معنى الولاء للوطن
معنى الولاء للوطن
خلال أقل من شهرين سمعت حديث الجزية يتكرر مرتين من مشايخنا الأفاضل. المرة الأولى كانت لفضيلة المفتي الدكتور علي جمعة عندما أكد على وجوب دفع المسيحيين المصريين غير الأرثوذكس للجزية ، مقيما فتواه بإسقاط الجزية عن الأرثوذكس على أنهم مواطنون مصريون وعقيدتهم عقيدة مصرية. و لأن الجزية مبدأ إسلامي لا يسقط ، أو كما قال.
والمرة الثانية في أمسية ثقافية رمضانية كنت أحد الحاضرين فيها إلى جوار الشيخ الدكتور منصور الرفاعي عبيد ، وكيل جامعة الأزهر ، الذي كرر التأكيد على مبدأ الجزية لأنه -كما قال- هو المعادل الموضوعي للزكاة التي يدفعها المسلمون.
غير هذا كثير ينساب على ألسنة مشايخنا طوال الوقت ، ولا يترك للمرء فرصة الابتعاد عن المناطق الملغومة ، في زمن لا يسمح بأية مغامرات داخل نسيج الأمة الذي يجب أن يعلو اليوم وفورا فوق أي أمر آخر وكل عقيدة وكل مبدأ وكل دين ولا يُعلى عليه.
ومن لا يعجبه فليشرب وحده من مائه الآسن ولا ينشر ريحه السقيم العقيم علينا. وقد حاولت عدم الخوض في هذا الأمر الشائك قدر ما استطعت ، لكن عودة هذه اللغة الطائفية على ألسنة بعض مشايخنا تحتاج إلى وقفة حاسمة. لأنه بقدر ما نحترمهم بقدر ما نحب وطننا حبا لا يوازيه احترام أشخاص ، ولأن الأمر ليس كتابا يصادرونه هنا أو مفكرا يهدرون دمه هناك. فالأمر هو أمن هذا الوطن وأمانه واستقراره ، إنها مصرنا جميعا ومستقبلنا جميعا مسلمين ومسيحيين.
و عادة ما يقابل الحفر وراء ألغام الفتنة في بلادنا ، والتي لم يزرعها أحد ، بل نحن الزارعون ، لإزالة فتيلها وتعطيل خطرها ، بقيامة المتاجرين بنا بتهم تزعم التكفير والتخوين وهي إليه أقر.
لذلك سأحاول هنا بكل لطف أن أمسك بأيديكم معي لنقترب بهدوء لنحاول معا نزع فتيل لغم واحد لا علاقة له بصُلب العقيدة الإسلامية ولا غيرها من عقائد ، ولا هو من ملحقات التقديس والتعبد ، بل هو خطأ تاريخي نصرّ عليه ، لو أمكن لنا نزع فتيله فبالإمكان أن يؤدي إلى متتالية من الحلول لكثير من مشاكلنا المدفونة في أرضنا ألغاما ، لتأكيد سلامة هذا الوطن وتماسكه تحتنا. في زمن حلمنا به زمان ، عندما كنا نحلم في شبابنا الماضي بالجيل الآتي المنقذ ، لأننا نعلم أن مصر قد تم استنزاف ثرواتها عبر التاريخ ، ومغامرات القادة بأقدارنا ، وأنها لا تملك من ثروة غير أهلها وناسها ، الذين هم ثروتها الحقيقية ، التي مثلها من قبل: مشرفة ، وطه حسين ، وطلعت حرب ، والعقاد ، وعلي عبد الرازق ، ومحمد عبده ، وسلسلة من الأسماء العظيمة ، ناهيك عن فعل البشر الجماعي الذي عادة ما يغفله التاريخ ، فبدأنا نهضة شرقنا برجالنا ، وهو ما انعكس على كل شأن. فارتفع اسمنا وصح اقتصادنا ونحن تحت الاستعمار ، فما بالنا وقد تحررنا فيتحول واقعنا إلى حزن وكرب عظيم أمام ما نراه من أحوال شبابنا الذين عولنا عليهم كل الأمل ، فإذا به قد مُسخ وعيه وولاؤه وقدرته على العطاء. إذا به كما ترون سادتي وتعلمون ، يدكم معي نحفر على لغم تاريخي مضى وذهب ، لكنه يظل لغما لإصرارنا على تزوير تاريخي بلا معنى حقيقي سوى إحداث الشرخ بين المواطنين. وما قد يستتبعه من كراهية متبادلة نحن في غنى عنها. تزوير مشغول بعدم الاعتراف بالأخطاء التاريخية تجميلا لبشر وليس لدين ، وتحسينا لمسألة فتح مصر مقابل تشويه وجهها الحضاري القديم.
ولاشك أن اللغة التي يستخدمها مشايخنا عند التعرض لهذا الشأن التاريخي الذي ليس دينا بحال ، هي لعب بأعواد ثقاب مشتعلة فوق لغم متفجر. إنه اللغم الموجود على كل تقاطعات طرق التفاهم منذ فتح مصر ويهز الأرض من تحتنا كلما عبث عابث. وقد اشتعلت بعض أطرافه في وجه الكاتب المبدع الأستاذ أسامة أنور عكاشة ، عندما رفع عليه محترفو المتفجرات قضية حسبة ، بينما المعلوم أنه عندما يكون الاختيار بين الوطن وبين غيره ، فلاشك أننا نعلم أن عكاشة سيختار الوطن ، ومن ثم ليس هناك أي جديد سوى أن عكاشة كان شديد المباشرة والوضوح والجرأة. دعونا نضيف إلى كرم هذا الشهر الفضيل وإلى التعبد والتهجد والاعتكاف ، فضيلة هي الأجدى ، أن نضيف إلى العبادة عملا يليق بمسلمين يحبون وطنهم حقا كما يحبون دينهم أيضا ، عملا يكرمون به أنفسهم لأن الله كرمهم وعلمهم فعل الكرامة.. «ولقد كرمنا بنى آدم».
دعوني أدخل بكم إلى صدمة المباشرة الواضحة بكلمات للشيخ المرحوم خليل عبد الكريم إذ يقول: “إن فتح مصر أم الدنيا من بدو الجزيرة ، وما فعلوه فيها ، يجدر بكل مصري أن يتذكره بالأسى الدفين ، والحزن العميق”. وهنا يجب ألا نخلط أبدا بين بعض التصرفات التي ارتكبها بعض البدو فأساءت إليهم وألحقت أبلغ الضرر بمصر والمصريين.. وبين الدين الإسلامي بتعاليمه السمحة وأهدافه النبيلة. مصر لم تكن كغيرها في ذلك الوقت بلادا عادية. إنها كانت هرم العالم الحضاري ، وكان بعض الاحتلال هو البدائية والبداوة بفارق عظيم بين الطرفين. إن قول الشيخ خليل قول واضح يقف إلى جوار الوطن بغض النظر عن تمجيد وتقديس بشر غير مقدسين ، لأن مواطنتنا قد تعرضت لعملية غزو تاريخية ، تم بموجبها إعطاء الولاء المصري البدوي دون الوطن ، وهو قول لا يحمل تجريحا لأحد دينا وأشخاصا ، بل نحن المجروحون نتحدث وجعا من الألم لمصرنا وحيدة غريبة ، وفوق أرضها شعب يدين بالولاء لغير الوطن.
نتحدث حتى لا تضيع البوصلة من المواطن فيبحث عن الوطن في الفكرة ، بينما يتسرب من بين يديه الوطن الأرض والتاريخ. في المقابل تتكرر عبارة “إن الفتح الإسلامي لمصر جاء حاملا لها نور الهداية وبركات الإسلام”. ولا بأس من تمرير العبارة المتكررة تتفضل علينا بالفتح ، إزاء الجانب الإيجابي لهذا الفتح ، وهو دخول كثير من المصريين في دين الإسلام.
لكن ما يغفله الجميع وهم يزوّرون التاريخ على المواطنين ويزيفون عليهم مواطنتهم لا يقولون للناس أن بعض الأشياء تحولت وبسرعة قياسية مذهلة إلى ظلم وطغيان واستبداد ، ظلت فيها مصر محتلة ، ولم يحكمها مصري منذ ألفي عام حتى جاء عبد الناصر وهى العبارة المتواترة في أدبيات الناصريين. والغريب أنه كان مصريا لكنه أعاد الفتح العربي لمصر مرة أخرى ، وتبعه المصري أنور السادات ليعيد الفتح الإسلامي مرة أخرى.
وكل واحد وحسب ظروفه والمفتاح المطلوب لدعم تلك الظروف. وحتى نوقف قفلنا عن قبول هذه المفاتيح والفتوحات المتتالية ، علينا أن نحسم الموقف في علاقة الإسلام بالوطن بمسألة الفتح العربي بوجود مصريين أصلاء في هذا الوطن هم شركاؤنا فيه بنصيب وافر وتاريخي ، وأيضا حتى لا تكون مصر ولاية ضمن حكومة خفية تصدر الفتاوى والقوانين بما هو ضد الوطن ومصالحه.
وحتى يشعر المصري أنه مصري أولا وقبل أي اعتبار ، وتأتي بقية الاعتبارات بعد الوطن ، أن يكون مسيحيا أو أن يكون مسلما ، أو أن يكون وثنيا ، أو أن تكون مقدساته في الحجاز أو في فلسطين أو في بلاد تركب الأفيال ، لأن هنا حرم قدسنا الأول ودونه تنتهك كل الحرمات ، وبعده تأتي أية مقدسات.
يدكم معي أهلي وأحبائي ، بالبحث الهادئ وراء هذا اللغم بادئين بما طرحه سيدي المفتي مع كل احترامي وتقديري لمنصبه الرسمي. لأن ما قاله أصبح ملك الجميع يتحاورون بشأنه ويبدون فيه الرأي. ما قاله سيدي المفتي يستحق كلاما قاسيا ونكيرا لن أستخدمه هنا سعيا لنجاح الفكرة المطروحة ومنعا لفتح أبواب جدل عقيم يضر ولا ينفع. لأن النكاية فيما قال لا تثمر أكثر مما قال.
لقد أعفى فضيلته الأرثوذكس من دفع الجزية ، رغم أنه كان لابد منها ما دمنا سنطبق هذا المبدأ الإسلامي. لكنه هنا انحاز للمواطنة وهى نقطة بيضاء وسط فتواه. إلا أنه كي يؤكد استمرار القاعدة وعدم التنازل عنها ، فقد طلب من المسيحيين المصريين من أتباع المذاهب الأخرى دفع الجزية؟.
الكلام هنا يختلط علينا ، فلا نعرف من هو المواطن بشكل دقيق ، لأن المسيحيين المصريين من غير الأرثوذكس ليسوا شعبا وافدا ، بل إن مذاهبهم هي الوافدة ، فهل يدفع المصري الجزية عندما يعتنق مذهبا غير وطني؟.
وماذا نعني بالمذهب الوطني؟.
وهل يمكن القول بإسلام وطني وإسلام مستورد؟.
هل سيدفع غير الأرثوذكسي للأرثوذكسي والشيعي للسني؟ أم سيتم الدفع للدولة؟.
وفي هذه الحال ما هو موقف الدولة؟
أم سيتم الدفع لدولة الخلافة الخفية التي تصدر طوال الوقت فتاوى هي قوانين تشريعية مع وجود تشريع قانوني تمثله تشريعات دولتنا العلنية الشرعية ، مع ملاحظة تغافل أصحاب الفتاوى عن هذه القوانين ، بل عن مصلحة مصر كما كان في حرب الفتاوى بين الأزهر ضد الوطن وبين دار الإفتاء مع الوطن ، أيام كان الدكتور طنطاوي مفتيا ، وأيام كان الشيخ جاد الحق إماما للأزهر. وأيضا مع ملاحظة أن فتاوى كثيرة من هذا اللون تخالف اتفاقات مصر الدولية وما وقعته من وثائق عالمية. ومن ثم فإن مثل هذه الفتاوى تحرض المسلم على عصيان مبادئ عالمية ، وهو ما لن يسمح به العالم في حال تفعيله وتطبيقه. ثم الأهم أننا لم نوافق على تلك التشريعات الفتوية ولم تعرض على برلماننا ولم تأخذ الموافقة الشعبية عليها.
مما يصيب المواطن بحالة ارتجاج في المبادئ واختلاط في الفهم وعمى بصيرة في السلوك. ثم يسأل البعض سؤالا ساذجا: من أين يأتي التعصب الديني؟. ومن أين تأتي الاستهانة بالقانون وبهيبة الدولة؟
أم أن المقصود من التأكيد على مبدأ الجزية هو مجرد عملية Update لمبدأ الجزية دون استخدامه بالضرورة؟.
و إذا كان ذلك المقصود فنحن لا نفهم لماذا؟
سيدي وكيل جامعة الأزهر ، خالص احترامي لتأكيدك على قيم تدعيم الثقافة الوطنية في محاضرتك ، ولا أقول الوحدة الوطنية ، لأنه عار علينا عظيم عندما نبحث عن وحدة مفقودة بين المواطنين سببها انتماءات ثقافية ، غير مصرية ، غير وطنية. لكنك سيدي التبس عليك الأمر وأنت تفرض الجزية على المسيحيين مقابل الزكاة التي يدفعها المسلمون ، لأن الزكاة فرض تعبدي على المسلم وحده ، كما أن تطبيق هذا القانون يصبح واجب التنفيذ لو كنا نحن المرتحلين إلى بلاد أخرى لها ظروفها وقانونها المختلف ، كما في هجرة المسلمين إلى بلاد الغرب. إن ما لا يراه أغلبنا دون وعى في الأغلب ، أن بعض أحداث الفتح قد تركت في نفوس الإخوة الأقباط جرحا غائرا لأن كثيرا من إخوانهم المسلمين في بلدهم لازالوا يفكرون بعقلية منغلقة وليس بعقلية المواطن المصري ، فيدافعون عن أشياء لا يجب الدفاع عنها ، وهو مبدأ إذا اعترفنا به فيجب أن نعطيه حقا مفتوحا للآخرين ، فأمريكا أيضا جاءت بنور الحضارة والديمقراطية والعلم مفتاحها تفتح به ، لأن المفتاح مادام قد أخذ الشرعية ، فقد أصبح صالحا لكل من يستطيع الفتح.
إن الجرح الغائر في النفس القبطية لا يندمل لأن بعضنا لا يذكر لمصر تاريخا قبل الفتح ، وإن تذكروه فمن باب التندر على المشركين والكافرين والوثنيين. إن الجرح لا يندمل لأن بعضنا مازال يفكر بعقلية الولاء للمسلم والبراء من غير المسلم ، دون أن يلحظوا متغيرات الزمن ، وأن الولاء الوفي الطاهر حقا اليوم هو لأهل الوطن وناس الوطن وشركاء الفرح والغم الذين يصيبهم ما يصيبنا من قرح أو خير. إننا كمسلمين مصريين عندما نعترف بصحيح الألفاظ والمفاهيم والمصطلحات لا نعتدي لا على ديننا ولا على العروبة المأسوف على شبابها ، ولن نخسر كثيرا بل سنكسب أنفسنا ووطننا.
عندما نسمي الأشياء بأسمائها ونعترف باحتلال عرف شديد الوطأة انتهى زمنه إلى الأبد وذهب بحسناته وسيئاته لأن ما حدث قد حدث ، ولن يجدي الندب بجواره شيئا ، فقط نعترف لنؤكد أيضا أن مصر لن تعود ولاية لأحد ، ومن هنا نصحح أنفسنا ونحترم وطننا وأنفسنا أيضا ، ونعلم أبناءنا التاريخ صدقا دون تزييف أدى إلى التباس المواطنة وخللها ، والأهم أننا سنعود جميعا متشابكي القلوب إلى حضن مصر الدافئ ، ولن يتم الربط مرة أخرى بين مصري اليوم المسلم وبين مسلم الأمس. وأعتقد أن هذا في مصلحة إخواننا العرب ، لأنه عندما تنصهر مصر داخليا في قالب قوى ستكون أكثر نفعا من تمزقها لأسباب لا يسبغ لعاقل أن تظل قائمة. تعالوا بني وطني وأهلي نتخيل معا مشهدا حدث ويتكرر ، مشهد وطني يعيش فيه أهله مسلمون ومسيحيون يفترض أن ولاءهم جميعا له حتى يستحقوه وطنا. علينا الاعتراف بحقيقة ما حدث وتسميته باسمه ، والاعتذار لوطننا فيما فعل بعضنا به ، وساعتها سيغفر لنا طين الأرض الطاهر ، وعلى الجانب الآخر سيقبل المواطنون كل منهم الآخر مواطنا في وطن هو مصر وليس أي دين أو مذهب ، لكن على الجانب المسيحي أيضا أن يتذكر أن الأنبا (بنيامين) الذي اشترى كرسي الكرازة بوطنه لازال رقما في تاريخ باباوات الأسقفية المرقسية ، فإذا كنا سنحاسب أنفسنا على تزوير التاريخ ، فمن الأولى أن نحاسب أيضا من باع وخان ، والوثائق بهذا الشأن متوافرة ، والحمد لله تدين كل من أخطأ في حق مصر ، لا أن نلوم الغازي ولا نلوم خير معاونيه في الداخل.
في مكاشفة ومصارحة شفافة تصب في خيانة المواطنة وحدها ، بعيدا عن عواطفنا الدينية التي كثيرا ما لا يكون لها علاقة بالدين بل تكون غبية وحمقاء ، كثيرا ما اذت هذا الوطن الجميل الكبير الذي يستحق منا أفضل من ذلك لأنه شرفنا بالمواطنة فيه. إن نزع هذا الفتيل الآن ليس بعسير..
فهل من مجيب يا وطني؟.
روزاليوسف 8 نوفمبر 2004