Friday, March 3, 2006

مدينة قرضاوي الفاضلة

مدينة قرضاوي الفاضلة

قرضاوي تمكن من تأسيس مكان متميز له في الفكر الإسلامي المعاصر بمجموعة ضخمة من الأعمال المكتوبة ، إضافة إلى نشاطه الكثيف في الفضائيات العربية ، ووجوده في جميع المؤتمرات المحلية والدولية مرجعا أعلى ، ومستشارا لبعض حكام الخليج ، وأثار القرضاوي أكثر من مرة جدلا وصخبا بسبب ما يطرح من فتاوي ، كما في فتاواه بشأن زواح المسيار ، وموقفه من مسألة الحجاب في فرنسا ، واستمرار الزوجة المسلمة تحت زواجها المسيحي ، إلى ما كان أكثر إثارة للصخب وهو إعلانه بعد 11 سبتمبر وحضور القوة الأمريكية في منطقتنا بأهداف علنية ، إعلانه الإيمان بالديمقراطية على التزامن والترافق مع مبادرة الإخوان بذات الخصوص في مصر ، إلى فتواه بقتل أي غربي عسكري في العراق – دون قطر بالطبع. حيث أكبر قاعدة أمريكية.

ثم فتواه بجواز جز رؤوس المدنيين عراقيين أو غير عراقيين أو تفجيرهم بغض النظر عمن يقتله التفجير امرأة أو رجلا أو طفلا ، مسلما أو شيعيا أو سنيا ، مسيحيا أو بوذيا أو آشوريا أو كلدانيا ، إنجيليزيا أو طليانيا أو إسبانيا ، أسودا أو أبيضا أو أصفرا ، لا فرق ماداموا من المتعاونين مع الاحتلال الأمريكي للعراق ، كالسباك وكسائق الشاحنة أو الكهربائي أو الحمال الذين يطلبون لقمة العيش بالعمل والعرق ، ويرى أن ذبحهم حلال زلال.. ثقة في إيمان القصاب وقدرته على إصدار الأحكام العادلة بشأنهم ، لذلك لا شك في إثم الضحية التي استحقت الذبح.. ألا يفزع مرة من دم الضحايا الأبرياء على مائدته وهو يتناول طعامه السمين مرة؟ ألم يذكر مرة شبابنا الذين غرر بهم ليذهبوا في عمليات انتحارية ، بينما هو مستمر على شاشات التلفزة يفتي.

ثم مؤخرا في حلقة الأسبوع الماضي على كرسيه المعتاد في قناة الجزيرة قال فضيلته كلاما كثيرا يستحق المناقشة ، ومما قال ان الأمريكان قد بدأوا حشدهم ضد الإسلام قبل أحداث 11 سبتمبر ، “وأنهم رشحوا الإسلام بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عدوا بديلا يجب أن تتوجه إليه مشاعر التعبئة بالكره”.

والعارف بمنظومة الحياة الغربية في المجتمعات الحرة لابد أن يجد الشيخ بعيدا بعدا سحيقا عن فهم هذه المنظومة التي لا تعمل وفق عواطف الحب والكراهية ، ولا تدفع جيوشها لقتل مواطنيها بدوافع الكراهية ، ولا تدفع بهم أيضا حبا في أحد ، بل هي فلسفة المنفعة البحتة ، المصلحة وحدها وفي المطلق.

نحن يا شيخ من يفكر بعواطفه ، نحن اليوم وحدنا من لازال يستخدم شيئا غامضا متقلبا اسمه العواطف ، مازلنا نعيش الزمن الكلاسيكي زمن حرب داحس والغبراء دفاعا عن قيمة الضيافة ، زمن تضحية حاتم الطائي بحبه لفرسه فذبحه لضيفه إعلاء لقيمة الكرم. زمن حرب قبائل بكر بن وائل ضد الفرس أنفة وكبرياء لإهانة كسرى لابن النعمان ملك الحيرة ، ذلك كان زمان واليوم زمن آخر ، ذلك كان منهجا واليوم منهج آخر لا نعرفه ولا نفهمه ، فنحن نريد من زمن اليوم أن يتعامل معنا بقواعد زمن مضى فتنعدم لدينا الرؤية ونفقد لغة الكلام المفهومة فنتحدث ونحن بلا أي غطاء من أية قوة عن حقوقنا التي لن نتنازل عنها لأنها حقوق دينية وتاريخية دون أن نفهم أن الحق بدون قوة تسنده هو الباطل نفسه ، وأن قواعد اليوم ليست بما تملك من حق ، لكن بقدر ما تستحق ، أصبحت القاعدة هي الاستحقاق لا الحقوق. وفي مركز التخلف نقبع بثقلنا بين العالمين ثم نعلن إصرارنا على الولاء والبراء ، بموالاة ومحبة المسلم وحده حتى لو كان فلان العبيط أو علان الأكتع ، وكراهية غير المسلم والتبرؤ منه حتى لو كان آينشتين أو إديسون.

إن أمريكا يا مولانا لم تقم قبل 11 سبتمتبر 2001 بحملة تعبئة لكراهية الإسلام والمسلمين ، بل نحن من نكرهها منذ الزمن الناصري المأسوف عليه إلى الزمن الإسلامي الذي يجود بآخر أنفاسه هذه الأيام ، و طوال ذلك الزمن وصلت الكراهية حدا جعلت من كراهية أمريكا دليلا على وطنية المواطن ، دون أن نفهم كيف نمارس كل هذه الكراهية بينما أيدينا تمتد بأخذ المعونة من الأمريكان مليارات؟ أليس ذلك على المستوى الأخلاقي لونا من تدني القيم ، وعلى المستوى الديني دناءة في السلوك؟

مولانا يصرف المسلمين عن مواجهة الحقيقة المؤلمة وهي أنه هو أمثاله متهمون بأنهم أساتذة مدرسة الإرهاب ضد الإنسانية. ومولانا يصرفنا عما ارتكبت أيدي السفهاء منا في 11 سبتمبر إلى فكرة كراهية أمريكا لنا قبل هذا التاريخ ، لذلك استحقت الفعل الكارثة عقوبة لها على كراهيتنا. مولانا يصرفنا عن ضرورة البدء بالتعامل العلمي مع نتائج 11 سبتمبر ، أن العمل العلمي لا يجيده مشايخنا ولا يعرفونه ، والمعنى هو خروجهم من الفعل المترتب على 11 سبتمبر في عالمنا ، أولا لأنهم كانوا مدرسة تفريخ الإرهاب ، وثانيا لأن نتائج ما حدث بدأت بالحدوث ومستمرة بالحدوث وستحدث ، وأنه لا مفر لنا كمواطنين صالحين من البدء بالتعامل مع هذه النتائج برؤية علمية صارمة لا علاقة لها بالمشايخ ، وأن مخاطر عدم التعامل العلمي المدروس مع ما سيحدث ستكون مخاطرة هي الزوال من خريطة التاريخ أو التحول لكائنات أدنى في سلم التطور يمكن استخدامها في العمل البدني الرخيص.

إن صرف النظر إلى الدين ورجاله يخرج بنا من سكة الندامة إلى سكة اللي يروح ما يرجعش ، ويجعل مساحة الفعل في منطقتنا لأمريكا وإسرائيل وحدهما ، ليفعلا في واقعنا ونحن حسبما يطلب منا قرضاوي في دعاء قنوت يسمى ” قنوت النوازل.. يعني حينما تنزل بالمسلمين نازلة نقنت في الصوات وندعو على أعداء الإسلام ، وأن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وأن ينصر الإخوة المجاهدين وأن يفك أسر المأسورين ” ، ومن ثم لن يبقى في واقع الفعل سوى أمريكا وإسرائيل ، بينما نحن في دعاء القنوت. وفوق هذا ، وبينما هو قانت ، يرفض أي تحرك إيجابي محلي للجدل مع نتائج سبتمبر محليا ودوليا لاحتواء نتائجه الإيجابية ،ويهبط على الديمقراطية التي لم نعرفها إلا من الغرب هبوطا خاطفا ينتقي صندوق الاقتراع وحده دون أسس الديقراطية التأسيسية في الليبرالية العلمانية ، ليتخذ من الديمقراطية ستارا واقيا لتاريخه وتاريخ رفاقه أساتذة مدرسة الإرهاب الدولي ومرجعية هذا الإرهاب الدينية والتي على فتاواها يتحرك الإرهاب ويذبح ويفجر ويقتل ، يأخذ الديمقراطية ويرفض أهلها وأصحابها أن يكون لهم أي وجود ، ومن ثم يشن حملة على الليبرالين أو العلمانيين والحداثيين الجدد كما سارالإصطلاح فيتهمهم بأنهم عملاء للأمريكان “أنظر يا مسلم شيخك في جوار وحمى أكبر قاعدة أمريكية في الشرق ، لم يشر يوما إليها بكلمة ويتهم مفكري الوطن بالعمالة لأمريكا.. تأمل يا مسلم” !!

ثم يقول إن الأمريكان “يريدون أن يعتمدوا على هؤلاء الحداثيين والعلمانيين وأن يولوهم قيادة الأمة ، وأن يضخموهم وأن يفتحوا لهم المجالات في الإعلام والتعليم.. يريدون أن يصنعوا منهم شيئا”.

ثم يوجه الخطاب لأمريكا شامتا: “ولن تستطيعوا أن تفعلوا شيئا بهؤلاء لأن هؤلاء مرفوضون من المجتمعات الإسلامية “. تعالوا نفهم ، دعاة الديمقراطية الليبرالية الكاملة هم عملاء لأمريكا لأن قرضاوي لا يريد الديمقراطية الكلية الليبرالية العلمانية أي بحقوقها وقوانينها ، يريد فقط صندوق الاقتراع وحده لهذا لا مانع لديه من تشويه شرفاء الوطن وتلويثهم الذين يؤكدون على الحقوق قبل الصندوق ، ويتهمهم بالعمالة بينما قرضاوي وبطانته هم عملاء تاريخيون للسلاطين ، وعملاء تاريخيون لمصالحهم ، حتى لو كانت ضد مصالح الشعوب ، وعملاء تاريخيون لتاريخ مضى وانقبر ، وعملاء لكل ما هو ضد حقوق والحريات.. قرضاوي بتعامل مع الليبرالية كما لو كانت جماعة أو فرقة دينية ، بينما هم فرادي لا يعرفون بعضهم البعضا ، لأن هكذا الليبرالية ، هي الحرية في المطلق ، لا تعرف الفريق والجماعة ، هي مجموعة قيم ومبادئ يمكنك أنت أن تعتنقها أو غيرك والليبراليون لا يطلبون التسلط على الناس في حماية أمريكا ، إنما هم يريدون أسلم الطرق لمنع الصراع والوصول إلى صيغة يتفق حولها الجميع لشكل الدولة والحكم ، تراعي كل تفاصيل المجتمع بأديانه ومذاهبه ومعتقداته دون تمييز ، هم يطلبونها للناس لا لأنفسهم ، يطلبون أن يتمكن الشعب من الاختيار الحر عن وعي حقيقي وغير مزيف وغير وطني بل قبلي مضحوك عليه من شيوخنا الذين لن يتخلوا عن حق السلطان أو عن تولي الحكم بأنفسهم وولاؤة الناس ، بينما الليبرالية تضع كل هذا بيد الناس ولا تريد حكمهم لا باسم الله ولا باسم الشيطان ولا باسم اي شعارات وادعاءات كانت.

مشايخنا جلسوا فوق أكتافنا ألفا وأربعمائة وخمسة وعشرين عاما ولا يريدون أن يتركوا لغيرهم المشاركة الحقيقية.

أنظر معي تعبيره أن الأمريكان يريدون أن يفتحوا لهم المجالات في الإعلام والتعليم ، تعبير فصيح فضيحة يحمل اعترافا طالما أنكروة ، بأن الليبراليين وأنصار الحريات ممنوعون من الوصول إلى أجهزة الإعلام ، لأنه مادام الأمركيان سيفتحونها لهم فإنها كانت قبل ذلك مغلقة بحلف الفقيه مع السلطان.

ثم يمضي فضيلته مطمئنا نفسه أن هذا الحلف الخائن ما بين الليبراليين العرب وبين الأمريكان لن ينجح ، “لأن هؤلاء مرفوضون من المجتمعات الإسلامية ، وليست لهم شعبية وليس لهم جماهير”.

لاحظوا قرضاوي لا يرى في نهاية الطريق سوى كرسي الحكم ، ويتصور أن العلمانيين يصارعون الإسلاميين عليه ، لا يريد أن يفهم أن العلمانية هي فتح باب المنافسة العادلة للجميع مسلم أو مسيحي أو ملحد ، أو رجل أو امرأة ، أو أسود أو أبيض على التساوي الحقوقي الكامل كمواطنين في الدولة الديمقراطية. المنافسة بما يملك كل منهم من مشاريع وبرامج علمية مدروسة من أجل كل مواطن ، وهي منافسة سيخرج منها رجال الدين لأنهم حتى اليوم حتى في احزابهم الدينية لم يقدموا برنامجا واضحا لأنهم لا يعرفون شيئا اسمه المنهج العلمي في التفكير ، لذلك يحارب قرضاوي هذه المنافسة ويعتبرها كفرا. أما قول مولانا أن هؤلاء ليست لهم شعبية فهو إهانة لكل مواطن بشكل فج ومتعال ، لأن معنى قوله أن كل المواطنين يرفضون الحريات ويرفضون حقوق الإنسان ويرفضون إخوانهم في الوطن، معنى ذلك أننا شعب عنصري طائفي ، بل وشعب من العبيد بالفطرة.

أما عن لغته شديدة التعالي مع الاستصغار لشأن المفكرين الليبراليين العرب بقوله : “يريدون أن يصنعوا منهم شيئاً” ، فبحسباني من هؤلاء الليبراليين العلمانيين ولا فخر ، فليسمح لي قارئي بتقديم شهادتي هنا:

فأنا لم يصنعني أحد إنما صنعت نفسي بنفسي يا مولانا ، ولم أتقاض يوما من أحد من الداخل أو الخارج مسلما أو غير مسلم دولة أو أفرادا أو هيئات ومن ثم عشت هم هذا الوطن وكربه مع كرب الحياة والمعيشة واخترت الطريق إلى الحريات خلاصا لأبنائي من بعدي ، وما كان أيسره تحصيل المال والسؤدد والجاه بتخديم ذات المادة العلمية وذات التحليلات للحصول على سعادة الدارين دنيا وآخرة.

رفضت يا مولانا أن أخون وطني وقضيتي ، رفضت أن أكون مرتزقا مقدسا ، ويطيب لي هنا أن أشعر بالزهو بما حققت في أسوأ ظروف ممكنة ، وأن اراهن بشرفي وحدي كعلماني محترم أمام شرفكم كل سادتي القرضاويين.

لماذا لا ترد سيدي قرضاوي على ما نسوق بوجهك من حجج وتحليل لعلك تستمتع به؟

لماذا لا تقبل لقائي على أية فضائية في مبارزة تجمعنا معا فقط دون تدخل ودون فخاخ الجزيرة المعروفة ، لنطرح الأمر على مائدة النقاش ، والباب مفتوح لك يا سيدي والكرة في ملعبك ، لعلك تهديني لمدرستك فأعود عما أنا فيه من غي وبغي وخيانة للوطن في حضن أمريكا؟ أو لعلك تأخذ الخطوة الأخيرة نحو العلمانية.

ثم العلمانيون ليسوا فقط عملاء لأمريكا ، بل إنهم ضد الإسلام رغم أعترافهم بأنهم مسلمون ، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا بمسلمين لأنه “فيه فرق بين مسلم وإسلامي.. هناك تيار قومي وتيار إسلامي وتيار شيوعي”.. مولانا يدقق هنا المصطلحات لأن هناك فرقا بين المسلم والإسلامي ، وحسبما نفهم من عرضه للتيارين الأيديولوجية فالمعنى أن المسلم إن لم ينخرط في تيار إسلامي سياسي فهو ليس بمسلم ؟! باختصار كلنا غير مسلمين لأننا غير أعضاء في تيار الإخوان.

ثم يتساءل : “كيف سيقود الأمة الإسلامية من لا يؤمن بالإسلام مرجعا؟ قرضاوي يحدثنا عن أمة إسلامية وهمية وشايل هم القائد الذي سيقودها. إنه حديث زمن البعير والخيل والليل والسيف هو هو ، إنه لا يلتفت إلى أن الأمة مناط الحديث اليوم هي الأمة المصرية ، وأن هذه الأمة تتشكل من ضفائر مختلفة الأديان والمذاهب والعناصر وأن أي حديث يجب أن يراعى قوة هذه الضفائر ولا يحدثنا عن الأمة الإسلامية المأسوف على شبابها لأنها تكاد تكون أقصر الإمبراطوريات عمراً في التاريخ.

قرضاوي يفصح عن أحلامه الأسطورية ، فيتحدث هنا عن صراع على قيادة أمة المسلمين “أمة كده وكده!!” وأن العلمانيين طرف في هذا الصراع ، بينما العلمانيون لا تشغلهم الأمة الموهومة في شيء ، إلا كما تشغلهم مصالح وطنهم الخارجية مع أي دولة أخرى ، لا يملكون عواطف جياشة تجاة حسناوات البوسنة ، ولا صبايا الشيشان ، نحن مشغولون فقط بمصر يا مولانا على الأقل في المرحلة الحالية ، وفي ظل المناخ العالمي المعلوم ، فإن أحلامنا متواضعة وبسيطة تتمثل في مجموعة مبادئ وحقوق وحريات لا يرفضها سوى المستفيد من تخلف الوطن وكل من هو ضد المواطنين ، أحلامنا حقوق إنسان كاملة ، حق الحياة الآمنة الحرة الكريمة ، حق الاعتقاد والإعلان عنه وحمايته وصيانته مطلقا ،حقوق كاملة متساوية للمرأة والأقباط والمسلمين وكل الملل والنحل والأعراق. باختصار الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية وطبقتها الدولة المتقدمة فتقدمت ، نحن لا تشغلنا القيادة والزعامة يا مولانا لأنه في حال تطبيق مبادئنا السامية الرفيعة النبيلة الشريفة الوطنية المخلصة ، سنكون كأفراد قد خرجنا إلى مساحة المواطن الفرد كأي مواطن آخر ، يشكل وجوده في ساحة الفعل بما يمكنه إثباته للجماهير كي يتأهل للقيادة فهو فكر لكل الناس بمن فيهم أنت يا مولانا ، وساحة منافسة لكل مواطن حتى لو كان هذا المواطن هو أنت يا مولانا.

مشكلتنا كليبراليين عند سيدنا هي أن مجتمعنا يرفضا ، لأننا ضد تطبيق العقوبات الجسدية باعتبرا أن الزمن قد تجاوزها ، وأنها ضد حقوق الإنسان التي نؤمن بها ، لأن المجتمع قد أصبح أشد تعقيدا من زمن تلك العقوبات وأصبح إثبات الجرم من عدمه مسألة أكثر تعقيدا ، مما يمكن أن تقطع معه يد أحدهم لنكتشف براءته من بعد. يقول سيدنا : إنهم ضد الجلد والبتر والرجم والحجاب ومع الأقليات وحقوق الإنسان و” ده اللي بيجعلنا نقول أن المجتمع الإسلامي يرفض هؤلاء، لأن هؤلاء يرفضون حدود الله “. وهي تهمة أصبحت ماسخة ولا طعم لها لأن هذه الحدود لم تطبق عبر تاريخ الإمبراطورية الإسلامية إلا في حالات فرادي نادرة ، لأنها لم تجد السبيل المؤسسي للتنفيذ السليم ، فلماذا ينزعج قرضاوي من رفضها اليوم؟

قرضاوي يقول إنهم عندما يركبون الكراسي “لا سمح الله” سيقيمون دولة الإسلام الديمقراطي ، أما كيف ذلك فهو ما جاء في قوله : “عندنا في الإسلام أهل الحل والعقد، ولم يفصلوا لنا كيف نصل إلى أهل الحل والعقد ، الآن الديمقراطية وصلت.. بطريقة الانتخابات نحن لا نقول بأن أول شئ نعمله هو إقامة الحدود على الناس ونقطع يد السارق فقبل أن نقطع يد السارق نطعم الجائع ، ونكسو العاري ، ونشغل العاطل ، ونعلم الجاهل ، ونداوي المريض ، ونكفل المحتاج ونؤوي المشرد ، ونكفل اليتيم ، والزنى لا يمكن أن يثبت بالبينة لأنه كيف يرى أربعة من الناس العملية الجنسية ، هذا عمره ما ثبت في التراث الإسلامي الأول عن طريق الشهود”.

ها قد خلق قرضاوي قناع مستر هايد ولبس قناع مستر جيكل ، ففي دولتهم عبر ألف وأربعمائة سنة لم تعثر الأمة كلها على طريق يعرفون به من هم أهل الحل والعقد ولا كيفية العثور عليهم ولا من هم؟

هل هم الجند أم المشايخ أم الأعيان أم العائلة المالكة؟ حتى وصلت الديمقراطية الغربية بطريقتها في الاقتراع بالانتخاب لتشكيل برلمان الدولة الإسلامية الديمقراطية ، ولا تعرف ما أضاف هنا سوى تسمية المنتخبين ديمقراطيا بأهل الحل والعقد ؟!
اللهم إلا إذا كانت دولة الإسلام الديمقراطية المرتقبة ستكون إسلامية ، بمعنى أنها تحت سيطرة التيار الإسلامي باعتبار أعضائه هم فقط المسلمون. وفي هذه الحال سيتم انتخاب 400 مفتي وكل مفتي وظروفه ، وكل مفتى وما يريد من الفتوى ، والفتوى كما تعلم تشريع ، يعني سيكون عندنا مولد فتاوي ، هذا إضافة لفتاوي الفضائيات والصحف والجماعات المسلحة وخريجي الأزهر ، فيزدهر التشريع ، وتتضارب القوانين ونعيش سمك لبن تمر هندي في أمة الفتوى العظمى.

ثم لماذا كل هذا الجهد والترشيح والانتخابات والبرلمان لوضع تشريعات ، فمادامت الفتوى تشريعا يكفينا قرضاوي مفردا يفتي ويشرع وحده ، لكنه في هذا الحال لابد أن يثبت أنه ديمقراطي ، بأن يفسر لنا لماذا يفتي دون أن ننتخبه ؟

والغريب مع سيدنا وهو ينعى علينا رفض العقوبات البدنية أنه يفعل فعلنا ويسير على دربنا ويأخذ ما قلنا على صفحات هذه المجلة منذ ست سنوات قبل سبتمبر 2001 حلا لمشاكلنا بأيدينا قبل أن يأتينا عمرو ، وها قد أتى عمرو ، أو بوش ، فيأخذ قرضاوي ما سبق وقلناه كسبيل لتطوير فهمنا عن الإسلام بما يسمح بقبول الحداثة والتغيير في بلادنا. وهذه آفة مشايخنا إنهم يحتاجون لمن يفكر لهم !!

وكان ملخص ما طرحت هو الاقتداء بفعل بعض الصحابة الكبار في التجرؤ على الحدود حسب مصلحة الزمن والمكان ، وبرأي بعض الفقهاء بهذا الشأن من باب تعطيل بعض الحدود للحريات ، وبأخذ حق تغيير بعض الحدود كما هي ، نصيب المرأة من الميراث أو شهادتها أو ما إلى ذلك ، لإيقاف هذه الأحكام نهائيا بما لا يسئ لقناعات المسلمين. فيأتي مولانا سائرا على درب الليبرالي المتواضع شخصي الضعيف ليحل مشاكل دولته الإسلامية الديمقراطية ، بأن الخليفة عمر أوقف الحد وأنه يمكننا قياسا عليه إيقاف الحد وأنه يمكننا قياسا عليه إيقاف الحد حتى نطعم الجائع ونكسو العاري إلى آخر تفاصيل مدينته الفاضلة الكاملة ، وهكذا يعطل مولانا الحد إلى الأبد وأكون الفائز بالسبق لأن مدينة خيالية كهذه لن يكون فيها سارق نقيم عليه الحد. ويكون قرضاوي قد وقف في خندقنا لإنقاذ دولته الديمقراطية الإسلامية بينما هو يكفرنا لهذه الأسباب تحديدا.

ومعنى كلام مولانا هو تعطيل الحدود التي نصل إلى زمن الوفرة رغم أنه يعلم أنه زمن الخلفاء الراشدين وغير الراشدين بعد أن عادت الفتوحات على الصحابة بثروات عظيمة وتحولت حياتهم من ضنك وشدة إلى وفرة وثراء ، ومع ذلك سرق الصحابة بيت مال المسلمين أكثر من مرة “حبر الأمة كبير المحدثين عبد الله بن عباس مثلا” ولم يقم عليه الحد زمن الوفرة والرخاء كما يطلب مولانا.

ومنذ فتح بدو الجزيرة بلادنا ونحن ننتظر هذا الحلم الذي لم يتحقق تحت تاريخ دولة الخلافة الطويل ، وتحت سلطان مشايخنا حتى اليوم. المقصود أن من سرق من كبار الصحابة لم يطبق عليه الحد المراد تطبيقه زمن الوفرة المقبل ، كما لم يطبق الحد على من سرقوا منا الوطن كله.

السؤال الهام هنا حتى متى ننتظر هذا الحلم الجميل عندما يعم الرخاء لنبدأ في تقطيع أوصال المسلمين كلون من ترف التسلية زمن الوفرة لتعمنا السعادة ونعيش في حبور؟

السؤال الأهم هو : خلال فترة انتظار مدينة القرضاوي الفاضلة الكاملة ماذا ستكون عقوبة السارق؟ هنا لا مفر أمام قرضاوي من قانوننا الوضعي لضبط المجتمع المسلم حتى يتحقق حلم المجتمع المثالي.

ألا ترون أن قرضاوي يدعونا هنا بدعوى الجاهليين للنبي أن يعبد ربهم عاما ويعبدوا ربه عاما؟ أن نطبق القانون الوضعي سنوات القحط ونطبق الشريعة سنوات الوفرة؟ وهنا هل ستقوم دار الإفتاء باستطلاع هلال السنوات المقبلة هل هي “فقر دكر” نعطل فيها الحدود أم هي سنوات وفرة وخير حتى نتهيأ لتوفير النكد للناس في حياتهم السعيدة بالجلد والقطع.

وفي تأكيد الشيخ على استحالة إثبات الزنى ، وأن ذلك لم يحدث في تاريخ الدولة الإسلام ما يمكن أن يؤدي إلى تصريح لجماعات محبي الزنى وجماعات الفسق والفجور للإنطلاق والعمل بإخلاص لأن تشريعات ديننا تعجز عن مواجهة جرائمهم لأنها لا تملك آليات إثبات الجريمة ، بينما لدينا في القوانين الوضعية التي يرفضها قرضاوي ما هو رادع وعادل.

لم يبق أمام قرضاوي سوى خطوة أخيرة بعدما قدم من تنازلات وأخذه بحلولنا رغم أنه ألقاها مبتورة من سياقها البحثي الذي تعبنا عليه ، على أية حال سامحه الله ، لم يبق سوى خطوة تضعه بين الليبرالين. الحق أقول لكم أنه أبدا لن يأخذ هذه الخطوة ، لا هو ولا أي متكسب من الإسلام ولا كل أصحاب المصلحة في تخلفنا المزري ، لأنه هكذا الإنسان ، سواء كان داعية أو كان ملحداً.

إن قرضاوي في النهاية ليس شخصا مثلنا يمكن أن يكون ليبراليا أو يكون شيوعيا ، لأنه صاحب مهمة مقدسة. أفصح القرضاوي أخيرا عن سره المقدس الباتع ، عندما قال بكل اجتراء أنه مبعوث العناية الربانية ، أو بنص ما قال : “ربنا كلفني أن أدافع عن هذه الأمةأليست هذه العبارة تفصح عن لون من البارانويا وأن هناك ذاتا مقدسة تسكن نفس قرضاوي دون أن يدري؟ إن قرضاوي لن يجد أمامه سبيلا لإثبات صدق هذا التكليف القدسي سوى شهادة رب العزة بنفسه وهي ما لا سبيل إليه ، ولو تركنا مثل هذا الشأن لضمير كل من يرى نفسه مبعوثا لسوق الناس إلى الجنة بالسياط ، لامتلآت الأرض بالأنبياء الكذبة ، لا يبقى إلا أن يبرز لنا قرضاوي لإثبات صدقه هذا التكليف مكتوبا وممهورا أو أن يسحب ما قال ، فقد انتهى زمنه كما انتهى زمن الأنبياء.

روزاليوسف 18/12/2004 العدد 3993

Posted by المجموعة الليبرالية in 10:51:37 | Permalink | Comments (1) »