبخة ما قد تمت بين قناة الجزيرة وبينى للإتيان بمناظر ضعيف لذلك قرر الإمام أخذ دور المناظر القوى.. أمام شخص غير موجود؟!

بينما يعلم القاصى والدانى أن قناة الجزيرة معروفة بعدائها لأنصار الحريات وبخاصة العلمانيين منهم ، وأنها بالباع والدراع مع كل ما له روائح إسلامية أو عروبية ، وأصبح معلوما عنها تدبير هزيمة المناظر العلمانى بأي شكل من باب تهوين شأنهم فى نظر الناس. كما أن مناظرى فى الحلقة رجل معروف الشأن فى التيار الإسلامي المتطرف ، وأنه كما اهتم بتسليح نفسه بالسلاح ، قد اهتم بتسليح نفسه بالمعرفة فأنجز الليسانس وهو يقضى عشر سنوات سجنا فى قضية مقتل السادات ، ثم حصل على ماجستير الاقتصاد والعلوم السياسية وانجز كتابة الدكتوراه فى ذات التخصص ، وله أعمال منشورة ومواقف معلومة ، وهو مقاتل فكرى كما هو مقاتل دموى.. لقد كان الرجل "ملو هدومه" يا شيخ المسجد .

إن هذا الموقف من حضرة الشيخ يشير إلى لغة لم تعد تصلح للعصر ، لأنها لغة ثقافة أمست ضعيفة لعدم قدرتها على التكيف مع التطور ، وبسبب تناقضاتها الداخلية ، وبسبب تناقضها مع الواقع ، وإن لهذا الضعف قوانين تاريخية مجتمعة ، وله أعراض واضحة علينا وجلية ، تلك الأعراض التى تبدو على الأمم وهي تزول وعلى البشروهم فى سبيل الانقراض والاختفاء التاريخى ، كما حدث فى حقب تاريخية عديدة من قبل. لأننا ثابتون عند تاريخ لا يتغيرفى لغته ومفاهيمه وقوانينه ، بينما العالم تحرك من حولنا وابتعد حتى لم نعد نراه. لذلك نحن أمة مهزومة تحارب طواحين الهواء ، أو ترد فى صلاة الجمعة على الغائبين فقط !! لاختراع القتال اختراعا. لكنه القتال غير الشريف. أن حضرة الشيخ لا يدرك أن منهجهم يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وأن ما يقدمونه اليوم من مناقشات لإثبات أنهم على استعداد للنقاش العقلى لا يجعلنا ننسى أنهم كانوا يقدمونه من قبل بالسنجة والرشاش ، وأنهم فى حال الهزائم الفكرية عادة ما تأكلهم أيديهم على الخنجر والمسدس ، لأنهم لا يرون أن هناك شيئا اسمه حق الاختلاف وكذلك كان تاريخنا الأسود الطويل ، لم يكتب فيه للرأى المخالف بقاء طوال عصور الخلافة المجيدة ، لأنه إما انتهى بقسوة سيف مسرور ، أو اختفى فى المعتقلات ، أو اختفى لأن أصحابه اختفوا ببساطة.

كلا لم يدرك شيخ المسجد أنه كأحد سكان الكهف ، وأن العملة التى بيده قد أصبحت غير صالحة للاستخدام لطول نومه والتاريخ يجرى من حوله. لقد استنزل على شخصى اللعنات - سامحه الله - لزعمه أنى قد وصل بى الأمر إلى حد مقارنة عمرو بن العاص الفاتح ببول بريمر الرئيس الأمريكى لعاصمة الرشيد.

كان موضوعي هو إصلاح ثقافتنا بأيدينا قبل أن تصلحها لنا يد العم سام. وضمن ذلك وقبله وبعده الصدق مع تاريخنا وتدقيق مفاهيمنا وإصلاح طرائقنا في التفكير ، فإذا تحدثنا عن الاحتلال عبر التاريخ لا يصلح أن نبكي على الاندلس التي تحررت من احتلالنا ونجأر بالشكوى من احتلال أراضينا ، وندعو الله ليل نهار ليمكننا من البلاد الأخرى ننعب الأموال ونسبي الزراري والنساء وندخلها تحت رايتنا.

وأنه إذا ما تحدثنا عن الاحتلال فعلينا أن نعترف ببساطة بأن خروج العرب من جزيرتهم إلى دول الحضارات المحيطة بهم كان احتلالا لتلك البلاد وغزوا استيطانيا بكل معنى الكلمة ، بل وفاق ألوان الاحتلال الاستيطاني الآخرى فى تجبرة بمسحه لغة تلك الشعوب ، وكانت دعاء تاريخها وثقافتها وعلمها. وهذا القول ليس وزرا لا في حق الوطن ولا حق الإسلام ، إنما هو تقرير لأحداث سجلها العرب بأيديهم وما ارتكبت تلك الأيدي ، لكن تحت شعور الزهو والفخار. فهو ليس بكلام مختلف ولا رغبة في الانسحاب عن اللغة العربية وثقافتها ، إنما هو فقط إقرار بالحقائق حتى لا نظل أصحاب المنهج الأحول الذي يرفض ان يرى عيوبه وخطأة في حق نفسه. حتى يمكنا على الأقل أن نتمكن من الكيل بمعيار واحد".

وهو ديدننا فى اتهام الغير دوما" ، وحتى لا تختل لدينا الرؤية فنرى القشة فى عيون الآخرين ولا نرى الخشبة في عيوننا.

ولماذا نذهب بعيدأ لنقارن بين ما فعل بن العاص فى مصر وما فعل بريمر فى العراق ؟ لماذا لا نقرب المسافات والأمكنة ونختار حدثا واحدأ من مئات الأحداث التى جرت للعراقيين عند فتح بلادهم ؟ وتاريخنا يكتظ والحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه بأمثلة تنوء بها المكتبة العربية وتفجع العين ويتلظى منها الحس الإنسانى وينفر.

والحادثة المقصودة هي من حدثان خالد بن الوليد إبان فتحه بلاد العراق وسنعمد إلى قراءتها من أشد الكتب تحيزا للسنة ولقريش وللصحابة ، من ابن كثير فى كتابه البداية والنهاية طبعة دار الكتب العلمية مج ع ص 350

إذ يقول حاكيا : "ثم كانت وقعة أليس فى صفر أيضا ، وذلك أن خالدأ كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل من نصارى العرب .. فاجتمعوا بمكان يدعى اليس .. وقال خالد : اللهم لك على إن منحتنا اكتافهم ألا أستبقى منهم أحدا .. حتى أجرى نهرهم بدمائهم. ثم أن الله منح المسلمين أكتافهم فنادى منادى خالد : الأسرى الأسرى .. فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا ، ووكل بهم رجالا يضربون اعناقهم في النهر. ففعل ذلك بهم يوما وليلة ، ثم يطلبهم في الغد ، ومن بعد الغد ، وكلما حضر منهم أحد ضرب عنقه في النهر. لا يجري بدمائهم حتى برسل الماء فيجري بها الدم إلى اليوم فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ماكفى المعسكر بكماله ثلاثة أيام ، وبلغ عدد القتلى السبعين ألفا" .

فقط ذبح سيف الله المسلول سبعين ألفا عربي عراقي لا فارسي لأنهم لما انهزموا قبل ذلك جمعوا جيشهم في اليس ليدافعوا عن بلادهم من الاحتلال وعن أعراضهم وشرفهم من النهش والبيع في أسواق النخاسة ، وهو ما أهاج بن الوليد فأقسم أن يجعل النهر يجري بدمائهم إذا مكنه الله من أسرهم "منحهم أكتافهم" وقام بسد مجرى النهر ليجري النهر الفارغ بدم الأضاحي البشرية العربية بيد العربي. وظل يقتل ويقتل ليجري الدم نهرا وهو لا يجري لثقله ، حتى جاء من همس له أن الدم لن يجري إلا إذا فتح عليه المياه ، ولولا هذا الهمس التاريخي لكان خالد قد ذبح أهل العراق جميعا حتى يبر بقسمه لربه ، وما كان لشخص كابن الوليد أن يحنث بيمين كهذه !!

إن وجهة نظر الإسلامية تعرض هذا فيما كتبته للتاريخ كلون من الزهو والفخار ، ولا ترى في فعل خالد سوى شيمة إسلامية عظيمة هي عدم الحنث باليمين ، لكن أي وجهة نظر أخرى مهما وليت النظر باحثا عن قول ، فلن تجد سوى الدم يلطخ وجدانك ويشعرك بمحاولة البحث عن أي لون ممكن تقديمه من ألوان الاعتذار التاريخي لهؤلاء السبعين ألفا الذين ذبحهم خالد بدم بارد حتى تهذأ نفسه وتستريح.

إن أصحاب هذا اللون من الفخار ، هم بالضبط وحدهم من يستطيعون أن يفجروا أنفسهم ليقتلوا الشيعة في يومهم الأقدس في العراق ، ليلوثوا شرف العراق ويزيدون في عسر ولادة العراق الجديد .

إن من يفكر بهذا الشكل وينظر إلى كل ما حدث في تاريخ الإسلام نظرة تبجيلية لا ترى فيه أي نقص ، تدفع العوام وأشباه المثقفين إلى محاولة استعادة هذا النموذج اليوم بكليته ولا يرون فيه سوى الكمال كله ، لتقوم قوى الإسلام السياسي بتجنيدهم بشديد البساطة وهنا مكمن المشكلة ، مطلوب إعادة تشكيل الوعي حتى نعرف كيف نفكر لا أن نحب أو نكره أو نبجل أو نلعن ولا أن نقوم بتجميل تاريخ يصعب تجميله ، وأن نعترف بالأخطاء أينما كانت ماضيا أو حاضرا لنعي ذاتنا ونراها ، لأننا لن نتمكن من اللحاق بآخر عربات في قطار الحداثة إلا إذا تخلصنا من أوهامنا ومعالجة طريقتنا في التفكير .

ولو فكر شيخ المسجد المقصود هنا من داخل عقل بول بريمرلاعتبر مقارنته بخالد بن الوليد أو بعمرو بن العاص إهانة لا تغتفر. فعلينا ألا نتصور أن معايير ذلك الزمن صالحا لكل زمان ومكان فهذا كلام خارج العلم أصلا ، لأن المتغير الزمنى والتطوري لا يحدث إلا ويحدث معه تبدل فى المعايير ، بل أن تبدل المعاييرنفسه هو ما كان دفعات للتقدم والتحضر ، لذلك يجب التخلى عن فكرة الصلاحية الدائمة لأى شىء له رائحة إسلامية ، وأن إيمان بعض المسلمين بأن الصحابة أسياد لنا وهم نموذج وكواكب تقتدى بها البشرية لا يلزم بريمربقبول قاعدتنا المعيارية .وضمن تلك الحالة المتشابكة أننا لا نرى حركة الزمن أبدا ، ربما لأنه زمن أمريكى و ما قبله كان زمنا أنجلو فرنسيا وهكذا وحين نتأمل شيئا فى الزمن لا نرى سوى زمن الصحابة بحسبانه النموذج الأمثل الأكمل الأكثرتحضرا وعلما ، وهى نظرة لا تجعلنا نرى ما بأيدى الآخرين من أسباب التقدم لنستفيد بها ، رفضا للاعتراف بتفوقهم علينا وبسبيل نفى هذا التفوق يتقدم أصحاب حكايات العلم والإيمان الساحة لإثبات معرفتنا الربانية المسبقة لكل ما تم اكتشافه وما لم يتم اكتشافه بعد ووصل الأمر بأحدهم إلى أنه قد أباح لنا أخيرأ أكل الذباب لنحصل على المصل المضاد من أحد الجناحين .. فلله درك يا غلول؟!!

إن طريقتنا في التفكير المصاغة في لغة محنطة لامكان لها سوى أكفان التاريخ ، ولا حل معها سوى "قتلها" بحثا ونقدا ثم أخيرا وليس آخرا علينا أن نتواضع ونعرف قدر أنفسنا الحقيقي إزاء الأمم الأخرى ، فنتحدث بلغة الحال لا بلغة المنتصر التاريخي بطل كل الأزمنة فنكون كالملك المخلوع المجنون الذي يلعب بنياشين الماضي متصورا أنه لا يزال ملكا.

روز اليوسف

Posted by المجموعة الليبرالية at 13:34:39 | Permanent Link | Comments (0) |
Comments
Write a comment