فقهاء السلطان
فقهاء السلطان
كيف اخترع رعاة التقديس سلطة “ التعزيز “ لإرضاء الحكم!
نوع من الفقهاء يطلبون الطاعة لأنفسهم. فازوا بذهب المعز!
كيف ألفوا الأحاديث التى تناسب أوضاع ما بعد الفتوحات الإسلامية؟
قبل قيام الدولة الإسلامية لم تكن للعرب فى جزيرتهم معرفة بأساليب الإدارة الحكومية ، ولا دواوينها المعقدة ، ولا مجالسها التشريعية ، ولا نظام الأمن و الشرطة المتطور. و كان اعتماد الفرد فى أمنه و سلامة ماله و روحه على نسبه القبلى و حمايته العشائرية. و من كان يتم خلعه من قبيلته يصبح نهبا مباحا مهدور الدم ، ومن هنا نشأ نظام الإجارة لدى قبائل بدو الجزيرة ، حيث كان بإمكان المخلوع أن يلجأ إلى الإستجارة بقبيلة أخرى يعيش فى زمتها آمنا فى جوارها و حماها.
و مع قيام حكومة أول دولة عربية فى يثرب ، أمكن لقبائل العرب المتشرذمة فى جزيرتها أن تتوحد إلى دولة مركزية واحدة ، و مع تهاوى إمبراطورتيى الفرس و الروم بعد حربهما السبعينية ، خرج العرب من جزيرتهم يملأون الفراغ الناشىء فى المنطقة. ليقيموا إمبراطورية شاسعة ، بدأها الأمويون الذين نقلوا عاصمة الدولة فى مدينة الرسول المنورة إلى دمشق الشام ، لكن ليجدوا أنفسهم فى ظرف جديد أكثر تعقيدا ممت ألفوه فى بداوتهم البسيطة الأولى.
بين شعوب عريقة بحضارتها و لغاتها و أنظمتها الإدارية و الإجتماعية ، لها تاريخها الممتد فى دولة مركزية منذ فجر التاريخ. هنا واجه الأمويون أول المشكلات الكبرى ، فهم لا يحملون معهم من فيافى جزيرتهم من ثقافة سوى القرآن الكريم و بعض الأشعار و علوم الأنساب وما فى قبيلها ، و هو زاد غير كاف إزاء متغيرات شتى تختلف عن بيئة البداوة فى البلاد المفتوحة بكل جديدها المتعدد ، خاصة أن القرآن الكريم كان يحمل مجموعة تنظيمات و أحكام عامة دون تفاصيل. و هكذا لم يجد الفاتحون من حل سريع سوى نقل نظم الإدارة الرومانية فى شئون الإدارة و الدوواوين و الحكم ، مما أدى إلى ظهور مشكلة أخرى تتعلق بمدى شرعية الحكم الأموى ، الذى ادعى أنه امتداد لدولة يثرب النبوية. بينما كان الواضح أمام الصحابة و التابعين و الأتقياء ، أن تلك الأساليب الرومانية فى إدارة شئون البلاد تخالف القرآن الكريم مخالفات جمة و صريحة.
و المعلم أن الأمويين قد حولوا دولة الخلافة إلى ملك وراثى عضود ، لكن حتى يمكنهم الزعم بامتداد دولتهم لدولة الخلافة ، تحايلوا بالمراسم الصورية و الطقوس الشكلية ، فكانوا يأخذون البيعة للملك الجديد و لو بالقوة. و إسالة الدماء الزكية كما حدث فى أخذ معاوية البيعة لإبنه الفاسق يزيد ، و ذبح حفدة الرسول بلاخشية ولا ورع ، و هو الأمر الذى لم يسلم من معارضة الصحابة و التابعين و الأتقياء ، و هى المعارضة التى قوبلت بعنف معلوم فى التاريخ العربى. هذا بالطبع مابات ظاهرا للجميع من اختلاف تأسيسى بين نظام ملكى قائم على قوة الحراب و السيوف يملك الأرض ومن عليها ، و بين موقف القرآن الكريم من النظام الملكى ، ومن الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها. و بين تراكم التناقدات بين النظام الجديد المعقد و بين العموميات المقدسة ، أصبح الأمويون بحاجة لإلباس نظامهم لبوسة مقدسة ، فقاموا يشترون الذمم و من يمكنهم إختراع الأحاديث المنسوبة للنبى ص تلك الأحاديث التى كانت تتضارب مع صريح الآيات و تخالف القرآن الكريم وروحه مخالفة بينة ، و لم يتم ذلك إلا بعد أن دربوا الأجيال الجديدة التى لم تحضر الزمن النبوى الجليل ، و مسلمى البلاد المفتوحة على قبول مبدأ قدسية السنة القولية ، و هنا لمعت أسماء و ظهرت فى أفق التاريخ الإسلامى مع رواية السنة القولية ، ليس لها من مآثر كمآثر الصحابة الأوائل الذين كانوا وقود الدعوة و نجاحها و كل مآثرتهم أنهم كانوا رواة الأحاديث يقف ورائها كثير من الأغراض و بخاصة الأغراض السياسية. و تم إكساب السنة القولية قدسية الوحى التى لا تقبل اعتراضا بحكم قدسيتها ، و لم يعدم المعارضون الوسيلة فلجأوا لذات الإسلوب كما فعل الشيعة مثلا ، فقاموا يخترعون الأحاديث النقيضة و يوثقونها بالإسناد و بالتواتر ، معارضة لما كان يفعله فقهاء السلطان و التشريعات السلطانية. و هنا كانت بداية تقديس أمر لم يكن مقدسا... السنة القولية.
و واجهت الإدارة الإسلامية مشكلة أخرى ووجدت حلها عن طريق السنة القولية ، فهى عندما نقلت نظم الإدارة الرومانية رفضت أية مشاركة فى الحكم برفض مجلس السوناتو ، و أصبحت دولة ثيوقراطية لا تملك هيئة تشريعية تسنن القوانين ، ومن هنا تم توزيع مسئولية التشريع و الإجراءات الجزائية بين طرفين :
الحكام الذين اخترع لهم رعاة التقديس سلطة " التعزيز" لإصدار الأحكام فيما لم يأت به نص قدسى واضح ،
و رجال الحديث و الفقه الذين قاموا على تفصيل التشريعات العامة بالسنة القولية ،
و تضافرت فوق رؤس العباد ثلاث سلطات : سلطة النص و سلطة الحاكم و سلطة رعاة التقديس / رجال الدين.
لكن سلطة رجل الدين حينذاك كانت تبنى و يعترف بها على صحابيته أو تابعيته أو علمه و تقواه ، ثم أضيف لها مدة تمطط ذمة بعض هؤلاء وفق مطتاب السلطة السياسية. و مع الزمن أضيف إليها مع إنشاء الأزهر اليونيفورم المشيخى و شهادة التخرج الأزهرية التى ظنوا بها انهم ورثة السابقين لإمتلاك السلطان. على رقاب العباد حتى اليوم ، و هو مايمثله قول الدكتور عبد العظيم المطعنى فى صحيفة عقيدتى بتاريخ 20 / 4 / 1999 و هو يفسر قوله تعالى " أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم "بقوله إن المقصود بأولى الأمر الذين أمر الله بطاعتهم هم : الحكام أو الأمراء ، ثم العلماء ، يطيعون الحكام فى سياسة الدنيا و يطيعون العلماء فى شئون الدين"
لكن على الجانب الآخر ، و إبان محاولات توفيق الشرع مع الواقع الجديد المتغير بالفتوحات كان هناك المخلصون من أبناء الأمة ، العقلانيون ، الذين لم يبتغوا عرض الدنيا ولا تاجروا بالدين ، فقالوا رأيهم دون أن يخترعوا حديثا أو يكذبوا على رسول الله ص ، قالوا رأيهم كرأى بشرى قابل للمناقشة و الصواب و الخطأ و لم ينسبوه للقرآن و لم يلبسوا أنفسهم عصمة ولا قداسة ولا طلبوا لأنفسهم الطاعة ، فاحترموا الدين و احترموا أنفسهم و احترموا مصالح الناس و لم يتاجروا بفقههم لصالح السلطان لكن تاريخنا كدأبه يعلن أن من اخترع و لفق و نسب للنبى ، هو الفريق الذى فاز بذهب المعز و جلس عن يمين السلطان ، و أن من أخلص الغرض لله و للناس تم تبديعه و تكفيره لأنه لم يستمد سلطانه من الكذب على النبى وربه ، و هو الفريق الذى إختفى من ساحة تاريخنا ، و لم يبقى فى ساحة هذا التاريخ سوى فقهاء السلطان الذين يطلبون الطاعة لأنفسهم مصاحبة لطاعة الحكام و الأمراء لأنهم أولوا الأمر منا؟ هذا ما كان عن الأسباب الموضوعية لظهور رواية السنة القولية و إلباسها القدسية فى واقع التاريخ العربى ، أما تدوينها فله أسباب أخرى يتفق حولها الجميع ، و هى تكاثر الكذب على النبى ص حتى تضاربت الأحاديث المروية عنه بإختلاف الأغراض و مصالح السلاطين و سادة الفرق حتى أن بعضها تناقض مع كتاب الله العزيز.
مع التكاثر الهائل فى الروايات المكذوبة ، لجأ السلطان التقى عمر بن عبد العزيز إلى إصدار أوامره بجمع السنة و تدوينها ، و منع الرواية عن النبى ص بعد التدوين. لوضع حد لهذا التراكم المتضارب المكذوب ، لكن هذا التدوين لم يسلم من معارضة الأتقياء الذين كانوا يعلمون بأمر النبى ص عدم تدوين سنته حتى لا تتحول إلى مقدس بجوار المقدس القرآنى ، و حتى قال الزهرى بلسان فصيح "كنا نكره كتابة السنة حتى أكرهنا عليها الأمراء". ولا نقول هنا جديدا ، بل المعلوم لكل مهتم بالتاريخ الإسلامى و تراث الإسلام عندما نؤكد أن تكثر الحديث المكذوب قد جاء أولا نتيجة اتساع رقعة الدعوة بالفتوحات ، و دخول شعوب مغايرة بنظمها و ثقافتها تحت ربقة الحكم العربى ، مما احتاج إلى تفاصيل أوسع من العموميات القرآنية ، و من ثم كان الإحتياج إلى إختراع الأحاديث التى تتناسب و المطلوب للأوضاع الجديدة ، هذا بالطبع مع أسباب تأسيسية معلومة ، تتمثل فى انقسام المسلمين حول نظام الحكم / الخلافة ، الذى لم يأت به نص. فكان أن اخترع كل مذهب و كل فرقة أحاديث لبست القدسية لتأييد توجهاتها ، و هو الواضح الجلى بين السنة و الشيعة ، و الواضح أيضا أن تلك الإختراعات المكذوبة لم تكن تقصد وجه الله بقدر ما كانت لأغراض و مصالح دنيوية بحتة. و ساعد على ترسيخ قدسية الحديث بمكذوباته أن القضاة فى ظل عدم وجود هيئة تشريع تمثلا لأمة و فئاتها و مصالحها ، قاموا يستقون أحكامهم من اجتهاد أئمة المذاهب كل حسب المذهب الذى يشايعه ، و من الأحاديث المعتمدة لدى هذا المذهب ، و بمرور الوقت تحولت تلك الأحاديث و اجتهادات الأئمة الظرفية فى أزمانهم إلى شريعة مقدسة رغم اختلاف شواهدها و أحكامها بين الفرق و المذاهب.
و وجه المشكلة هنا أن الحديث قد أصبح مصدر من مصادر التشريع إلى جوار النص الأصلى القرآنى إضافة إلى الإجماع و القياس. بل تم إلباس المصادر الأربعة قدسية القرار الإلهى ، رغم إنها جميعا إنسانية بشرية ، تتفق و معارف الزمن الذى انتهى إليها و أقرها.
فالقرآن الكريم رغم أنه النص الصحيح الثابت الأول ، فإن من يفهمه بشر ومن يطبقه بشر ، و من الطبيعى أن يختلف البشر فى فهمه و تطبيقاته ، فهو كما قال الإمام على "لاينطق بلسان لكن ينطق به الرجال" كما أن فيه اجتهادا بشريا مسموحا به ، يتمثل فى اجتهادات الخليفة بن الخطاب بشأن المتعة و سهم المؤلفة قلوبهم و حد السرقة عام الرمادة. و الحديث قد علمنا بشأنه ما قد علمنا فهو لم يدون إلا فى القرن الثانى الهجرى ، و تعرضت نصوصه للتحريف و التزوير و معظمه أحاديث آحاد لا تصلح للتشريع الجماعى. و قامت فيه البشرية بدور واضح لا يجادل فيه إلا صاحب مصالح مكابر.
أما الإجماع فمختلف بشأنه :
هل هو إجماع الصحابة؟
أم إجماع الفقهاء؟
أم اجماع الأمة؟
و هو فى النهاية و على أى وضع إجماع بشر غير معصومين و غير مقدسين لا يأتيهم وحى السماء.
أما القياس فمستعار من الفيلسوف اليونانى أرسطو طاليس و له قواعد عقلية مقبولة فى بعض الأمور و غير مقبولة فى أمور أخرى تجاوزها الزمن بتجاوز القياس إلى الإستقراء التجريبى. و بمبادىء و قوانين هذا القياس نفسه المعتمد لدى العاملين بشئون التقديس ، لا يصح إسباغ القدسية على السنة القولية جميعا ، فمن أهم أشكال القياس قاعدة تقول إنه إذا كذب الجزء كذب الكل ، و إذا صدق البعض فإن الحكم على الكل يكون مجهولا ، أى أنه إذا كذب حديث واحد فإن الشك و عدم اليقينية ينسحب بالضرورة على البقية ولا يمكن إصدار حكم إطلاقى بالصدق على كله أو بعضه ، و إذا صدق بعضه فإن الحكم لا ينسحب بالضرورة على الكل ، و هنا يطرح السؤال نفسه : إذا كانت مصادر الشريعة فى نهاية الأمر إنسانية فى مجملها ، فلماذا تثبيتها بإلباسها ثوب القداسة و إذا كان الإنسان بن زمنه ، و أن تعقيدات تلك الشرائع قد وضعت فى زمن يناسبها ، فما الحكمة فى تثبيتها بزعم قدسيتها و شموليتها لكل زمان و مكان دون مراعاة للمتغيرات؟
أضرب هنا مثلا واحد لنماذج ذلك الثبات المدهش ، ففى قوانين الأحوال الشخصية لم يزل الطلاق عند السنة ، يقع لفظا حتى اليوم فتحول اللفظ إلى كلام سحرى يتحول بمجرد نطقه إلى فعل مدمر يشتت أسرة و يهيل بنيانها هباء ، و هو ما كان يقع لفظا فى الزمن القديم لإنتشار الأمية المعممة و عدم وجود العقود الضرورية فى دواوين و أرشيف يحفظها و يتابع نتيجتها و يعاقب على إنتهاء بنودها ، و اليوم انتهى هذا الوضع الجهول بواقع جديد و زمن مخالف ، و مع ذلك تصر تلك القوانين حتى اليوم على وقوع الطلاق لفظا فى فعل سحرى منتكس إلى ملرحلة ما قبل الأديان عندما كانت الألفاظ تحمل فى داخلها قدرات ساحرة فاعلة.
هذا ناهيك عن كون أى قانون أو تشريع لا قيمة له فى ذاته بعيدا عن مصالح الناس ، و تلك المصالح تتغير بتغير الظروف عبر الزمان و بتغير الزمان.
و قد وعى المذهب المالكى هذا الأمر مبكرا فقال أنه بالإمكان التخلى عن قاعدة تشريعية إذا تغيرت الظروف و تطلبت مصالح الناس حكما مغايرا.
هنا يلح موقف مشايخ الرقابة و التكفير و السلطان الكهنوتى الذين قاموا بهجمتهم العنترية على زميلتهم الأزهرية لطعنها فى صدق حديث المرأة ناقصة عقل و دين ،
و مثله حديث لا يفلح قوم و لو أمرهم امرأة ، و هذا الحديث المعتمد فى الموقف المعلن ضد تعيين المرأة فى مناصب الولاية و القيادة و الرئاسة ، كمنصب القضاء مثلا ، و الإصرار على أن تغير الزمن لا يعطى المرأة حق الولاية. هذا رغم علمهم أن حديث لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة قد رواه البخارى و قال أن الصحابى أبا بكر قد تذكره عقب هزيمة السيدة عائشة فى موقعة الجمل ، و أن النبى ص كان قد سبق و قاله عندما آل عرش فارس إلى امرأة زمن الدعوة ، فى هذه الحال أيضا نجد السادة العاملين بشئون التقديس يميلون كل الميل نحو التشدد و التعصب و الوقوف صفا واحدا وراء حديث أبى بكر ، هذا رغم أن السيدة عائشة أم المؤمنين قد أخذت الولاية فعلا ، و ليس قولا ، ورواية قد تصدق أو تكذب و قادت بنفسها الجيوش و المعارك ، و تحدثت للرجال فى شئون العلاقات الجنسية ، فبأيهما نقتدى :
بالحميراء وعنها يمكن أن نأخذ نصف ديننا كما نصح رسول الله ،
أم بأبى بكر و موقفه السياسى المعلن بعد انكسار جيش السيدة عائشة؟
و هو الأمر الذى يستدعى التساؤل : هل يقف هذا التعصب الذكورى وراء موقف الدكتور يحى اسماعيل حبلوش من زميلته العميدة ، و قوله إنها "المرأة العميدة التى لا يصلح كلامها إلا للمطابخ" و الإصرار على نقصها عقلا و دينا ، ذلك النقص الذى أرجعه الدكتور عبد العظيم المطعنى إلى مشاعر المرأة الرقيقة التى قد تجعلها تخطىء فى الحكم إذا تولت رياسة أو قضاء ، بينما أرجعه الدكتور حبلوش لحيضها الذى يمنعها من آداء الفروض الدينية ، فهل إذا بلغت المرأة يأسها و انقطع حيضها بلغت مبلغ الرجال و انتفى عنها نقص دينها؟
إن المشكلة التى لم يرها كلا الأستاذين ـ عفا الله عنهما ــ أن الإقرار بنقص المرأة عن الرجل ، يترتب عليه الإنتقاص من حقوقها و هو لب القصيدة و جوهر.
ولا شك أن عدم رؤيية هؤلاء الأزاهرة اللوامع لمكمن المشكلة الحقيقية ، و الإصرار على أحاديث مشكوك بأمرها من باب الإصرار على هذا الإنتقاض الحقوقى ، يؤدى إلى حزن عميق على مناهج الرجال اللوامع ، و يزداد هذا الحزن عندما تراهم يعلنون أنفسهم رعاة للمقدس و حماة له وولاة الأمر منا فى شئون العقيدة ، وفى الوقت نفسه تجدهم فى غاية الضعف و منتهى العى مع تهافت شديد فى المنطق عند أول مناقشة عقلانية لما تصوروه ثوابت أو زعموه كذلك ، فقد أعلن هؤلاء السدة أن ماكتبناه حول معركتهم مع زميلتهم الأزهرية تهجم على مسلمات الأزهر و رجاله ، و أننا لاسمح الله أعداء للإسلام كما صنفنا الدكتور محمد المسير فى صحيفة عقيدتى أو أننا من رواد مدرسة المشاغبين فكريا كما وصفنا الدكتور المطعنى فى اللواء الإسلامى ، لذلك وجب أن يشترك معنا قارئنا و ينظر كيف تعامل السادة الأزاهرة مع ما طرحناه من نقاش حول ما اختلفوا فيه مع زميلتهم لإنكارها بعض الحديث و افتراض أنها من الموضوعات غير الصادقة ، لنعرف كيف يفكر رعاة التقديس فى بلادنا و إلى أين يمكن أن يصلوا بالبلاد و العباد.
لقد سبق أن طرحنا ما هجس به الخاطر فى شكل تساؤلات عن اعتقاد يقينى أن السؤال غير محرم ، فكان رد الدكتور حبلوش مخيبا لآمالنا فيه ، فقد أشاح تماما عن كل التساؤلات المشروعة و أدلة مشروعيتها التى جئنا بها من صدور أمهات الكتب الإسلامية و عن المنطق العقلى الذى طرحناه ليذهب إلى منطقة أخرى بعيدة يصرخ فيها مولولا "ما صلة هذا الرجل بالأزهر الشريف كى يتطاول على الأزهر ، بهذا الشكل و على السنة النبوية الشريفة ، لذلك اخترت له الطريق اللائق به.. المحكمة؟" هكذا لم يلتفت الرجل إلى المنهج و الأدلة القواطع ووقف يحتج على تساؤلنا عن مدى عصمة الأزاهرة و هل ما يقولوه وحى سماوى لا يصح الإعتراض عليه أم قول بشرى تصح مناقشته و قبوله أو رفضه ، إنهم لا يقبلون المناقشة ولا الإختلاف فقط يأمرون و علينا الطاعة كالخشب المسندة. و نعم قلنا أنه ليس فى القرآن ولا فى الحديث أزهر ولا رجال أزهر ، فلماذا انزعج سيادته؟ و هل لديه ما يرد به من آيات او أحاديث و لو مخترعة ، أم أنها عروش قد اهتزت لأنها قد آن لها أن تهتز؟ لقد كنا نظن الحبلوش هزبرا برصيده من تكفير المفكرين و تدعير الفنانات و الفنانين و بريادته للجبهة المنحلة ، و تصورناه سيأتى بما لم يأتى به الأوائل و طمعنا فى قول يلجأنا لمزيد من الجهد و البحث و المثابرة بين كتب الأصول للبحث عن قول فصل ، فإذا بسيادته يحرمنا متعة البحث بوفاضه الخالى ، و إذا بسيادته مجرد ظاهرة صوتية إن جازت لتخويف العوام فهى لا تجوز معنا ، و كشف الرجل نفسه فإن أنت أتيته بالسؤال بهت ، وإن واجهته بالحق التجم و لم يبق بيده سوى سلاح الإرهاب لإسكاتنا مستنفرا مئات ألوف الأزاهرة بندائه الملتاع : و أطلب من الأزهر تحديد موقفه من هذا الرجل ، ولم يبقى إلا أن نقول له قول الشافعى " آن للشافعى أن يمد رجليه "
لكن هناك موقفا أكثر رصانه و احتراما قدمه الأستاذ جمال البنا إزاء ما قلنا ، فوافقنا الرجل فى الكثير مما قلنا و لم يلجأ للتهويش و الترهيب ، و خالفنا فى بعض آخر وفى ذلك لا مثلبة ، لكن المثلبة تكون عندما يحرف الكلام عن مواضعه و هو يعلم ، فقد احتج سادته على قولنا أنه لم يصح عند أبى حنيفة سوى سبعة عشر حديثا ، ليستبدل الكلام و يقول : " فهل يعقل أن إماما من أئمة الفقه أو الإمام الأول فى الفقه لا يعرف إلا 17 حديثا " رغم علم الأستاذ البنا الفارق العظيم بين [لم يصح عنده وبين لا يعرف] و بالمرة رأى الأستاذ البنا أن يفضح مستورنا و أن ما قلنا مجرد سرقة لأفكار من قبلنا بقوله "و هذه الإتهامات التى أوردها القمنى فى حق أبى هريرة هى نفسها التى قالها منذ عشرين عاما أبو رية"
لكن غريب أمر رعاة التقديس هو عدم اتفاقهم على أدلة الإتهام ، لأن الدكتور المسير يرى أننا قد أخذنا ما قلنا عن الأستاذ أحمد أمين رحمه الله تعالى فى كتابه فجر الإسلام و كان بدوره مثلنا لا يريد للإسلام خيرا ، أما الدكتور المطعنى فلم يناقش شيئا مما طرحناه ، و ذهب يبحث عن مصادر سرقتنا للأفكار لإصابتنا فى مقتل ، حيث وجدها فى كتاب فى الحديث لرجل شيعى متطرف يدعى عبد الحسين؟ هكذا؟ الرجل لم يملك ردا موضوعيا فلجأ للتشويش بالتهويش ، و اتهمنا دون دليل واضح فما اسم هذا الكتاب على وجه التدقيق؟ و أين المقارنات النصية الثبوتية بين ما قلنا وما قال ذلك البطل المجهول المتطرف؟ أبدا لم يشغل المطعنى نفسه بذلك لقد ضرب ضربته العشوائية متصورا أنه قد أنهى الأمر ، ثم استكما أقواله لافض فوه شارحا : " ثم أضاف إليها القمنى بعض الإجتهادات الخاطئة التى تؤكد أنه لم يؤهل نفسه علميا للسباحة فى هذا المجال ، فهو لم يملك الأدوات التى تجعل بحثه مقبولا ، و بما أنه أحد رواد مدرسة المشاغبين فكريا التى تشكك فى الحديث النبوى ، جعلته يتصيد الدلة بلا دراسة ولا ضابط و رواد هذه المدرسة يجمعون على التشكيك فى السنة النبوية و يهولون من شأنها فيقولون إن عمر بن الخطاب كان يشعل الحرائق فى كتب الأحاديث و أنها جمعت جمعا عشوائيا.
و إنى أقر للدكتور باستعدادى الدائم للتعلم و مراجعة أخطائى إن وجدت و الإعتراف بها ، فلست ممن يزعمون لأنفسهم سلطانا على العباد ، ولا أتصورنى مالكا للحقيقة المطلقة لأن هذا هو الضلال المركب و الجهل المبين.
أنا فقط يا سيدى أطرح التساؤلات و استفسر طلبا للإجابات و ليس للتعالى و إطلاق الصفات المبتذلة ، لكنا للأسف لم نجد ردا ولا تكذيبا واضحا بالبينات ، ولا ادعاء بافترائنا أو كذبنا فيما أوردنا من أمهات المصادر الإسلامية ، و كل ما سمعنا من سيادته وهو المعلم المؤهل تشكيك غير حميد بكتاب مجهول لشخص مجهول من باب التهويش الهش و الجاجة التى لا تليق بالأساتذة المؤهلين ، و ذلك كما فى قوله أننا قد قلنا أن السنة قد جمعت جمعا عشوائيا؟ المصيبة أن هذا السيد يعلم يقينا أننا لم نقل ذلك ، بل هو من قال ذلك عندما كان يبرر الفارق بين ما جمعه البخارى من أحاديث و بين ما تم تدوينه منها ، بقوله إن البخارى كان يدون كل يوم حديثين ، ولا يدونهما إلا بعد أن يستخير الله و يصلى ركعتين ، ولا يسجل إلا ما تطمئن إليه نفسه ، فهلا يستطيع الأستاذ المؤهل الإستنتاج من مقدمات حديثه؟ أم أن للعشوائية معنى خاصا لدى سيادته؟
ثم يتساءل الدكتور المؤهل الحجة قائلا : " إن الروايات التى قيلت عن أن سيدنا عمر بن الخطاب كان يحرق كتب الحديث ــ إن صحت هذه الروايات ــ فالذين قاموا بروايتها هم الذين قاموا برواية الحديث ، فلماذا تصدقونهم فى هذه الأخبار و تكذبونهم فى رواية الحديث؟ "
هل أراد الدكتور بهذا الكلام إفحام أحدا؟ ربما ، لكن ألم يلحظ سيادته أن
الذين أخذوا بأحاديث النبى ص و بأمره بعدم تدوين السنة ، و صدعوا بها و أطاعوها هم الخلفاء الراشدين و ليس نحن ،
و أن من حرق الحديث هو أبو بكر و عمر و ليس نحن ،
و أن من أصر على عدم التدوين هم أجلة الصحابة و ليس نحن ،
و أننا فقط ذكرنا الأحداث التى تخفونها عن الناس كى لا تنتقص من سلطان ولايتكم عليهم.
و لم نحدد موقفنا بالإتفاق معها أو الوقوف ضدها ، إنما طرحنا الإستنتاج العقلى و الشرعى المقبول من وجهة نظرنا.
إننا لم نفعل سوى تسجيل و إعلان ما تخفونه عن جماهير المؤمنين يا ولاة الأمر منا ، و إن ما ذكرناه يشك فى الأهداف التى كانت وراء جمع الحديث و تدوينه رغم نهى النبى ص عن ذلك ، و إبراز منطقية أن المكذوب فى الحديث يؤدى للشك فى بقيته ، و الشك يا سيدى من الإيمان ، إيمان المؤمن الكيس الفطن.
و إن صدقنا أحاديث النهى عن التدوين فقد صدقنا أحاديث نبوية صدقها أجلة الصحابة و التابعين ، و لم نعاد الذين صدقوا أحاديث السماح بالتدوين ولا كفرناهم ولا بدعناهم كما تفعلون مع الذين صدقوا النهى عن التدوين ، و هم لم يصدقوها إلا لورودها بالصحاح و المسانيد و لم يخترعونها ، و ينسبونها للنبى كذبا كما يفعل البعض ، لذلك فموقفهم أكثر احتراما للدين و لمصالح الناس لأنه لا يبغى مصلحة ولا سيادة ولا ولاية أمر على العباد ولا تحالفا مع السلطان. بينما موقفكم يا سيدى تفوح منه روائح كثيرة تصرون فيها على إعمال أحاديث السماح بالتدوين ، و تبديع من يصدق أحاديث النهى عن التدوين و مهاجمته و تسفيهه ، أنتم أيها السادة مازلتم مع معاوية و يزيد ضد الراشدين ، مع السلاطين ضد مصالح الجماهير ، مع الأحاديث بمكذوبها ضد القرآن الكريم و المشكلة يا سيدى المؤهل ليست فى الأخذ بأى من المبدأين : التصريح بالتدوين و النهى عنه ، المشكلة فى تكفيركم الإختيار و الأخذ بأحاديث النهى عن التدوين و هى أحاديث و ليست آيات شيطانية ، لأنكم تريدون السنة القولية سيفا مسلطا على رؤس العباد لتكونوا أنتم سندته و أنتم الجلادون بواسطته ، أنتم الحكم و القاضى و المشروع و المنفذ ، و هو الموقف الذى أظهرتموه واضحا فى هجمتكم على زميلتكم التى رفضت حديث المرأة ناقصة عقل و دين ، و عقوبة رجم الزانى المحصن لعدم وجودها بالقرآن الكريم.
المسألة يا سيدى الدكتور المتعالى بعلمه على التلاميذ الضعاف من أمثالنا ، فى التناقض الذى لابد أن يفضى منطقيا إلى إنزال السنة من على مقعد التشريع السلطوى إلى مقعد المناقشة و التفنيد بما تقتضيه مصالح البلاد و العباد مع المتغيرات التى فرضها الزمن بعد مضى مئات العقود. لأنها لو كانت جميعا وحيا إلهيا فإنها تعنى تناقض الإله الكامل مع ذاته و تضارب قراراته ، كما يعنى أن أحد القارين صائب و أن الآخر باطل. لكننا بالطبع سنميل كل الميل مع ما أخذ به الراشدون و الصحابة و ألأتقياء حتى لو انتقص ذلك من سلطانكم. و هو الموقف العقلانى المجرد عن المصلحة و الهوى و دون مشاغبة مقصودة بل هى قلوب مؤمنة تريد الأطمئنا ن لطوية ذلك الإيمان ، و يشغلها مصير الوطن إزاء تحجر المفاهيم مع أحاديث تمنع المرأة [كمثال] من الولاية إستنادا لقدسية السنة القولية. ثم يتابع الأستاذ المؤهل فيقول " نعود لجزء من مقال القمنى الذى يدل على أنه ليس أهلا للتحدث عن نقد الحديث ، حيث أنه استشهد بآية قرآنية يدعى أنها تدعو إلى عدم الأخذ بحجية الحديث ، منها : " فبأى حديث بعده يؤمنون " الأعراف 185 ، و قوله تعالى " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء "
فهو أوهم القراء بأن القرآن الكريم ينكر الإيمان بحديث الرسول مع أن الآيات تنهى عن اتباع غير شريعة الله وما أنزل على رسوله ، فالخطاب فى الآيات إلى الذين تركوا عبادة الله و عبدوا الأوثان.
و الآن نحاول أن نفهم : عندما سبق و اعترضنا على القاعدة القائلة : إن العبرة بعموم اللفظ و ليس بخصوص السبب. قام الأزاهرة ولم يقعدوا حتى حاكمونا بمحاكم الدولة ضمن طلبهم محاكمتى على كتابى [رب الزمان] لكن انظروا معى تلون الشيخ حسب الظروف و هو يعود فيلجأ إلى خصوص السبب لا عموم اللفظ ، ذلك بلونا من التحايل لرد فهمنا المعمم للفظ الآيات. حيرتمونا يا أزاهرة هل أنتم مع العبرة بعموم اللفظ و ليس بخصوص السبب ، أم مع العبرة بخصوص السبب و ليس بعموم اللفظ؟ و حتى نغلق ملف هذه المناقشة تبقى ملاحظات تحتاج إلى إيضاح ، أساء فهمها السادة الأزاهرة الذين شمروا عن سواعدهم ليضربونا ضربة رجل واحد ، فنحن أبدا ليس من منكرى السنة ، فمناقشة ما حدث و المسكوت عنه و المخفى عمدا لوضع الأمور فى صحيح نصابها حتى لا تكون لبعض الأحاديث سلطة تعوق المجتمع ليس انكارا للسنة ، بل فهم لها فهما واضحا يرفع كثيرا من الإلتباسات التى تسمح لمفسرى الحديث الكهان بأن يكونوا أولى الأمر منا ضد مصالح الوطن.
و أيضا نحن لسنا مع غربلة الحديث التى تدعوا اليها الدكتورة آمنة نصير و الأستاذ البنا ، فكفانا غربلة ، فقد غربلنا ثقافتنا القديمة و ألقينا بتاريخنا الحضارى العظيم و لتنا القديمة فى البحر ، و لم نبقى سوى الثقافة العربية وحدها. ثم غربلنا ثقافتنا الإسلامية ولم نقى منها سوى ثقافة المذهب المنتصر حليف السلطان و استبعدنا ما عداها و كفرناه و بدعناه ، و غربلنا ثقافة مذهبنا و استبعدنا الإتجاهات العقلانية [كالمعتزلة مثلا] و أبقينا الحفريات المحنطة وحدها طاعة لأولى الأمر منا ، كفانا غربلة أيها السادة فبقاء الحديث على ما هو عليه مساحة عظيمة للدرس العلمى و قراءة الواقع زمن التدوين و فرز التيارات السياسية و كيف كان الناس يفكرون و كيف كانت تدار شئون السياسة و الإقتصاد و المجتمع. إنه نافذة هامة على الماضى و فهمه و فيه للباحث زاد و مادة بحثية غنية و ثرية. أما تسليطه تشريعا فوق رؤوس العباد فهو الأمر الجدير بإعادة النظر ، و يحق الكلام فيه لكل من يمتلك قدرة الؤية لمناقشة مساحة النفع و الضرر و حاجة الوطن اليوم خاصة إذا رام ذلك من لم يبتغى سلطانا ولا نفعا ولا مصلحة سوى مصالح الناس و الوطن التى حيثما تكون فثم وجه الله.
أما المناقشة السريعة التى سقناها لأقوال الأزاهرة اللوامع الذين يزعمون رعاية المقدس و حمايته. بحسبانهم المقصودين بطاعة أولى الأمر منا ، فقد كشفت مدى تهافت أقوالهم و لجاجتها و عدم مصداقيتها مع إصرارها على مواقفها الثابتة حتى لو ظهر خطأها ، وإن هذا التهافت ليدفع التساؤل :
ماذا لو تعرض الإسلام حقا لهجمات فكرية تريد به شرا ، و ليس مجرد مناقشة من مسلم مثلهم؟ ماذا هم فاعلون؟
إذا كانت هذه كل ممكناتكم أيها السادة فقد أحزنتمونا كثيرا و تركتم كل شىء عاريا من كل حماية ، لذلك لم يبق ما نقول مع أسماءكم اللوامع و هديركم الزاعم رعاية المقدس و حمايته سوى القول استقيلوا يرحمكم الله.. و يرحمنا.
روز اليوسف 8 / 5 / 1999

