Thursday, April 20, 2006

نظرية أن كل مسلم إرهابي -1/2

نظرية أن كل مسلم إرهابي -1/2

بعض التقديرات تصل بعدد المتطرفين المسلمين إلى حوالي 200 مليون مسلم وهو ما يشكل نسبة 15 % من عدد مسلمي العالم ، وهو رقم هائل ويثير الذعر ، ويثير ذعرنا كمسلمين قبل غيرنا ، فهو رقم مبالغ فيه بشدة في ظل ما نعلمه نحن المسلمون في بلادنا وسط ملايين المسلمين البسطاء الطيبين.

لكنهم يحيلوننا إلى خريطة الإرهاب العالمي لنجده إسلاميا خالصا يغطي العالم من أقصاه إلى أقصاه ، فمن القاهرة إلى الجزائر ، ومن نيويورك وواشنطن إلى موسكو ، ومن مدريد إلى الدار البيضاء ، ومن الرياض إلى صنعاء ، ومن دمشق إلى بغداد ، ومن إندونيسيا إلى الهند ، ومن كشمير إلى الشيشان ، ومن الفلبين إلى كابول ، ومن نيجيريا إلى بيشاور ، ومن إسلام آرباد إلى .. ، ..

و يرى كثير من الباحثين الغربيين أن كل مسلم هو إرهابي بالضرورة ، ليس لأن الإرهاب رد فعل على ضغوط محلية أو إقليمية أو دولية ، إنما بحسبان الإرهاب مكونا رئيسيا في بنية دين الإسلام بحسب ظرفه التاريخي.

و هي ليست فقط مجرد وجهة نظر غربية ، بل هي وجهة نظر إسلامية ، بل إن الإرهاب هو عقيدة إسلامية عند أهل الإرهاب الإسلامي دونها الكفر ، وهي ما يسمونة عقيدة “الولاء والبراء“.

وهو الأمر الذي يجب أن يشغلنا وأن نقف معه ، ليس بغرض الإثبات أو الإنكار ، أو الرد بالانتقاء من الآيات المكية لنرد بها على الآيات المدنية ، ولا بغرض تبييض وجه الإسلام ، وإنما بقراءة متأنية فاحصة تحاول الفهم ، وألا تكون مهمة هذه القراءة الرفض أو القبول ، أو اكتشاف الوجه السمح للإسلام مقابل ذلك الوجه العنيف للتغطية عليه ، لأننا لو أردنا قراءة صادقة حتى لو كانت صادمة فعلينا أن نقرأ النصوص وأحداث التاريخ الإسلامي المرتبطة بها قراءة محايدة نزيهة منصفة ، وأن نعترف بالحقائق عندما تكون حقا حقائق لنواجه المشاكل بحلول حقيقية لا بمساحيق تجميلية لا تحل شيئا قدر ما تزيد من تفاقم مشاكلنا ، في عالم اختلفت وجهته وتغيرت معالمه وانقلبت فيه موازين القوى عن عالم القرن العشرين المنتهي فقط من أربع سنوات ، فما بالنا بعالم انتهى وأصبح في ذمة التاريخ منذ أكثر من ألف عام إلى الوراء.

من ثم علينا أن نعترف بالخطأ أينما وجدناه ، وأن نحاول له علاجا وإصلاحا بما يناسب عالم اليوم لا عالم الأمس البعيد ، بل والتخلي عن النصوص التي تجاوزها الزمن بعد أن لم تعد صالحة لغير زمانها .. إننا نحاول هنا العثور على مخرج من مأزق حالي سببته أحداث حدثت منذ أربعة عشر قرانا ، وساهمت في صنعه ظروف ليست ظروفنا الآن وزمن مضى ولن يعود ، ظروف تجادلت مع النص المقدس تأثيرا وتأثرا وأخذا وعطاء وردا.

كما أسهم فيه بباع واسع وهائل المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وهو الإسهام الأكبر والأعظم أثرا في تفكير المسلمين ومناهجهم في التفكير وفي السلوك حتى الآن. ويرفض المسلمون مناقشته أو إعادة قراءته باصرار على قدسية ذلك الزمن السالف كله نصوصا وشروحا وحديثا وبشرا واحداثا ، وهو الأمر الذي يجب أن نتطارح معا حوله ونتصارح لإصلاح الشأن ، خاصة أن الباحثين الغربيين بل وإدارات تلك الدول قد أصبحت تعلم عن الإسلام الكثير مما لا يمكن إخفاءه ، كما يعرفون عن أساليبنا الهروبية والتجميلية الكثير أيضا ، لذلك لابد من التخلي عن الاصرار والعناد على طريقة “الذب عن الإسلاموالتي تؤدي إلى تقديس كل شيء إسلامي حتى لو لم يكن مقدسا أصيلا في قانون الإيمان الإسلامي ، وأن نتخلى عما اعتدناه من ميل عجيب لإعادة إخراج الإسلام مع كل متغير جديد لتقديم صورة الدين المثالي الأصح من بين كل الأديان بل وكل العلوم ، وأن تتوقف جماعات “الذب عن الإسلام” ، عن تخوين الباحثين الناقدين بحجة أن واجب كل مسلم هو الذب عن الإسلام والذود عنه ، وأن أحد أساليب مقاومة المؤامرة هو عدم كشف عوراته والتكتم على السلبيات ، وأن كشفها لبحثها هو لون من التحالف مع أعداء الأمة ويصب مباشرة في خانة الخيانة القومية والكفر الديني ، لأنه معونة للكافرين على المسلمين ، وهو ما قاله يوما الاستاذ فهمي هويدي المشهور بأنه مفكر إسلامي مستنير “عندما يكون الوطن جريحا والأمة مهزومة فإن تشتيت الجهد في الصراعات الداخلية الفكرية أو العرقية أو الطائفية لا يمكن أن يوصف إلا بأنه خيانة للأمة وجناية على الوطن والأمة – كتابه المفترون 115″

إذ كان هذا قول للمفكر الإسلامي المستنير ، فلاشك أن مهمة أي باحث ستكون شديدة الاستعصاء ، لأنه سيتساءل أكثر من مرة عن موقف بقية المسلمين ، ومع احتساب فارق المفكر من غير المفكر والمستنير من غير المستنير ، ويظل معنى كلام الأستاذ فهمي أن نخضع لسيادة المنظومة الفكرية السائدة وهي واحدة من عدد عظيم من منظومات ووجهات نظر أخرى للاسلام ، وهي ما آلت معها أحوالنا إلى ما نحن فيه من وهم وتخلف عظيم وهي بتخلفها ما أفرزت البحث عن جديد .

يعتمد الرأي الذي يعتمد الإسلام كدين إرهاب سواء من الباحثين الغربيين او من المسلمين المتطرفين على نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تحض المسلمين صراحة على قتال غير المسلمين ، وأن القتل في هذه الحالة لا يكون جريمة مادام بغرض إعلاء راية الدين ، والمصطلح الدقيق هنا هو “الجهاد ومعنى الجهاد فيما يقول ابن تيمية في السياسة الشرعية /ص17 : “إن كل من بلغته الدعوة إلى دين الله فلم يستجب لها فإنه يجب قتاله حتى لا تكون هناك فتنة ويكون الدين كله لله” مستشهدا بالحديث “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله ألا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن قالوها فقد عصموها منة دماءهم وأموالهم .. وأن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر وأشد من القتل ، لهذا أوجبت الشريعة قتل الكفار المقاتلين – المصدر نفسه ص 124 ، 125″.

إعمالا لهذه المفاهيم فقد رأى الشيخ (المنيع) في الرأي العام الكويتية فيما حدث في 11 سبتمبر 2001 بأمريكا “أنها كانت لفتة إلهية لإقامة الحجة على من أطلع على هذا الدين” أن قتل الأبرياء في الطائرات والأبراج بالألوف كان تعريفا للأمريكان وللعالم بدين الإسلام في لفتة إلهية. وأنه بعد هذه اللفتة يجوز للمسلمين إعلان الحرب عليهم ، لأن اللفتة أقامت عليهم الحجة وأطلعتهم على هذا الدين القيم ، و الغريب اللطيف عند الشيخ المنيع وأمثاله أنهم يؤكدون بلسانه “إن الإسلام برئ من تهمة الإرهاب (رغم اللفتة ؟!) .. فالإسلام جاء للدعوة ولم يأت للقتال .. وليس معنى ذلك أننا نريد استعمار العالم كما يريد الغرب ، بل إننا ندعو العالم إلى ما من شأنه أن يسعدهم في حياتهم وآخرتهم .. وأن المنصف الذي يريد أن يعرف سماحة الإسلام فعليه أن يرجع لمصادره في القرآن والسنة” .

فالشيخ المنيع يرى أن فرض الإسلام بالقوة ليس إرهابا حتى ولو سالت الدماء أنهارا ، وهو بهذا يدعو العالم إلى السعادة كما لو كانت السعادة سمة بلاد المسلمين؟! فماذا لو صدقنا في زعمنا أن الغرب يشن علينا حربا صليبية ، وأن بوش وحكومات الغرب كانوا كذلك حقا ، وأعلنوا علينا “تنصروا أو نحتل بلادكم وننهب أموالكم ونقتل رجالكم ونركب نساءكم ونستعبد أولادكم”؟! وما الذي يمنعهم لو ارادوا ؟! وماذا عند الشيخ المنيع وبلاد المسلمين من حول أو قوة إلا بالله ؟

هذا إضافة إلى مشكلة أخرى تسببت في ارتباط الإسلام بالعنف في الاذهان ، هو ارتباط الإسلام من فجره بالسياسة ارتباطا كاد يكون عقيدة ضمن عقائد المسلمين ، لظرفه التاريخي الذي فرضه واقع جزيرة العرب ، حيث كان الإسلام يقيم لعربها المشرذمين دولة مركزية مورست فيها كل ألوان السياسة الهادئة والعنيفة والحوارية والمقاتلة. ولأن السياسة عمل يومي عبر التاريخ فقد حضر الإسلام في مواقف المسلمين اليومية منذ ذلك التاريخ البعيد في الحجاز وحتى اليوم لكن باتساع العالم الذي يعيش فيها المسلمون ، خاصة ما يعتقده المسلمون باعتبار الغرض النهائي من إسلامهم هو إقامة الدولة الإسلامية الكبرى ، ونشر الإسلام في الأرض بالاقناع والبرهان أو بالسيف والسنان.

والمعلوم أن الإسلام في فجره قد حل لأتباعه غنم الأموال وسبي النساء والاستيلاء على البلاد وتحويلها إلى دار إسلام باستيطانها ، أو كما قال النبي : “أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلنا” بعد أن مضت فترة تصل إلى ثلاثة عشر عاما والنبي يدعو في مكة مؤجلا النعمة إلى يوم القيامة ، فلم يؤمن به سوى نفر يصل إلى السبعين ، لأن تأجيل النعمة إلى ما بعد الموت لم يكن مغريا بجذب الأتباع إلى الدين الجديد ، بينما عندما أحلت الغنائم بعد الهجرة إلى يثرب فقد اصبح ذلك حافزا دافعا لدخول العرب إلى الإسلام ، وبعد أن أصبح تصريح النبي لاتباعه سبيلا إلى الثراء والنعمة المادية في الدنيا ، وهو التصريح المصرح “من قتل قتيلا فله سلبه ، ومن أسر أسيرا فهو له” ومن ثم فقد لعبت الغنيمة دورا كبيرا في قيام جيش إسلامي قوي توجه بعد أن وحد جزيرة العرب تحت قيادة قريش ، إلى بلاد المحيط فاتحا ، بدافع وترغيب من النبي بغنائم تلك البلاد الهائلة ، إذ ينادي المؤمنين: “والذي نفسي بيدة لتملكن كنوز كسرى وقيصر” وهو ما حدث بالفعل بعد أن اقبل الجميع على الغنيمة من باب الجهاد ، وهو ما أفصح عنه “أبو تمام” يخاطب المجاهد : فما جنة الفردوس تبتغي ولكن دعاك الخبز أحسب والتمر .

وفي زمن فراغ قوي دولي تاريخي كان له ظروفه التي لم تتكرر ولن تتكرر تمكن عرب الجزيرة بعد أن وحدهم الإسلام في دولة مركزية من احتلال دول المحيط وتكوين إمبراطورية قوية ، أمكن لها أن تقوم بتطبيق منطق الجهاد الذي ينتهي إلى أحد أمرين: الخلود في جنة النعيم الفردوسية ، أو الحياة الرغيدة الثرية بعد الفقر والسيادة بعد التبعية ، وكان يمكن لهذا المنطق أن يكون أبديا لو ظل التاريخ ساكنا على حاله ، كان ممكنا أن نظل اليد الباطشة لكن ظروف الإيام وتقلبات الأزمان لا تعرف ثباتا شرعيا ، فهي تفعل حسب منطقها لا منطقنا ، ووفق قوانينها وليس حسب قوانين أي شرعية كانت.

ومع الواقع المزري ومع الاعتقاد الجهادي كان لابد أن يظهر الإرهاب وهو سلاح الشعوب عندما تعاني المهانة والضعف والمذلة ، مطابقة مع حال المسلمين الأوائل الذي أقاموا قوتهم بالجهاد ، ومن ثم أصبح التصور الغيبي أن استعادة هذه الفريضة التي غابت كفيل وحده بعودة الله لنصرة دينه وعباده الصالحين كما حدث للمسلمين الأوائل وهم قلة أذلة ، دون أي اعتبار لمتغيرات الواقع الهائلة وموقع المسلمين المتميز في قاع هذا الزمن.

وقد أسهم الفقه الإسلامي بدور عظيم في ثبات الإسلام والمسلمين عند درجة حضارية فارقة في تخلفها ، بتثبيت قواعد التعامل مع النصوص المقدسة ، وتحويل هذه القواعد إلى مقدسات بدورها رغم أنها انتاج البشر ، فاختلط البشري بالإلهي في قواعد كبلت الإسلام وهزمت المسلمين هزيمة حضارية مروعة ، وهي قواعد لم تكن عند وضعها بعيدة عن الشبهات لتناغمها مع تحولات القوى في الدول الإسلامية وتقلباتها السياسية ، والتحالف الواضح بين محترف يالعمل الديني وبين مراكز القوى السياسية ، ومن نماذجها ثلاث قواعد أزعم أنه لم يوقف مسيرة تطور المسلمين مثلها ألا وهي:

· “لا اجتهاد مع نص” و

· “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” و

· “تكفير كل من خالف معلوما من الدين بالضرورة”،

بل أكاد أزعم انها القواعد المصيبة التي ألحقت بالمسلمين كارثة تاريخية لا شبيه لها. ومع ملاحظة أن رجال الدين عادة مالا تثور ثائرتهم ويقومون مكشرين عن كل أسلحتهم إلا عندما يتعرض أحد لقاعدة من هذه القواعد ، مما يشير إلى تلامس فصيح بين المصالح وبين القواعد ، وبسبب هذه القواعد الكارثية تحديدا لم يتصور تفسير النصوص ولم تلحق نصوص كتلك التي تتعلق بنظام الرق البائد ، أو تلك التي تتعلق بالجهاد في بلاد المسلمين أو بلاد الغرب لايقاف العمل بأحكامها تبعا لدوران العلة مع المعلول ، وتبعا لدوران الأحكام بدوران المصالح ،وأن المصالح اليوم تستدعي رؤية أخرى للدنيا ولغتها وقوانينها وطرائق عملها وأساليب التعامل معها.

وعن حق ذهب الاتقياء من المسلمين العارفين إلى تفسير الجهاد اليوم بأنه جهاد النفس ضد شهواتها وأن ذلك هو الجهاد الصادق ،وهو تفسير أقرب إلى روح الدين من القتال والدم والسبايا والنهب والسلب .. لكن يبدو أن صوت الرشاش كان هو الأعلى ، وأنه الفريضة التي عادت بعد طول غياب ، والتي وضعت المسلمين بعودتها في مواجهة كل دول العالم ، لأن دول العالم جميعا قد أصبحت تحت طائلة التخريب ما أمكن ، وهو إرهاب مشروغ ضد العدو (الذي هو الدنيا كلها) وحتى ولو لم يحقق المسلمون أي غنائم ، وهو التفسير البسيط للسؤال الأمريكي الساذج .. ما هو الهدف؟

إن الجهاد قائم إلى قيام الساعة وقتما استطاع المسلمون إليه سبيلا وأنه كما نحن ضعاف ، فقد كان الأوائل ضعافا أيضا ، لكنهم عندما نصروا الله بالجهاد نصرهم وأتي بأمره ، ومن ثم علينا بالجهاد حتى يأتي الله بأمره مرة أخرى.

و يؤكد أصحاب هذا الرأي من المسلمين أنه بالجهاد اليوم يلزمون سنة النبي وأوامر القرآن و سيرة الصحابة الذين قاموا بعدد من الغزوات كان بعضها إرهابا للعدو ونكاية فيه فقط لكنهم من بعدها قاموا بفتح البلاد واستيطانها وتحويلها إلى ديار إسلامية ، وهو ما يتضح في المصطلحات التي استخدامها الدكتور أيمن الظواهري في كتابه (الولاء والبراء) وهو يعقب على أحداث 11 سبتمبر 2001 قائلا : “تشهد هذه العقود من تاريخ الأمة المسلمة صراعا محتدما بين قوى الكفر والطغيان والاستكبار وبين الأمة المسلمة وطليعتها المجاهدة ، وقد بلغ هذا الصراع ذروته بغزوتي نيويورك وواشنطن المباركتين ، وما تلاهما من إعلان بوش عن حملته الصليبية. واتضح من هذه الحرب الحاجة الماسة لإدراك خطورة عقيدة الولاء والبراء في الإسلام ..”حتى لا يختلط الأعداء بالأولياء .. لأن أهم فتنة في هذا العهد تهدد التوحيد والعقيدة الإسلامية فهي فتنة الانحراف عن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين” .

ويبدو أن الدكتور الظواهري وهو يشن حربه الدينية يريد أن يؤكد على أن الطرف الآخر يشن بدوره حربا دينية “صليبية” لكي يجد مشروعية قانونية على أساس المعاملة بالمثل ، كما يبدو أنه من غير الواضح لدى الدكتور ظواهري أن من حق الآخرين أن يردوا على العدوان ، ولأن غزونا مبارك إسلامي ، فلابد في المقابل أن تكون حرب بوش حربا صليبية وغير مباركة ، إن اللغة هنا والمصطلح يبعدان تماما عن عصرنا ولغته ومفاهيمه ومصطلحاته وطريقة التعامل فيه مع الذات ومع الآخر.

وتعتمد نظرية أن كل مسلم إرهابي على مثل هذه اللغة وتلك المفردات كما تعتمد على سلوكيات المسلمين العاديين في حياتهم اليومية التي تقوم فلسفتها العامة على ما سماه الدكتور الظواهري (عقيدة) الولاء والبراء.

فيلاحظون مثلا أن الجماهير العربية والإسلامية العريضة لم تخرج لتعبر عن مشاعرها المفترض أنها رافضة لمقتل الأبرياء في أبراج التجارة ، ولا تضامنا مع ضحايا مدريد وموسكو. بل إن ما حدث كان على عكس من المشاعر الإنسانية المفترضة في حال كهذا ، فقد خرج الناس يعبرون عن فرحهم مما أذهل العالم وليس أمريكا وحدها ، كما لاشك أذهل عقلاء المسلمين.

وإذا كان المسلمون لم يخرجوا للتعبير عن وجع الإنسانية لما حدث في نيويورك لأسباب تتعلق بالموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية فماذا عن مدريد؟ وماذا عن موسكو حليفة العرب التاريخية؟ .. بل ماذا عن دارفور في جنوب السودان ، حيث تتم عملية تطهير عرقي واسعة على أيدي الجيش السوداني ، ووصفتها الأمم المتحدة (أو الهيئة الكفرية العالمية كما تسميها القاعدة) بأنها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم” ، هذا في الوقت الذي خرجت فيه المظاهرات المليونية في نيويورك ومدريد وبرلين وغيرها تضامنا مع قضايا العرب والمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان.

كذلك لاحظ هؤلاء بشدة أنه بينما يقدم الغربيون وكافة دول العالم غير المسلم المعونات والمنح والهبات لكل أرجاء العالم الإسلامي دون الأخذ في الاعتبار أية مسائل عرقية او طائفية ، فإن العالم الإسلامي يجمع حصيلة أموال دائمة في شكل تبرعات وهبات وأوقاف وصدقات وزكاة لكنها لا توزع إلا على المسلمين وحدهم ، إنها عقيدة الولاء والبراء التي أجمع عليها السلوك العام بشكل يكاد يكون لاوعيا ، عقيدة الإرهاب الدولي والمحلي ، عقيدة تعتمد على آيات قرآنية توقف تفسيرها عند هدف بعينه دون تفسير وأهداف أخرى ، وتم سحب آيات من سياقها التاريخي لتطبيقها على سياق مغاير وفق قاعدة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” ، رغم أني أعتقد أن الولاء والبراء ليس أبدا بعقيدة ، وأعتقد أني مع إنكاري هذا أني مسلم تقي لا يشوب إيماني شك ، وأني عندما أنكر هذه العقيدة عندي من المسوغات الإسلامية ما هو جدير بالطرح لنتداوله بيننا .. فإلى الموضوع الآتي نختار معبرا عن هذه العقيدة كتاب الدكتور أيمن الظواهري (الولاء والبراء).

روز اليوسف 22-5-2004

Posted by المجموعة الليبرالية in 16:02:21 | Permalink | Comments (2)

نظرية أن كل مسلم إرهابي -2/2

نظرية أن كل مسلم إرهابي -2/2

الظواهري ومدرسة التطرف الدموي

في كتابه (الولاء والبراء) حشد الدكتور أيمن الظواهري أكبر عدد من الآيات التي يثبت بها أن هذا الولاء والبراء هو عقيدة إسلامية ، وأن المسلم حتى يكون مسلما يفرض عليه عدم مولاة الكافرين/الوثنين أو أهل الكتاب ، وأن يتبرأ من كل من ليس مسلما ويتخذه عدوا ، كي يكون هذا إثباتا لولائه للمسلمين وحدهم.

لذلك فأول مشكلة تواجه المختلف مع الظواهري هي ما دعم به وجهة نظره من آيات قرآنية صريحة واضحة ، والتي تبدو فيها كراهية واضخة لليهود والنصارى والحض على هذه الكراهية ، على نفس الدرجة من الموقف من الوثنيين. واختصارا لعرض الآيات سنكتفي بعرض نماذج لا تهمل ما يريد الوصول إليه ، وتترى الآيات تقول بحق الوثنيين :

· لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم /22/المجادلة.

· يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ، ومن يتولهم منكم فأؤلئك هم الظالمون. قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ، فتربصوا حتى يأتي الله بأمر ، والله لا يهدي القوم الفاسقين /32 – 24/ التوبة.

· لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا ان تتقوا منهم تقاة / 28 / آل عمران.


أما أهل الكتاب فالموقف منهم تحدده آيات أخرى يحشدها الدكتور الظواهري في نماذجها :

· يا أيها الناس لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين 51/52 المائدة. .”قال الطبري : ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، فإن تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم /التفسير ج6/277″.

· ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم /120/البقرة.

· يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين /100/آل عمران.

ويتوقف الدكتور الظواهري مع أمور رآها جديرة بالتوضيح والشرح ، كما في قوله مثلا : “فرقت الشريعة بين موالاة الكافرين المنهي عنها وبين اتقاء شرهم ، قال تعالى : إلا أن تتقوا منهم تقاه ، أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا باطنه ونيته ، قال ابن عباس: ليس التقية بالعلم إنما التقية باللسان / تفسير بن كثير /1/358. . ولا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم. . وقال الحسن: التقية جائزة إلى يوم القيامة. . قال الطبري : فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة /3/227″. ولا يختلف منهج التعليم الديني في بعض بلاد المسلمين عن هذه الرؤية الكارهة ، فيؤكد منهج التوحيد بالسعودية 1 / ث/94 أنه لا مانع من إقامة المسلم في المجتمعات الغربية طالبا للمنافع لكن “يشترط لجواز الإقامة أن يكون مسلم مضمرا العداوة للكافرين وبغضهم” والمصيبة أن مناهج الأزهر تتخذ نفس الموقف ، ونكتفي هنا بالإشارة لعل اللبيب يفهم.

ويواجه الظواهري مشكلة مع عقيدته في الولاء والبراء لتصادمها مع الآيات القائلة : “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولو يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون /5 – 9/ الممتحنة”. لذلك يصرتنظيم القاعدة على تصوير حربهم ضد أمريكا حربا دينية على الطرفين ، وأن الأمريكان يخوضون ضد المسلمين حربا صليبية ، فهم بذلك يقاتلوننا في الدين ، ومن جانب آخر يرد الظواهري مسألة عدم قتال من لم يقاتلنا في الدين وبرهم والإقساط إليهم ، تفضيلا لتفسيره وتأييدا لعقيدته ، وتفضيلا لنصه وأغراضه على النص القرآني ، وذلك في باب يرد فيه هذا الأمر باعتباره شبهة تحت عنوان ” رد شبهة“.

يقول إن تلك الآيات لا تنقض عقيدته في الولاء والبراء لأن “البر هو إيصال الخير والقسط هو العدل” ولا يدخلان في الموالاة المحرمة التي تتضمن المحبة والتواد والنصرة باليد واللسان والمتابعة في الاعتقاد والأفعال واتخاذ الأعداء بطانة وإطلاعهم على أسرار المسلمين ن قال ابن كثير : لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلوكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم”.

أما تطبيق عقيدته في الولاء والبراء داخل بلاد المسلمين فتأخذ شكل “النهي عن تولية الكفار في المناصب المهمة. . عن أبي موسى الأشعري قال : قلت لعمر إن لي كاتبا نصرانيا قال : قاتلك الله. . قلت : يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال : لا أكرمهم إذ أهانكم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ اقصاهم الله / ابن تيمية/ اقتضاء السراط المستقيم 1 / 50.. و قال ابن تيمية : لا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها و إذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين ، فكيف بمن صار مع أعداء الله / الفتاوي الكبرى 4 /332″.

هذا مع ملاحظة أن هذا هو ذات موقف الإخوان المسلمين من إخوانهم في الوطن اعتمادا على أستاذهم ابن تيمية ، بل إن الإخوان لا يعتمدون فقط كتاب الفتاوي الكبرى بهذا الصدد ، بل أيضا كتابه الشروط العمرية ، ويشمل أسوأ قواعد ممكنة ليتعامل بها مواطن مع مواطن ، بل إنها هي ضياع الوطن كله لصالح الطائفة. حتى لا تكاد تجد فارقا واضحا بهذا الخصوص بين إخواننا الإخوان وبين إخواننا أهل القاعدة وجماعة التكفير والهجرة والجهاد والجماعة الإسلامية. مما يشير مع استشهادهم جميعا بذات الآيات والمواقف إلى خلل أصيل في المنهج الإسلامي. لأنه لو كان القرآن الذي تم سرد آياته يحمل هذه المعاني حقا ، فإنه لا يسعك إنكار الإرهاب والكراهية في دين الإسلام ، خاصة أن الأمر هنا أمر المقدس الأعظم وليس كلاما في الفقه أو في السنة. ولكن قبل الاعتراف بهذه النتيجة المفزعة خاصة للمسلمين البسطاء الطيبين هناك ملحوظات:

أولا :

لا مناص من الإقرار بصحة الشهادات القرآنية المقدمة من قبل أنصار عقيدة الولاء والبراء ، لأنها نصوص واضحة فصيحة لا تحتمل تأويلا ، لكنها تحتمل تفسيرا ربما كان هو الأصدق مما يقدمه أنصار الكراهية والدم ، وهو ما سنأتي عليه بعد قليل.

ثانيا :

يلاحظ الجميع مسلمون وغير مسلمون ملاحظة شديدة الخطورة في منهج التفكير الإسلامي ، وهي استشهاد الخطابات الإسلامية المتنوعة على اختلافها مذهبيا وتعارضها أحيانا في الأغراض ، بآيات قرآنية لو رصصناها بجوار بعضها لأمكننا أن نرى تناقضا هائلا في كتاب الله أو هو تناقض يصبه البشر بأغراضهم المتباعدة على كتاب الله.

مما يشير إلى انتهازية لا تليق بكل هذا الاحتفاء الإسلامي بنصهم المقدس وهو لون من فضيحة لضمير نفعي تجده لدى المسلمين على مختلف الدرجات حتى لتجد تاجرين يتنازعان الحقوق وكل منها يستشهد على شريكه بآيات الله وكلاهما نصاب وكلاهما مؤمن وكلاهما يعتقد أنه على حق وكلاهما يعتقد أن الله ناصره.

وهي حالة مستعصية في العقل الإسلامي سببها تلك الانتهازية المبكرة بين الخصوم السياسيين في دولة الخلافة الأولى منذ أبي بكر واستخدام كل طرف للمقدس مؤيدا ورفيقا ، حتى كاد أن يكون الأمر تشغيلا لله عند الناس حسب مصالح ومكاسب وهوى كل طرف.

وقد سمح بهذه الإنتهازية طبيعة المص المقدس نفسه الذي تفاعل مع واقع زمن ثلاثة وعشرين عاما ، واقع كان متحركا كأي واقع لا يعرف الثبات ، فكان أن تغيرت الآيات وتبدلت ونسخت وأنسيت بحسب الظروف مما أتاح لكل صاحب مصلحة اليوم أن يجد في النص ما يروق لمصالحه ، وهي حالة ليست بدينية ولا روحية ولا تحترم النص ولا الله بقدر ما هي لون من العلمانية الفصيحة. لكنها للأسف أحط أنواع العلمانية طرا ، حتى أن النصوص المؤولة حسب رأي كل فريق حلت محل النص الأصلي وأصبح هي المعمول بها عند هذا الفريق أو ذاك على تناقض هائل لا يلتقي أبدا ، بينما توارى كتاب الله وراء نص إنساني يمثل مصالح كل فريق وفهمه ورأيه ليحل الإنسان محل الله لكن بعد أن تلبس بقدسه وتسربل بعباءته.

لكن حتى يجد كل فريق مؤيداته من القرآن على اختلاف الأزمان والأمكنة ولظروف السياسية والأهداف المطلوبة ، اتفق الجميع على قاعدة أن العبرة في النص القرآني ليس بخصوص السبب الذي جاء النص بشأنه في أحداث حدثت زمن الدعوة ، إنما العبرة بعموم لفظ النص أي تطبيق النص وتفسيره مستقلا عن أحداث زمنه. وبذلك يكون صالحا لكل زمان وكل مكان ولكل انتهازية رخيصة ممكنة ولكل خصومات بحاجة لسند شرعي حتى أصبح صالحا للكراهية ولرغبات الدم والذبح والحرق ، وللاشتراكية وللرأسمالية وللحرب وللسلام ، ومبررا لكثير من المظالم الفادحة التي ارتكبت بحق المسلمين البسطاء عبر التاريخ. بقامع داخلي تم ترويضهم عليه بالدين ، وأصبح المصحف بيد كل طاهر أو شرير أو قاتل أو تاجر أو مصلي تقي عارف بالله وسيلة لجعل النفس عبدة أو شريرة او متمردة أو قاتلة أو متسامحة معطاءة. لقد أصبح النص وسيلة دائما لغرض دنيوي لا لذاته ولا لقدسيته وتبجيله بما يليق به من إجلال واحترام ورهبة روحية مفترضة في المؤمن نحو المقدسه.

ثالثا :

لابد أن يلفت النظر بشدة مأزق الدكتور الظواهري من الآيات “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم منن دياركم أن تبروهم وتسقطوا إليهم /الممتحنة”. وهو نص واضح فيه البر إلى من لم يقاتلنا والإقساط إليه في صياغة لا تكاد تكون فقط سماحا بالبر والقسط ، بل هي ترقى إلى درجة الأمر. فيقول الظواهري سامحه الله مفرقا في التفسير “البر هو إيصال الخير والقسط هو العدل ، ولا يدخلان في الموالاة المحرمة التي تتضمن المحبة والتواد والنصيرة باليد أو اللسان والمتابعة في الاعتقاد والأفعال ، واتخاذ الأعداء بطاة وإطلاعهم على أسرار المسلمين”.

إن الدكتور أيمن هنا يخلط الأمور كلها ببعضها رغم إدراكه الباطني الفصيح من وهن حجته التي يساوي فيها بين “المحبة والتواد” بين المسلم وغير المسلم ، وبين “المتابعة في الاعتقاد والأفعال وإطلاعهم على أسرار المسلمين” في تلفيق لا يليق بنفس ترى أنها تجاهد في سبيل الله ، وتزور على نفسها معاني كتاب الله لتحقيق شهوة القتل والانتقام ليس أكثر ، بلا نفع يتأتى للمسلمين بل الحاصل هو مزيد من الانهيار والحصار والركوع.

وليس أدل على ما نقول من التفسيرات التي ألحقها الدكتور الظواهري بالآيات التي حشدها في كتابه ، كمثال تفسير “إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترافتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله” بأنها قد جاءت بشأن الصحابي أبي عبيدة بن الجراح عندما التقاه أبوه في غزوة بدر وهو مشرك ، فجعل أبوه ينصحه ويتقرب إليه ويحبب إليه ألهة مكة بينما يحيد عنه ابنه أبو عبيدة حتى قصده ابنه فقتله “برواية الحافظ البيهقي من حديث ، بن شوذب”.

ولعل أول اعتراض اليوم على التأسي بفعل أبي عبيدة وأن قتل ابن أباه في سبيل الدين ، فهو أن ذلك لم يعد مقبولا إنسانيا أو قانونيا أو أخلاقيا. لقد كان الحدث يليق بزمانه وقيم زمانه وأحوال زمانه ، وربما كان مطلوبا لإثبات الإخلاص للدين وللدولة حينذاك بموالاتها والتبرؤ من الأهل ، لكنه في أخلاقيات اليوم شيء نكير ومنكر ومستنكر وساء سبيلا.

خاصة أن أخلاق الإسلام نفسها تكره أن يبتدئ الرجل إباه من المشركين فيقتله لقوله تعالى : “وصاحبهما في الدنيا معروفا 15 / لقمان (الهداية في الفقه الحنفي 2 / 139) وقال الشيرازي ويكره أن يقصد قتل ذي محرم لأن الرسول منع أبا بكر من قتل ابنه في غزوة أحد وعن أبي الزناد عن أبيه قال شهد حذيفة بدرا ودعاه أبوه إلى البراز “المبارزة” فمنعه رسول الله “المجموع للنووي 19 / 295″ ، وهكذا يبدو لنا أن أخلاق الإسلام تأبى ما يريده الظواهري بل وترفضه ، والواضح فيها أن القرار كان قرار أبي عبيدة وليس قرار الإسلام ، ولم يسأل فيه أبو عبيدة رسول الإسلام وإلا كان ابى عليه كما أبى على أبي بكر وأبي حذيفة. . وهكذا وبتلفيق بسيط يمر على العقل البسيط أيضا يتم تحويل فعل أبي عبيدة إلى فعل إسلامي عظيم مبهر تم في سبيل الدين ، فقتل الابن أباه حبا في الله ، وتطبيقا لعقيدة الولاء والبراء بكل إخلاص وتفان والله ورسوله من تلك الأخلاق براء يا دكتور ظواهري.

رابعا :

إن ما قدمه الدكتور الظواهري من آيات تؤكد عقيدته في الولاء والبراء تتضح فيها سمات لا يمكن بحال تعميم معناها في الزمان المطلق والمكان المطلق بحجة قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فالآيات تحدثنا عن زمن بعينه وظرف بعينه ترتبت عليه الأوامر والأحكام الخاصة به في خصوصية تلازمية ، فالنهي عن المودة والموالاة يتردد فيها النهي عن مودة الآباء والأبناء والإخوان والعشيرة من غير المسلمين ، لأن الظرف حينذاك فرق بين الأب والابن عندما اسلم أحدهما وهاجر إلى المدينة ، وبين الأخ وأخيه وبين الفرد وسائر عشيرته في بيئة تشكل العشيرة فيها لبنة أساسية في بناء المجتمع. . ومنعا لوصول أسرار الدولة الناشئة عبر حالة عاطفية بين أحوين أو أي رحمين ، فقد نهى القرآن عن موالاتهم نصا ولفظا ومعنى واضحا كل الوضوح تربط الآيات بزمنها وظروفها ومكانها وليس بعد ذلك أو قبله أبدا.

خاصة مع الإشارات إلى النوازع النفسية لدى المهاجرين من عطف على أهلهم غير المسلمين أو محبة ، أو حنين إلى أموالهم التي تركوها في مكة أو مساكنهم التي تركوها مهاجرين إلى بلد غريب ضيوفا على أهله والضيف ليس كالمالك. . “قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره” ، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين 32 – 34″التوبة” اي إن كان بينكم أي لون من هذا الحنين فانتظروا عندما يأتي الله بأمره ويقوي الإسلام كيف ستكون عقوبتكم خاصة مع وصفه لهم بالفاسقين “والله لا يهدي القوم الفاسقين”.

وبشأن غير المسلمين لا تجد في النهي عن الموالاة غير صنفين هم الكافرون أو المشركون ، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أيضا ما يشير إلى ارتباط الآيات بزمنها وظرفها ، حيث لم تعرف جزيرة العرب غير اليهود والنصارى من أصحاب الأديان الكبرى في ذلك الزمان ، رغم أن هناك أديانا كبرى أخرى كانت موجودة ولم تعرفها جزيرة العرب كالبوذية والشنتوية والكنفوشيوسية والهندوسية ولم يعرفها أيضا القرآن. ومن هنا ارتبطت الآيات ليس باليهود والنصارى في المطلق ، لأن التحديد هنا مؤطر جغرافيا بمكانه في الجزيرة ، وأن يهود ونصارى شعوب أخرى خارج الجزيرة مثلهم مثل أصحاب الديانات الكبرى الأخرى التي لم يذكرها القرآن معبرا عن مكانية وظرفية خاصة بالجزيرة العربية وحدها وفي زمن الحدث لا بعده ولا قبله ، ومما يؤكد ظرفية الآيات وجود آيات أخرى بالقرلآن تناقضها تماما وتتحدث عن اليهود والنصارى والتوراة والإنجيل بكل مودة وموالاة بل وتبجيل ، وما حدث من ظهور تناحر سياسي رفض بموجبه أهل الكتاب من أهل الجزيرة الانطواء في الدين الجديد وإن قبلوا الانضواء في الدولة بعقد الصحيفة ، وتطور الأمر إلى حرب عسكرية تحول فيها الموقف من الود والموالاة إلى الكراهية والعنف والإقصاء.

خامسا :

يلفت النظر بشدة أن هؤلاء الذين يزعمون التبحر في الدين والرسوخ في العلم عادة ما تحولت مواقفهم من النقيض إلى النقيض ، وهو حال واضح في بعض مشايخ السعودية ، والجماعات التائبة في مصر ، والإخوان لأنهم يريدون أن يلعبوا السياسة بالدين ، ومع تقلبات أحوال السياسة لابد أن يتقلب الدين.

فكان القتل وسفك الدماء بإدعاء الرسوخ في العلم وأن فهمهم لنصوص الدين هو الفهم الصح بإطلاق ، وذبح الناس في الطرقات والشوارع ، وقتل الأبرياء من ضيوفنا داخل أعز حرماتنا التاريخية ، حيث كانت تمارس العبادة في قدس الأقداس. ثم وبالرسوخ في العلم وأن فهمهم هو الصواب بإطلاق تراجعوا عن فهمهم الأول إلى فهم جديد يدين ما فعلوه من قبل ، دون أن نجد أي تعويض لما خسرته البلاد من مال وعباد وهيبة واحترام من نظر العالم سوى أنهم تكرموا علينا فتابوا وقرروا عدم ذبحنا الآن على الأقل ، لأنك لا تعلم كيف سيكون الرسوخ في العلم غدا ، ودون أن يواجه أحدهم نفسه مرة فيقول : إن الأمر ليس أمر الدين وشأنه بل هو أمري وشأني : وأين احترام الدين من ظاهرة الرسوخ هذه عند كل مدع راسخ؟

كيف نضمن دماءنا ومستقبل بلادنا ورسوخهم هكذا يوم وليس هكذا في يوم آخر ؟!! ألسنا بحاجة إلى احترام حقيقي لكتابنا المقدس ولربنا ولحرمة دمائنا ودماء الإنسانية؟

أستاذنا العفيف الأخضر عندما واجهته هذه الآيات مع ايات السيف التي نسخت آيات السلم رأى أن الحل هو إعادة النظر في القرآن بما يفي بمطالب زماننا مستخدمين أدوات النسخ التي سبق استخدامها في زمن الدعوة عندما كانت تنسخ آية آية أخرى لتغير الظروف والأحوال الأرضية ولكن بالعكس. أي أن ننسخ نحن آيات الحرب والقتال والكراهية ، وأن نستبعد لفظ الكفار من حياتنا نهائيا.

لكن ستواجه أستاذنا هنا عدة مشاكل غير قابلة للحل بإطلاق ، لأن النسخ حسب قرار آيات القرآن كان يتم بإرادة إلهية لا إنسانية ، ومن ثم ليس بيد المسلم هنا القول بنسخ آيات ، كذلك لا يمكن حذف أي لفظ في القرآن بوضعه الحالي المتوافق عليه منذ الزمن العثماني. و يبقى حل آخر هو ما طرحناه هنا وهو ألا نركب الآيات بل أن نتعامل معها مجردين من أغراضنا فنجدها تفصح بغير حاجة لبرهان آخر عن ظرفيتها ومكانيتها ، لكن يمكن القول بملء الفم لا لقواعد الفقه البشرية مثل قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولا طبعا لقاعدة لا اجتهاد مع نص ، ويقصدون بالنص تفسيرهم الذي غدا بديلا للنص ، لأن النص واضح بذاته لو خلعنا عنه تفسيرهم الذي ساد عبر الأزمان ، ويبقى الحل بالقراءة الزمنية المكانية (التاريخية) للآيات هو الأمثل لأنه لا يرد الآيات ولا ينسخها لأنها كانت صالحة في زمانها متوافقة مع واقعها منسجمة مع محيطها ، لكن تطبيقها اليوم يصبح عزفا نشازا يفتئت على الله وعلى قرآنه ، ومن ثم تظل الآيات معبرة عن زمن قد سبق وحدث في تاريخ المسلمين ، فيه تاريخ ، فيه عظات ، فيه حكم ، فيه بطولات ، لكن ليس فيه ما يطلب مني اليوم كراهية أهلي في الوطن لأنهم غير مسلمين. لأن لهم دينهم ولي دين ، وهو أمر ليس محلا للفعل واتخاذ المواقف بسببه ، وتدمير البلاد والعباد واستعداء العالم ضدنا ونحن في الدرك الأسفل لسلم تطور الإنسانية ، فهذه هي الجريمة ، ويضاعف جرمها استخدام الله وسيلة وهو الغاية العظمى.

ملحوظة وأنا أكتب هذه السطور شعرت بمضض شديد من سادتي الأزاهرة الذين يعيشون في نعيم البلهنية بضرائب من جيوبنا تمر إليهم عبر بنوك ربوية يكفرونها ، أنعم عليهم الوطن نعيما عظيما ولا نسمع لهم صوتا في مثل هذه القضايا ، وإن سمعنا فالركون إلى السهل البسيط بالرجوع إلى الآيات المكية حيث التسامح والسلام دون بذل أي جهد لتناول القضايا تناولا باحثا محترما!! أين هم من الإخوان المسلمين ؟

أم أنهم قد قرروا السكوت في موطن الكلام الجهير الواضح؟

أم قد تركوا المهمة لغيرهم. . هل أنتم معهم أو معنا ؟ إذا كان ذلك ليس كذلك فإني ابتهل إلى الله أن يلهمهم فضيلة الاستقالة. . استقيلوا يا سادة يرحمكم الله ويرحمنا.

Posted by المجموعة الليبرالية in 12:07:51 | Permalink | Comments (1) »