Sunday, 17 December, 2006

هل نحن قوم عصريون؟

هل نحن قوم عصريون؟

· خطباء النجوع مازالوا يدعون الله كى يساعدنا على احتلال بلاد الغير وسبى نسائها!

· شيخ متطرف يطالب باعلان الحرب على بلغاريا واسبانيا باعتبارهما بلدين للمسلمين!

· نرفض ان يتدخل الغرب في شئوننا بعد ان تدخلنا في شئون افغانستان والبوسنة والهرسك!

لاشك ان الاستعمار بكل الوانه والسيطرة على الاخر والتدخل في شئونه الداخلية وفرض ارادة القوى على الضعيف سمة من سمات التدنى الحضارى التى لم تتخلص منها الانسانية بعد.

ونحن بالطبع الد اعداء الاستعمار وضد كل الوانه واشكاله ، لالانا كنا الجانب الاضعف منذ اعلقنا النوافذ على عقولنا وتقوقعنا داخل الشخصية الثقافية الثابتة الواحدة بينما ننعيها كل يوم على بنى صهيون.

وهنا يأتى التساؤل المفترض عن مدى صدقنا مع انفسنا في الموقف من المبدأ الاستعمارى ، وهل هو موقف مبدئى اخلاقى يتسم بديمومة المبادئ واستمرارها؟

الواضح اننا نلوم القوى لانه قوى ولا نلوم انفسنا لضعفنا ولا نبحث عن اسباب هذا الضعف لتجاوزه لنعيش دنيا الاقوياء ونروج تبريرا لهذا الضعف ان الاستعمار يكمن لنا بمؤامراته في كل طريق ، بينما الحقيقة التى نتغافل عنها هى ان ضعفنا كان السبب في استعمارنا وتوارى ارادتنا وتراخيها.

اننا من موقع الضفع نعلن دوما تمسكنا بالمبادئ الرفيعة مثل رفضنا لتدخل الدول القوية في شئون الدول الاضعف. و لكننا ابدا لم نجد باسا من التدخل في شئون افغانستان ابان ماسمى بالجهاد ضد الشيوعيية ، كما لانجد اى مانع من التدخل في البوسنة. نعم نحن ضد الاستعمار. . لكننا نرسل الدمع ثرا في بكائيات مكلومة كلما جاء ذكر الاندلس التى تحررت من استعمارنا ، و فى الوقت ذاته نؤمن عن يقين اننا رسل السماء لاحتلال العالم ونشر كلمة الله فيه ، ولم يزل خطباء المساجد والزوايا في كفورنا ونجوعنا يدعون الله ان يساعدنا في احتلال بلاد الغير ونفل اموالها وسبى ذراريها ونسائها.

وفى مصنفات سيد قطب نجد دعوة واضحة صريحة للتدخل في شئون الشعوب والامم الاخرى وفرض الاسلام عليها بالقوة. . لان منهج الاسلام هو ازالة الطواغيت من الارض جميعا وتحطيم الانظمة السياسية القائمة فيها ، او ان يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

أما احد شيوخ التطرف الحاليين فيرى انه من واجب المسلمين اعلان الحرب على بلغاريا واسبانيا باعتبارهما دارين للاسلام..

فهل تفصح هذه اللوحة عن ايمان بمبدأ انسانى رفيع نتمسك به ، ام ان الامر لدينا كما لدى الجميع حيث فعلنا فعل القوى زمن القوة ، فأقمنا امبراطورية كبرى باحتلال بلدان المتوسط جميعه ، وهو الامر الذي يسقط حجة تميزنا الثقافى الذي ندعيه ونترفع به على العالم ، فقانون القوة والضعف يسرى على الجميع دون تميز لشخصية قومية على اخرى.

ويقف وراء استمرار دعوة القوة زمن الضعف إلى مشترك بين أحوال الامس وظروف اليوم ، وهو المشترك الذي لا يجعلنا نلتفت إلى أمراضنا الذاتية لعلاجها ، وهذا المشترك هو منهج الطائفية العنصرى ، الذي يكاد يلغى الوطن ومفاهيمه من خريطة همومنا. فقط نحن نكرر ونكرس طوال الوقت مفهوما عنصريا مفاده اننا ضمير الامم والافضل بين العالمين. . وكل اخر هو في الدرك الاسفل.

واعمالا لهاذا المنهج دعا الاستاذ الحمزة دعبس - الرئيس المؤقت لحزب الاحرار - الرئيس الامريكى للاسلام ، وهى الدعوة التى سبق ووجهها لسلفه جورج بوش !

وأبدا لم يتساءل الأستاذ دعبس عما يمكن أن يغرى بوش أو كلينتون بالإاسلام وهو يرى احوال لامسلمين في ادنى درجات الامم. و يبدو انه قد تصور ان مجرد اسلام كلينتون يعنى دخول الأمريكان في دين الله افواجا ، كما لو كان شخا لقبيلة تتبع سيدها ، غير مدرك للفارق بين طرائق الأمريكان وطرائقنا في التفكير وفى الأنظمة القانونية والإجتماعية والسياسية.

ثم لابد أن نتساءل عن موقفنا لو فكر كلينتون بنفس المنهج وطالبنا بدخول دينه أو الحرب أو الجزية؟

ان الطائفية كرؤية عنصرية لا تشكل خطرا على الآخر المخالف ، خاصة مع وضعنا المزرى خارج الحضارة ، لكن خطرها الماحق على الوطن والناس في هذا الوطن. ولأن اصحاب المنهج الطائفى ينزعجون من قوى "الاستكبار" فيبدو أن الاستاذ دعبس رأى أن الحل هو الاستسلام لقوى الاستكبار شريطة أن يكونوا مسلمين ، ولا باس في هذه الحال من التبعية ، وهو ذات المنطق الذي قبلنا بموجبه حكم الديلم والمماليك والعثمانلية وغيرهم من سقط متاع الشعوب ومن سبقوهم على أكتافنا دورا فدورا ، لا لشئ الا لكونهم مسلمين ، مما إدى إلى توارى مفهوم الوطن وكاد يلغيه بالكامل.

والمنهج الطائفى لايتوقف عند تلك الاسماء ، انما يتعداه إلى هيمنة للمنهج العنصرى سياسيا واجتماعيا وثفافيا للدولة والمجتمع ومجموع القيم والسلوك للافراد والمؤسسات. بينما الشرط الاول للكرامة الوطنية هو تماسك الوطن في مراحل التحول والمنحنيات الخطرة ، وهو ما يغفله المنهج الطائفى ولا يستطيع حتى التفكير فيه.

وهنا نستأنس بفقرة للاستاذ نجيب محفوظ اوردها في كتاب اصدرته الهيئة العامة للكتاب ضمن سلسلة كتب موجهة الإرهاب يقول فيها :" هناك ملاحظات على تعامل الدولة مع المواطنين وما يشوبه من تحيز وتفرقة. . والإعلام كثيرا مايذيع على أوسع نطاق مايعد استهانة أو تحقيرا أو انكارا لعقائد الأخرين ـ دون مراعاة لما قد يسببه ذلك من هزات في تماسك الجتمع".

وهذا يعنى اننا نفتقد عنصر التماسك الوطنى ليس بسبب غيرنا لكن بسبب منهجنا.

رغم ان لدينا دستورا ينص على قواعد المدنية ، واعمال هذه النصوص لتحقيق الحريات المدنية هو الكفيل بالوحدة الوطنية التى هى اساس هوية الوطن ، فهوية المسلم المصرى مصرية لا افغانية ولا حجازية ، وهوية المسيحى المصرى مصرية لا امريكية ولا فرنسية. وعدم اعمال تلك النصوص بوضوح وبسرعة يعنى تشرذم الولاءات حيث ينتمى المسلم المصرى إلى الافغانى وينتمى المسيحى المصرى إلى الامريكى والفرنسى.

وقد سبق ان قلنا وزدنا ان لمصر ثلاث ثقافات لا ينبغى ان تعلو واحدة منها فوق الاخريين ، وتلك الثقافات هى الثقافة المصرية القديمة الاصيلة ، ثم الثقافة القبطية وهى ثقافة مصرية مكتوبة بالحروف اليوناينة ، ثم الثقافة العربية الاسلامية الوافدة. و ان نسييد الثقافة العربية وحدها فوق الثقافات الوطنية الاخرى يطعن في صدق مبدأ المواطنة المصرية. لان من يبغى سيادة الثقافة العربية وحدها لايرى في ثقافات مصر السابقة ثقافة له ، مما يعنى انه لايفكر كمصرى ، بل كمستوطن عربى غاز ، لهذا نكرر ان منطق الطائفة يستتبعه بالضرورة الغاء مفهوم الوطن ، بل تمزيق هذا الوطن. .

والملاحظ ان ادعياء الثفافة العربية وحدها يتجاهلون دور المسيحين المصريين والعرب في صياغة المنظومة الثافية المصرية والعربية ، مما يؤدى إلى شعورهم بالغربة في وطنهم لحصرهم في خانة الطاقئفة وليس في مفهوم الوطن الارحب.

والكلام عن تسامح المسلم مع المسيحى لايغير واقعا لانه في مفهوم المواطنة لا يفترض وجود طائفة تسود وتتسامح او لا تتسامح بل يفترض مبدأ المساواة لا مبدأ التسامح مع اهل الذمة.

وقد اقر الدستور المصرى مبدأ المساواة بصرف النظر عن العقيدة ، كما وقعت مصر على الاعلان العالمى لحقوق الانسان الذي يقول في مادته الثانية : "لكل انسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الاعلان دون تمييز بسبب العنصر او اللون او الجنس او اللغة او الدين او الرأى السياسى أو أى شئ أخر". و درس السودان ماثل أمامنا منذ فجرته الطائفية.

ولكن الكارثة اعمق عندما تعتقد الطائفة السائدة انها تمثل الخير كله بحسبانها حزب الله ، لان هذا يعنى ان من يخالفها مخالف للحق. لذلك لابد من تدمير المخالف وازالته. وهنا تفرخ الممارسات الارهابية وتبيض ، ومن هنا نلح على ان علاج ظاهرة الارهاب ليس فقط بالمواجهات الامنية ، انما بتفعيل المناخ المدنى على كل المستويات والمعلوم أن من يرفض المنهج المدنى صاحب مصلحة طائفية ومن يطلبه صاحب مبدأ وطنى ، فاغلبية باكستان المسلمة ترفض تطبيق المنهج المدنى بينما تلح في طلبه الاقلية المسلمة في الهند.

فالمنطق المدنى ينحاز للانسان وليس إلى طائفته او طبقته ويقوم على الحرية ولا يجبر احدا على اعتناق مبادئه بالرصاص والرشاشات ، أما المنهج الطائفى فهو الذي دفع بالدكتور احمد شلبى في سلسلة المواجهة ذاتها إلى اسلفنا قول الاستاذ نجيب محفوظ فيها ، ليقول : "اعداؤنا في الخارج اهتزوا لسقوط واحد او اكثر من الاقباط بيد المسلمين ولكنهم لا يعيرون اى الفتات لسقوط الالاف من المسلمين بيد المسيحيين في البوسنة والهرسك". وبغض النظر عن قوله بسقوط واحد او اكثر لما فيه من تزييف ، فلنا ان نلاحظ إلى اى حد والى هذه الدرجة يغطى منهج الطائفة مساحة الرؤية ويصبح الاقرب للمسلم المصرى المسلم البوسنى وليس القبطى المصرى الذي تصبح دماؤه حلالا ، وعليه ان يدفع ثمن ما يحدث في البوسنة والهرسك.

روز اليوسف 14/9/1998

Posted by المجموعة الليبرالية at 19:28:24 | Permanent Link | Comments (0) |
Comments
Write a comment