Saturday, August 19, 2006

فعل اعتدال .. علني

فعل اعتدال .. علني

عبر تاريخ العرب الإسلامي المجيد ؛ خاض العرب معارك كثيرة و هائلة ؛ و في كل تلك المعارك كان الزعيم الروحي يطلب من جماهيره أن يسلموه عقولهم أولاً قبل التضحية بالنفس ؛ لأن هذا الراعي الذي يتكلم باسم الله يجيد استخدام ما ينتقيه من مؤثرات لغوية و عاطفية من دين يجهله أهله ؛ و يتخفى وراء الآيات ليصبح هو وحده نصاً مقدساً يعمل به المسلم حتى يكاد ينسى نصه الأصلي .

الآن يقدمون لنا صورة المرحوم الشعراوي يقرأ القرآن من السماء و حوله النجوم و الأقمار و الشموس ولم يجد المسلمون في ذلك غضاضة ؛ لقد اتخذوا من أحبارهم أربابا من دون الله ؛ فكان أن حلت عليهم غضبة ربك فباتوا في العالمين في الأسفلين دركاً .

إن المتفجرين المسلمين لا يقدمون على هكذا قتلة إلا بعد أن تكون قد أصبحت عندهم هي قيمة الجمال بعينه ؛ هي قيمة عليا تقوم علي عشرات الفتاوى التي عادة ما توعز بأن اختيار الإرهابي اختيار من الخالق مع ما تستفيض في شرح أوصافه كبيت الشهيد بالجنة عند تقاطع الأنهار حيث يفض الأبكار في ضيافة الجبار ؛ تاركاً مستقبله علي الأرض ؛ و أوجاع أهله عليه ؛ و ترمل زوجته و يتم أطفاله ؛ إن مثل هذا الشهيد بحاجة لإعادة نظر بشأنه و قد ترك أسرته للمجهول مسارعاً للمضمون ؛ الأكل الشهي و المشرب الخمري و النكاح الذي لا يتوقف ؛ خاصة عندما يموت متفجراً عند باب مسجد شيعي لحظة خروج المصليين .

إسرائيل من جانبها وضعت قاعدة أمنية مهينة أشد الإهانة ؛ فهي لا تسمح بالدخول للمسجد الأقصى إلا لمن تجاوز سنه الخمسة و الأربعين . لأن هؤلاء لا ينتحرون ؛ فهم أعقل من ذلك ؛ في مثل هذا السن لا يجوز فقد الخبرة التي تخطط للعمليات ؛ أو هذا ما يزعمون . رغم أنهم الأجدر بالاستشهاد بعد أن شبعوا من الدنيا و أصبح الموت منهم قريب آت لا محالة ؛ فما أجمل أن يلقوا ربهم شهداء بعد أن كلت عظامهم و عجزت حواسهم ؛ لكنهم لا يفعلون!

هل هم غير متأكدين من النتيجة؟ فإذا كانوا غير متأكدين فلماذا يدفعون شبابنا و أولادنا للمجازر في أمريكا و الفلبين و إندونيسيا و أفغانستان و الشيشان و باكستان و العراق و مدريد و المغرب و السعودية و الكويت و قطر و مصر والجزائر و اليمن ؛ لماذا يدفعونهم للموت المبكر وترك أهلهم لوعاً بلا عائل ؛ يقتلهم الجوع والحاجة ؛ بينما المخطط الذي عادة ما يعيش في الرفاهية هو الأجدر بكل المقاييس بالشهادة ؟؟

ورغم أن أجدادنا بحكم الخبرة الطويلة قالوا “إن الصراحة راحة” ؛ فإن الخطاب العربي أبداً لا يعرف هذه الحكمة .

كان يكفي هذا الخطاب وقفة مع النفس تطالع الفارق الهائل اليوم بين الهند التي اختارت طريق الديموقراطية النيابية ؛ و بين باكستان التي اختارت الانفصال عن القارة الأم لأسباب طائفية بحت ؛ ثم اختيار طريق التجديد الوهابي للمذهب الحنبلي السني ؛ وكانت النتيجة ما نراه أمامنا علي الأرض.

أتذكر هنا من تلمذتي الجامعية أن معارفنا من مدينة البعوث الأزهرية كانوا جميعاً من الصومال الذي وقع فريسة الطاغية و عندما سقط الطاغية كان المبعوثون هم القياديين ؛ عادوا بلادهم بالفكر السني المتزمت لتتحول الصومال إلي مجموعة قبائل لكل منها خليفة ؛ فقبعث في قاع العالم لا هي دولة ولا هي أرض مشاع ؛ مثلها مثل السافانا و ما يعيش فيها .

و بذلك كانت كرامات الأزهر في الصومال أوضح من كل مقال ؛ و هي ذات الكرامات التي حققتها بعثاته للجزائر زمن هواري بومدين و كان علي رأسها المشايخ الشعراوي و غزالي و سابق ؛ أي مجموعة من العثاة ؛ وتركوا بصماتهم في الجزائر دماً و خراباً .

خطاب هؤلاء أضاع البوصلة من الناس فأصابهم الحول في الرؤية وضاعوا في تيه يظنونه إسلامهم بينما هم عنه في موقع قصي . انظروا مفكرينا الإسلاميين ؛ أو شبابنا عندما يتظاهرون لأن المناضل (س) قد قتله الإسرائيليون ؛ نعم للتعبير عن الغضب ضد الإحتلال الإسرائيلي ألف نعم ؛ لكنهم هم أنفسهم لم ينزعجون لدماء ألوف الأبرياء من عراق الأخوة .

شبابنا لم يتظاهر مرة واحدة ضد عصابة الزرقاوي و من يدعمهم و هم يذبحون الأبرياء ؛ يقتلون الأشوريين و المندائيين والمسيحيين ؛ يدفعونهم دفعاً للهجرة ؛ و يمنعون علي الناس شراء بيوتهم ؛ أما الشيعة فشأنهم معلوم عند الأخبار التي تبث خارج الحسينيات و المساجد لأبرياء خرجوا تواً من دور التعبد ليصبحوا أشلاء كل يوم تقريباً .

هناك قوافل من أبرياء الشيعة يموتون تتبعهم قوافل ؛ في دفع حثيث لرد مماثل يكون مبرراً لإحراق العراق و تقسيمه .

دماء و مشهد مؤامرة علنية ؛ الأهداف واضحة تماماً ؛ معلومة المصدر و الأعضاء تستصرخ كل الدنيا ؛بينما نحيل نحن المؤامرة علي الأمريكان ؛ و يسمى بعضنا ما يحدث في العراق الجميل (مقاومة) ؟ عندما ينفجر العراق فغن الجسم العربي كله سينفجر إلي عالم من الطوائف المتحاربة ؛ و الكاسب الأكبر سيكون إسرائيل بينما يرتاح بال الأمريكان لانشغالنا بقتل بعضنا بعض.

أين ذهب العقل العربي؟

هل من النخوة تأييد عصابة الزرقاوي ضد أهلنا شيعة كانزا أم مسيحيين أم حتى عبدة أي شئ ؟؟ هل هذا ما يحاربون من أجله ؟؟ لقد جعلوا الموت علي يد إسرائيلي أمنية كل مذبوح في العراق حتى يأخذ حقه من الاحتجاج العربي ؛ مجرد الاحتجاج يا عرب؟

ليس هناك أي تهمة يمكن توجيهها لهؤلاء الذين يموتون بالعشرات كل يوم في التفجيرات ؛ سوى إنهم ليسوا علي صحيح الإسلام ؛ و صحيح الإسلام اليوم هو المذهب الوهابي الحنبلي السني ؛ الذي يحمل التبعية الضمنية لبلاد العرب الحجازية ؛ في إعادة إخضاع المفتوحين ؛ انتظاراً لعودة الخلافة الظافرة .

تهمة هؤلاء جميعاً انهم لم يعلنوا الاعتراف و التبعية ؛ وإنهم ميراث العرب ؛ ميراث العرب السنة تحديداً . و ذلك منذ فتحوا بلادنا و أزالوا دولاً بكاملها من الوجود مثل مملكتي الغساسنة و المناذرة ؛ منذ أخذونا موالي لهم ؛ كان علينا أن نعلم أن الحكم لهم ؛ ولنا الصبر و السلوان .

فإن فكر العراقيون من غير الطائفة الوارثة صاحبة الحق الشرعي ؛ في أن يأخذوا حقوق المواطنة كاملة في ظل ظرف دولي نادر ؛ فإنهم يكونون قد خرجوا علي الناموس القدسي و القانون الكوني ؛ فالعرب هم السادة الفاتحون ؛ وهم الآن وهابية ؛ إذن من خرج عليهم فقد خرج علي الإسلام الفاتح

رغم أن الإسلام شأن و الوهابية شأن ؛ فقط هي لا ترضي أن تعتبر نفسها مذهباً ورأياً ضمن الآراء المطروحة في السوق للاختيار و المفاضلة ؛ لأنها لا ترضي أن تكون مذهباً ولا رأياً ؛ هي لا تقبل بأقل من الدين كله .

أحياناً يشعر المرء بالحزن علي أهله عندما يجد الطائفية وقد أفسدت الضمير الحي الصاحي فعاد المسلم لا توخره دماء الأبرياء من نساطرة أو مسيحيين أو شيعة في العراق ؛ و هم يسقطون كل يوم أشلاء ؛ لأنهم في فرصة تاريخية

روز اليوسف الأثنين 4/7/2005

Posted by المجموعة الليبرالية in 12:44:50 | Permalink | No Comments »