تحالف سعد الدين إبراهيم والإخوان
ديمقراطية الهلاك
تحالف سعد الدين إبراهيم والإخوان
التعامل مع فكر جماعات التطرف دون فهم عميق يؤدي إلى نتائج وخيمة
وصول الإخوان إلى السلكة لن يختلف عن وصول النازيين في ألمانيا
تبدو لي من مجموعة ملحوظات عن مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية أن المركز وصاحبه الدكتور سعد الدين إبراهيم يذهبون إلى ضرورة إشراك الجماعات الإسلامية في عملية الإصلاح المنشود بالحوار معهم والاستماع إليهم ، وبخاصة جماعتهم التأسيسية التي أفرزت لنفسها أذرعاً وفروعاً وجماعات تحتيه سرية “جماعة الإخوان المسلمين المحظورة” ، وهو موقف لا خلاف عليه ، فالاستمتاع والحوار واجب في كل مكان وزمان لكل من يعلن رغبته في الحوار بالطرق القانونية السلمية المسموحة ، وقد استمعنا لمبادرة الإخوان واحترامناها بمناقشتها على صفحات “روزاليوسف” عبر أكثر من شهر.
لن نسمع من الإخوان رداً على هذه المناقشة يسمح لنا بفرز الأسود من الأكثر سواداً والسيئ من الأكثر سوءاً فيما قدموه لنا بمبادرتهم التي كشفت في خلفيتها أشد الآراء ظلامية وأشدها عداء للديمقراطية ، لم نفتر عليهم كلمة ولم ندس في مناقشتنا لهم كلمة ، ولم نفسر على هوانا ، بل تركناها تفسر بعضها بعضاً وتفصح عن مكنونها بعباراتها ومفاهيمها وبلسان أصحابها.
لكن مركز ابن خلدون يذهب – فيما يبدو – إلى ما هو أبعد من الاستماع والحوار والمناقشة ، فهو يطلب مشاركة هذه الجماعات في العملية الديمقراطية المطلوبة بشكل فورى ودون أي اعتراض أو مناقشة لما يطرحونه ودون الحصول منهم على أية ضمانات واضحة لما أعلنوه من إيمان بديمقراطية زماننا، ويكفينا منهم الإعلانات عن التخلي عن العنف واللجوء للعمل السياسي السلمي ، لأن قصر الديمقراطية على الديمقراطيين هو خيانة للمبادئ والقيم الديمقراطية وهو لون من “المكارثية” البغيضة عندما تفرز الناس ما بين مسموح له بالمشاركة ، لأن المبدأ الديمقراطي يقبل جميع الناس على قدم المساواة المطلقة.
رغم أن مناقشتي لمبادرة الإخوان تكشف أن العقل الإقصائي المكارثي لم يقدم إخلاصاً لمبادئه بما هو أفصح وأجلى من مبادرة الإخوان.
كما بدا لي من خلال مشاركتي في محور الإصلاح الديني في “ندوة الإصلاح في مصر” التي عقدها ابن خلدون يوم 3 يوليو 2004 ، ومن خلال الاستماع إلى رأي أحد باحثي المركز وهو يناقشني أن الديمقراطية المقصودة في النهاية والمطلوبة فوراً هي ديمقراطية صندوق الانتخابات ، وبعدها ستنصلح كل الشئون إن شاء الله.
وازعم هنا من خلال لقاءات عديدة بالدكتور سعدكان معظمها في بيتي أنه رجل نشط ومناظر قوي الحجة متماسك المنهج ، لكن له عثرات فيما يطرح اعتقد أنها ناجمة عن قصور شديد لديه في الدراية بالإسلام والتاريخ الإسلامي ، وكذلك تاريخ الحركات الإسلامية وأدبياتها ، وأنه يتعامل معها بخفة شديدة وتبسيط مخل ولا يأخذها كثقافة شعوب بما يناسب حجمها ونقلها ، بينما ينعي على الآخرين اخذهم شئون المجتمع والاجتماع بخفة وتبسيط دون فهم عميق ، ولما كان المجتمع والثقافة ضفيرة واحدة متشابكة ، فإن التعامل مع الثقافة بتبسيط وخفة لابد أن يؤدي إلى نتائج مضللة في علم الاجتماع ، وفي حالتنا هنا مع الديمقراطية والإخوان لابد أن يؤدي إلى نتائج كارثية.
وفي ظرف كحالنا اليوم هو الحالة الحرجة الحقيقية والرحراجية على صراط يمتد ما بين حال الإنسان الواقف على قدمين القابل للانقراض ، وحال الإنسان الراقي القوي القادر على الاستمرار بمزيد من العطاء للحضارة ، فإن تبني مركز ابن خلدون لفكرة إشراك الإخوان وذيولهم وأذرعهم الضاربة إن أمكن في العملية الديمقراطية سيفترض أحد موقفين : أحدهما يتسم بسوء الظن الشديد وله العذر والمبررات أحياناً كما في حالتنا هنا ، وهو ما أخذ به الكل تقريباً إزاء ابن خلدون ، وإن كان بعضه غثاً مفترياً في شئون أخرى تعتمد على التجريح الشخصي والتخوين الوطني ، والموقف الآخر أن نأخذ ما يطرحه المركز بقدر من حسن الظن ، وهو ما سأفعله هنا لنرى إلى أين يصل بنا هذا الظن الحسن.
إعمالاً لحسن الظن أفترض أن الدكتور سعد الدين إبراهيم يتعامل مع الجماعات الإسلامية الراغبة في إلقاء السلاح وخوض العمل السياسي العلني بأحزاب إسلامية الصبعة والشعارات ، باعتبارها الشبيه المحلي للأحزاب المسيحية في بعض البلدان الأوروبية ، حيث لتلك الأحزاب التي تحمل سمة الديانة المسيحية كل الحقوق والكفالات المكفولة لنظيرتها من أحزاب أخرى ، من أحزاب الملحدين إلى أحزاب الخضر.
لكن هنا فرقاً هائلاً بائناً بين تلك الأحزاب في أوروبا وبين جماعاتنا الإسلامية التي تريد تأسيس أحزاب لها تخوض بها العمل الديمقراطي ، ورغم هذا الفارق الواضح فقد حمل الدكتور سعد وجهة نظر تلك الجماعات إلى السفراء الغربيين في بلادنا ، وهنا يكون قد ارتكب أكثر من سقطة.
أول معاني هذا الخط الحواري هو فتح قنوات للحوار بين المتأسلمين وبين دول الغرب عبر مركز ابن خلدون ، وهو ما يعني في نتيجته النهائية تأكيد وجود هذه الجماعات كجماعة مستقلة غير رسمية أمكن لها الوقوف موقف المحاور مع الدول الكبرى استثماراً للظرف العالمي وتحقيق أي مكاسب ممكنة عبر هذا الحوار ، وهو أيضاً ما يعني أن هذه الجماعات الخارجة على القانون قد تم تقديمها بحسبانها ضمن قوى المعارضة المصرية ، أو قل هي المعارضة القوية القادرة على طرح نفسها نيابة عن شعب مصر. وهو كله ما يشكل لوناً من الاعتراف بهم خارج القانون ، رغم أن مصر الدولة ، ومصر الحكومة ، ومصر القانون ، ومصر الناس مسلمين ومسيحيين يرفضون الاعتراف بهذه الجماعات معبراً عنهم ، بل لا مجرد الاعتراف لهم بشخصية قانونية ، لأن هذا الاعتراف مع ما نعلم من فكرهم وأقوالهم وبعدما اكتوينا بنارهم يعد اعترافاً فورياً بشرعية الدم وبوصايتهم علينا بأمر الرب حسبما يقدمون أنفسهم ، وهي أبغض وصاية ممكنة وأكثرها زيفاً وضلالاً ، ويعني أيضاً قبولنا لهم أعضاء في الفعل الديمقراطي ، وهم يعلنون عدم الاعتراف بهذا الفعل حقاً وصدقاً بقدر ما يعلنون تقية باللسان لأنه كما قال “محمود الصباغ” : “من خدع الحرب أن يسب المجاهد المسلمين وأن يضلل عدو الله بالكلام حتى يتمكن منه ويقتله / حقيقة التنظيم الخاص 429″. أو كما قال “مصطفى مشهور” بلغة فصيحة صريخة غليظة : “إننا نقبل بمبدأ التعددية الحزبية الآن ، لكن عندما يقوم حكم إسلامي فإننا نرفضها ولن نقبلها / رفعت السعيد / ضد التأسلم 211″.
إن قبولنا بانخراظهم في الفعل الديمقراطي المقصود هنا هو قبولهم أعضاء في ديمقراطية صندوق الانتخابات دون تقيدهم بشروط الديمقراطية الحقوقية كحق تشريع لأنه لا حكم إلا لله “من خلال الإخوان طبعاً” وكحق المرأة في شخصية إنسانية كاملة ذات أهلية تامة ، وهو ما يتعارض عندهم مع حدود اله ، وكحق الاعتقاد مطلقاً ، وهو ما لن يتفق مع حد الردة. . إلخ ، وهو كله ما يعني قبولنا لرفضهم لنا سلفاً وإقصاءهم لنا وللديمقراطية ، و نكون كمن يشرب السم ويعلم أنه سم إخلاصاً للوعد بشرب السم مادام داخل الفعل الديمقراطي!
ويعني القبول سلفاً بعلمنا أنهم سينقلبون على الديمقراطية وفق شريعة سماوية معلنة سلفاً ترفض الديمقراطية ، وأيضاً دون أن نستطيع الاحتجاج ، ومع حال كحال بلادنا اليوم ومناخ كمناخنا الفكري ، فإن هذه المغامرة الديمقراطية غير مضمونة العواقب بإطلاق ومرفوضة بإطلاق.
السماح بديمقراطية صندوق الانتاخابات وحدها للهاب والداب والضحوك القتال بحجة أن هكذا الديمقراطية النقية نرفع صلبانها ونترهب ليصلبونا عليها دون ذرة شك ، يعني أننا نستخدم منهج تفكير سحرياً يخلص للمبدأ بمنطق الذي يسلم قدره لخط سير المبادئ الذاتي وقدرة المبادئ على الفعل بمجرد تفعليها ، وبحسبان الديمقراطية قادرة بذاتها على طرد العملة الفاسدة تلقائياً. وهنا لا بأس أن تخوض الشعوب تجاربها باختيارها ، ولا بأس من 50 سنة أخرى أو قرن آخر تجارب نتعلم منها ، في زمن فارق في سرعته في مفارقته لنا كل يوم بمسافات تتحول إلى جدران عازلة بيننا وبين دينا الإنسان الراقي ، وعلينا أن نبدأ بالجريب في زمن جاءت فيه الفرصة الذهبية ولن تتكرر في ظرف فريد في التاريخ يتفق فيه المحلي والأجنبي على ضرورة الإصلاح الديمقراطي ، لنضيع الفرصة إلى الأبد بعشوائية الديمقراطية السحرية. ورغم ما حدث أمامنا من تجارب كان المبدأ العنصري أو الطائفي الديني هو محركها ، كما حدث في تجربة إيران باختيار وقرار شعبي ساحق في استفتاء جماهيري مباشر من كل جماهير إيران واتفاقها ، أو كما حدث في وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا عبر انتخابات حرة نزيهة ، ودون النظر إلى الخراب المحلي والدولي الذي أفرزته التجربتان ، وما حاق بالناس الذين تسعى الديمقراطية لكفالة حقوقهم ، فانتهت النازية بحرب عالمية وعشرات الملايين من القتلى من كل لون ، مع ما عاناه الشعب الألماني نفسه من قهر عظيم بقبوله هذا الاختيار مع الأهداف المعلنة للحرب ، ولم تنته بعد السلطة الدينية القائمة في إيران بذكرياتها البشعة ومئات ألوف القتلى في محاكمات كانت تتم بسرعة توزيع التلاميذ على فصول المدارس.
مع ملاحظة أن ديمقراطية صندوق الانتخابات المطروحة يغيب عنها بوضوح معنى القرية أو المبنى العالمي الواحد اليوم ، الذي لا يحق لأحد فيه أن يعبث عشوائياً في منطقته الخاصة لأن هذا العبث سيؤثر سلباً على المبنى كله ، وربما كان صحيحاً من حيث المبدأ لكنه غير صواب من حيث النتائج المعلومة سلفاً والمحسومة سلفاً القيام بتطبيق ديمقراطية صندوق الانتخابات بعمل مفتوح فجأة توكلاً على الديمقراطية وقدرتها السحرية على الفرز ، لأنه ستم وأدها قبل أن تفرز ، وبهذا المعنى تحول الديمقراطية إلى تميمة قدسية قادرة على صياغة الواقع دون الإنسان الفاعل بالفعل في هذا الواقع ، و ما أبعد ذلك عن نتائج نرجوها لمصالحنا لا تطبيقاً مثالياً لمبدأ ناقص إخلاصاً للمبدأ لا للنتائج والمصالح.
لأنه لابد أن يتم اتخاذ القرار بعد أخذ كل الظروف المحيطة محلياً ودولياً بكل تفاصيلها في الاعتبار بكل تناقضاتها وتقاطعاتها وتباعداتها وتقاربها دنن إغفال منمنمة واحد قد يكون لها التأثير الأعظم أحياناً في تحويل خط سير التاريخ لو تركناها تسير حيثما شاءت أما الديمقراطية فهي صنع الناس ، وقد تصبح مأمورة لأشد الناس إفكاً ، إن لم تكن في الأصل قيمة يعرفها كل الناس ويحرص عليها كل الناس بحقوق تهم كل الناس ويدافع عنها كل الناس. فهي لا تسير ميكانيكياً بضرورة تماثل عالمي. لأنها لو فتحناها فتحاً لينحشر فيها الكل بمن فيهم أخل الرشاشات والسنج الذين قتلونا بحكم رسوخهم في العلم ، وتابوا بحكم رسوخهم في العلم “ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم” لمزقت الديمقراطية شر ممزق ومعها الوطن ذاته قبل أن تبدأ ، ولنا في الجزائر أسوة غير حسنة أنه بينما الديمقراطية تعتبر الدين جزءاً اختياراً في حياة الناس وليس هو كل هذه الحياة ، وأن من يقول في الدين قولاً إنما يقول رأيا مثل بقية الآراء المطروحة قابل للقبول وللرفض ، فإن إخواننا الإخوان ومخالبهم لا يورن ذلك ، بل يرون قولهم في الدين هو الدين ، وأن الدين ليس رأياً كبقية الآراء ، بل هو معيار كل الآراء والحكم عليها والحاكم بها.
ولأن الديمقراطية المنتظرة لم تنتزعها شعوبنا عن رغبة منها وإيمان بها ، بل تشببت فيها ظروف عالمية ورياح إقليمية ن بل ربما ردنا أي استفتاء شعبي اليوم مع ديمقراطيتنا إزاء الإيمان بأن التشريع هو حق الله وحده وليس الإنسان حقوق لم تقررها السماء ، وأنها ديمقراطية يتم ترتيبها ولم تنتج عن ثورة في وعي الناس تعي وتميز في اختياراتها بين مختلف الأطراف المطروحة على الساحة السياسية وعليه فإن الاختيارات في ظرفنا عبرديمقراطية صندوف الانتخابات الفورية دون تأسيس المعاني الحقوقية ، ستكون نتائجها مطابقة لوعينا العنصري الطائفي الذي نعيشه منذ زمن الخلافة وحتى اليوم ، وسيكون هو الضياع للأبد.
ومن وجهة نظري المتواضعة أن الفرصة جاءت لشعوبنا النائمة على طبق من ذهب وأن علينا انتهازها وركوبها بالسرعة الممكنة لغرض وجودنا على الأجندة العالمية كشعب وكتيارات سياسية فعالة وكمجتمع مدني نشط ، بتسريع المراحل وفق ظروفنا لكن دون حرق المراحل ، ولا تطبيق شق من الديمقراطية دون شقها الأساسي ، واعتقد أنه يجب أن تكون خطواتنا متواضعة ووئيدة لكن واثقة تعرف أهدافها البعيدة في ظل كل ارتباط لهذه الأهداف بظرف محلي أو دولي ، مع تغير وتيرة التسارع مع كل متغير جديد يمكن الاشتباك معه.
ومن وجهة نظري المتواضعة أن الفرشة الإسمنتية تقوم على أعمدة أساسية تغوص في جغرافية هذا الوطن ليحميها ناس هذا الوطن وينافحون عنها ، أقصد. . مصر الوطن الأرض ومعنى المواطنة ، لأن وطننا على حاله لن يحتمل انقلابات فكرية أو سياسية مفاجئة فوق ممكناته وقدراته ، فلابد أن يعود إلينا الوطن أولاً ونعود إليه بتآزر وطني ساحته مفتوحة ليتنافس في تعميق المواطنة المتنافسون وهو ما لا يعني تقبيل لحي بعضنا وحضور مائدة الرحمن بالكنيسة ، بل يعني نقداً حقيقياً وإصلاحاً صادقاً لإصلاح كل السلبيات التي تعمق المواطنة لنجهز الأرض المتماسكة بشعب متماسك يعترف ببعضه بعضاً وبحق بعضه بعضاً في الاختلاف لكن مع هدف راسخ هو التماسك الإنساني مع الجغرافيا بإرادة تتوجه نحو المستقبل ، حينئذ نكون قد وضعنا قدمنا على بداية طريق الإصلاح وأعتقد أن مشاركتنا في رسم فجره يجب أن تبدأ بإلغاء خانة الديانة من البطاقة الشخصية كخطوة تتبعها خطوات. .
فهل من مستمع؟
هذه كانت مناقشة لمركز ابن خلدون مع الأخذ بحسن الظن لأن بعض الظن إثم
روزاليوسف من 17/7/2004