Wednesday, July 26, 2006

من فهمي هويدي إلى قرضاوي ياوطن احزن

من فهمي هويدي إلى قرضاوي ياوطن احزن

الأول يستطيب لقب “المستنير” والثاني يحبذ لقب “المعتدل”

وصف الأول للثاني بأنه أهم مرجع ديني في زماننا تجاوز على علماء الأمة ونقل للإمامة من الأزهر للإخوان !

هويدي يرى ضرورة مخالفتنا للغرب حتى ولو زوراً ولو لوينا عنق الحقيقة للكذب على الذات والناس !

الشيخ فهمي هويدي الذي يستطيب وصف المفكر الإسلامي المستنير انزعج أشد الانزعاج للخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن إفتاء الشيخ قرضاوي المشهور بالمفكر الإسلامي المعتدل في نقابة الصحفيين المصري في 31/8/2004 بجواز قتل الأمريكيين في العراق دون تمييز بين عسكري ومدني ، فكتب في الأهرام 14 /9/ 2004 مقالاً بعنوان “إعلام الفتنة” وهو مقال يستحق المناقشة في ضوء الآراء كل من المستنير والمعتدل ، خاصة مع إعطاء المستنير للمعتدل صفة فيها كثير من التجاوز على علماء الأمة ورموزها بدءاً من شيخ الأزهر وما يتلوه من درجات. إذ يقول : “إن الشيخ يوسف قرضاوي هو أهم مرجع ديني من أهل السنة في زماننا” ، وهو ما يعني خلق الإمامة الدينية عن الأزهر ومنحها للإخوان المسلمين ممثلين في عضوهم المرجعي قرضاوي وهو ما يعني أيضاًً تبعية المسلمين جميعاً في مرجعيتهم الدينية إلى الإخوان دون أن يقدم لنا الشيخ هويدي وثائق واضحة بهذا الاختيار من جانب المسلمين السنة لقرضاوي كأهم مرجع ديني في زماننا. بهذه الصيغة الإطلاقية في الوصف وإعاء المناصب في صحيفة الأهرام القومية شبة الرسمية كما توصف.

ولم يكن انزعاج المستنير من الفتوى بقدر ما كان مما زعمه تزييفاً لفتوى المرجع السني الأعظم من قبل من اسماه “إعلام الفتنة” وبأسلوب تهكمي بنعي المستنير على هذا الإعلام ما أثاره من ضجة حول فتوى قرضاوي وأن السبب أن الأمريكيين والغربيين هم من الدرجة الأولى الممتازة من تصنيفات البشر ، وليسوا أفغاناً أو عرباُ أو أفارقة ، ولا تعلم علام يتهكم الشيخ هويدي؟ فلو حدث فرز فعلي وتصنيف للبشر من حيث درجة ارتقائهم فسيكون الغربيون من الدرجة الأولى الممتازة قطعاً ودون حتى الحق في الامتعاض ، ناهيك عن الحق في التهكم ولو اعطى هويدي في هذا الفرز صوته لغيرهم لكان مضللاً مزيفاً.

وإعلام الفتنة هو تلك الصحف التي نددت بموقف قرضاوي وركزت على أمرين:

أولهما أن الرجل كشف عن حقيقة اعتداله الذي يدعيه وأظهر للجميع وجهاً متطرفاً وتفكيراً إرهابياً

ثانيهما أن تيار الاعتدال أسطورة ووهم وأنه يكتم تطرفه ويخفيه وهو منطقي أريد به تأكيد أن الناشطين المسلمين جميعاً إرهابيون ، وأنهم في حقيقتهم ما بين متطرف أسفر عن وجهه وكشف أوراقه ومتطرف آخر كان أكثر حذقاً ومهارة فأخفي قناعاته وأظهر سمت الاعتدال .

وفي هذا الكلام لون من المراوغة المعلومة لدى سادتنا السدنة والكهنة. فماذا يعني بكلمة “الناشطين” المسلمين؟ نحن نعلم ما هو الإسلام وكيف نمارس شعائره ونخلص له ونتعبد به فهل كلنا ناشطين؟ أم يقصد الناشطين سياسياً؟ الواضح أن المقصود هنا بالناشطين خارجين إطار العبادات الذين يستخدمون الدين في غير أغراضه ، وليس بيننا من يفعل ذلك سوى جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان وقرضاويها ، وإذا كان هويدي يقف في نفس الخندق ناشطاً مدافعاً منافحاً ، فهو من سمت الاستنارة يؤكد لنا الاعتدال ، وأن بين هؤلاء الناشطين فروقاً بين الاعتدال والتطرف.

رغم ما نراه من حال المسلمين الطيبين الذين يؤدون لله عباداته وللوطن حقوقه ويرعون قيم السماحة والأخوة الإنسانية ، وإن أيا من هؤلاء لم يتحول إلى إرهابي إلا عندما “نشط” إسلامياً. المهم أن فضيلة الشيخ فهمي يؤكد حصوله على تسجيل لكلام قرضاوي وأنه لم يجد فيه تلك الفتوى لأن نص كلام الشيخ قرضاوي حسبما أورده الشيخ هويدي هو : “ان الأمريكيين الذين جاءوا إلى العراق غزاة ، ومن ثم فكلهم محاربون وقتلهم واجب ولكن التمثيل بالجثث لا تقره أخلاق الإسلام ، ودستور الحرب في الإسلام أخلاقي ، وبمقتضى ذلك الدستور فينبغي ألا يقتل إلا من يقاتل ، ومن ثم فكل من لا يحمل السلاح ليس لنا أن نقاتله” .

قرضاوي اعتبر “كل” أمريكي جاء للعراق هو محارب دون نصنيف ولا تفريق بين من جاء صحفياً أو جاء للإغاثة الإنسانية ، فكلهم محاربون وقتلهم واجب” ، لكنه في الوقت نفسه يثير قلق التباس عندما يعود فيقول : “إن كل من لا يحمل السلاح ليس لنا أن نقاتله” ، لكن يبدو لأأنها رسالة ذات طرفين / طرف للقاعدة فرع بغداد ولكل المسلمين ، وطرف ثان للعم سام.

لكن قوله : “إن دستور الحرب في الإسلام أخلاقي” بحاجة للإعادة نظر ، لأنه دستور كان يليق بزمان أحداثه وحروبه في وقت سمج بكل التجاوزات قياساً على أخلاق اليوم بعد تطورها أربعة عشر قرناً ، فكان بالإمكان قتل الأسرى وكان بالإمكان الاستيلاء على الأموال والبلاد وكان بالإمكان خطف النساء سبايا وركوبهن اغتصاباً ، وكان بالإمكان استعباد الصبية والأطفال أيضاُ وهو كله مشروع في أخلاق دستورنا الحربي في زمن كانت هكذا أساليبه في الحرب ، وفي بيئة قبلية بدوية كانت هكذا قيمها. ومن ثم لا يصبح قول قرضاوي فقط هو الذي يحتاج إعادة نظر ، بل إن هذا الدستور الحربي هو ذاته بحاجة إلى إعادة نظر خاصة بعد سيل الذبائح البشرية للأسرى في العراق تحت راية الإسلام وهتاف الله أكبر ، والذين يقف قرضاوي في خندقهم ويفتي لهم ويدافع عن فتواه المستنير المعتدل مولانا هويدي.

لكن مذا عن إعلام الفتنة الذي أثار حنق هويدي وحفيظته؟ يقول لنا أن كاتباً كتب “أنه منذ أحداث سبتمبر 2001 والإسلاميون العرب يواصلون ترويع العالم بأحداث مشابهة” .نريد أن نفهم شيئاً فهل هو معترض على تسمية الأحداث بأسمائها ونسبة الجرائم لأصحابها؟ أم هو معترض على تذكيرنا بها؟ أم هو معترض على أن الكاتب عربي مسلم يجب عليه إخفاء عوراتنا وعدم فضحنا؟ ألا نكون بذلك كأعمى بإرادته وسط عالم مبصر؟ و أخرى زعم مثيرها فيما كتب “إن الإرهاب مرض مزمن عند العرب“، فهل لدى السيد هويدي ما ينفي به أحداث الماضي وأحداث الحاضر لتكذيب الكاتب فيما كتب؟ إن تلك الأحداث لن تسعف الشيخ هويدي ، ويصبح الكاتب صادقاً ، لكنه مزعج مثير للفتنة لأنه لا يتجمل بالكذب .

وكاتب ثالث من إعلام الفتنى “رسم صورى بائسة للعربي المسلم بدا فيها غبياً متعصباً وعنصرياً ، حتى قلت إن أي كاره للعرب والمسلمين أو حاقد عليهم إذا ما أراد أن يعزز حملته ويقوي حجته فما عليه إلا أن يترجم هذا دون أي تعليق” .

المستنير يرى وجوب مخالفتنا للغرب حتى ولو زوراً ، حتى ولو لوينا عنق الحقيقة للكذب على الذات وعلى الناس ، للتبرؤ من الكوارث التي نفعلها بأيدينا. المستنير لا يرى أن الحق متفق عليه بين الجميع وأنه معلوم ولو أخفيناه تحت ألف قناع ، فهل يرى المستنير مثلاً فيما قامت به القاعدة وتقوم به غباء وتعصباُ عنصريا؟ أم له رأي آخر؟ وإذا كان العالم كله يتابع ذبح البشر وهو يخورون كالخراف ونزع الرؤوس أما الكاميرات وخطف المدنيين من جنسيات بلاد تساند قضايانا في تعصب غبي وعنصرية أكثر غباء ، فما هو القول الصواب هنا غير الغباء والتعصب والعنصرية؟ ولماذا يصبح من يقول هذا مثيرا للفتنة؟ أم أن العيب في المرآة؟

وفي خلط الأوراق معيب ومشين لشدة وضوحه يقول هويدي : “إن أي مسلم يرتكب حماقة أم جريمة في أي مكان بالكرة الأرضية ينسب فعله إلى المسلمين كافة حتى ولو كانت دوافعه ليست لها علاقة بالعقيدته ، فالشيشانيون مثلاً دوافعهم في صراعهم ضد الروس قومية بحتى وليست دينية ، والذين قتلوا النيباليين البوذيين هم أنفسهم الذين قتلوا الأتراك المسلمين ، ولا أحد يمكنه أن يدعي أنهم كانوا يسعون لإقامة الخلافة الإسلامية ، فماذا نتهم الهوية الدينية في جريمة يقترفها مسلم؟

فأما عن قوله: “فأي مسلم يرتكب حماقة أو جريمة في أي مكان بالكرة الأرضية ينسب فعله إلى المسلمين”. أتساءل: إذن لمن ننسبه؟ وإذا كانت دوافع الشيشان ليست سوى قومية فلماذا يؤيد المسلمون تحديداً الشيشان من المشارق إلى المغارب ، ولماذا يوجد مسلمون غير شيشانيين في قيادات الشيشان العليا؟ ولماذا يقوم الشيشان بعمليات انتحارية؟ إلا يعود ذلك إلى الثقافة التي يستندون إليها؟ مثلهم في ذلك مثلما يفعل المسلمون المتطرفون في كافة المعمورة ! ثم لماذا لم نسمع ضجيجاً واحتجاجاً على قتل النيباليين بين المسلمين؟ هل لأنهم يوذيون؟ أما مسألة إقامة الخلافة فهو قول مجاهديك يا شيخ هويدي لا قول غيرهم ، لماذا التلبيس على الناس؟ كما أن لا أحد يتهم المسلم عندما يرتكب جريمة بأنه مسلم ولا أحد يتهم المسلمين به ، فللجرائم عقوبات قانونية تطبق عليه كما تطبق على غيره من غير المسلمين ، لكن التهمة تنشأ فوراً عندما يقف أصحابها تحت رايات الدين ورموزه وآيات قرآنه ، وعندما يقتلون وفق ثقافة عنصرية طائفية ويعلنون ذلك ويؤكدون أن فعلهم بغرض تأييد الدين. هنا لا يكون التعميم مخلاً ، ويصبح المطلوب هو إعادة النظر في هذه الثقافة وطرحها للمناقشة الحرة وليس التستر عليها كما يريدنا هويدي أن نفعل.

ثم يضع الشيخ فهمي يده على سر الفتنة ومصدرها في قوله : “ثمة قواسم مشتركة في خطاب إعلام الفتنة منها أنه ينهل من مربع فكري وسياسي واحد تقريباً ، تقف رموزه على أرضية التطرف العلماني الذي تجاوز فكرة الفصل بين الدين والدولة ، وراح يضرب بقوة في ركائز الانتماء العربي والإسلامي ويتبنى دعوة صريحة إلى التغريب الذي بات منحدراً مؤدياً في النهاية إلى الارتماء في الآحضان الأمريكية والإسرائيلية”.

وبغض النظر عن الاتهام التحريضي الأخير الذي يحتاج أدلة عالية الجودة قبل إرساله كلاماً في الهواء ، فإن القواسم المشتركة للعلمانيين هي الحريات الفردانية وحقوق الإنسان والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية ، وهي كلها قواسم راقية المسمى كما هي راقية المعنى كما هي راقية الأهداف ، كما هي نظيفة من الطائفية والعنصرية والإرهاب والدموية ، اما القواسم المشتركة في خطاب الإرهاب فهي بدورها واحدة فاشية عنصرية طائفية دموية ضد الحريات الفردية وضد حقوق الإنسان ، وهو لسوء الحظ الخطاب الأكثر انتشاراً في الفكر الإسلامي من الإرهابي إلى المعتدل إلى المستنير .

ويذكرنا الشيخ فهمي “أن أحد لم يتحدث عن الإرهاب الأرثوذكسي حين قام الصرب بمذابحهم ضد البوسنيين المسلمين .. ولا يجرؤ أحد على أن يصف الجرائم الإسرائيلية الوحشية التي ترتكب في الأراضي المحتلة بأنها من تجليات الإرهاب اليهودي”. والشق الأول من هذه الفقر يتجنى على حقيقة ما حدث ، لأن أهل الغرب الذي نراه مسيحياً هم من كشف ما يجري في البوسنة ، وهم من قاموا برد العدوان عنهم ، وهم من يحاكمون الآن قادتهم ، بينما لم نحسن نحن سوى العويل ، أما الشق الثاني فهو يشير إلى اعتراف داخلي بالإرهاب ، وإن هناك منافسة بين المسلمين واليهود في هذا الميدان العريق عندهما ، أو هو اعتراف بصهيونية إسلامية إزاء صهيونية يهودية ، وهو ما لا نقبل به كمسلمين غير ناشطين ، نحب الله والرسول والوطن ولا ننتمي لجماعات ناشطة كالإخوان تضع شعارها “سيفان بينهما عبارة “وأعدوا” ، لأننا نحب الزهور وإخضرار الحقول بالعمل والعرق للإعداد أكثر من السيوف. ونعتقد أن الإنتاج والتنمية والتقدم هي الوسيلة للإنجاز الحضاري ، لأن المعركة اليوم ليست معركة سيوف ولا مدافع فقط ، إنما هي في المقام الأول معركة وجود حضاري .

الأهم في كل ما حدث هو أن قرضاوي بعد عودته إلى قطر سارع بعقد مؤتمر صحفي أنكر فيه فتواه الأولى ، وأن ما حدث كان لونا من الالتباس في ضبط تعريف اصطلاح “مدني” وطالب بضبطه حتى لا يحدث التباس بشأنه.

ومن ثم فقد تراجع مولانا عن فتواه بقتل المدنيين الأمريكان أو الغربيين ، وهو فيما يبدو ما هز مكانته ومكانه عند الإرهابيين ، فعاد في برنامج الشريعة والحياة بقناة الجزيرة يوم 20/9 /2004 لكن ليسمح بقتل المدنيين الأسرى من غير الأمريكان لأنهم يعاونون الاحتلال ، إذا كانوا سائقي شاحنات أو بائعين لسلع مطلوبة ، أو فنيين متخصصين في بعض الأعمال ، وقد شرع قرضاوي قتل المخطوفين المدنيين لسببين:

أولهما : أنهم يعاونون المحتل ،

وثانيهما : أنهم تتم محاكمتهم قبل ذبحهم ،

وهكذا أصدر قرضاوي فتواه بناء على حيثيات بأن هؤلاء يعاونون المحتل ، دون أي وثائق إدانة بيديه حتى يضع هذه الحيثية مبرراً لقتلهم ، ودون أن يقول لنا من كان القاضي ومن كان الجلاد ، ومن كانوا الشهود وما هي الأدلة ، وما هو النص القانوني المعول عليه ومن هو واضعه ، وهل القضاة عدول يستحقون مناصبهم .. إلخ. وإذا كانت معاونة المحتل من مدني تستوجب جز عنقه ، فلاشك أن هذا سينطبق بالتالي على كل المسلمين الذين يعيشون في أمريكا وإنجلترا وبقية دول التحالف ، ويعملون وفق نظامهم ويقدمون هناك أجل الخدمات ، وهو ما لا يقبل به عاقل رشيد .

والآن ترى ماذا سيقول هويدي بعد العودة الزئبقية لقرضاوي إلى مربع الإرهاب الدموي علنا من قناة الجزيرة؟ وهل سيظل المرجع الديني الأهم للسنة في زماننا؟! وهل العلاقة بين فتاوي قرضاوي وبين فقه الإخوان الدموي وبين المرجعية الدينية الوهابية وبين دفاع الشيخ هويدي الحار لا تفسح المكان لتأكيد قول هويدي أن الرجل كشف حقيقة اعتداله وأن الجميع داخل نفس الجبة؟! .

روزاليوسف العدد 3981 25/9 /2004

Posted by المجموعة الليبرالية in 11:21:40 | Permalink | Comments (2)

Thursday, July 20, 2006

الجهاد ضد المسلمين

الجهاد ضد المسلمين!

عبارة “الجهاد في سبيل الله أسمى أمانينا” هي الشعار المرفوع اليوم رمزاً للمسلمين أمام العالم المتقدم الحر ، وتحت هذا الشعار يتخلى المسلمون عن واجب السعي لتحصيل العلم ومشاركة البشرية في إعمار حضارتها وإثرائها ويتركون هذا العمل لمن يسمونهم بالكفار.

كان مفهوماً أن يصاحب شعار الجهاد المسلمين الأوائل طوال عصر الفتوحات ، وكان مفهوماً وإن لم يكن مقبولاً قيام الفقه الإسلامي بتنظيم قواعد الجهاد وتقنينها من حيث نسب توزيع الغنائم والفيء والمملتكات الخاصة بالمهزوم المفتوح ، مع وضع قواعد لتنظيم الجباية وطرقها من زكاة إلى جزية إلى فدية لتوضع في بيت المال تحت سلطة الخليفة الذي يقوم بالتوزيع طبقاً للشريعة على العرب وحدهم ، لأن أبناء الأمم المغلوبة كانوا هم الغنيمة بشراً ومالاً ومتاعاً ، كانوا هم من يدفعون.

لقد فشل الجهاد اليوم عند استدعائه من قبل الصحوة الإسلامية ليضرب بني وطنه وملته سلباً ونهباً وقتلاً بعد أن لم تعد للجهاد أهداف واضحة تطلب التحقيق كما كان في الزمن الماضي في فتوح البلدان أو نشر إسلام بالقوة المسلحة ، وهو ما انحرف بهذا الجهاد بسرعة ليتحول إلى حروب مافيا عصابية وعمليات سطو مسلح.

يتساءلون عن الهجمة الأميركية ، أو بالأحرى الدولية على بلادنا ، دون أن يتبادلوا المواقع ليرونا وقد رفعنا راية الجهاد الذي يقتل بلا تمييز ويقطع الرقاب باسم الله ويذبح الأبرياء ويفجر المصلين الأتقياء ، ويدمر في أميركا وأسبانيا والهند وروسيا والسعودية ومصر والعراق.

قتال يقوم على كراهية المختلف عنا في العقيدة وقتله ، قتال موصوم بالنهب وهتك العرض وفرض الجزية واحتلال الأرض استيطانياً وتوطين العرب في البلاد المفتوحة وتبديل الدين واللغة..

ترى من سيسمح لنا أو للعالم بالعودة إلى ذلك الزمان؟

السؤال شديد البساطة والإجابة أبسط ، لأن العيب والمصيبة هي في القانون والتشريع الذي يشرع كل هذا ، لأن قوانين اليوم ليس فيها حر وعبد ، ولا مولى وسيد قرشي ، ولا رجل وامرأة ، ولا مسلم وذمي ، وهو وإن اعترفنا به كجزء من إسلامنا لا نستطيع إنكاره ، فإنه كان يليق بزمانه لا بزماننا ، لأن من يفعل ذلك اليوم لم يرتق بعد رتبة الإنسان ، ولا شك أن قانوننا هذا يفسر لنا سر حرصهم على التفوق العلمي والتسليحي حتى لا يكون مصيرهم كما كان مصير مصر أو فلسطين أو العراق بعد الفتوح.

إن سادتنا المشايخ بإصرارهم على التحالف مع الميليشيات العسكرية الإسلامية الدولية يصرون على إعادتنا إلى القرن السابع الميلادي ، إلى زمن القوة والبطولة العربية ، يمسحون وعي شبابنا عبر كل الوسائل المتاحة إعلاماً وتعليماً تحت نظر السلطات ، وبعد أن يكثر هؤلاء الشباب ليرفعوا السلاح في وجه وطنهم نحاربهم ونحاكمهم ونقلتهم!

ترى من القاتل الحقيقي؟

إن العالم المتحضر لن يمانع في عودتنا إلى أي قرن نشاء ، لكن شريطة ألا نتسبب بالضرر لحضارته وقيمه وتقدمه. وبإمكان هذا العالم مساعدتنا على العودة السريعة إلى زمننا المجيد لنعيش أيام السلف كما كانوا في القرن السابع. بإمكان هذا العالم المتحضر أن يمنع عنا علومه ومنتجاته ، أن يمنع المطابع لنعود للكتابة على سعف النخل ، وأن يمنع عنا التلفزيون لنتسلى بالحديث الحميم. إن ما لدينا من بنية أساسية ، من مواصلات ، مصانع ، محطات مياه ومصارف مجارٍ ، وجسور ، ومخابز ، ومحطات كهرباء ، وسكك حديدية ، يمكن للغرب القضاء عليها في أسابيع بكروز وأخواته وتوماهوك ورفاقه والقنبلة الذكية وبقية الأسرة الكريمة.

بإمكانه أن يحقق لنا الأمنية وأن يعيدنا إلى عصر الأجداد.. أو إلى زمن الكهوف ، وأن يحصرنا زماناً ومكاناً ليتقي شرنا ، وهو مع ما يتحقق اليوم من مستحيلات ، بإمكانه أيضاً أن يتحقق إن فشلت المساعي العالمية في تطوير شأننا ، وإن فشلنا نحن في مساعدة أنفسنا.

الاتحاد الاماراتية

Posted by المجموعة الليبرالية in 12:50:45 | Permalink | Comments (1) »

Tuesday, July 18, 2006

ماذا حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين

ماذا حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين

تعالوا نتذكر ما سبق وأكدنا عليه في أعداد هذه المجلة حول ما حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين ، بعد أن كان مفتوحا على الواقع المتغير وعلى السماء إبان تواجد صاحب الدعوة، وكيف أن السماء قد تجاوبت مع الأرض وتتبعت أحداثها المتغيرة بمتغيرات مشابهة في النص القرآني ، تلائم الجديد وتتفاعل في نسخ وإبدال وإنساء ومحو وقراءات متعددة بأحرف سبعة أو أكثر .

لكن مع موت النبي ونشوء طوارئ جديدة ، كان سببها تشبث أبي بكر بالخلافة في ظل معارضة الذين منعوا الزكاة والآخرين الذين ارتدوا ، فقد ارتبط الإسلام بالخليفة وتم تحويل الإسلام إلى مبرر للسلطان وقرارته ، ومن بعده أصبح الدين ورجاله في خدمة السلاطين على اختلافهم ، واستبعد المسلمون من طرح فهمهم لدينهم في ضوء المتغيرات ، وتم ربط الفهم للدين بمعارضة السلطة أو موافقتها .

وتوافقت السلطات الدينية والدنيوية على احتكار فهم نصوص الدين وتكفير وتبديع ومطاردة وتصفية أي فهم مختلف معارض.

حتى كرس الخليفة الثالث عثمان الربط القانوني الشرعي الوحيد للنص بالسلطة وتفسيرها للنص ، وتم قصر فهم كلام الله على فرقة وحيدة هي حليفة الحاكم ، ومن ثم أصبح الفهم ليس شأنا إنسانيا متفاوتا بين الأفراد حسب ثقافاتهم ، وإنما أصبح شأن السلطة والحكومة

لذلك تم التنكيل عبر التاريخ بكافة الفرق التي حاولت إنتاج فهمها الخاص لدينها ، وتم اعتبارها مارقة على الدين والوطن معا لمعارضتها الفهم الوحيد الرسمي ، ومن ثم تحول الإسلام عن فضاء مفتوح مطبوع بطابع بيئته الصحراوية والمفتوحة ، إلى حرز مغلق ملزم للجميع وفق المفهوم المحدد رسميا ، بل وتم وضع شروط لأي مجتهد تجعله في البدء ملتزما بفهم حلف الفقيه (السلطان) للنص ، أو يدور في فلك هذا الفهم وحده في مسائل جزئية محكومة بالأصل ، وهكذا ، ومن فجره تمت سرقة إسلامنا منا ، لينغلق على فهم 1400 عام مضت أقصى عنه الرأي المختلف عما فهمته السلطة الرسمية الصحابية في فجرها ، بتقديس أسلاف بعينهم تم وضعهم في رتبة تجعل من تصرفاتهم ومواقفهم - حتى لو عارضت الإسلام البكر - مقدسات للمسلمين حتى الأبد، مع تقديس شخوص أصحاب هذه القرارات حتى تتقدس قراراتهم ليصبحوا بعددهم وعدتهم أسيادا للمسلمين كما الرب سيدا ، رغم أن رب الإسلام لم يمنح أحدا حق هذه السيادة المطلقة إلا لنبيه وحده ، وفي بعض الحالات يمكنك أن تكتشف أن النبي نفسه لم يحز هذه السيادة والإطلاقية التي منحها الفهم الرسمي لنفسه ولسلطته ورجاله وسلفه الصالح.

وهكذا دعم رجل الدين المحترف مركزه المرموق والسلطوي العظيم بالدين، وشكل أبشع شكل انتهازي في التاريخ لدين المسلمين، لكنه في نقس الوقت تمكن من أن يجلس أمام المسلمين في مقعد نبي المسلمين الخالي بوفاته ، ليعظ ويفتي ويحكم وينفذ أحكامه، حتى بات مترسبا في أذهان المسلمين بشكل لا واع أن هؤلاء المحترفين هم القادرون وحدهم على التواصل مع دين تباعد عن مفاعيل الزمان المتطور، وأصبح طلاسم غامضة ، وللغوص فيه مختصون مدربون مهرة لهم باع تخصصي، من نوع يضفي عليهم القداسة

وليس مطلوبا من المسلم العادي مثل هذا الغوص الخطر، وأصبح وجود رجل الدين في الإسلام ضرورة ، وهو الدين الوحيد الذي لم ينص لا معنى ولا مبني على شيء اسمه رجل الدين.

وما تباعد الدين عن فهم الناس إلا لأنه مغلق على معنى واحد، ولأن هذا الفهم قد تمت سياجته بشروط تعجيزية وإضافات وحشو من قواعد فقهيه وحديث وتفاسير وتفاسير للتفاسير ، جعلت من دين المسلمين أكبر دين في العالم من حيث مساحته الثقافية وجداول شروط التعامل معه ، حتى بات الأصعب في التعامل معه بين الأديان رغم أنه في بكارته كان هو الأبسط بين كل الأديان .

منذ برز الغزالي (أبو حامد / حجة الإسلام) وألجم العوام عن علم الكلام (حسب عنوان كتابه الأشهر) تمت فلسفة استبعاد المسلمين عن التحدث في شئون الدين ، وتم قصر الإفتاء على المؤهلين له، ليفتوا للملجمين في الأرض في كل حركة أو إشارة أو سكنة، وجعل المحترفون أنفسهم هم أهل الذكر المقصودين بالأيات “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” رغم أن المقصود بها في بكارة الوحي هو سؤال أهل الكتاب للتيقن من صدق الوحي الإسلامي .

مع ختم الفم بالشمع الأحمر التاريخي بتحبيذ اتباع أوامر الأيات القائلة : “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم” “101 / المائدة” .

أسس الأكليروس الحصين حلف السلطان لتحبيذ عدم السؤال وعدم المعرفة وتأكيد مستمر على قصور عقولنا ، لأن الله خلق لها سبل معرفة محدودة محددة هي أن نسأل أهل الذكر ونأخذ بإجاباتهم ، كما كان واجبهم قبلنا أن يسألوا سابقيهم ليأخذوا إجاباتهم ، وهكذا كان النقل ، فالنقل حتى نصل إلى القرن السابع عند الحلف السلطاني الأول .

لقد تم من البدء التأكيد على حرمة السؤال خارج المسموح به من لطافات الفتاوي اللذائذية الغرائبية وأغلبها الغرائزية ، وعدا المسموح لا أحد يسأل نفسه ليبحث بنفسه عن جواب ، لأن هذا البحث سيؤدي لاستخدام العقل الذي هو ميزة الإنسان عن الوحوش والبهائم، واستخدام العقل سيجر إلى التفكير المنطقي، والتفكير المنطقي سيسقط الخرافة ويتحداها، وهي إحدى أهم أدوات الرأي السلطاني ، لذلك كان القرار هو تحريم السؤال .

لقد تم من البدء تكفير أي ابتداع جديد ، بل أصبح الابتداع الذي تسعى إليه البشرية في كل مكان ، وصمة عار تلحق بالعبد الصالح إن حاوله ، لأن كل بدعة ضلالة ، بتجريم صارم واضح مباشر لكل إبداع ، ورغم أن المقصود بهذا الحديث إن كان صحيحا هو الابتداع في شئون التعبد وحدها ، فإن سادتنا وسعوا المعنى بقدر اتساع ذممهم . ليضربوا لنا الأمثلة من تاريخ الدعوة وكيف ضرب النبي في صدر البدوي الشاك فزال شكه، وكيف خضع الغزالي لشروط الإيمان بعد الشك فقذف الله في صدره بنور الإيمان : كتابه (المنقذ من الضلال).

بل إن النبي نفسه عندما كانت توجه له الأسئلة طلبا للمعرفة، فإنه ما كان يجيب من نفسه إنما ينتظر إجابة السماء، في أسئلة حول بسائط المعلومات كالأهلة واليتامى والأنفال وذي القرنين ..إلخ ، ومن ثم تم وضع المسلم في مأزق الحصول على المعرفة وهو ليس بنبي ، ليقيم المحترفون من سدنة الدين أنفسهم مكان نبي المسلمين ، وسطاء بين البشر والسماء يجيبون لهم بأسئلة هي الصواب المطلق الذي لا يأتيه الباطل . رغم علم سادتنا هؤلاء أن ذلك يعني نقصا رئيسيا في الإسلام ، وأنهم جاءوا ليكملوا هذا النقص كلما اتسع ، وهو ما يعني أيضا أن النبي قد قصر في إبلاغ كامل دعوته لأمته ليعطي المجال للسدنة من بعده ليقوموا بوظيفة الإكمال المستمرة عبر التاريخ ، دون أن يتحقق هذا الاكتمال يوما ، بدليل ما يضيفونه كل يوم ، رغم تأكيدهم للآيات “وما فرطنا في الكتاب من شيء” لكنها هي الآيات نفسها التي يستخدمونها لدعم سيادتهم، لأن الآية تؤكد المصدر السماوي للمعرفة الذي لا يطاله المسلم العادي إلا عبر المتخصص الدعوي ..ولمزيد من تأكيد أن المعرفة ليست خارج الإسلام أبدا يتم تأكيد تفسيرهم للآيات “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” “3 / المائدة” وأن هذه النعمة التامة تتضمن كل جواب على أي سؤال .أي أن أكتمال الرسالة يعني اكتمال معارف البشرية بتمامها وليس بإمكاننا أي إضافة جديدة أو بذل أي جهد جديد خارج هذه المعرفة المكتملة .

وكي يتمكن حلف الكاهن والسلطان من الحصول على أعظم نصيب ممكن من النعم ، جعلوا المسلم في رؤيته المستقبلية لا يرى مستقبل حياته في أرضه وكيف ليكون أفضل ، بل يقفزون به إلى مستقبل أبعد هو الحياة الأخرى لأن الحياة الدنيا هي متاع الغرور وهي إلى الفناء ، بينما الباقيات الصالحات خير عند ربك وأبقى.

ومن ثم تم صرف الناس عن متاع الدنيا الذي هو جزء من التفاعل معها، وتطويرها لمزيد من الرفاه والسعادة ، إلى متاع الآخرة حيث يسكرون وينزون على الحور العين ويعيشون لذة الخلد الكسول أبدا الدهر ، تاركين الآثام للحلف السيادي يستمتع في قصوره بالشراب والجواري الحسان ، بينما كان أهل الدين يجلدون الناس في الشارع على شرب الخمر ويرجمون الزناة ، ليس فقط لجرهم إلى الجنة بالسلاسل، ولكن لصرف العامة عن نعم وبلهنية ، تكفي بالكاد حلفاء السلطان في عيشتهم الراضية التي تطلب دوما المزيد ؟

وبسبيل تأكيد وتركيز الثروة كان يتم نزح ثروات المواطن والبلاد الإسلامية الخاضعة والإفراط في الجباية ، وهو مبدأ لازال يسري حتى اليوم منعا لحدوث مساحات تقارب أو مساواة ، لأن المساواة هي العدو الأكبر لحلف السلطان الديكتاتوري ، لأنها تؤدي إلى تسامح المتساوين مع بعضهم البعض ، ومن ثم ينبذ المجتمع التعصب، لهذا يصر تاريخنا السلطاني على عدم السماح بتسرب السماحة إلى المجتمع ، بوضع نظرية المؤامرة الكونية الكبرى التاريخية ضد الإسلام ، منذ ابن سبأ الذي أشعل الفتنة الكبرى وحتى اليوم .

وهي المؤامرة التي لابد أن تفرض على العامة الانصياع للحلف السلطوي ، لأنه حامي حمى الدين والديار من العدوان الخارجي ومن المؤامرة ، ليصبح صحيح الإخلاص للأمة والدين هو إخراس أي صوت يعلو فوق صوت معركة دائمة ، يخوضها المسلمون دفاعا عن أنفسهم ضد المؤامرة العالمية التاريخية الصهيونية الصليبية الإستشراقية العلمانية الشيطانية، وعلى كل الأغنام أن تقف وراء كلاب الحراسة التاريخية مطيعة منقادة.

ومنعا لحل أي مشاكل يجعلون طوارئ بلادنا الأمنية دائمة مستمرة، حتى لو سالمتنا الدنيا كلها ، لأن هذا السلام سينهي فكرة المؤامرة ويسقطها مع توابعها تسلسليا حتى الحلف الكبير الذي لابد أن يهتز بدوره وينهار، من هنا وضع مشايخنا في إسلامنا عقيدة جديدة تؤجج الصراع الدائم بين المسلمين وغير المسلمين في الدنيا كلها ، هي عقيدة الولاء والبراء التي تمسح السماحة مسحا ليستمر الصراع ، الذي يحتاج إلى تأجيج التعصب باستمرار بدلا من السماحة بين المسلمين ، لأن السماحة تنهي الصراع ولا تحتاج لمتعصبين يحمون العقيدة ، تنهي دور هذا الحلف المقيت.

يؤججون الصراع والتعصب كل يوم في كل مكان بأشرطة الكراهية التي حولت وسائل المواصلات في بلادنا إلى وسائل دعوة متنقلة ، بإعلامنا بتعليمنا بقيمنا ، فنذبح الوطن لأن مسيحيا حول غرفة في منزله إلى كنيسة ، أو لأن كاتبا او فنانا أو سياسيا أهان نبي الإسلام في بلاد ما وراء بحر الظلمات ، ليظل الإسلام دوما بحاجة لوجود سدنته، وحتى ينسى الناس أن الدين في حماية صاحبه وأنهم ليسوا أكثر قدرة منه لأنه هو الله ، وأنهم ودينهم هم من في حمايته وليس العكس .

ويا حزن القلب على وطن لا شبيه له في عمقه التاريخي والعلمي تخرج قياداته اليوم من النخبة المتعلمة في نقابات محامين أو مهندسين أو أطباء أو نوادي هيئات تدريس الجامعة لينادوا بضرورة قفزنا إلى المستقبل خلاصا من الذلة والهوان ولكن بالعكس ، قفزا إلى الماضي ، كما لو كانت مصيبة تخلفنا الحالي لم ترض كامل رغبتهم ليأخذونا إلى مزيد من التخلف والأنهيار.

إن السدنة بعد سقوط الخلافة وما تبعها من حركات استعمارية واستقلالية انقسموا إلى فريقين ، فريق قرر استمرار العمل ضمن السلطة الرسمية لينعم إلى جوارها بنعيمها ، وفريق ثان قرر العمل تحت الأرض أي مع الناس، لأنهم كلهم تحت الأرض ، مستغلا نفوذه التاريخي على أرواحهم من أجل تثويرهم أو دفعهم ولو بالقتل نحو الحكم الثيوقراطي ليحكموا بأنفسهم مباشرة دون حاجة لوجة مدني كان قناعا ليس اكثر ، مع تحالف تحتي بين الفريقين يدعمان بعضهما باستمرار .

ترى ما هو شكل خريطة واقعنا الثقافي الفلسفي الذي قدمته لنا الدكتورة (منى أبو سنة) وهي تجيب عن سؤال “لماذا يغيب التنوير في البلاد العربية” في صفحات العدد قبل السابق من هذه المجلة ؟

و حدثتنا عما قال الفلاسفة مؤسسا على الفلسفة الكانطية من أجل تنويرنا .لتنوير العقل فلسفيا بعد أن تم سلبه ملكة الفهم نفسها قسريا ، فلم يعد اللانضج اختياريا كما قدمت لنا عبر كانط إنما هو لا نضج قسري قهري .

إن التنوير الفلسفي الذي يستهدف المستقبل يحتاج سادتي الفلاسفة (وأنا بالمناسبة من أهلها المتخصصين) إلى رؤية مستقبلية تحدد ما هو المستقبل المطلوب وتعرفه عن يقين ، ويقيننا سادتي الفلاسفة أن مستقبلنا يتم بالتزام أوامر الدين ونواهيه كما تم وضعها لنا ، حتى نتأكد من حجز المكان الأفضل في جنات الخلد ، وهو ما يعني أن المستقبلية عندنا بالعكس يا سادة ، المستقبلية عندنا في الماضي، لأن أزمنتنا تختلف عن أزمنتكم .

سيدتي الدكتورة تحيطنا علما نافعا بما وضع كانط من تشخيص لمعضلة التنوير ، وكيف أن “اللانضج المعيق للتنوير يعود إلى نقص العزيمة والجسارة في إعمال الفهم من غير معونة آخرين فيما لديه من نصوص” .

المشكلة سادتي الفلاسفة عندنا أن “نقص المعرفة وتقييد عمل الفكرة ، وقتل الفهم” ، هو قواعد إيمانية كبيرة ليست شيما تحتاج للجسارة عليها ، فهي بالعكس تماما ، فقد طلب الغزالي حجة الإسلام تلجيمنا عن الكلام باللجام كالحيوانات الملجمة ، ويحدثنا – نور الله قبره- قائلا : “إن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق ، عليه التقديس والتصديق والاعتراف بالعجز عن فهم كنه ما لم يفهم ، والكف عن البحث في باطنه ، مع التسليم بما يقوله أهل العلم (يقصد بالدين) في هذه الأمور” .

وهو ما يعني أن جماهير المسلمين قد حكم عليهم نظامهم الديني بالغباء وعدم القدرة على الفهم والتعلم ، لذلك وجب عليهم التسليم للمشايخ ، فهم أهل الخبرة الفنية في التعامل مع هذا الدين .

إن سادتي الفلاسفة لا يرون أننا في مرحلة سابقة على ما احتسبه كانط مسلمة موضوعية هي “إعمال الفهم” كملكة هي الأشد عدلا في تقسيمها بين الناس ، كما قال ديكارت ، ومع ذلك فإن هذه الملكة عادلة التقسيم لا وجود لها عندنا أصلاً ، نحن في مرحلة أسبق من مرحلة الفهم !!

كانط ينصحنا مأجورا مشكورا على لسان الدكتورة منى بالخروج على حالة اللانضج الاختياري ، بينما الدكتورة لاشك تعلم أن ما لدينا هو حالة لانضح معتقة معنعنة نقلية متوارثة ، حالة استنكار للفهم وإعماله في وجود سادتنا من سدنة التخصص في معرفة الله ، تحولت إلى عدم فهم يورث جينيا بصبه في روح السنوات الأولى لطفولة المسلم ..إن ما لدينا لم يخطر سادتى الفلاسفة لكانط .

وإذا كان الفلاسفة يريدون تنويرنا بالرجوع إلى فلاسفة الغرب بفلسفة نقلية فنحن في غنى عنهم ، لأن مصدر تنويرنا جاءنا عن نبينا عن إرادة إلهية ، جعلت من مجتمع جاهل جائع متخلف بدائي، حاضنا لرسالتها الخاتمة ، وقيما وحاكما على شعوبها وشعوبنا الموغلة في الحضارة والمدنية .

نحن في بلادنا سادتي الفلاسفة النقليين ، أكثر رفاهية من الاحتياج للعمل ، فكلانا الأغنياء في الخليج والفقراء في غيره ، لم يقدم احدهما شيئا بعد للإنسانية يساهم به في حضارتها ، لأنهم ببساطة عندما يحتاجون شيئا باعتبار الحاجة أم الاختراع ، لا يخترعون ، إنما يلجأون للدعاء وللقنوت ، يطلبون إلى السماء أن تقوم بالمطلوب نيابة عنهم ، يريدون علما سابق التجهيز يسهر عليه رجال الدين ، ويعتمد مصدرا مرجعيا واحدا لا يتغير ولا يزيد هو القرآن والحديث . نحن في بلادنا نحقق ما نشتهي بالدعاء لنظهر لله أننا أخلص إليه ، وأننا الأولى برعايته من إسرائيل وأمريكا .

سادتي الفلاسفة ..إن أجهزة تشكيل الرأي العام الحديثة والهائلة القدرة كالمذياع والتلفاز لم تكن موجودة زمن كانط ، ليرى كيف أمكن استثمارها بالعودة إلى ما قبل بداية استخدام المخ لوظيفته (العقل)، وساعتها كان سيقول كلاما اخر بالقطع .

إن خيرنا سادتي ليس معكم ، ولا مع كلامكم الكبير الرفيع البعيد عن مستوى فهمنا الملغي أصلا ، إن خيرنا ومصالحنا مع محترفي العمل الديني، لسنا مع طه حسين بعد أن أعلن فشله بنفسه ونزع عن نفسه الاستنارة ، ولبس ثياب الشيخ ليعلن نهاية مشروعه بنفسه ما بين الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي ، ولا مع سيد القمنى بعد ان اعلن تبرؤه مما كتب ، ولا مع نصر ابو زيد بعد ان هرب بجلدة الى هولاندا وارضنا تتشقق عطشا البة ..بينما لم يتراجع لا ابن كثير ولا ابن حنبل ولا ابن عبد الوهاب ولا ابن لادن ولا ابن الزرقاوى ولا ابن قرضاوى .

سادتي الفلاسفة يرون “ضرورة الإصلاح الديني الذي يحقق مشروعية الفحص الحر للنص الديني” .ألا تعلمون سادتي أن هذا الفحص الحر المطلوب قد تم وانتهى العمل منه خلال القرون الآربعة الهجرية الأولى، وعلى يد أسلاف أعظم منا تم القرار بشأنهم بأنهم “لا يجود التاريخ بمثلهم مرة أخرى” !! وقد بذلوا الطاقة وأفرغوا الجهد والطاعة في فرز الحديث وإسناد الما ئل منه وشرحوا القرآن وفسروا غوامضه وأرسوا قواعد الفقه، حتى بات من القول المأثور “لم يترك السلف شيئا للخلف “ .

إن إعادة الفحص المطلوبة هي عمل مغرض خبيث ضد ما أجمعت عليه مقاصد الأمة ، وهو جزء من المؤامرة العالمية، وللدين حراس وللأمة أمناء يا فلاسفة .

أما كيف يقوم الإصلاح الديني : يقول لنا الفلاسفة “بمبدأين هما : إجلاء الغموض الكامن في النص الديني ، والثاني إعادة الفحص”!!

يا للكلام الجميل حقا ، لكنه يبدو مطلا من نافذة أخرى لا ترانا، فلا غموض لدينا ، لأنه يصيب من يريد أن يعتقد نفسه فاهما، يصيب ضعاف الإيمان لعماء بصيرتهم وغضب الله عليهم، لأن المؤمن الصادق ينير الله له بصيرته ، وإن لم ير ما وراء النص الغامض فسيريه الله إن آجلا أو عاجلا ، بدليل وجود مشايخ لا يجدون أي صعوبة مع أي نص فى اى شئى كان . وفكرنا هو الصالح لكل زمان ومكان لأنه معرفة إلهية تامة ، والإيمان به نهايته حتمية معروفة ليس فيها أي احتمالات .. جنة الخلد بخمرها وحورها وولدانها ، حيث لا مهمة للمؤمن سوى الاكل والسكر والنكاح فى لذة ابدية .

أمتنا الوحيدة في العالم التي اكتشف فيها رجل الدين (الزنداني اليمني) علاجا نهائيا لأمراض البشرية المستعصية الثلاثة “السرطان وفيروس سي والإيدز” ، وربما يسعى الآن إلى اكتشاف دعاء يسقط صورايخ وطائرات الأعداء قياسا على إسقاط المطر بالصلاة .

سادتي الفلاسفة..إن حتمية قيام التنوير تصبح قائمة عندما نشعر بالحاجة إليه ، بينما نحن نعتقد بحاجة العالم غير المسلم كله إلينا، لننقله مما هو فيه من ظلمات إلى نورنا.

سادتي الفلاسفة ، إن البداية تكون عندما نقتنع أن ما بأيدينا ليس شيئا ذا بال ، بل هو شيء بالت عليه كل القرون اللواحق.

نشرت فى روزاليوسف 18/2/2005

Posted by المجموعة الليبرالية in 22:12:19 | Permalink | No Comments »

Tuesday, July 4, 2006

علماء لا دعاة

علماء لا دعاة!

من العلم إلى الدعوة يا خسارة العقل المصري

أستاذة جامعية ترفض الأدلة العلمية الثابتة لصالح النقل وتفسيراته

الله يعلم مساحة العلم التي يستطيع عباده استيعابها في مراحل تطورهم

في ملف “روزاليوسف” نظرية النشوء والارتقاء كانت هناك موضوعات علمية جادة مثل الحوار مع الدكتور أحمد مستجير والموجز المكثف الذي كتبه د . مجدي المليجي ، لكن هناك موضوعات أخرى ينبغي التوقف أمامها بالبحث والتمحيص والرد في مقدمتها الحوار الذي أجرته الأستاذة إقبال السباعي مع الدكتورة هالة البنا أستاذ علم الوراثة بجامعة الأزهر ، والذي أعتبره تموذجاً لما وصلت إليه أحوال الجامعات في مصرنا ؟! وكيف يفكر جانب ليس قليلاً من أساتذة العلم ؟! وهو نموذج أيضا كاشف لما وصلت إليه أحوال بلادنا بين العالمين من هوان .

الأستاذة الدكتورى المفترض أنها بهذه المرتبة عالم باحث متخصص منجز منتج وكتشف ، لأن الغرض الأساسي هو إضافتها الجديدة إلى العلم بكشف لم يعرفه العلم من قل كسبيل للخصول على درجة الأستاذية في علمها التخصصي ، والمفترض بهذا المعنى أن تكون مصر أكثر تقدما في كل العلوم عن الولايات المتحدة الأمريكية لأن الحاصلين على درجة الدكتوراه في مصر يزيد عددهم على عدد أمثالهم هناك.

رغم ذلك فإن البون هائل وفادح ولا مجال لإجراء أية مقارنة بيننا وبينهم ، وهي شهادة واقع ماثل وليست حكما أو رأيا ، فهل يا ترى هذا السيل من الشهادات هو أحد عوامل انتكاسة العلم في مصر بعد أن حل فيها الفكر الديني محل العلم ؟! تعالوا نتأكد من صحة هذه الفروض من عدمها بمراجعة ما قالت أساذ علم الوراثة!

قالت : “إن إثبات أية حقيقة يحتاج إل دليل عقلي ونقلي ، وإذا كان داروين قد ذكر في نظريته أن الإنسان أصله قرد ، فهذا الكلام مخالف للدين تماما”.

بداية أوضح أنه لا يشغلني شخص الدكتورة بقدر ما يشغلني أموال الوطن المهدرة لتخريج علماء الوراثة في بلادنا ، وعلاقة الأستاذة بلعلم والبحث العلمي ومنهجه وكيف تفكر ، لأن كل ذلك سينعكس على شبابنا الذين يتلقون مثل هذا العلم منها .

ولأننا يجب ألا نتوقف أمام الأشخاص ، فإن ما قالته الدكتورة يصبح ملك الجميع ، مادام تم نشره وتعميمة ، وهو ما سيكون مناط الحديث ومحاولة الفهم .

ونظرا لعدم تخصص صاحب هذا القلم في علوم البيولوجيا على أنواعها ، فإنني أطرح عليها التساؤلات لنفهم ونتعلم ، لكن ما لا خلاف عليه ويفترض أن يجمعنا معا هو الاتفاق على منهج التفكير العلمي وأصوله وشروطه وخطواته في التعامل مع الموضوعات المعرفية ، وفي علومنا الإنسانية ، وهو مع شديد الأسف تحديد المنهج الذي لم نجده في كلام الدكتورة بالمطلق .

تقول الدكتورة : “إذا كان داروين قد ذكر في نظريته أن الإنسان أصله قرد” . إن هذه الجملة بمفردها دون شطرها الثاني ، تفصح بجلاء عن كارثة ، بل مصيبة قومية ، إذا كان هذا هو حال دكاترة العلم في بلادنا ، وللأسف هو الأوضح والأكثر جلاء وانتشارا.

إن السيدة الدكتورة لا تعلم ماذا قال داروين تحديدا ، وليست متأكدة إن كان قد قال أن الإنسان أصله قرد من عدمه ، فكيف أصبحت الدكتورة دكتورة في علم الوراثة؟ ومن أشرف عليها ؟ ومن منحها الدرجة؟ ومن أوصلها لدرجة الأستاذية؟ أنظر إلى أساس الشرط “إذا هنا ومرجعيته ، فإذا كان قد قال : “فهذا الكلام مخالف للدين تماماً” ، أستاذة الوراثة كل ما يشغلها في الموضوع هو الاتفاق مع الدين من عدمه ، مع عدم معرفتنا لدرجة معرفتها بالدين وكيف نفهمه بهذا الصدد والذي قدم فيه المشاركون بالملف قراءاتهم لإثبات “إن هذا الكلام غير مخالف للدين تماماً” ، وهم في ميدانهم اتفقنا معهم أو اختلفنا أساتذة أكفاء.

الملحوظة الثانية أن السيدة أستاذ علم الوراثة تتحدث عن نظرية النشوء والارتقاء كما يتحدث عنها العامة الذين يسمعون أطراف كلام مختزل في عبارات لا تشغلها الدقة العلمية ويبنون عليها مواقفهم ، فهي بطول ما قالت كانت تشير إلى نظرية باسم “نظرية داروين” ، لأن الفكرة العبقرية التي طرحها داروين بعد حشده الباحث وراء الأدلة عبر العالم في رحلته مع السفينة بيجل وطرحها من بعد في كتابه “أصل الأنواع” ، ليست خاصة بداروين وإن اشتهرت مقترنة به ، لكنه كان واحدا ضمن سلسلة طويلة من العباقرة منهم لويس بوفون ، ولامارك ، ووالاس ، ومئات العلماء الفدائيين الذين عاشوا سنوات أعمارهم في الغابات والأحراش يبحثون وراء الكائنات الدقيقة والكبيرة على الشجر وتحت الإرض وفي الصحاري وتحت البحر وفي قاع المحيط لتصبح النظرية مدعمة بآلاف الشواهد التي تبدو أنها لم تشغل الأستاذة في شيء ، وربما لا تعلم عنها شيئاً . بينما هي متاحة للجميع متخصصا وغير متخصص ، حتى إن هذه النظرية بالتحديد ولمخالفتها معهودا ثابتا منذ عصر الآساطير حتى اليوم ، فقد كان ذلك مدعاة لحث العلماء الناشطين وراء الكائنات على مختلف الأصناف ، مما حشد لهذه النظرية قرائن بالآلاف تراها العين وتشهدها الحواس ، كما لم يحشد لنظرية علمية من قبل ، وقد أوضح الدكتور المليجي في نفس الملف أن كتاب “أصل الأنواع” المشهور لداروين لم يرد فيه ما يشير إلى قردية الأصل الإنساني ، إنما ساق احتمالا في سطر واحد يضع احتمالا أن يكون التطور الذي ينطبق على جميع الكائنات قد حدث أيضا مع الإنسان المتطور عن كائنات حية أخرى .

بينما تناول داروين مسألة الإنسان والقرد في كتاب مستقل لا يقول بتطور الإنسان عن القرد ، إنما بانحدار كليهما عن أصل واحد مشترك ، ومن هنا لابد أن نتساءل عن مدى معرفة أستاذة الوراثة بنظرية النشوء والارتقاء أو التطور وهي تتساءل : “إن القرود موجودة ولم تندثر ، ولم نلحظ أن هناك قرداً تحول إلى إنسان لأة أنه ولد إنساناً؟” ، لذلك تصدر حكمها بقولها : “فنظرية داروين في هذه الجزئية نظرية ساقطة تماماً”.

إن الدكتورة لاشك تعلم كما يعلم العوام أمثالي أنا والقراء من قراءات بسيطة بهذا الصدد أن العلماء قد عرفوا الكثير من المعلومات عن نبات وحيوان تعود إلى أزمان سحيقة في القدم من حفرياتها ، وأننا نعلم أن أجدادنا البشر أو الأناسي أو الإنسان – حسبما يرى الموفقون بين العلم والدين – وقد أصبحوا إنسانا حقيقيا بالمصطلح المعتاد منذ إنسان جاوه المحدود الذكاء لأن حجم جمجمته كان 900 سم2 ، ثم إنسان بكين الأكثر ذكاء والذي عاش منذ 100 إلى 40 ألف عام بتفوق أكثر في القوى العقلية ، ثم كرومانيون الذي عاش ما بين 30 إلى 40 ألف عام والذي ينتسب إليه الإنسان الحالي العاقل الهوموسابينس .

السيدة الدكتورة تقول : “إن التطور يكون في إطار الكائن الواحد ، وليس هناك تحول كائن إلى كائن آخر” ، لكن ألا ترى الدكتورة أن تطور الإنسان عبر المراحل المذكورة هو تحول كائن إلى كائن آخر؟ وبالفرض أن هذا التطور كان داخل نوع واحد هو الإنسان ، فما كان أغبى أبينا آدم بهذا المعنى ، وهو حسب إيمان الدكتورة نبي لا يمكن وصفه بالغباء . وإذا كان هذا ما نعلمه من تطور إيجابي يزيد كل حلقة تحسنا وذكاء وتطورا ، ألا يعني هذا أننا بالعودة إلى الجانب السلبي في الاتجاه المعاكس ، إننا سنلتقي حتما مع القردة في جد مشترك ؟!

ثم ألا ترون معي أن موقف الدكتورة ضد كل ما تعلمته كأستاذ وراثة ، وأنها ترفض هذا العلم؟

فلماذا هي إذن حتى الآن تعمل بهذا العمل؟

لماذا لا تتركه وتتفرغ للدعوة؟

وهل كانت مراجع الدكتورة العلمية حتى حصولها على هذه المرتبة كانت الحديث والفقه والتفاسير أم كانت مراجع علمية تقوم كلها على نظرية النشوء والارتقاء؟

ألا ترون الشخصيتين بداخل كل منا ، كل في ميدانه ، حتى في ميدان الأحكام القانونية نتعامل مع القانون المدني في كل حياتنا ، لكننا نرجع أخص خصائص ضميرنا إلى الفتوى الشرعية ؟

وقد قالت الدكتورة مبهرات كثيرة كقولها السالف : “إن إثبات أي حقيقة يحتاج إلى دليل عقلي ونقلي” ، ونقلي أي نقلاً عن الكتب المقدسة ، ويضاف إليها أحيانا كتب الأصول كتفسير

و المبهر أنها بعد ذلك تقول : “لا تعارض بين العلم والدين” ، فلماذا لا نلجأ للعلم وكفى مادام يتفق مع الدين؟ الدكتورة كأنها تقول إن النقل يختلف عن العقل ثم تقول إنه لا يختلف ، فهل هناك إرباك في المفاهيم أبعد من هذا ؟!

بينما لو أرادت الدكتورة إثبات إيمانها مع عدم تخليها عن العلم الذي أعطته عمرها درسا في النشوء والارتقاء وقراءة ومتابعة حتى تصل إلى منصبها ، كان أولى بها أن تقول إن الدليل النقلي هو دليل عقلي ، يليق بمعقول زمانه ، فقد كانوا أصحاب فكرة مناهج خاصة تجعل معقولهم غير معقولنا اليوم ، لأن معقولهم كان ينبئ عن مفاهيم عن الكون والخلق ووجود الكائنات سائدة عالميا حينذاك كنظريات نهائية ، فقد كان النقل متفقا مع العقل في ظرفه التاريخي ، لكن الدكتورة هنا تنزع صفة العقلانية عن النقل بقولها بضرورة وجود دليل نقلي إلى جوار العقلي .

ونعلم أيضا أنهم كانوا عقلانيين حسب زمانهم وممكناته ، فكانوا يعرفون مرض الحمى باللمس وليس بالترمومتر ، ومن زمنهم بمنطق اليوم لا تمر رحلة الإسراء والمعراج هينة على العقل ، لكنها كانت مقبولة في منطق زمانها ، حتى في ومانها كانت بحاجة للإيمان أولا .

التطور إذن حدث حتى في علاقة العقل بواقعه ، فأصبح نفس الواقع ونفس الأحداث لا ترى بنفس النظار ، والعقل الإنساني هو هو لا يتغير ، نيوتن اكتشف قوانين الحركة التي كانت هي المعقول التام في زمنه حتى جاء آينشتين فخلق فهما جديدا لذات ما كنا نعتقده تام الصدق .

إن الدكتورة بدلا من أن ترى هذا فلا يحدث لديها هذا الارتباك بين العقل والنقل كان يجب عليها أن تدافع عما تعلمت بدلا من أن تقوم بتسفيهه .

سيدتي الدكتورة لم تر التطور حتى على مستوى علاقة السماء بالأرض ، وإنه كلما نضج الإنسان وتطور أحتاج نبيا جديدا يلائم التطور الجديد ، وهو السبب الوحيد الذي يفسر تعدد إرسال السماء رسلها للبشرية ، إنه التطور الذي كان يدفع السماء لإضافة الجديد المناسب للتطور الحادث على الأرض . إن النبي لم يعط علم الصواريخ ، بل علم زمنه وهو الدرع والسيف .

والزمن غير الزمن ، لذلك لا نجد العلم في القرآن لأن رب القرآن كان يعلم أن البشر لم ينضجوا بعد ليحدثهم حديث العلم والخلايا والجينات والرواثة، لذلك خلا من علم اليوم ، لذلك أيضا لا يعتبر القرآن مرجعا لأي تجارب في العلم اليوم .

النقل يا سيدتي الدكتورة لم يرد فيه شيء عن الاستنساخ ولا نقل الأعضاء ولا الهندسة الوراثية ، فهل يعني هذا أنها بدورها “ساقطة” بتعبيرك هذه العلوم تكاد تكون معجزات ، لكنها تصبح بسيطة ومفهومة مع العقل العلمي ، إن عدم التسليم بها يعني أن عقولنا لم تنضج بعد لتقبلها حتى لا تصاب بالجنون .

والله يعلم مساحة العلم التي يستطيع عباده في مراحل تطورهم العقلي استيعابها ، فكان كلما تطورت قدراتهم العقلية من عليهم بعلم يناسب هذه القدرات ، حتى الأخلاق جرى عليها ما جرى على غيرها من تطور . لذلك وإيجازا هو أن ما غاب من الكتب السماوية قد غاب لأن ما كان يرد فيها هو ما كان يناسب فكر إنسان زمانها وليس زماننا .

وتتابع الدكتورة إثباتها عدم وجود بينة تحتية أساسية لديها تتمثل في منهج التفكير العلمي تقول سيادتها : إن الدين يحث على العلم ، لكن الشطط بدعوى الإبداع والتجديد هو لهدم العقائد الدينية الثابتة والراسخة مع قدرة الإنسان المحدودة بالنسبة لقدرة الله .

سيدي رئيس جامعة الأزهر الزاهرة ، سيدي الوزير المسئول عن التعليم العلم في بلادنا ، سادتي أهل هذا الوطن وأهل من تريدونهم شبابا عالما عارفا

يمر هذا الكلام مرا هينا سهلاً؟ أم يفزعكم على مستقبل هذا الوطن؟

إن لم يفزعكم فلا داعي لكل ما يكتب بهذا الصدد ، ولنكسر أقلامنا جميعا ، لأن الحالة ستكون ميئوسا منها ، لكني أثق أنه أفزع بعضكم على الأقل .

فإذا كانت سيدتي دكتورة الوراثة ترى الدين ثابتاً راسخاً ، وأن قدراتنا محدودة إزاء الله وقدراته فلماذا تعادي ما تسميه الشطط ، أم ترى في نفسها قدرة فوق قدرة الله تدفعها للدفاع عنه ؟ أم هو خوف دفين على مفاهيم لا هي من العلم ولا هي من الدين وتقوم على مسلمات تاريخية خاطئة في التعامل مع الدين معزولاً عن زمنه وتاريخه وظروفه في ارضه؟ ألا تفزعكم كلمة “الشطط” في العلم؟

هل الشطط في العلم أي الانغراس فيه حتى أبعد مدى هو قيمة مرفوضة في بلادنا من أساتذة العلم يا سادة؟

وهل تسفيه القدرة العلمية على هذا الشطط هو وظيفة العلماء؟ وهل الإصرار على قدرة الإنسان المحدودة ينتج علماً؟

أليس هذا هو منطق العوام ؟ إن هذا الكلام قد نتركه يمر إذا قاله نجار أو نقاش لعدم التخصص وليس تحقيرا لمهن محترمة ، لكن أن تقوله أستاذة وراثة فهو علامة أننا قد وصلنا حافة الثقب التاريخي الأسود، حيث الزوال من الوجود .

إن سيدتي أستاذة علم الوراثة مشغولة بالدين وليس بالعلم “فهذا الكلام مخالف للدين تماماً”؟

أنظرها تقول : “فالمقياس الذي نقيس عليه هو أن الجبار لا يكون سوى الله سبحانه وتعالى ، فمن أنقص من قدرة الله وقدرته ليس لها حدود ، أما قدراتنا وعلمنا فهو قاصر محدود” .

وبغض النظر عن ارتباك عبارات سيدتي الفاضلة ، وبغض النظر عن تسليمها بحكايات “سيدنا آدم” وحكايات “سيدنا نوح” ، وبغض النظر عن سقوط حكاياتها إلى مستوى العوام وخضوعه لذات المناخ ، فإن عالمة الوراثة عندما يكون مرجعها ومقياسها الذي تقيس به تجاربها هو الجبار ، وعندما تدخل المختبر وهي على يقين أن قدراتها وعلمها قاصر محدود ، تراها ماذا تستنتج لنا؟

وألا يفسر ذلك انحطاط أمة المسلمين إلى هذا الدرك المفزع المرعب المخيف المكتئب الدافع إلى القنوط التام من خروجنا من قاع مزبلة الأمم.

ترفض الدكتورة ما يفيد كلاب علمها فكرة التطور بالتحول من نوع إلى نوع ، من حد مشترك للإنسان، هل تنكرين هذه القدرة على الله ، وهو الثابت اليوم في أفلام لأبطال العلم في الغابات وقاع المحيطات بالآف الأدلة المتاحة لمن أراد أن يعلم ويتعلم ، في أفلام كولن الألمانية وكاليبسو الفرنسية والموسوعة الجغرافية والموسوعة البريطانية وغيرها على CD في كل المكتبات العلمية في الدنيا .

لماذا تنصنا في نهاية حديثها العميق بالتعمق في الدين وليس التعمق في العلم ، ولا تتعمق هي في الدين لتقرأ كيف تحول البشر إلى قردة خاسئين ، وتعطينا من علم الوراثة ما يفيد ليثبت ذلك ، وحينها سيكون الممكن الوحيد بين يديها هو العكس ، وهو على قدرته ليس بعزيز ، فإذا كان الله سبحانه قادرا على إحالة العصاة إلى قردة بفارق في الجينات بين الأصل والمسخ لا يتعدى 1,7 % ، أفلا يمكنه العكس؟ أم هي تنكر معلوما من الدين بالضرورة بإنكارها آيات القردة الخاسئين؟

وعن الشطط والتعمق في العلم ترى سيدتي العالمة أن مثل هذه النظريات ستنهار من تلقاء نفسها ، ويصبح الأصل والأساس هو الدين إذا نظرنا إلى الأمور بموضوعية وعقلانية ودون تعصب.

ما هذا ؟!

ما هو مفهوم الموضوعية عند أساتذة الكليات العلمية في بلادنا ؟ ما مفهوم العقلانية ؟ ما هو مفهوم التعصب ؟ ألا ترى سيدتي وهي تسلم بالدين أساسا وتتمنى انهيار العلم حتى يصبح الأساس في كل شأن هو الدين ، ألا ترى ذلك تعصبا للدين من الأساس ؟ فأين الموضوعية والعقلانية هنا ؟

إن لدينا معجما خاصا لمعاني المفردات لا علاقة لها بالعلم حتى لو كنا علماء كيف؟ هذا لغز كبير.

لدينا معان ودلالات للألفاظ تختلف عن كل دول العالم ، معاني التخلف والفكر الجر وحقوق الإنسان والديمقراطية والدولة والوطن والحكم والإيمان والتسامح والموضوعية والتعصب والاغتصاب والسرقة والزنى .

نحن نعيش زمن القرن الرابع الهجري على الأقرب ، لذلك معاني مفردات الحداثة غير موجودة في محزوننا الثقافي ، لأن هذه المعاني قد تطورت في العالم المتقدم واكتسبت دلالات جديدة لا نعرفها في بلادنا حتى على مستوى العلماء المنتظر منهم االأخذ بيد هذا الوطن نحو الحداثة والتقدم .

إن سيدتي لم يشغلها الوطن ولا الحداثة ولا كل ما نقول هنا ، يشغلها إرضاء الله ، ترفض نظرية التطور الكوني والكائني لأنه يسأخذنا بعيدا عن ومن الدعوة وكريقة العيش أيامها وطريقة التفكير أيامها .

لقد تمكن مشايخنا من دماغ الوطن ، حتى العلماء منهم أو المفترض أن يكونوا كذلك ، لذلك صرف عليهم الوطن ، ولذلك رقاهم الوطن ، ولذلك ندفع لهم رواتبهم من جيوبنا ضرائب ليعلموا أبناء الوطن ، ليرتقوا بالوطن ، لكن مشاخنا تمكنوا من شل الوطن ، وتكسيح الوطن ، وشل العقل بشروط تمنع الابتداع والابتكار لأن ذلك شطط غير مسموح به ، ووسط كل ما هو خط أحمر على العقل في بلادنا وفي ضوء كل ما هو غير مسموح به كما قالت سيدتي الكدكتورة قررت من جانبي زيارة حديثة الحيوان بالجيزة ،وكتبت هذا الموضوع وأنا جالس أمام جبلاية القرود ، لأجسدها وهي تتحرك بحرية ، ولها جيزها الشخصي الذي ى يتدخل فيه أحد بفتوى كيف يتصرفون أم يسلكون أم ينامون أو يتبرزون ، شاهدتهم يمرحون بسعادة وبحرية دون استئذان القرداتي ، حسدت أبناء عمومتي وعدت غلى بيتي أحلم بيوم نحصل على حرية أبناء عمومتنا ، ولا أنسى أن أذكر دكتورة الوراثة أنه لولا داروين ما كانت هي دكتورة وراثة .

روزاليوسف 15/1/2005 العدد 3997

Posted by المجموعة الليبرالية in 12:32:33 | Permalink | No Comments »