فوضى الولاءات
فوضى الولاءات
خلال أسبوع واحد شهدت مصر مواقف وأحداثاً ترتبط جميعاً برابط موضوعي واحـد تـقف وراءه منظومـة فكرية واحـدة وإن اختلفت الطرق فيها إلى الهدف المتفق عليه.
في سابقة خطيرة تطوع فضيلة المفتي الشيخ علي جمعة ليفتي بوجوب دفع المسيحيين المصريين من غير الأرثوذكس الجزية ، وأن الجزية مبدأ إسلامي لا يمكن التنازل عنه. وهو الكلام أو الفتوى التي سبقته إليها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بلسان مرشدها الأسبق مصطفى مشهور ، وحينها هبت مصر بكل أطيافها تستهجن وترفض وتدين تلك الفتوى التي اتهم الإخوان حينها بسببها بمحاولة تمزيق مصر بين طوائف مواطنيها. لكن القائل هذه المرة هو مفتي الديار المصرية وليس قولاً فلوتاً لجماعة محظورة.
وفي السادس من أكتوبر تعرضت ورشة عمل يقيمها مركز ابن خلدون تحت عنوان "الإسلام والإصلاح" لعملية بلطجة إسلامية قام فيها البلطجية بتكسير القاعة وإقامة الصلاة الجامعة فيها. النكاية ليست في هذا المناخ الذي يذكرنا بمناخ الثمانينيات أيام ترعرع الإرهاب في مصر ، إنما فيما تلا ذلك عندما طالب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور سيد طنطاوي بضرورة إيقاف مؤتمرات هذا المركز العلمي المدني والتصدي له ولغيره من مراكز المجتمع المدني:"لأن هذه المراكز لها دور تخريبي في المجتمع المصري" ، ووصفهم جميعاً بأنهم من "الخارجين".
وفى السابع من أكتوبر عادت رياح الإرهاب العاتية لتدمر وتقتل في طابا في كارثة دموية ستحتاج زمناً حتى تلتئم بعدها جراح السياحة في مصر كلها ، بينما انتهت كل البحوث إلى أن السياحة يجب أن تكون المصدر الأول للدخل للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة على مستوى الفرد ومستوى الدولة. وأخيراً ونتمنى أن يكون آخراً تم رفع دعوى حسبة ضد الكاتب القدير أسامة أنورعكاشة بادعاء تجاوزه حدود الأدب في وصف الصحابي عمرو بن العاص.
قراءة هذه الأحداث المتتالية تشير إلى خلل في الولاءات.
فقد نفهم تطرف الإخوان عندما يطالبون إخواننا في الوطن بالجزية ، ولكن ما ليس مفهوماً بالمرة أن يصدر ذلك عن مفتي البلاد ، عندما يترك موقع الولاء للوطن ، ذلك الوطن الذي وضعه في هذا المكان الرفيع ، لنجده يعمل بقاعدة الولاء والبراء فيوالي المسلم ويتبرأ من غيره ويطالب المصري المسيحي بدفع الجزية ، لينتقل من موقعه في الحكومة المصرية إلى جوار الجماعة المحظورة جنباً إلى جنب ، بدلاً من السكن في قلوب مواطنيه مسلمين ومسيحيين لأن الولاء الذي عمل به مولانا هو ولاء لجماعة إسلامية كبرى لا تعرف معنى الوطن وقدسية المواطنة.
وقد نتقبل على مضض ما قام به بلطجية التطرف بتدميرهم ورشة عمل مركز ابن خلدون في انتظار القصاص ، لأنه هكذا كانوا وهكذا عادوا وهكذا اعتدنا منهم ، لكن غير مقبول لا بمضض ولا بغيره ولا مفهوم ولا مبرر أن يهاجم شيخ الأزهر منتدى فكرياً ضم أسماء لوامع في عالم البحث العلمي وكلهم مسلمون وكلهم اجتمعوا من أجل المسلمين ، لأن رأياً هنا أو قولاً هناك استجد على قائمة الممنوعات الأزهرية.
لقد شن شيخنا حملته في وقت وظرف محلي وعالمي يطالب بالإصلاح وبإطلاق حرية المناقشة والرأي والقول ، لنصنع بأيدينا تغييرنا المأمول قبل أن يأتي المارينز ليصلحوه لنا بطريقتهم. إنها مرة أخرى حالة اختلال الولاءات ، ما بين وطن يحتاج قطعاً لإصلاح عبر مشوار طويل ، وبين الولاء لخطوط حمراء صنعها فقهاء من بني الإنسان اكتسبت بالتقادم قدسية الدين وأصبح ممنوعاً الاقتراب منها ، وهي الخطوط الحمراء التي كانت سبب نكباتنا بعدم الحراك أو التغيير بأوامرها الصوارم عبر تاريخنا الطويل غير الجميل.
وفيما كان أسامة أنور عكاشة بين أمرين: أمر الوطن وأمر عمرو بن العاص كفاتح للوطن ، فقد اختار عكاشة الوطن ، وهو الأمر المنتظر منه ككاتب عبقرى ومفكر وطني.
والأمر الطبيعي المفهوم أن يكون الولاء للوطن ، لكن بعض المصريين يختل عندهم الولاء ولا يستطيعون تسمية الأحداث بأسمائها التاريخية ، ويمجدون الغازي ويكفرون أهل البلاد المفتوحة التي كانت في رأيهم جاهلية وثنية أو مسيحية ، لا فرق عندهم ، فيطلبون محاكمة عكاشة وليس محاكمة الغازي التاريخي. المصيبة ليست في مصر وحدها ، لأن اختلال الولاءات أصبح سمة المسلمين ، حتى الذين يعيشون في بلاد الحريات في الغرب يعملون ويأكلون ويطببون ويتمتعون ويكنزون الذهب والفضة ، ويدينون بالولاء لفتاوى عابرة للقارات وليس لقوانين أوطان فتحت لهم صدرها بدلاً من أوطانهم الطاردة.
وبينما مصر تلملم كرامتها بعد ضرب طابا ، وبعد أن أعلنت مصر أنها نموذج يحتذى في القضاء على الإرهاب أكثر من مرة في فخر واعتزاز ، فقد انكسر الفخر والاعتزاز عندما دوى الانفجار ، وعندها خرج علينا المناضل المتأسلم مجدي أحمد حسين في جريدة "الشعب" في 8/10/2004 يهلل منادياً في عنوان كبير "الله أكبر مصر تتحرك أخيراً وتنتقم لشهداء الانتفاضة".
هل الولاء هنا لمصر؟
أم لفلسطين من وجهة نظر عروبية أم للعروبة؟
أم لفلسطين كمقر للمسجد الأقصى من وجهة نظر إسلامية؟
أم لإسلام بعينه يرى نفسه الصواب ويقتل ضمن ما يقتل من أجانب ، مواطنين مسلمين مؤمنين لكنه لا يراهم كذلك ؟
أم هو ولاء للقاعدة؟
أم هو فكر يجمع الجميع؟
وهل طابا إلا صدى تأييد بلاد العرب أوطاني لقاعدة العراق؟
ومن قبله قاعدة طالبان؟
وهل هي إلا عمل مشروع بعد أن شرع لهم المفتون والمشايخ بأنهم المجاهدون؟
ومع أية إجابة يجب أن يتم تحديد الولاء؟.
(الاتحاد الإماراتية )

