خيــــر القــــرون
خيــــر القــــرون
من منا لا يتذكر ماضي أيامه بحسبانها أجمل الأيام حتى لو لم تكن كذلك؟ ومن منا لا يتمنى عودة الشباب وربما الطفولة في زمن مضى لابد أن يكون متخلفاً وأقل ترفاً وأكثر شقاء وتعباً قياساً على فارق التقدم الحضاري الذي يسير بسرعة تفرق فيه أسلوب الحياة ونمطها ما بين أمس شبه بدائي وبين حاضر أكثر تعقيداً وأكثر تحضراً؟.
و مع تقدم السن يجد الفرد نفسه وسط مكتشفات لم يعرفها في شبابه ودنيا جديدة لم يألفها في يفوعه فلا يجد أمامه إلا أحد سبيلين:
الأول هو أن يتآلف مع الجديد ويتعايش معه ويتفهمه ليظل حياً في واقعة الجديد المتغير ،
و الثاني ألا يستطيع ذلك ويظل متعلقاً بماضيه وسحره منسحباً من زمن لا يفهم تفاصيله وشروطه ويتطلب منه تغيراً لا يستطيعه أو يتكاسل بحكم قيم ماضيه عن التعامل مع قيم حاضره ، ليجلس منتظراً معجزة إعادة ماضيه أو الحياة فيه بأحلام يقظة مريضة ، أو أن يعاجله الموت ليخرج من ذلك العالم الذي ما عاد يفهمه ، إلى حيث ستعيش خير أمة للناس في جنان النعيم عوضاً عن حياة متخلفة شقية.
وكمـا الأفـراد هي الشعوب أيضاً ، لأنها محصلة جمع أفرادها. ويشغلنا من بين الشعوب شعوبنـا التي مرت بظروف طويلة من القهر والاستبداد والقمع تحت ألوان من الخلافة قطعتها عن الحداثة والتحرك مـع حركـة العالـم الجديـدة بعـد اكتشاف المنهج العلمي في التفكير وما استتبعه مـن قفزة علمية نوعية علـى كـل المستويات. مـن مستوى الكشف والاختراع إلى مستـوى الأخلاق إلـى مستوى الحقوق الفردانية بكـل أطيافها وألوانها ، بينما بقيت الإمبراطورية العثمانية فـي حالـة إغلاق علـى الذات فـي زمن تحركت فيـه الدنيـا نحـو فضـاء جديد وصلتنـا إنجازاته ومكتشفاته فأحدثت لدينا صدمة الفارق الهائل بين جديدهم وقديمنا.
وإزاء هذا الفارق العظيم بين حضارتنا بالأمس البعيد التي لازلنا نعيش كل تفاصيلها في كل حركة وكل سكنة في حياتنا ، وبين حضارة عالم اليوم ، بـات المسلم يشعر بالتخلـف والمهانـة ، بهزيمة حضارية ماحقة. لكنه بدلا من أن يحاول التكييف مع الجديد وهو الأمر الصعب الذي يحتاج إلى تغيير في كافة المفاهيم والبرامج والمناهج ، ومع معزة هذا القديم والتمسك به ، وعدم قدرته في نفس الوقت على التحريك أو التغير الذي هـو دومـاً بدعـة ، قررت الأمة أن تعلن عن شيخوختها بإصرارها على التمسك بصباها القديم ، لتعيش حلـم يقظة مريض تتمتع فيه بإحساس وهمي بالتفوق بالدين وحده على بقية الأمم دون أن يفعل ذلـك فـي واقعها سوى مزيد من الخروج من الحاضر الذي هو بالضرورة خروج من التاريخ الإنساني الفاعل. لقد بات غايـة أملنـا أن نعيش بطريقة خير القرون زمن السلف الصالح ، غير مدركين أن هذا السلف الصالح كان هو التغير الجديد في عالم قديم ، وأنهم في زمنهم هم من رفعوا راية التجديد ، وأنهم رفضوا مبدأ "هذا ما وجدنا عليه آباءنا" ليقيموا حضارة عالمية حينذاك ، وأن هذا السلف الصالح لو كان معنا اليوم لكان أول من بدل وغير ، لأنهـم أدركـوا حقيقـة المسيـرة التطوريـة لخليفـة الله فـي الأرض.
ثـم يغالي بعضنا عـن سفسطة أو عـن يقين فـي النرجسية ، ويتصور أن بيدنا كل مصابيح العلم والأنـوار والهدى ، بـل يـرى هؤلاء أنه لازال من واجبنا إيصال الأنوار إلى بلاد الغـرب الكافر لتتحقق لهـم سعادة الدارين ، دون أن نفهـم كيف يمكن للجاهل أن يعلـم العارف ، أو لمـن يعيش فـي الظلام أن ينيـر بـلاد مـن يعيشـون أصـلاً فـي النـور.
إنه سحر الماضي لأمة أصابتها الشيخوخة ، رغم أن لشيخوخة الأمم اليوم علاجاً متوافراً والحمد لله بالتكيف والتغير والحريات والمنهج العلمي. لكننا لا نعترف أصلاً أننا مرضى ، أو أننا بحاجة لعلاج ، لأن ماضينا هو خير القرون وما بعده إلى انحدار. المشكلة أن المسلمين فقط هم من انحدر وغيرهم أقام قروناً جديدة هي الأرقى بكل المقاييس.
نشر في موقع وجهات نظر العدد (10742) 2 ديسمبر 2004

