الناطـق الرسمـي
الناطـق الرسمـي
في بلاد المسلمين تجد أمراً لا تجده في أية أوطان أخرى ، فهنالك مثلاً دولة وحكومة شرعية وقانون ودستور ، لكنك كمواطن تكتشف أنك أمام حكومتين ، فهناك دوماً حكومة موازية تتمثل في محترفي الاشتغال بشؤون الدين.
عندنا القانون ، لكن عندنا أيضاً الفتاوى ، والفتوى تشريع والتشريع قانون ، وعادة بل وغالباً بل وربما دائماً ما تصطدم الفتوى الدينية بالتشريعات القانونية.
ومن هنا يجد المواطن نفسه إزاء سلطتين كل منهما لهـا تشريعاتها وعليه دوما أن يرضي الطرفين المتناقضين ، فيرضي الدولة مثلاً بإيداع أمواله فـي بنوكها الموصوفة بالربوية ، من باب الضمان والاحتياط ، لكنه يودعها فـي الفروع الداخلية للمصارف الربوية المكتوب عليها المعاملات الإسلامية
المشكلة تكون هينة لو اقتصرت على هذا المثال ، لأن الأخطر هو أن جميع الحكومات الموازية في بلادنا تخوض الآن حرباً علنية ، إن لم يكن بالرجال فبالإمداد أو الدعم المادي أو الدعم بالفتاوى أو الدعم المعنوي وهو أضعف الإيمان ، لتأجيج المشاعر وتجييش النفوس وحشد التأييد باسم الدين.
وفجأة تجد أفراداً لا نعرفهم يتحدثون مع الغرب رسمياً للإفراج عن أسرى ، أو لفرض شروط ، أو لعرض وجهة نظر لا نعرف ما هي. ومن ثم تحدد لنا الحكومات الموازية من هو عدونا ومن هو صديقنا ، بل إنها هي التي تعلن الحرب أو تعلن الهدنة ووقف إطلاق النار ، إنها هي التي تحدد أهداف القتال وأرض المعركة وزمنها. إنها هي التي تضع الخطط ، إنها أيضاً قـد تمكنت من الحصول علي منابر إعلامية فضائية واخترقت أخرى ، وأصبح لها صحافيوها ومندوبوها في دول العالم بديلا للسفراء الرسميين وتفعل كل ما تفعل ولا تتحمل أية مسؤولية أمام العالم ، بينما تقع النتائج علي رؤوسنا بشراً وأرضاً وديناً ومستقبلاً.
· هل المعارك التي يخوضها أبناء المسلمين في كافة أنحاء العالم اليوم هي برضا منا؟
· و هل تم سؤالنا إن كان بإمكانهم إعلان الحرب باسمنا؟
· ثم إن هذه المعارك لا مفهومة للعالم ولا مفهومة لنا ، فهل هذه الحرب العالمية التي يقوم بها المسلمون هي حروب تحرير في أندونيسيا والفلبين وإسبانيا وفرنسا والسعودية وغيرها؟
· و مم تحررنا بالضبط؟
· وهل التحرير يكون بقتل المسلمين أيضاً؟
· أم تراها غزوات وحروب فتوحات ، لكنها لم تفتح شيئاً حتى الآن علينا سوى أبواب جهنم؟
· أم هي حروب دعوة للناس للدخول في دين الإسلام بقتلهم؟
· وهل ثمة إجابة واضحة لتحديد هوية هذه الحروب التي تجد لها بيننا المنظرين والفلاسفة والمفكرين المسلمين؟
هلاّ أجابنا السادة المفكرون المتأسلمون عن غاية هذا الذي يحدث؟
و فوق هذا وذاك لا شك أننا جميعاً سننشغل بمصيرنا نحن ، فهل بإمكان تلك الميليشيات الإسلامية الخفية أن تحمينا وهل في قدرتها حماية التراب الإسلامي والعربي عندما يفقد الغرب صبره معنا ، ويتحرك الغضب الروسي والإنجليزي والفرنسي والأميركي والألماني.. أو العالم كله باختصار ضد المسلمين ، هل هم قادرون على حمايتنا وحماية أوطاننا؟
ثم ماذا عن بعض الفضائيات العربية التي تحولت إلى وزارات إعلام لابن لادن وللزرقاوي ، وهل ما تمارسه تلك الفضائيات من تجاوزات باسم الرأي والرأي الآخر ، بينما هذا الآخر لم يعرف طريقه إلى شاشاتها مرة إلا مخنوقاً مشوهاً محاصراً ، هل ما تفعله باسم تأييد المقاومة الإسلامية الذي وصل إلى حد تزييف الأخبار على المسلمين وليس فقط الرأي ، هل سيكون ما تفعله من سفه في رصيدها أم في رصيد شعوبنا المسكينة عندما يأتي الحساب الدولي بموازينه التي لا تعرف خسارة أبداً ، بينما حياتنا نحن كلها خسائر.
على حكوماتنا أن تأخذ موقفاً واضحاً صارماً لا يخشى تياراً عاماً غير سوي ولا رشيد ، وأن تعيد إلى إعلامها العقل ولغة الحضارة وأن تستعيد هيبتها أمام مواطنيها بتفعيل القانون ومعاقبة كل من يحرض عليه بحسبانه قانوناً وضعياً ، لأن المحرض هنا يحرض ضد نظام الدولة وأمانها وسيادتها.
نريد أن نعرف يا سادة هل حكومتنا هي الناطق الرسمي باسمنا؟ أم أنها تنازلت نيابة عنا ودون أخذ رأينا للحكومة الموازية؟.
نشر في موقع وجهات نظر العدد (10756) 16 ديسمبر 2004

