Thursday, September 14, 2006

ما قبل التمكين

ما قبل التمكين

في موضوع بعنوان “موقف التيار الجهادي السلفي من لإخوان المسلمين” يفصح صاحبه (كمال حبيب / تيار جهادي) عن تحالف التيار الجهادي “الاصطلاح الرمزي للإسلام الدموي” والإخوان وكل اصحاب المشاريع الإسلامية على تنوعها ، باعتبار ذلك هو مخطط تكتيكي مرحلي لما قبل التمكين” حتى حدوث هذا التمكين “لأن الحالة الإسلامية مرحلة ما قبل التمكين أو الاستضعاف هي أكبر من قدرة جماعة واحدة مهما كان تاريخها وامكانياتها ورسوخها في الدعوة / من الملفات الخاصة بالجزيرة نت” ، وأن هذا التحالف لابد أن يفصح عن نفسه خاصة في مرحلة ما بعد طالبان ، وذلك لأن “المواجهة القادمة والجارية مع العالم الإسلامي هي مواجهة دينية ثقافية حضارية بالمفهوم الشامل .. وذلك لأن القوى الغاشمة تفرض على العالم الإسلامي الخضوع للتوافق مع الحداثة في مسألتين هما قبول العلمانية وقبلو التسامح الديني ، ويتأتى هذا عن طريق تحديث الإسلام وبناء الإسلام الليبرالي / مقال بالساخر/ نت”

و يتوافق هنا ممثل التيار الجهادي مع رفاق الحلف الإخواني لإثبات إيمانهم بالمبدأ الديمقراطي لكن من خلال الشريعة ، إذ يقول : “وأنا مع تقديم الشريعة على كل القيم الأخرى بما فيها الحرية .. وإن مشكلة العالم الإسلامي والعربي أنه انتزع منه حقه في اختيار الاطار المرجعي الذي يحكمه ، وعلى مر التاريخ نجد أنه متى كانت المرجعية الحاكمة هي الشريعة كانت الحرية سائدة ، ولن ينصلح ما نحن فيه إلا بإقامة الشريعة فليس هناك تعارض بين الشريعة والحرية ، لأن الحرية حق للمسلم في اختيار ما يريد ولكن في إطار المرجعيات ..

إن أي حضارة لها قيمة عليا ، فالحضارة الغربية قيمتها العليا هي الحرية ، والاشتراكية قيمتها العليا هي المساواة ، والإسلامية قيمتها العليا هي الشريعة / حوار مع إسلام أون لاين /نت” .

وعلى هذا الكلام ملحوظات :

أولا : إنه يكرر ويعيد المقامات الغنائية الحديثة للإخوان حول الإيمان بالديمقراطية بدلا من الفكر الإنقلابي الدموي ولكن من خلال الشريعة ، تأكيدا على خصوصية الشرق الإسلامي إزاء المفهوم الإنساني العالمي لمعنى الديمقراطية. و ذلك للإعلان عن فرصة يقدمون فيها هذا التنازل بالمشاركة في ديمقراطية تناسب ثقافتنا ، و أن هذا ما يجب أن تفهمه أمريكا ، وهي أنهم قادرون على تقديم الإصلاح المطلوب دون حدوث مشاكل مجتمعية ، وبما يحقق الأهداف الأمريكية في ظل الخصوصية لأنهم الأمناء على هذه الخصوصية والمعبرون عن الضمير الإسلامي الذي هو ضمير الأمة . وهو ما يلتقي مع رؤية الاستراتيجي الأمريكي (هانتنجنون) في خصوصية الشرق الإسلامي وإمكانية تحقيق المصالح الأمريكية في ظل هذه الخصوصية. و بهذا السبيل وجد الدكتور سعد الدين إبراهيم في الطرح الإخواني طرحا جديرا بالنظر والاعتبار بما يحقق الإصلاح المطلوب. رغم أنه رجل المجتمع المدني ويعلم بحكم خبرته العلمية على الأقل أن ما يطرحه الإخوان وإخوانهم فيما يكتبون ويعلنون ويفعلون هو في النهاية القضاء المبرم على هذا المجتمع المدني .

ثانيا : إن المرحلة الحالية (مرحلة ما قبل التمكين) أي مرحلة الإعداد للاستيلاء النهائي على البلاد والعباد ، تتضمن تحالفا تحتيا بين جميع التنظيمات الإسلامية ، يقوم كل فريق بدور مرسوم ، فالجناح العسكري يكيل الضربات في كل اتجاه في العالم لإثبات أن الإرهاب لن يمكن التغلب عليه إلا بالمفاوضات السياسية والرضوخ لمطالب التنظيمات الإسلامية ، حيث يمكن للجناح السياسي الممثل في الإخوان العقلاء الطيبين القيام بمهمة إنهاء الإرهاب وحكم الشعوب الإسلامية بالحرية والديمقراطية والشريعة الإسلامية ويتمتعون بالرخاء ويأكلون الفالوذج أو المهلبية ويعيش الجميع في تبات ونبات ويخلفوا صبيان وبنات.

ثالثا : إذا جاز للمصالح الأمريكية هضم هذه الصيغة لحل مشاكلها مع الإرهاب ، وإذا كان من بين أبناء الوطن من تم مسح وعيهم لقبول ديمقراطية الفالوذج وسيف مسرور ، فإن أغلبية الناس في بلادنا لم يعد من الممكن خداعها بحكاية الحريات في إطار المرجعيات الإخوانية ، بعدما عانوا من الإرهاب في مصادر عيشهم وأقواتهم وشاهدوا بأعينهم جرائم غريبة على تاريخ المصريين ، وتقززت مشاعرهم لدماء الأبرياء في مشاهد لن ننساها أبدا ولن نغفرها أبدا لأنها تندرج تحت عنوان الجريمة المنظمة / المافيا ، حتى لو تسربلت بثيات الواعظين .

رابعا : وهو الملحظ الأهم في الموضوع كله .. ويتلخص في سؤال من بسائط الأسئلة هو : ما داموا قد قرروا القبول بالمبدأ الديمقراطي فأين برنامجهم المفترض طرحه على المواطنين؟ لقد قال رجلهم العصبي الدكتور عصام العريان في قناة دريم إن المبادرة الإخوانية التي أعلنها الشيخ عاكف في نقابة الصحفيين هي برنامج الإخوان الشامل من أجل الإصلاح الشامل ، وقد سبق وتدارسنا هذه المبادرة عبر الأعداد الماضية ولم نجد فيها أي سمة من سمات البرامج الحزبية الواضحة ، بقدر ما رأينا خلطة عجيبة من شتى المتناقضات التي لا تفصح عن إصلاح بقدر ما هي برنامج للخراب الشامل ، ومصر والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فيها ما يكفيها .

ولأننا نعلم أنه عندما تكون المرجعية هي الدين فإن المستجيل نفسه هو الاتفاق على برنامج أرضي بشروط برنامج سماوي ، حيث يختلف الإيمان من مؤمن لمؤمن ، ويختلف الفهم من فريق إلى فريق وهو تاريخ الفكر الإسلامي الواضح عبر العصور ، لأن الدين والإيمان هم مساحة ضمير خاص لا فعل يتطابق حوله الجميع ، حيث لا مقاييس معيارية محددة في الفهم والاستنتاج يتفق حولها المؤمنون دون تدخل العامل البشري الذي يصبح في هذه الحالة فهما بشريا ورؤية لفريق واحد يتم فرضه على بقية الفرقاء. ولما كان جميع المؤمنين يرون أنهم على ذات الدرجة من اليقين على اختلاف . فسيصبح مستحيلا نفضيل فهم على فهم وإيمان على إيمان.

أن نظرة خاطفة على تاريخ المسلمين منذ فجر تاريخهم يوضح الاعتقاد ذاته كما هو واضح اليوم بين الفريقين الأعظم بين المسلمين : السنة و الشيعة.

لكن دعونا نعط الفرصة للنوايا الحسنة ، رغم أن تاريخ الإخوان ليس فيه حسنة واحدة ، لنهيب بهم كقيادة سياسية لفرق الإسلام السياسي أن يتفقوا فيما بينهم على برنامج واضح دقيق مفصل صريح لا تحتمل عبارته لبسا ، ويخلو من العبارات الاعتراضية مع كل طرح حول الحريات الديمقراطية من قبيل “في ضوء ثوابت الأمة” أو في “إطار المرجعيات الإسلامية” لأنهم عندما يمارسون السياسة فيجب أن يعاملونا بلغة الأرض لا بلغة السماء ، فالسياسة شأن أرضي لا شأن سماوي ، وأن يتوقفوا عن مخاطبتنا بالنصوص المقدسة فهي نصوصنا جميعا ونعرفها جميعا ونحفظها جميعا. خاصة أن هذه النصوص ليست منتجهم بل هي منتج سماوي. وفي مساحة الحوار السياسي يقدم كل فريق منتجه ، لا أن نخاطبهم خطابا بشريا فيردوا علينا بالآيات التي تحددت ملكيتها لله وحده ، ونصبح في حوار طرشان أو صدام بيننا نحن البشر وبين الله ممثلا في الإخوان وفي النهاية فإن الذي سيحكمهم البشر وليس الله .

وحتى لا نضعهم في وضع تعجيزي رفقا بهم وهم من لم يرفقوا بأحد ، فإننا نطمع فيما هو أدنى بكثير من برنامج واضح المعالم دقيق العبارات ، نطمع في اتفاقهم على الحد الأدنى حول المفاهيم الضرورية لأي طرح سياسي ليعلنوا علينا هذا الاتفاق .. إن استطاعوا فليقولوا لنا ما ينتهون إليه حول البنود التالية :

1 – في المجال الاقتصادي :

يفترض في عالم اليوم أن كل الدول حتى التي تزعم اسلامية شرائعها أن تخضع لقوانين السوق العالمية لكي تصبح عضوا فاعلا فيه. فهل سيقبل سادتنا عند التمكين الاندماج في هذا النظام بقواعده وشروطه العالمية؟ أم سيطبقون قواعد ما يسمونه الاقتصاد الإسلامي في مجالات لا يتطابق معها بحال كمجال البنوك والاستثمار والتنمية وهي ألف باء النظام الاقتصادي وهو حسب منطقهم نظام ربوي مرفوض اسلاميا كما اكدوا في مبادرتهم ..فما هو الحل؟

هل لن نقبل الاقتراض من صندوق النقد أو البنك الدولي؟

هل سنقاطع كل الدول التي لا تعمل بنظامنا الإسلامي؟

هل سنفرض على المستثمر الأجنبي أن يشهر إسلامه أولا في دار الافتاء؟

أم سنطلب منه قبول لوائحنا التنظيمية الإسلامية الاقتصادية؟

ثم ما هو نظامهم البديل للضريبة العامة على الدخول أو ضرائب المبيعات؟

أم تراهم سيعودون الى نظام بيت المال وجباية الخراج والزكاة ؟

وهل سيقبلون نقل السلع بالبدع المستحدثة كالطائرات مثلا ، أم يجب العودة إلى قوافل البعير؟ جلبا لمزيد من البركة في المال.

يرد بعضهم هنا بمدى ما حققه المجتمع الإسلامي من رفاهية في ظل الامبراطورية الإسلامية بفضل نظام الزكاة في مغالطة لا تليق بتلامذة الابتدائي (انظر بهذا الشان سيدنا قرضاوي). حيث لم يكن لتلك الرفاهية علاقة بالزكاة ، ناهيك عن كون حالة العز والرفاهية التي يزعمون أن المجتمعات الإسلامية تمتعت بها في مجدها بفضل نظامنا الاقتصادي الفريد ، لم يعشها سوى السادة العرب الحاكمين بأمر الله وبطانتهم ومن لحق بحزبهم خادما ونصيرا من أبناء البلاد المفتوحة التي نهبت ثرواتها و “هلكت فصالها” بتعبير عمرو بن العاص ، حتى كانت الجارية (وهى طبعا من بنات البلاد المفتوحة) ، تباع بوزنها ذهبا في زمن عثمان بن عفان في جزيرة العرب العجفاء ، حيث كان هناك من يشتري وهناك من يباع في سوق النخاسة ، بعد أن تدفقت غنائم البلاد المفتوحة على الجفاة العراة

ومن وجهة نظر من كان هذا العز؟ الذي يحال إلى بركة الاقتصاد الإسلامي وزكاته ، بينما كان في حقيقته دمارا للبلاد وسلبا للثروات لقيام ذلك المجتمع المرفه والاقتصاد القوي في عاصمة الخلافة وحدها ، وهو أسلوب التنمية الوحيد الذي عرفته دول الإسلام . وهو أسلوب التنمية الاقتصادية المرجو عند الإخوان كما سيتضح الآن في البند التالي .


2 – في مجال السياسة الخارجية
:

ما هو معيار الإخوان الذي ستتحدد في إطاره علاقتنا الدولية؟

هل سيكون المعيار هو مصالح الوطن وأمنه القومي؟ أم مصالح المسلمين في البوسنة وبلاد الأفغان والشيشان وبلاد تركب الأفيال بغض النظر عن عن مصالح الوطن ، وما قد يجره مثل هذا التدخل في بلاد العالم على أمننا القومي؟

أم سيكون المعيار هو تفعيل قواعد الدين بغض النظر عن النتائج؟

أي هل سنتعامل مع العالم غير المسلم وفق ما يسمونه “عقيدة الولاء والبراء“؟

أم أنهم يرون أن الله قد أمر المسلمين بتنفيذ أمرين أساسيين هما : نشر كلمة الله في الأرض حتى تخضع لها كل البشرية بالموعظة الحسنة إن كان ممكنا ، وإلا بالقتال حتى يظهر دين الله على سواه.

والأمر الثاني هو تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد الإسلام والبلاد المفتوحة وإخضاع العالم لها او بتعبير شهيدهم (سيد قطب) : “لا حاكمية إلا الله ولا شريعة إلا منه / المعالم 29″ أو بتعبير شهيدهم المؤسس “جسن البنا” : “إن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصايا النبيلة .. وقد أمر المسلمين أن يعمموا الدعوة بين الناس بالحجة والبرهان فإن أبوا وتمردوا فبالسيف والسنان / مجموعة الرسائل 117″.

وعليه فإن العالم من وجهة نظر الإخوان ينقسم إلى قسمين : دار السلام وهي ديار الإسلام ، ودار الحرب حيث يحارب المسلمون حتى يتسلطن الإسلام.

أو بقول حسن البنا : “إن المسلمين يدعون الناس إلى إحدى ثلاث : الإسلام أو الجزية أو القتال / الرسائل 43″ وفي حال البلاغ الشهير “إسلم تسلم” إلى ملوك العالم ، فإن المواطنين يحملون نتائج رفض ملوكهم للإسلام وما يستتبع ذلك من قتل ونهب وسبي واستعباد وهتك للأعراض “يسمى اليوم تطهير عرقي” . وبهذا الفهم الإخواني دافع “بن لادن” عن قتل تياره الجهادي لألوف الأبرياء في أبراج التجارة بأنهم غير أبرياء لأنهم يدفعون الضرائب للدولة الأمريكية لذلك هم مسئولون تماما كالدولة. كذلك رأي الأخوانى العريق قرضاوي وجوب قتل أطفال الإسرائيليين لأنهم عندما يكبروا سيصبحون جنودا لأن مجتمع إسرائيل كله عسكر بمن فيهم القعيد والمريض والشيخ الفاني. وإعمالا لذلك فإن الدعوة الإسلامية تظل فكرة نظرية يهلك بسببها من لا يعلمون عنها شيئا.

هذا ناهيك عن كونه لا يوجد في الدنيا شعب يرضى مختارا أن يذل عنقه لشعب غريب أو أن يدفع الجزية وهو صاغر. ولا يبقى سوى الخيار الواقعي وهو الحرب ضد البشرية وقتل الكفار المقاتلين فيما يقول ابن تيمية (السياسة الشرعية 124) مع قتل من يعين على الحرب لا على السلام ، أما من لم يحارب أو يعين فأمرهم متروك للإمام إن شاء ذبحا وإن شاء استعبادا وإن شاء دفعوا الجزية وإن شاء عفى.

وفي هذا الموقف من دول العالم في العلاقات الدولية عند الإخوان لابد أن تحدث التنمية المرتقبة للاقتصاد الإسلامي وحرية التملك الفردي المكفولة بما “ينشأ عن ملكية السلب وهو كل ما مع القتيل المشرك الذي يقتله المسلم / سيد قطب / العدالة الاجتماعية / 128″ وإن هذه التنمية الاقتصادية الفريدة التي يتحول فيها المسلمون إلى آفات كالجراد ، هي الحلال البين الذي لا شبهة فيه للحرام ، مما يجعل المجتمع الإسلامي يعيش عيشة راضية في رفاهية الحلال الزلال بتأكيد شهيدهم “إن نصوص الإسلام تبيح للفاتحين أن يستأثروا بكامل ما يملكه المحاربون الذي يأبون الإسلام والجزية ويقاتلون المسلمين / العدالة الاجتماعية / 198″.

ولمزيد من التنمية الاقتصادية يستحب الاستيلاء على أموال الذين لم يقاتلوا بدورهم بحيث لا يصبح هنا فرق بين من قاتل ومن لم يقاتل ، وهذا اللون من النهب يسمى (الفئ) والذي يعود على المسلمين بالخير العظيم ، ومعناه ما أفاءه الله على المسلمين أي رده إليهم من الكفار ، لأنه نظريا كان في الأصل والصواب ملكا للمسلمين ، ويشرح ابن تيمية هذه الفزورة بقوله : “إن الأصل أن الله خلق الأموال إعانة على عبادته ، والكافرون به أباح الله أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأباح أموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته ، فأصبحت حقا لعباده المؤمنين كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه / السياسة الشرعية/40″ .

فهل ستظل هذه قواعد الإخوان فيما يعرضونه علينا وعلى الأمريكان؟ (هل تسمعي يا أمريكا .. آلووووه ه ه )؟ وهل ستكون لتعهداتنا الدولية عبر حكوماتنا المتعاقبة نصيب في ظل هذا الفهم لعلاقتنا بالعالم؟ وهل سيجيبنا إخواننا الإخوان بجواب واضح قبل أن يحدثونا عن دورهم في العملية الديمقراطية ويجأرون للعالم الحر بما وقع عليهم من ظلم فادح !!

2 – في مجال التعليم :

هل سيقبلون بتدريس ما انتهى إليه العلم الحديث من حقائق أصبحت بديهيات حتى لو تعارضت مع نصوصنا الدينية؟

وهل سيبيحون أسلوب التعليم الحديث القائم على المنهج العلمي وحده في التفكير دون إحالة كل قضية إلى “ما شاء الله” وإلى “سبحان الله” وربطها بثوابتنا؟

أم سنكتفي كما كنا وحتى الآن بالتعليم التلقيني واختبار الذاكرة الحافظة لا الملكات والابداع؟ من باب الحفاظ على ثوابت الأمة حتى أصبحنا ثوابت بلا أمة!

وهل ستكون جامعاتنا محرابا مقدسا للعلم وحده دون تدخل لأي سلطان غير قوانين العلم ومنهجه ، أم ستخضع لرأي الدين ورقابة رجاله المحترفين في مساحات لا علم لهم بها ولا قبل لهم بها؟

وهل سنؤسلم العلوم بما فيها العلوم الإنسانية كالاجتماع والاقتصاد والسياسة أم سندرسها كما يدرسها خلق الله في البلاد المحترمة المنتجة المتفوقة؟

أم سنحول معاهدنا التعليمية إلى أوكار لتخريج الإرهابيين كما هو حادث بالفعل في معظمها ، لتحقيق أهداف الأمة العليا باخضاع العالم الجاهل لسيادتنا العالمة؟

وهو هدف في ضوء أوضاعنا إزاء العالم لا يبدو مبشرا سوى بالخراب التام والموت الزؤام .

4 – في مجال الثقافة والفنون :

هل يعترف الإخوان وإخوانهم أن الثقافة ثقافة إنسانية ساهم فيها كل البشر ، أم أن الثقافة الوحيدة هي التي أنزلها الله على أحبابه وحدهم بالحجاز وقبلها جاهلية وبعدها جاهلية؟

وهل ستظل ثقافة اليونان وفلسفتها وفنونها الروائع مجرد وثنية؟

وهل ستبقى مصر القديمة هي ثقافة الفرعون العاصي وقومه المجرمين المغرقين ، ثقافة الكفر البواح؟ ومن ثم لا تستحق سوى الاستبعاد والنفي والاقصاء؟

وماذا عن ثقافة العالم الحر اليوم أم أنها من البدع التي لا تعرفها السماء؟

وهل سيسمحون بدراسة الثقافات القديمة من باب العلم بالشيء أو من باب قياسها على ثقافتنا الإسلامية السمحاء لاثبات انحطاطها؟

أم سندرس هذه الثقافات دراسة شافية كافية بحسبانها أعمدة ومنابع وأسس حضارة الإنسان في الأرض ؟

وهل سيظل الفن التشكيلي حراما بحسبانه تصويرا وتمثيلا صنميا؟

وهل سيظل الموديل الحي مستبعدا من كليات الفنون في بلادنا بحسبانه فجورا وتعرية للعورات؟ أم سيتم قبوله بعد أن تعطي الموديل نفسها بالحجاب ، أم يستحسن بالنقاب؟ أم من الأجود إلغاء هذه الفنون الخليعة من بلادنا والإبقاء فقط على تحسين الخط العربي البديع ؟

وماذا عن الفنون الإنسانية في مختلف بلدان العالم من موسيقى إلى الاوبرا ناهيك عن المصيبة الفاجرة المعروفة بفن البالية؟ أم سيكون هناك باليه إسلامي يستحسن أن يقوم به الرجال وحدهم شرط إطلاق اللحية وتقصير الجلباب وستر السيقان المراد بالسروال منعا للفتنة مع استبعاد كل الآلات الموسيقية المبتدعة والعودة إلى الأصول بضرب الدفوف ورقص الحداء (مشية الجمل) كرقص رصين وفن أصيل غير مستورد ؟

5 – في مجال العدل والقضاء :

تقول مبادرة الإخوان إن القضاء سيلتزم عند التمكين بقوانين الشريعة ، وهو ما يعني القضاء المبرم على القوانين الوضعية المستمدة من ظروفنا والموافقة لتعقيدات زماننا واستبدالها بقوانين الشريعة. وهو ما يعني تطبيق الحدود وإقامة ساحات القطع العامة تشجيعا للإقبال الجماهيري لرفع مستوى الحس الإنساني الرفيع ، و هو ما يعني أيضا ضياع كل المكاسب الحقوقية الإنسانية بعد طول صراع ضد الظلم والعقوبات البدنية عبر التاريخ .

ثم ماذا عن قوانين الاحوال الشخصية ، وماذا عن وضع الاقباط والأجانب ؟

هل يمكن مثلا العودة لنظام المحاكم المختلطة؟

أم تراهم سيدعوننا إلى التأسي بتجربة السودان الرائدة في سحل العباد وتمزيق البلاد ؟

أم لديهم قول آخر لم نسمعه بعد؟

6 - في مجال السياحة :

في ظل التناقص المستمر للموارد الطبيعية مع الزيادة السكانية فوق طاقة ما تحتمل الأرض ، مع تراجع تدفق الاستثمارات الخارجية ، لا يبقى لمصر من أمل سوى السياحة لما تملكه بهذا الصدد من رأسمال غير قابل للمنافسة ، وتصبح السياحة هي المصدر الوحيد والأمل الأول الذي يجب الاهتمام به في كل تفاصيله بعدما حدث في بشاعتها ضد السائحين في بلادنا.

والمعلوم أن للسياحة شروطها التي توفر للضيف كل ألوان الراحة الممكنة وكل المتعة الممكنة بشروط الضيف لا المضيف لأنه هو من يدفع . و من غير الممكن بل من الجنون أن نطالب السائح الالتزام بقواعدنا الشرعية في الملبس والمشرب والمأكل وإلا انفضوا عنا إلى غيرنا . مع ملاحظة أن بلدا كإسبانيا لا يتمتع بواحد من ألف مما تتمتع به مصر من آثار عريقة تحقق من السياحة دخلا قوميا يعادل دخل الدول العربية مجتمعة .. مرتين !!

أم ترانا سنخصص لهم أماكن خاصة أو نجمعهم في مساحات محددة يعيشون فيها كما يحبون؟ وفي هذه الحال هل يستحسن نقل الاهرامات والمعابد والمتاحف إلى هذا المكان المختار؟

أم سنعتمد على الله ونقوم بإعدام هذه الآثار كما فعلت طالبان فحلت عليها البركات ؟

أم لهم قول غير فصيح بهذا الشأن لم نسمعه بعد ؟


7 – في مجال الإعلام :

الكل يرثي الإعلام المصري بالقصائد المبكيات وتلفازنا الذي قالوا إنه ولد عملاقا فإذا به قزما بين الصغار من محطات فضائية بنت الأمس في بلاد هي كلها بنت الأمس ، إرضاء لنوازع دينية وطلبا لرضا رأي عام غير رشيد ولا سوى ورغم ذلك فإن إعلامنا المسكين ابن السبيل متهم في مبادرة الإخوان بالفحش والفجور.

وهو ما يعني أن حالة هذا الإعلام عند التمكين (لا قدر الله) ستكون هي الغم والنكد الأبدي مع مزيد من الجمود والانغلاق واستمرار الخطاب التلقيني الإرشادي وفي هذه الحالة ربما يستحسن اغلاق فضاء البلاد استبعادا لشرور القنوات الأجنبية الفاجرة الكافرة التي سيهرب إليها الناس كما هو حادث بالفعل ، والعبد الفقير إلى الله لم يشاهد التلفاز المصري منذ عشر سنوات تقريبا ، والمرات النادرة التي جلست فيها أمام قنواتنا نقلتني إلى العناية المركزة مما دعا الاطباء إلى نصحي بالابتعاد عن مشاهدة التلفاز المصري حرصا على حياتي وعلى دماغي من حدوث ما لا تحمد عقباه .. ومع التغيير المقبل عند التمكين ماذا سنفعل مع البلاء الفضائي العالمي؟

أم علينا بالصيام والصبر حتى نتمكن مع فتح الدنيا وتدمير الرذيلة والفحش؟ وإن كنت لا أعلم كيف سندمر الاقمار الصناعية .. ربما سنضربها بالمنجنيق باعتباره سلاحا إسلاميا اثبت فعاليته في غزوات كبرى .

8 – في مجال الصحة :

هل سيقبل الإخوان بالتطور العلمي في ميدان الطب الحديث ،

أم سنقتصر على العلاج بالقرآن والحبة السوداء وعسل النحل والحجامة وبول الجمل ،

وهل سيتم تعبئة بول الجمل في قناني دون أن يصيبه الفساد بحسبانه طيبا حلال؟

وما القول في الفرق بينه وبين بعض أنواع الخمر الخبيث الحرام؟

وهل سنتمكن سيقبلون بزرع الاعضاء والتبرع بها عند الوفاة وإقامة بنوك لهذه الأعضاء؟

وماذا عن موقفهم من الهندسة الجينية واستخداماتها الطبية؟

وهل سيعتبرون التدخل الجيني انتصارا للطب والعلم أم عدوانا علي خصوصيات الله ؟

هذه مجرد تساؤلات نطلب فيها رأيا يتفق عليه الإخوان وإخوانهم في أمور هي من بسائط الشأن السياسي . رغم أنهم منذ خمسين عاما يناقشون مسألة تحديد النسل الكارثي . ولم يتفقوا بعد .. يبدو أننا سننتظر اتفاقهم طويلا ..

روزاليوسف 12/6/2004

Posted by المجموعة الليبرالية in 12:30:02
Comments

Comments are closed.