Thursday, November 30, 2006

هل الإسلام هو الحل؟

هل الإسلام هو الحل؟

عندما خرج العرب من جزيرتهم يحتلون دول الحضارات المحيطة بهم في القرن السابع الميلادي تحت راية الاسلام , كان قد تم وضع تعريف اسلامي للون جديد من الحرب , فالحرب المعتادة عبر التاريخ في مجموعها تندرج في نوعين : فهي اما حرب دفاعية أو حرب هجومية , أما الجديد الاسلامي فهو مفهوم يخلط كلا اللونين تحت اصطلاح الجهاد الذي يعني حربا دائمة في المطلق , لا تتوقف ما دام في الارض شخصا واحدا لم يعلن اسلامه بعد. أو لم يدفع الجزية للمسلمين اعلانا عن الخضوع واثباتا لسيادة المسلمين. لان المبدأ الاسلامي الجهادي يقوم علي عرض ثلاث خيارات علي غير المسلمين وهي: الاسلام أو الجزية أو الحرب.

وجهاد الفتوح يعد فقهيا من الفروض الاسلامية الاساسية مثله مثل الصلاة والصيام ويسمي فرض كفاية , أي يكفي أن يقوم به القادرون علي القتال من المسلمين ليسقط التكليف عن بقية المسلمين , ولكن بشرط اعانة المسلمين غير المقاتلين للمسلمين المقاتلين بالمال والدعم والسلاح وكل ما هو ممكن , واذا توقف هذا الجهاد فقد أثم كل المسلمين واستحققوا عقوبة ربانية بالذل والمسكنة والهوان , لذلك رأي المسلمون المعاصرون ان تخلفهم الحالي ، وضعفهم وهوانهم ، كان نتيجة تخليهم المؤقت عن فريضة الجهاد.

ولان خروج أي جيش بحروبه خارج حدود أرضه الوطنية هو عدوان علي بلاد الآخرين , ولأن الاسلام دين يفترض فيه أن يكون ضد العدوان علي الآمنين كأي دين أخر ، فقد تم تبرير هذا العدوان الغازي لاحتلال البلاد المحيطة بالجزيرة , بدمج الحرب الدفاعية بالحرب الهجومية تحت مسمي اصطلاحى واحد هو (الجهاد) الوارد في القرآن , وانه أمر الهي وليس بشريا لا يملك المسلم معه الا الطاعة والامتثال للقرار الالهي , فتصبح جريمة العدوان علي الآمنين ليست بجريمة لان من أمر بها هو الله , والله لا يأمر الا بالخير , حتي لو ظهرت عدوانا ، لانها في النهاية تمكينا لدين الله في الارض ، ويكون المدافع عن عرضة ووطنة وممتلكاتة هو المجرم ، لأنة يقف فى طريق نشر دعوة السماء.

لذلك كان العدوان علي غير المسلمين وحتي اليوم من وجهة النظر الاسلامية هو شرع مشروع ، وهو الخير نفسه ، بل انه أفضل عبادة يتقرب بها المسلم الى ربه , لانها تصل الي قتل المسلم نفسه في حروب ذلك الزمان بالسلاح الابيض ، الذي كان لابد فيه من افتراض موت المحارب , وفي حال موته فان موته يسمي استشهادا في سبيل الله يدخل بموجبه جنات الله السماوية عريسا تزفه الملائكة للحور العين , ومع تحولات الزمن وتطور أدوات الحرب التي يمكن بها القتال دون موت المقاتل أو تقليل نسبة الموت , فان المسلم يحنط التاريخ من بابين : الاول هو تقديس الفعل الأرهابى الحالى ، والثانى من باب اعتقاد سحرى قديم وهو ان الشبية ينتج الشبية فيذهب ليس بغرض القتال بل بغرض الموت شهيدا ، أى الاستشهاد بقتل نفسه قربانا للرب حتي يحوز الرضي الالهي ومكانا أفضل في جناته. وحتى ينتج الشبية شبيهة فينصر الرب المسلمين اليوم وهم فى ضعف وهوان كما سبق ونصر المسلمين الاوائل وهم أذلة على امبراطوريات زمانهم عندما جاهدوا طلبا للشهادة ……….او هكذا يعتقدون.

ومع مفهوم الجهاد الاسلامي هذا لن تجد في علوم الفقه الاسلامي فقها للدفاع عن الوطن لان الوطنية في الاسلام كفر , لان وطن المسلم هو الاسلام ذاته , ومساحته الجغرافية هي العالم كله.

لذلك يقول الشيخ ( يوسف القرضاوى ) ملخصا موقف الأسلام من الوطنية بقولة : ” ليس بمجتمع مسلم ذلك الذى ننقدم فية العصبية الوطنية على الأخوة الأسلامية حتى يقول المسلم وطنى قبل دينى” ثم يجعل الوطنية كفراوعبادة اوثان ، وان ” دار الأسلام ليس لها رقعة محددة ” ويترتب على ذلك ان تكون ” مشاعر الولاء للأسلام واهلة هى التى تقود المجتمع وكذلك مشاعر البغض لأعداء الأسلام” من كتابة : ملامح المجتمع المسلم الذى ننشدة - مكتبة وهبة - القاهرة -2001 - ص : 86، 24 80 ،57 أو قولة فى كتاب أخر : ان الوطنية هى من صناعة الدول الأستعمارية بغرض تفكيك وحدة المسلمين او بنص كلامة ” فى واقع مصر والوطن العربى والأسلامى .. شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين الى ان يحل الوطن محل الدين ، وأن يكون الولاء للوطن لا للة وان يقسم الناس بالوطن لا باللة وان يموتوا فى سبيل الوطن لا فى سبيل اللة - كتابة الأخوان المسلمون - مكتبة وهبة - 1999 ص 18 ،19. لكنك ستجد بدلا من مفهوم الوطنية أبوابا طوال لفقه الجهاد ، الذي كان عبر التاريخ هو الاعتداء الدائم علي غير المسلمين واحتلال بلادهم وتحويلها الي بلاد مسلمة كلما كان ذلك ممكنا. وقد أسمي القرآن وأحاديث النبي محمد هذا الفعل باسمه الصريح دون مواربة أو تحرج , كان (غزوا) ولا زال حتي غزوتى نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 المباركتين!. وهو فعل راق مقدس لا يشين صاحبه بل يشرفه و يرفعه درجات عليا من السمو. مثلما كانت أفعال القتل الجماعي في سيناء بأمر موسي النبي , أو مجازر يشوع , او حروب داود ، وكلها بذوق اليوم جرائم قتل جماعي ، لكنها زمانهم كانت افعالا مقدسة لانهم كانوا انبياء يتلقون اوامرهم من السماء , وسجل العهد القديم من الكتاب المقدس ذلك بوضوح شفاف ودون تزويق ، ودون أن يشعر المحرر بأي حرج فيما دونه. الفرق هنا أن ما جاء بالعهد القديم وغبرة من كتب الأديان الأخرى ، قد أصبح قديما وانتهي بنهاية زمنه وأصبح مجرد فولكلور للمؤمن به , بينما هو في الاسلام حي قائم فاعل مستمر حتي اليوم.

كذلك كانت مهنة الحرب في تلك الازمنة الخوالي مهنة نبيلة شريفة عند مختلف الامم , لانها كانت تعود علي المحارب بالجاه والمال والمكانة الاجتماعية , و كانت كذلك في الاسلام , لكن الاسلام أعطاها زخما جديدا فأصبحت اضافة لشرفها ونبلها حرفة مقدسة , وأباح الاسلام للمحارب المسلم الاستيلاء علي كل ممتلكات غريمه بعد أن أباح له دمه , سواء كانت تلك الممتلكات مال أو عقار , أو حتي نساء وأطفال أو رجال أسري , يتم بيعهم في أسواق النخاسة , فكانت مهنة الجهاد مصدر ربح عظيم للمسلم المجاهد فحاز المكانة الاجتماعية الرفيعة وصار ينظر اليه حتي اليوم بحسبانه بطلا مقدسا اسطوريا يتماهي في شخصه كل المسلمين. ونموذجا لذلك سفاح تاريخي لا مثيل له هو خالد بن الوليد الفاتح الدموي لبلاد العراق ؛ الذى كان يتسلى ويتلذذ بلذة القتل للقتل ، ومع ذلك هو في نظر المسلمين نموذجا مقدسا وصفه الخليفة أبو بكر بأنه ” سيف الله المسلول” ، ووصفه مرة اخرى بقوله : ” عجزت الولائد أن يلدن مثل خالد” ، و من ثم شكل خالد نموذجا يحلم المسلمون اليوم برجل مثله يقودهم لفنح بلاد العالم مرة أخري.

في تلك الازمان كان شعار الجيوش الاسلامية الفاتحة لبلاد الآخرين هو : “الاسلام أو الجزية أو الحرب”.

كان هذا ما يعرضه خالد بن الوليد ، أو عمرو بن العاص ، أو القعقاع أو غيرهم من قواد الجيوش الاسلامية علي الشعوب الاخري. ويبدو الشعار دعوة لدين جديد لكن الحقيقة لم تكن ابدا كذلك , لانهم لو كانوا يقصدون الدعوة لدينهم الجديد حقا , لأعطوا الناس فرصة للتفكير في هذا الدين الجديد , ولاصطحب الجيوش معها فقهاء الدين لشرحه للناس قبل القتال , وعقد المناظرات مع أصحاب الديانات السابقة لاثبات تفوق الاسلام علي غيره من أديان ، لكن ذلك كله لم يكن واردا ، ولم يحدث ولا مرة واحدة في تاريخ الجهاد الاسلامي.

هذا رغم أن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما من أبطال الجهاد قد ظلوا على دين قومهم بل وقادوا جيوش مكة ضد المسلمين فى أكثر من موقعة ، ومن ثم استغرقوا سنوات طوال منذ بدء الدعوة الاسلامية حتي قرروا اعلان اسلامهم ، وانضمامهم للقوة الجديدة المنتصرة في جزيرة العرب.

بينما الجيوش الاسلامية الفاتحة بقيادة هؤلاء انفسهم ، عندما كانت تصل في سيرها الفاتح أبواب أي مدينة كانت تطلب اجابة فورية واضحة علي العرض : الاسلام أو الجزية أو الحرب. رغم أن قواد الجيوش المسلمة أنفسهم لو سألناهم عما هو الاسلام ما أجابونا اجابة واضحة , لأن القرآن الكتاب المقدس الاول لم يكن قد تم جمعه بعد , وكان المسلم يكتفي بحفظ بضع آيات يستخدمها في صلاته , ولم يكن بين هذه الجيوش أحد من حفاظ القرآن ، بعد أن تم التحفظ عليهم في يثرب عاصمة المسلمين حفاظا علي حياتهم ، بعد موت اكثرهم في حروب المنشقين علي الدولة في الجزيرة (حروب الردة). كذلك لم تكن احاديث النبي قد تم جمعها وتدوينها بدورها ، ولم يتم ذلك الا بعد مرور قرن ونصف من الزمان , ولا كانت علوم الفقه قد ظهرت بعد , بل ولم تكن لغة العرب نفسها قد تم وضعها في شكل قواعد واضحة متفق عليها.

ان شعار الاسلام أو الجزية أو الحرب ، لم يكن هدفه الحقيقى هو دين الاسلام أو أسلمة البلاد المفتوحة. بقدر ما كان اخضاعا لهذه البلاد لسيادة العرب , وتبرير جرائم القتل والابادة الجماعية والنهب والسبي ، بكون الجيوش العربية مسيرة بأمر الرب لنشر دينه , لأن سلب الممتلكات أو سبي النساء أو أسر الاطفال وبيعهم في أسواق العبيد ، كان حق الرب الذي شرحه في القرآن وأوضحه بلا لبس , وكان العرب ينفذون ارادته القدسية , لذلك كانوا يسقطون الجزية والاسر والقنل عمن يخضع للرب ويعلن اسلامه.

ولأن المثل العربي يقول: كل عربي تاجر” وهي حقيقة تاريخية معلومة , فقد كانوا تجار العالم القديم بعد أن انقطعت طرق التجارة العالمية ، خلال زمن طويل قبل الاسلام بسبب حرب الفرس والروم ، ولم يبق أمنا لها سوي صحراء الجزيرة التي لم يرغب فيها لا الفرس ولا الروم , ومن ثم أصبح العرب تجار العالم القديم بلا منازع. اصبح الجهاد صفقة علي طريقة التجار , صفقة بين الله وبين العرب , يقوم بموجبها العرب باخضاع العالم للعبودية لله , مقابل أخذ نصيبهم من الصفقة أموال ونساء واطفال وارض المهزوم. وبموجب هذه الصفقة تنازل الله لهم عن حقه في الغنائم ، والتي كان يأمر في العهد القديم بحرقها جميعا للرب ( انظر سفر الخروج والعدد ويشوع ) , لكنه قرر تركها للمسلمين في حديث النبي محمد ” أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلنا” ، وأكد القرآن تنازل الرب عن عن حقه في الغنائم للمسلمين بدلا من حرقها ، وأنها حلال مشروع بقول القرآن للمسلمين ” فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. والوصف طيبا هنا يضيف الي شرعية الغنائم صفة الخيرية أيضا والشرف وطهارة المصدر. هذا باختصار ما كان عن مفهوم الجهاد منذ ظهوره , ويزعم كاتب هذه السطور أن هذا الشعار لا زال قائما وتمت استعادته بعد تحوير طفيف , هو شعار الاخوان المسلمين ” الاسلام هو الحل” ومعني ان يكون الاسلام هو الحل , ان العلم الحديث الذي ادي لتقدم العالم كله ليس هو الحل لتخلف بلاد المسلمين , وهو ما يعني ضمنا تنشيط الخرافة وروح التواكل والاعتماد علي الله وليس علي العقل ، وهو ما يعني ايضا أن الديمقراطية ليست هي الحل , الاسلام هو الحل وليس عقلي ولا علمي ولا يدي ولا ديمقراطيتي ولا حقوقي الانسانية هى الحل.

شعار يرفض أي طريق للحل سوي ذاته , شعار يعني عدم اللجوء للحلول البشرية ما دامت لدينا الحلول الالهية , والحلول الالهية تقوم أساسا علي تعبد المسلم لربه , بالصلاة والصيام والحج والدعاء وغيرة ، وهو كفيل بانقاذه وانقاذ امة المسلمين. وأعلي درجات هذا التعبد هي الجهاد لاحتلال بلاد الآخرين ، ونزح خيراتها الي بلاد المسلمين فيتم حل كل مشاكل المسلمين.

لذلك حصد الاخوان في الانتخابات التشريعية ما حصدوا من أصوات لأن شعار الاسلام هو الحل ، هو شعار كل مسلم وليس شعار الاخوان وحدهم , ولو كانت في مصر انتخابات نزيهة حقيقية لاكتسح “الاسلام هو الحل” كل الاحزاب الاخري , ليس لأن الاخوان جماعة منظمة تنظيما دقيقا كما يبرر المتفلسفون ، وليس لانها حقيقة واقعة في المجتمع وفي الشارع المصري اثبتت نشاطها التنظيمي القوي حسبما يري المنظرون السياسيون , فليس مثل تلك الاسباب وراء تصويت المسلم المصري للجماعة , لانه ليس هكذا يفكر رجل الشارع المصري , المصري يستشعر الهوان والتخلف والفقر والهزيمة , ويعتبر ان ذلك بسبب آثامه وبعده عن طريق الله حسبما يقرعه مشايخ القنوات التليفزيونية صباحا ومساء , ومن ثم يري في الجماعة نموذجا للتقوي والالتزام , وانها هي الاقرب الي الله , وانها لو حكمت مصر فان الله سينصرها لانها الاكثر طهرا وقربا من رب الاسلام , فهم ملتحون مصلون صائمون حريصون علي اداء الصلوات الجامعة , نساءهم منقبات قانتات , هم نموذج الصحابة الاوائل للنبي الذين تدخل الله بنفسه من أجلهم ، ورفعهم من الذل والفقر الي التمكين والعز والقوة وفتح بهم بلاد العالم.

ان الشارع المصري عندما يعطيهم صوته فهو يعطيه لما يتصور انه الاسلام الذي يرضي عنه الرب , لذلك لم يجد الاخوان أي بأس في استثمار هذه المشاعر الفطرية البسيطة فكان اعلانهم عن أنفسهم في الانتخابات للمواطن (اعطي صوتك لله) , (لا ميثاق ولا دستور. قال الله وقال الرسول).

المصري يري الفارق الهائل بين العالم المتقدم وبين بلاد المسلمين فلا يري أي امكان للحاق بالمتفوقين بجهودهم البشرية , ومن ثم فلا حل سوي ان يتدخل الله بنفسه لينقذ امته المختارة بنفسه , فيعطيه صوته , يعطيه للاخوان.

يعطيهم صوته ليتدخل الله وينتقم من اليهود والنصاري (وعادة ما يتم تركيز الكراهية هنا على اسرائيل وامريكا) الذين اهانوا المسلمين بتفوقهم ، ويرفع شأن المسلمين الي مقام السيادة الموعودة ربانيا. لذلك يقدم الاخوان أنفسهم للناس بوصف أنفسهم بأنهم المسلمون , لتعميق شعور بقية المسلمين بأنهم غير مسلمين حقا بل آثمون خطائون. لذلك يلتزم الاخوان المظاهر الدينية التي تجعلهم في نظر البسطاء من مسلمي اليوم كالصحابة الاوائل , ومع هذا الاسلام المخلص النقي يصبح شعار (الاسلام هو الحل) هو الحامل للشعار القديم , هو الحل لعرض الشعار القديم علي العالم القوي الكافر: الاسلام أو الجزية أو الحرب. ويحمل الشعار الجديد حماية الرب الذي كان يحمي الشعار القديم ، فاحتل المسلمون به نصف العالم القديم المعروف زمانهم. الشعار يعني ان الرب سيكون راضيا عن الاخوان ورضاه يعني تسليمهم حقهم في الصفقة التجارية ، ليكونوا أصحاب الحق في الحكم والادارة , وان هذه ارادته ورغبته ، لان الحكم بالاسلام فرض شرعي يعلنه الاخوان دوما ، بتأكيدهم أنهم سيحكمون بالشريعة الاسلامية , وهو الحكم الكفيل بتأكيد الصلح مع الله , ليعود رضاه علي المسلمين فيقوي شأنهم ، ويعودوا سادة العالم من جديد.

الشعار يتضمن أيضا معني أن الاسلام كما هو الحل فهو الغرض والهدف , وان الاخوان انما ينفذون مشيئة الله ولا يبغون من وراء ذلك مكسبا ولا مغنما ، فهم لا يريدون من الوصول الى السلطة وحكم البلاد الا خير الاسلام والمسلمين ، مثلهم مثل الصحابة الاوائل الاطهار , هو ذات ما كان يقوله هؤلاء الصحابة القدامي بشعار الاسلام أو الجزية أو الحرب , لكنهم عندما تمكنوا قتلوا وذبحوا وسلخوا ونهبوا واغتصبوا.

وقد كتب صاحب هذا القلم منذ حوالي عام بمجلة روزاليوسف القاهرية ان ما يفعله الاخوان في مصر بمبادئهم الوهابية هو اعادة فتح عربى- هذة المرة سعودي - لمصر كرة أخري ، في موضوع بعنوان (ثأر الدرعية واعادة فتح مصر) , وبعد اشهر , ولأن النبوءة صحيحة , فقد أعلن الاخوان ذلك وبنفس التعبير والمعني ، في وثيقة خيرت الشاطر بعنوان (فتح مصر) ، ليثبت صدق صاحب هذا القلم. انهم يعيدون فتحها ليس بالشعار القادم من الخارج: الاسلام أو الجزية أو الحرب , انما بشعار جديد يتناسب واعادة احتلال مصر من الداخل ، والتسلط عليها بشعار الاسلام هو الحل. وهذا الحكم أو التسلط يسمونه اليوم (التمكين) ، وعندما تمكن اسلافهم من قبل فعلوا ببلادنا وشعوبنا الاهوال ، فماذا عن تمكين الاخوان واعادة فتح مصر من الداخل؟

وكما ردد الصحابة الاوائل الفاتحون شعارات جميلة من قبيل ان الناس يتساوون كأسنان المشط ، وأنه لا فضل لعربي علي أعجمي , وانه متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا , وانه لو عثرت دابة بالعراق لسأل الله عنها الخليفة بالحجاز , وان الدعوة للاسلام تكون بالحكمة والموعظة الحسنة.. لم يطبق أي من هذه الشعارات في حروب الفتوح يوما بل كان ما يطبق هو الذبح والسلخ والنهب والاسر والسبي.. باختصار الاسلام أو الجزية أو القتل.. فان الاخوان المسلمين يرددون نفس الكلام اللطيف ولكن مأخوذا من مونتسكيو ، وجان جاك روسو ، وفولتير , فيحدثوننا عن الحريات وحقوق الانسان والشوري التي سبقت الديمقراطية، لكن شعارهم (الاسلام هو الحل) يستبعد فورا كل هذه الكلام الجميل ، لان واقع الاسلام الاول الذي يريدون استعادته ، لا يعرف شيئا عن المساواة ولا الحريات ولا حقوق الانسان فكلها مفاهيم معاصرة بنت زماننا اليوم , ناهيك عن كون تطبيقات المسلمين الاوائل لم تعرف لا المساواة ولا الحرية ولا الحقوق ، حتي بمفاهيم زمانها و ماقبل زمانها كما في دساتير روما أو كمافى ديمقراطية أثينا مثلا. وعليه لا يبقي من الشعار سوي انه ليس العقل ولا التفكير العلمي الذي انتج مفاهيم زماننا عن الحريات والحقوق والتقدم , ولا الديمقراطية ، هي أحد الحلول الناجعة لمجتمعاتنا التي يزعمون أن لها خصوصية دون كل البشرية لا يصلح معها الا الاسلام وحده حلا’ ، هي خصوصية الطاعة المطلقة لأولي الامر من الاخوان عندما يصلون الي الحكم.

لا شك ان الاستبداد الذي مارسته الحكومات المتعاقبة منذ يوليو 1952 وحتي اليوم , كان التهيئة والتمهيد للشارع المصري لقبول الاستبداد الالهي ، كتعويض أكرم من الاستبداد الحكومي ، ممثلا في التصويت للاخوان , بعد ان تركت الحكومة خاصة منذ زمن السادات كل وسائل التعليم والاعلام للفكر الدينى المتطرف، ليستعيد الاسلام الجهادي نفوذه في الشارع المصري , من باب استخدام المواطنين المتعصبين للأسلام فزاعة للمجتمعات الحرة في الغرب. ليكون الشارع الارهابي هو البديل الاوحد للحكومة ازاء غرب بات يعاني من فوبيا الاسلام , ويصبح الخيار مابين الحكومة المستبدة وبينا الشارع الهمجي المتخلف الذي يقفز الي القتال والاستشهاد طوال الوقت , حتي تحول الشارع المصري الي أشد انواع التعصب كراهة وبشاعة , وهو ما تمثل في احداث متتالية ضد الاقباط المفترض انهم اهل الوطن ، وامتدادة فى عمق التاريخ وهم اصالتنا الحقيقية , ناهيك عن الارهاب الدموي وهو ما يشير الي عودة الاسلام الجهادي وعقيدة الولاء البراء ، للتمكن من عقل المسلم المصري الذي تم مسح وعيه بالكامل لصالح الجهاد.

وخلال هذه الحقبة لم تنشغل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية بما حدث في بلادنا , ولم تتساءل عن حقوق الانسان فى بلادنا بشكل جدي , طالما كان جنود الجهاد يقومون بما تريده منهم في افغانستان او فى غيرها , الكارثة انه حتي بعد تحول هذا الجهاد ضد امريكا والغرب تقول وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس للواشنطن بوست : ” اننا لا نخشي وصول الاسلاميين او المتطرفيين الي الحكم , لان التطرف يكمن في غياب قنوات النشاط السياسي والاجتماعي“. ومصيبة اخرى قالها دبلوماسي امريكي آخر انه :” لا ضرر من وصول الاسلاميين الي الحكم اذا مارسوا تداول السلطة عبر الديمقراطية” , كما لو ان الديمقراطية هي فقط تداول السلطة بصندوق الاقتراع. دون النظر الي شروط الديمقراطية وقيمها التأسيسية قبل هذا الصندوق من تعددية جزبية، واحترام لحقوق الانسان ، ونسبية الحقيقة ، ورفض المطلقات والفكر المقدس كحاكم او معيار سياسي. وهي كلها كفر صريح من وجهة نظر اسلامية , واجلي من يمثل وجهة النظر الاسلامية هم الاخوان واخوانهم فى العراق او فى قندهار. اما اكثر اللطافات الامريكية في التعامل مع المشكلة فهي موافقة الكونجرس علي تخصيص 1.3 مليار دولار لمشاريع الغرض منها تطبيع وترويض الاسلاميين المعتدلين؟!

ومثل هذه الفهم الامريكي عن اسلام وسطي معتدل يشير الي عدم معرفة علمية دقيقة بتاريخ الأسلام وبالفرق الاسلامية اليوم وأمس ، فهذا التيار المعتدل أو الوسطي والذي يعد أبرز من يمثله الآن الشيخ يوسف قرضاوي ، وفهمى هويدى وسليم العوا وغيرهم ، هو ضد الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، وضد الحريات المدنية ، وضد الحقوق السياسية والمدنية للمرأة. وضد حقوق الاقباط , نتيجة الاصرار علي تفعيل آيات القرآن والاحاديث ، والاصرار علي صلاحيتها لكل مكان في الارض ولكل زمان حتي نهاية الازمان , وبين تلك النصوص المقدسة حواجز قاطعة بين المؤمن اي المسلم وغير المؤمن اي صاحب اي دين غير الاسلام باطلاق وخاصة اليهودي والمسيحي , والموقف من هؤلاء قتالهم حتي يسلموا او يخضعوا للمسلمين بدفع الجزية وهم (صاغرون) ، أي وهم أذلاء مهانون ، فالحدود قاطعة بين الاثنين , اضافة الي عقيدة الولاء والبراء التي يستحيل معها قيام أي لون من الاعتدال أو الوسطية.

وفي الاسلام مبدأ اسمه (التقية) أي اظهار المسلم غير ما يبطن ، حتي يحقق غرضه بالنصر علي عدوه , و هو ما تستخدمه الفرق الاسلامية اليوم , فيقولون كلاما جميلا ومواعظ لطيفة ويعلنون ايمانهم بالديمقراطية ، لكن مع الاصرار علي تطبيق الشريعة الاسلامية التي لا تلتقي ابدا مع الديمقراطية. فهم يريدون اقامة دولة علي نسق دولة الخلافة الراشدة , دولة السلف والفقه الاسلامي الذي لم يتغير مطلقا عبر القرون واذا كانوا يزعمون انهم سيطورون الشريعة والفقه فما لهم لم يطوروا شيئا حتي الآن؟ أم تراهم سيطورون بعد ان يحكمونا!! هذا موقف لا يمكن الثقة به مطلقا.

حتي اليوم ترفض كل الفرق الاسلامية علي تنوعها اعلان الغاء الرق والعبودية لان بالقرآن ثلاث وعشرين آية تؤكد العبودية ، ناهيك عن الاحاديث النبوية ، وفقه كامل للرقيق ، و حتي اليوم ترفض كل الفرق الاسلامية الغاء العقوبات البدنية ، لانها تقوم علي نصوص قرآنية وحديث نبوي ، حتي الان يرفضون مجرد الاعتراف بالمجازر الهائلة التي اقامها المسلمون لأهالي البلاد المفتوحة ، ناهيك عن الاعتذار عنها اعتذارا لائقا يشير الي تغيرهم. وحتي اليوم يرفضون ان تكون للمرأة حقوقا كالرجال. فهي نصف ذكر في ميراثها ، ونصف ذكر في شهادتها امام القضاء ، وهي ناقصة عقل ودين بنص الحديث الصحيح , هم يقولون انهم مع حقوق المرأة , لكنهم ابدا وحتي الان لم يناقشوا هذه المسائل الحقوقية الاساسية ، باعتبارها قرارات الهية لا تقبل النقاش ولا التعديل , بل هم حتي اليوم ضد قيام مجلس تشريعي يشرع فيه البشر لانفسهم ما يناسبهم من قوانين ، لان المشرع هو الله. تعالوا نستمع الي الاخوان وكيف يمارسون (التقية) بالاعلان عن ايمانهم بالديمقراطية ، دون أن يتنازلوا مليمتر واحد عن الشريعة التي هي نقيض الديمقراطية بالكلية , يقول المرشد العام للاخوان الاستاذ مهدي عاكف لمجلة آخر ساعة المصرية بتاريخ 20-7-2005 ” ، اننا نؤمن بالديمقراطية ايمانا كاملا , لانها هي التي تأتي بانتخابات حرة نزيهة , اما بالنسبة للديمقراطية التي لا حدود لها (أي قيم الديمقراطية الحقوقية الليبرالية العلمانية) والتي تقول أن الشعب هو كل شئ , نقول لها: لا , ان رأي الشعب مقنن بالشريعة ، وهذا هو الفرق بيننا وبين غيرنا , انما نحن ديمقراطيون الي اقصي حدود الديمقراطية ، فلا ننسي ان الدستور المصري يقول ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع” ….. الاخوان مع ديمقراطية صندوق الانتخابات ، لكنهم ليسوا مع تشريع المجلس أو الشعب , هم يريدون ديمقراطية تصل بهم الي الحكم , وبعدها يحكمون باسم الله. اذن لقد دخلوا المجلس لالغاء دورة فى التشريع ، وربما احياء مشروع تطبيق الشريعة المقبور…. وهذة نبوءة اخرى اطرحها عليكم والايام بيننا

وعندما طالب صاحب هذا القلم ومن بعده الاقباط بالغاء المادة الثانية بالدستور رد المرشد العام في حديث لصحيفة المصري اليوم في سبتمبر 2005 بقوله :” ان هذه المطالبة تمس خطوطا حمراء لا يجب الاقتراب منها” ، واستكمل نائبه يقول :” ان هذه المطالب بمثابه خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه , لان ذلك سيفجر حربا اهلية داخل مصر” ، وزاد عليهما محامي الجماعات ممدوح اسماعيل قوله:” ان هذه المطالب لن تكون الا علي جثث الجميع , وأصحاب هذا الرأي يطالبون بحمامات دم في مصر“. …. أما المرجع الديني للجميع الشيخ قرضاوي فقد اعلن في برنامج الشريعة والحياه بقناة الجزيرة قوله:” اذا كان المراد بكلمة مدني.. العلمانية فهذا مرفوض عندنا , لان الاسلام عندنا هو دين الحياه للفرد وللأسرة وللمجتمع وللأمة وللدولة.. ونحن نرفض النقص من الاسلام أو أن نحذف شيئا منه فهذا ليس من حقنا , لان الله أنزله كاملا والكامل لا يقبل الزيادة والنقص 20-2-2005″

والذي لا يلتفت اليه السياسيون في الغرب ، هو أننا عندما نطالب الاخوان بالالتزام بالديمقراطية الحقوقية العلمانية ، ومبدأ تداول السلطة بين أحزاب متعددة ، وحرية السوق والحريات الاساسية : كحرية العقيدة وحرية الفكر وحقوق المرأة والعمليات المصرفية والاتمان وحقوق الاقليات ، عندما نطلب هذا من اى فريق اسلامى فانما نطلب المستحيل !!.. لان هذه المطالب تقع تحت طائلة قانون فقهي لا يتنازلون عنه ابدا هو ” انكار معلوم من الدين بالضرورة”. بحيث ان المطالبة فقط بهذه الحقوق تجعل صاحبها مرتدا عن الاسلام وعقابه القتل بجز الرقبة ، لان الاسلام لا يعرف أحزابا فهناك فرقة واحدة ناجية هي التي يجب أن تحكم ، وتعد الفرق ألأخرى كلها كافرة، ولا حرية في العقيدة لانها ارتداد جزاؤه القتل , وليس هناك حرية تفكير ازاء النصوص المقدسة , والعمليات المصرفية ربا , ولا حق للاقليات الا بموجب عقد الذمة الكرية البغيض , ولا حقوق للمرأة مساوية للرجل في الميراث أو الشهادة فذلك نقض لحدود الله المنصوص عليها في الشريعة …كما قال قرضاوى المعتدل الوسطى من هنيهة .

لذلك يري قرضاوي في الحلقة المشار اليها ان العلمانيين العرب ” يسعون الي تفكيك الاسلام ويريدون أن يحذفوا من الاسلام الكثير من تعاليمه ، فيريدونه اسلاما بلا جهاد، وزواجا بلا طلاق ، وعقيدة بلا شريعة.. وحقا بلا قوة ، ومصحفا بلا سيف ، بينما هو رسالة تشمل كل جوانب الحياة من ادب الاستنجاد الي بناء الدولة ، ويشرع للانسان منذ أن يولد حتي يموت”. !!!

وهكذا سنجد ان الفرق المتطرفة غير الوسطية أو غير المعتدلة والتي ترفض الديمقراطية علنا , هي الاكثر صدقا مع نفسها ومعنا ومع العالم , فمن أعلن رفضها ، أراح واستراح ، ويمكن التعامل معه بأسلوب ورد يناسب موقفه المعلن , اما المشكلة الحقيقة في بلادنا والمعوق الاساسي الذي يخدعنا ويخدع الغرب ، فهو النصاب الاخواني أو النصاب الحكومي القائم. بما يدعيه من تبني للديمقراطية والحقوق ، بمسميات حقوقية معاصرة مع طرح البديل الاسلامى الذى يناسبنا ……… ويحمل فى طياتة توحش زمن مضى منذ 1425 عاما، ، بدلالات ومعاني لا تصلح لزماننا لانها وضعت لزمن مضي منذ 1425 عاما ، يغطيها ويزيفها بألفاظ زماننا , فقط ألفاظ ومجرد كلام من باب (التقية).

وتأسيسا علي كل هذا , فان صاحب هذا القلم يرن كل أجراس الخطر في حال استيلاء أي تيار اسلامي علي الحكم في مصر أو في أي بلد مسلم آخر ،ا جراس خطر علي حضارة الغرب نفسها , ان الامر عندما يكون واضحا بشدة لا نراه لوضوحه , فلدي كل الفرق الاسلامية علي الارض مبدأين لا يتنازل عنهما ابدا: الاول ان الاسلام دين عالمي , والثاني ان الاسلام دين ودولة , والنتيجة شديدة البساطة التي تترتب علي هاتين المقدمتين هي: ان العالم كله لابد ان يكون دولة المسلمين. وهي النتيجة المدونة بابواب الشريعة الطويلة ، ومعلوم اساسي من الدين بالضرورة من ينكره فقد كفر. فالمقدمتان والنتيجة هم من صلب الشرع الاسلامي , لكن رجال الاسلام السياسي يعلنون للعالم المقدمتين دون النتيجة الواضحة , ولان العالم المعاصر في الغرب لا يفكر بطريقة اسلامية فانه لا يري النتيجة المحتومة. وهي ان العالم كله هو دولة الاسلام الدين العالمي. لذلك تري الجماعات الاسلامية المعارضة علنية وسرية , ان كل حكومات العالم غير المسلم هي حكومات غير شرعية , لانها تقوم علي ارض هي ارض الاسلام اصلا ، وتحكم شعوبا هي شرعا امتداد للامة الاسلامية , لكنهم يعيشون في ظلام الكفر تحت حكم القانون البشري الذي يسمونه (الطاغوت) ، وانه بالجهاد سوف يتم تصحيح الاوضاع العالمية , وتمكين دولة الاسلام من أرضها ومن شعوبها المارقة.

ان الحكم باسم الاسلام اخواني أو طالباني (لا فرق) لو أقر أن لدولته حدودا فسوف تنتهي عندها سلطاته وشرع دولته , لانه يكون قد تنازل عن ركن اساسي من اركان الاسلام وهو عالميته دينا ودولة , لذلك لم تقر الخلافة الاسلامية عبر امتداد تاريخها الطويل بحدود لدولتها ، ولم تقر بوجود دول أخري تقيم معها علاقات دبلوماسية تعترف بها بموجبها ، وظل الحال كذلك حتي زمن السلطان العثماني عبد الحميد أخر سلاطين الخلافة ، الذي اضطر مكرها ازاء المتغير العالمي الذي فرض نفسه علي الخلافة ، للاعتراف بحدود لدولته وبوجود دول أخري. لكن هذا المتغير العالمي لم يفرض نفسه علي المفاهيم والقواعد الشرعية الاسلامية , والتي تقوم عليها جماعات كالاخوان المسلمين , وليس الاعتراف بوجود دول اخري الا كذب شرعي مسموح به عند الضرورة بمبدأ (التقية) ، ولانه من صحة اسلام المسلم عدم الاعتراف بالدول الاخري , فهو ما يعني ان ما تم عقده من اتفاقات ومعاهدات مع تلك الدول ، وهو أمر يتنافي مع الشريعة وباطل ولا يصح الالتزام به ، الا لضرورة ضعف المسلم المؤقت وقوة غيره , وهي شئون مؤقتة لان الايام دول يداولها الله بين الناس قوة وضعفا. وضمن تلك العهود اتفاقية السلام مع اسرائيل ، والتي هي الكفر بعينه لذلك قتلوا السادات بسببها , وفي حال قيام حكومة اسلامية فستكون مكلفة شرعا بتصويب أوضاع العالم، بازالة الدول الكافرة لتوسيع حدود دولة الاسلام لتتطابق مع خريطة دولة الاسلام كما أرادها اللة.. خريطة العالم .

واعمالا لذلك تصف اللائحة التنظيمية لجماعة الاخوان المصرية الجماعة بانها:” هيئة اسلامية جامعة تعمل علي اقامة دين الله الاسلام في الارض واقامة الدولة الاسلامية التي تنفذ أحكام الاسلام وتعاليمه , واعداد الأمة إعدادا جهاديا “.

بينما صك مصطفى مشهور مرشدالاخوان الأسبق المنافيستو الواضح دون اى التباسات: يقول مشهور : “ان الجهاد والأعداد لة يخدم مهمتنا العظيمة ، ليس لمجرد دفع العدوان ..ولكن الجهاد لأتمام المهمة العظيمة وهى اقامة دولة الأسلام والتمكين لهذا الدين .. ونشر الأسلام فى ربوع العالمين - السبيبل الى الجهاد -

عن مجلة المكتبة العربية ( لايدن - هولندا ) يوليو 2004

Posted by المجموعة الليبرالية in 10:56:22 | Permalink | No Comments »

Wednesday, November 29, 2006

معالجة : كيف نفكر؟ … قبل أن نفكر

معالجة : كيف نفكر؟ … قبل أن نفكر

مواجهة الأعداء بالدعاء
متى ندرك إن احترام العلم هو البديل الصالح؟

بعد لقاء لي مع أحد مفكرى التيار الإسلامى المتشدد ، وهو عضو بل ضلع كيبر في الجماعة الإسلامية ، التى أنهكت قلب مصر ومزقت كبدها لردح طويل ذبحا وتقتيلا ، وذلك فى برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة بتاريخ الثلاثاء 17/2/2004 حول مناهجنا الدراسية وضرورة تغييرها ، فى حوار لم يكتمل لضيق الوقت.

قرر مشايخ المساجد فى مصر استكمال الحوار لكن دون وجودى كطرف محاور ، فى خطب منبرية تحريضية من النوع القاتل ، مصحوبة بالدعاء مع “آمين” طويلة صارمة مجلجلة غاضبة تستمطر اللعنات من رب السماء ، على شخصي الواهن الضعيف. ولأن هذا النوع من التحريض المخيف ليس لونا من الحوار إنما هو نوع من الجرائم التي يعاقب عليها القانون فإني أحيل هذا الموضوع إلى السيد وزير الداخلية كبلاغ له ولكل من يهمه الأمر ، لأنى لاشك أحب أن أعيش فترة أطول لمواجهة أمثال هؤلاء ذوداً عن وطنى ومستقبل أبنائى.

مع توارد الخواطر استدعى الدعاء المبتهل على شخصى المسكين استفسارآ ساذجا يتساءل عن الموعد المحتمل للتدخل الالهى لصالح أمتنا التقية ليكسر لنا أمريكا يقضى لنا على إسرائيل ، بعد طول دعاء تجاوز الخمسين عاما. وهنا تبرز ملحوظة تفرض نفسها بشدة وهو أنه كلما طال أمد ركوعنا ندعو ، وكلما ارتفعت مكبرات الصوت بالدعاء لمزيد من التوصيل والاسماع والإعلان والإعلام و كلما ازداد عدد المحجبات فى بلادنا ، كلما ازداد تخلفنا وضعفنا وكلما ازدادت إسرائيل قوة ، وكلما تضخمت قوة أمريكا وأعداء الإسلام “كما يرونهم” في مشارق الأرض ومغاربها .

مع توارد الخواطر لابد أن نتذكر فورا ذلك الأسبوع القومى الذى خصصه السودانيون للقنوت ، للدعاء على الأمريكان بعد ضرب مصنع الشفاء بدعوة من حسن الترابي. هذا فى وقت كان حكام السودان من مؤمني الإسلام ، قد تبنوا نظرية غزو العالم بالمشروع الإسلامي ، وضموا فى معسكراتهم من حاول اغتيال رئيس الجمهورية ، وضموا أيضا ابن لادن ورجاله ، والغريب أنهم ضموا أيضا الشيوعى كارلوس ، وكل آفات الأرض وواغشها .

ولم يأت أسبوع الدعاء على الأمريكان فى السودان سوى بسلام أمريكي فرضته أمريكا لإيقاف نزيف الدم. ورضى به أشاوس السودان رضا مهينا ، وقبلوا تقسيم بلادهم وثرواتهم بديلاعن نظام علماني يحفظ للوطن وحدته وللمواطن كرامته.

قبلوا الانفصال ولم يقبلوا التخلى عن الحكم باسم الله. وهو الحكم المشكوك فى نسبته إلى سيد الآكوان مع ما نراه من مهانة أمام سيد الأرض. لقد رضوا ببيع الوطن حتى لا يتخلوا عن السلطان. ومع مزيد من الدعاء انهارت ليبيا تقبيلا على أيدي سادة الأرض في انحناء مذل ، “فسبحان المعزل المذل” هذا ناهيك عن جلوس الحاكم الأمريكي في عاصمة الخلافة ليسمح للشعب العراقي بكل ما سبق وأن حرمه منه نظام صدام حسين الوطني ..!!

كلا لم يدرك مشايخنا حتى الآن أن العلم ليس فقط فى القرآن أو فى كتب الحديث والفقه ، إنما فى علوم انجزها عباقرة من بين البشر ، وأن علينا التعرف على هذه العلوم واحترامها حتى نعرف أن العلماء ليسوا هم رجال الدين ، وأن العالم اليوم هو من ينجز وينتج ويبتكر ويكتشف ويخترع بما يؤدي إلى سعادة البشرية وتيسير معاشها وارتقائها درجة جديدة على سلم الحضارة. وأنه ليس من الضرورة أن يكون إديسون أو داروين أو آينشتين مسلمين ، كى نعترف لهم بأفضال عادت علينا وعلى البشرية بتقدم عظيم ، وكى نعترف بأنهم شرف الإنسانية وفخر البشرية الحقيقى. و أنه ليس من الضرورى أن يكون آدم سميث أو فرويد أو هيجل من الصحابة حتى نقدم لهم إجلالا يليق بالعلماء ، حتى نتمكن من اعتياد قيمة احترام العلم التى هي فى زماننا البديل الصالح عن الدعاء الصالح ، وأن هؤلاء هم الأمثلة نموذجية المعاصرة البديلة لنماذج الرجل الصالح .. هذا إذا كان فينا بعد رغبة فى الاستمرار بالوجود بعد أن خرجنا من التاريخ.

لكن يبقى السؤال : ما الذى يدفع إمام مسجد للتحريض واستمطار اللعنات ؟.. قال للمصلين إنه كان يحاول الاتصال بالبرنامج الخبيث ليفحمنى لكنه كان لا يرد عليه “كما لو كانوا يعلمون من هو وماذا سيقول” لذلك قرر أخذ المبادرة بالرد فى صلاة الجمعة. لأن هناك طبخة ما قد تمت بين قناة الجزيرة وبينى للإتيان بمناظر ضعيف لذلك قرر الإمام أخذ دور المناظر القوى.. أمام شخص غير موجود؟!

بينما يعلم القاصى والدانى أن قناة الجزيرة معروفة بعدائها لأنصار الحريات وبخاصة العلمانيين منهم ، وأنها بالباع والدراع مع كل ما له روائح إسلامية أو عروبية ، وأصبح معلوما عنها تدبير هزيمة المناظر العلمانى بأي شكل من باب تهوين شأنهم فى نظر الناس. كما أن مناظرى فى الحلقة رجل معروف الشأن فى التيار الإسلامي المتطرف ، وأنه كما اهتم بتسليح نفسه بالسلاح ، قد اهتم بتسليح نفسه بالمعرفة فأنجز الليسانس وهو يقضى عشر سنوات سجنا فى قضية مقتل السادات ، ثم حصل على ماجستير الاقتصاد والعلوم السياسية وانجز كتابة الدكتوراه فى ذات التخصص ، وله أعمال منشورة ومواقف معلومة ، وهو مقاتل فكرى كما هو مقاتل دموى.. لقد كان الرجل “ملو هدومه” يا شيخ المسجد .

إن هذا الموقف من حضرة الشيخ يشير إلى لغة لم تعد تصلح للعصر ، لأنها لغة ثقافة أمست ضعيفة لعدم قدرتها على التكيف مع التطور ، وبسبب تناقضاتها الداخلية ، وبسبب تناقضها مع الواقع ، وإن لهذا الضعف قوانين تاريخية مجتمعة ، وله أعراض واضحة علينا وجلية ، تلك الأعراض التى تبدو على الأمم وهي تزول وعلى البشروهم فى سبيل الانقراض والاختفاء التاريخى ، كما حدث فى حقب تاريخية عديدة من قبل. لأننا ثابتون عند تاريخ لا يتغيرفى لغته ومفاهيمه وقوانينه ، بينما العالم تحرك من حولنا وابتعد حتى لم نعد نراه. لذلك نحن أمة مهزومة تحارب طواحين الهواء ، أو ترد فى صلاة الجمعة على الغائبين فقط !! لاختراع القتال اختراعا. لكنه القتال غير الشريف. أن حضرة الشيخ لا يدرك أن منهجهم يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وأن ما يقدمونه اليوم من مناقشات لإثبات أنهم على استعداد للنقاش العقلى لا يجعلنا ننسى أنهم كانوا يقدمونه من قبل بالسنجة والرشاش ، وأنهم فى حال الهزائم الفكرية عادة ما تأكلهم أيديهم على الخنجر والمسدس ، لأنهم لا يرون أن هناك شيئا اسمه حق الاختلاف وكذلك كان تاريخنا الأسود الطويل ، لم يكتب فيه للرأى المخالف بقاء طوال عصور الخلافة المجيدة ، لأنه إما انتهى بقسوة سيف مسرور ، أو اختفى فى المعتقلات ، أو اختفى لأن أصحابه اختفوا ببساطة.

كلا لم يدرك شيخ المسجد أنه كأحد سكان الكهف ، وأن العملة التى بيده قد أصبحت غير صالحة للاستخدام لطول نومه والتاريخ يجرى من حوله. لقد استنزل على شخصى اللعنات - سامحه الله - لزعمه أنى قد وصل بى الأمر إلى حد مقارنة عمرو بن العاص الفاتح ببول بريمر الرئيس الأمريكى لعاصمة الرشيد.

كان موضوعي هو إصلاح ثقافتنا بأيدينا قبل أن تصلحها لنا يد العم سام. وضمن ذلك وقبله وبعده الصدق مع تاريخنا وتدقيق مفاهيمنا وإصلاح طرائقنا في التفكير ، فإذا تحدثنا عن الاحتلال عبر التاريخ لا يصلح أن نبكي على الاندلس التي تحررت من احتلالنا ونجأر بالشكوى من احتلال أراضينا ، وندعو الله ليل نهار ليمكننا من البلاد الأخرى ننعب الأموال ونسبي الزراري والنساء وندخلها تحت رايتنا.

وأنه إذا ما تحدثنا عن الاحتلال فعلينا أن نعترف ببساطة بأن خروج العرب من جزيرتهم إلى دول الحضارات المحيطة بهم كان احتلالا لتلك البلاد وغزوا استيطانيا بكل معنى الكلمة ، بل وفاق ألوان الاحتلال الاستيطاني الآخرى فى تجبرة بمسحه لغة تلك الشعوب ، وكانت دعاء تاريخها وثقافتها وعلمها. وهذا القول ليس وزرا لا في حق الوطن ولا حق الإسلام ، إنما هو تقرير لأحداث سجلها العرب بأيديهم وما ارتكبت تلك الأيدي ، لكن تحت شعور الزهو والفخار. فهو ليس بكلام مختلف ولا رغبة في الانسحاب عن اللغة العربية وثقافتها ، إنما هو فقط إقرار بالحقائق حتى لا نظل أصحاب المنهج الأحول الذي يرفض ان يرى عيوبه وخطأة في حق نفسه. حتى يمكنا على الأقل أن نتمكن من الكيل بمعيار واحد”.

وهو ديدننا فى اتهام الغير دوما” ، وحتى لا تختل لدينا الرؤية فنرى القشة فى عيون الآخرين ولا نرى الخشبة في عيوننا.

ولماذا نذهب بعيدأ لنقارن بين ما فعل بن العاص فى مصر وما فعل بريمر فى العراق ؟ لماذا لا نقرب المسافات والأمكنة ونختار حدثا واحدأ من مئات الأحداث التى جرت للعراقيين عند فتح بلادهم ؟ وتاريخنا يكتظ والحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه بأمثلة تنوء بها المكتبة العربية وتفجع العين ويتلظى منها الحس الإنسانى وينفر.

والحادثة المقصودة هي من حدثان خالد بن الوليد إبان فتحه بلاد العراق وسنعمد إلى قراءتها من أشد الكتب تحيزا للسنة ولقريش وللصحابة ، من ابن كثير فى كتابه البداية والنهاية طبعة دار الكتب العلمية مج ع ص 350

إذ يقول حاكيا : “ثم كانت وقعة أليس فى صفر أيضا ، وذلك أن خالدأ كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل من نصارى العرب .. فاجتمعوا بمكان يدعى اليس .. وقال خالد : اللهم لك على إن منحتنا اكتافهم ألا أستبقى منهم أحدا .. حتى أجرى نهرهم بدمائهم. ثم أن الله منح المسلمين أكتافهم فنادى منادى خالد : الأسرى الأسرى .. فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا ، ووكل بهم رجالا يضربون اعناقهم في النهر. ففعل ذلك بهم يوما وليلة ، ثم يطلبهم في الغد ، ومن بعد الغد ، وكلما حضر منهم أحد ضرب عنقه في النهر. لا يجري بدمائهم حتى برسل الماء فيجري بها الدم إلى اليوم فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ماكفى المعسكر بكماله ثلاثة أيام ، وبلغ عدد القتلى السبعين ألفا” .

فقط ذبح سيف الله المسلول سبعين ألفا عربي عراقي لا فارسي لأنهم لما انهزموا قبل ذلك جمعوا جيشهم في اليس ليدافعوا عن بلادهم من الاحتلال وعن أعراضهم وشرفهم من النهش والبيع في أسواق النخاسة ، وهو ما أهاج بن الوليد فأقسم أن يجعل النهر يجري بدمائهم إذا مكنه الله من أسرهم “منحهم أكتافهم” وقام بسد مجرى النهر ليجري النهر الفارغ بدم الأضاحي البشرية العربية بيد العربي. وظل يقتل ويقتل ليجري الدم نهرا وهو لا يجري لثقله ، حتى جاء من همس له أن الدم لن يجري إلا إذا فتح عليه المياه ، ولولا هذا الهمس التاريخي لكان خالد قد ذبح أهل العراق جميعا حتى يبر بقسمه لربه ، وما كان لشخص كابن الوليد أن يحنث بيمين كهذه !!

إن وجهة نظر الإسلامية تعرض هذا فيما كتبته للتاريخ كلون من الزهو والفخار ، ولا ترى في فعل خالد سوى شيمة إسلامية عظيمة هي عدم الحنث باليمين ، لكن أي وجهة نظر أخرى مهما وليت النظر باحثا عن قول ، فلن تجد سوى الدم يلطخ وجدانك ويشعرك بمحاولة البحث عن أي لون ممكن تقديمه من ألوان الاعتذار التاريخي لهؤلاء السبعين ألفا الذين ذبحهم خالد بدم بارد حتى تهذأ نفسه وتستريح.

إن أصحاب هذا اللون من الفخار ، هم بالضبط وحدهم من يستطيعون أن يفجروا أنفسهم ليقتلوا الشيعة في يومهم الأقدس في العراق ، ليلوثوا شرف العراق ويزيدون في عسر ولادة العراق الجديد .

إن من يفكر بهذا الشكل وينظر إلى كل ما حدث في تاريخ الإسلام نظرة تبجيلية لا ترى فيه أي نقص ، تدفع العوام وأشباه المثقفين إلى محاولة استعادة هذا النموذج اليوم بكليته ولا يرون فيه سوى الكمال كله ، لتقوم قوى الإسلام السياسي بتجنيدهم بشديد البساطة وهنا مكمن المشكلة ، مطلوب إعادة تشكيل الوعي حتى نعرف كيف نفكر لا أن نحب أو نكره أو نبجل أو نلعن ولا أن نقوم بتجميل تاريخ يصعب تجميله ، وأن نعترف بالأخطاء أينما كانت ماضيا أو حاضرا لنعي ذاتنا ونراها ، لأننا لن نتمكن من اللحاق بآخر عربات في قطار الحداثة إلا إذا تخلصنا من أوهامنا ومعالجة طريقتنا في التفكير .

ولو فكر شيخ المسجد المقصود هنا من داخل عقل بول بريمرلاعتبر مقارنته بخالد بن الوليد أو بعمرو بن العاص إهانة لا تغتفر. فعلينا ألا نتصور أن معايير ذلك الزمن صالحا لكل زمان ومكان فهذا كلام خارج العلم أصلا ، لأن المتغير الزمنى والتطوري لا يحدث إلا ويحدث معه تبدل فى المعايير ، بل أن تبدل المعاييرنفسه هو ما كان دفعات للتقدم والتحضر ، لذلك يجب التخلى عن فكرة الصلاحية الدائمة لأى شىء له رائحة إسلامية ، وأن إيمان بعض المسلمين بأن الصحابة أسياد لنا وهم نموذج وكواكب تقتدى بها البشرية لا يلزم بريمربقبول قاعدتنا المعيارية .وضمن تلك الحالة المتشابكة أننا لا نرى حركة الزمن أبدا ، ربما لأنه زمن أمريكى و ما قبله كان زمنا أنجلو فرنسيا وهكذا وحين نتأمل شيئا فى الزمن لا نرى سوى زمن الصحابة بحسبانه النموذج الأمثل الأكمل الأكثرتحضرا وعلما ، وهى نظرة لا تجعلنا نرى ما بأيدى الآخرين من أسباب التقدم لنستفيد بها ، رفضا للاعتراف بتفوقهم علينا وبسبيل نفى هذا التفوق يتقدم أصحاب حكايات العلم والإيمان الساحة لإثبات معرفتنا الربانية المسبقة لكل ما تم اكتشافه وما لم يتم اكتشافه بعد ووصل الأمر بأحدهم إلى أنه قد أباح لنا أخيرأ أكل الذباب لنحصل على المصل المضاد من أحد الجناحين .. فلله درك يا غلول؟!!

إن طريقتنا في التفكير المصاغة في لغة محنطة لامكان لها سوى أكفان التاريخ ، ولا حل معها سوى “قتلها” بحثا ونقدا ثم أخيرا وليس آخرا علينا أن نتواضع ونعرف قدر أنفسنا الحقيقي إزاء الأمم الأخرى ، فنتحدث بلغة الحال لا بلغة المنتصر التاريخي بطل كل الأزمنة فنكون كالملك المخلوع المجنون الذي يلعب بنياشين الماضي متصورا أنه لا يزال ملكا.

روز اليوسف

Posted by المجموعة الليبرالية in 11:34:39 | Permalink | No Comments »

Sunday, November 26, 2006

حديث غني مع د. سيد القمني

د. سيد القمني في حديث غني مع “شفّاف الشرق الأوسط”

إصلاح الإسلام فرض وواجب حتى لا نبقى آخر أمة أخرجت للناس

حديث أجراه أشرف عبد الفتاح عبد القادر

  • متعتي الخاصة هي في البحث عن حل المشكلات غير المحلولة.
  • القرآن بحاجة إلى إعادة ترتيبه وإعادة النظر فيه.
  • لا كهانة في الإسلام.
  • لا وجود لحد الردة في القرآن.
  • الفقهاء يحاولون الاعتراف بحقوق المرأة وإبقائها ناقصة عقل ودين.
  • مفهوم الجهاد ، مفهوم طائفي عنصري مرفوض بلغة العصر.
  • ما فعله المجاهدون الأوائل يحتاج لاعتذار عما ارتكبوه من فظائع.

ذهبت للقاء د. سيد القمني وأنا أتذكر رحلة المفكرين الليبراليين التنويريين ، ابتداء من الشيخ علي عبد الرازق وكتابه “الإسلام وأصول الحكم” في سنة 1925 ، إلى طه حسين وكتابه “في الشعر الجاهلي” سنة 1926 ، مروراً بمحاكمة د. فرج فوده والحكم عليه بالإعدام ، مروراً بقضية د. نصر حامد أبو زيد ، ووصولاً إلى طعن كاتبنا العالمي الكبير نجيب محفوظ من أجل روايته “أولاد حارتنا” ، انتهاء بدكتور سيد القمني وكتابه “رب الزمان” ، تذكرت كيف أن دعاة العقلانية الاعتزالية ‘يضطهدون في زماننا ، فلقد استنكر علماء الأزهر شجاعة وجرأة د. نصر حامد أبو زيد في البحث العلمي فشنوا عليه حملتهم الشعواء والتي انتهت بالحكم الظالم بالردة والتفريق بينه وبين زوجته ابتهال يونس ، وتذكرت شجاعة موقف د. سيد القمني وهو يقف أمامهم في المحكمة ويسفه آرائهم ويخرج بالبراءة لكتابه “رب الزمان” منتصراً للعقل ولحرية التفكير.

وتذكرت رد د. محمد عمارة على كتاب د. سيد القمني في لقاء مع إذاعة لندن قال فيه: “إن مشروعه الفكري خارج الاجتهاد لأنه يطعن في صحيح الثوابت والعقائد التي تجمع الأمة مما يستفز مشاعر المسلمين وأن هذا الاستفزاز يحدث في مناخ عالمي يتخذ من الإسلام عدواً”.

وتذكرت أيضاً كيف غضب دعاة غلق العقول ودعاة الفكر الرجعي لبراءة د. سيد لأنه تطاول في كتابه علي شيخين من شيوخهم هما الشيخ محمد الغزالي رمز الهزيمة النكراء في ندوته بمعرض الكتاب الدولي أمام د. فرج فودة ، وتذكرت أنه أفتي في محاكمة من قتلوا الدكتور فرج بأن أي مسلم يمكنه تنفيذ حدود الله بيديه ، أي أنها دعوة لأي مسلم مهووس ليقتل وهو مرتاح البال والضمير ، وتذكرت الشيخ الدكتور عبد الصبور شاهين ، المسؤول الأول عن الحكم الظالم علي د. نصر حامد أبو زيد والذي قال عنه د. سيد: “أنه مستشار بيوت هبش الأموال” لأنه كان يعمل مستشاراً للبنوك الإسلامية التي نهبت أموال الغلابى والمساكين باسم الإسلام.

و تعجبت من هالة القداسة التي يحيط بها شيوخ الأزهر أنفسهم ، فهم فوق النقد وأي تجريح لهم هو تجريح للإسلام ، ونحن نعرف أن لا كهانة في الإسلام وأن العصمة ليست إلا لله وللرسول ، ثم تذكرت أيضاً رد الكاتب الإسلامي فهمي هويدي على كتاب سيد القمني (الحزب الهاشمي) في الأهرام حيث قال:” إن هذا الكلام لا يقال على الملأ لأن إشراك العامة في مثل هذه الأمور يثير الفتن”! وخرجت من لقاء داعية الانفتاح والاجتهاد بعد أن ترك في نفسي أثرا كبيراً لمرضه الذي يعاني منه ، فهو يخشى أن يموت قبل أن يتم مشروعه الفكري المسمي بإعادة ترتيب القرآن ، فهو يسعى لعمل “القرآن المرتب” لأنه يري أن القرآن العثماني لم يرتب كما ‘أنزل من عند الله ، بل كما أراده عثمان ، أسأل الله أن يمد في عمره وأن يعطيه الصحة والعافية ليتم مشروعه الفكري الذي هو بصدد إعداده .

متى وأين ولد سيد القمني؟

ولدت فى 13 / 3 / 1947 بمدينة الواسطى من أعمال محافظة بنى سويف أول محافظات صعيد مصر.

كيف كانت طفولة سيد القمني؟

نشأت في بيت كبير متيسر الحال وإلى الثراء أقرب ، تضم الأسرة عدداً كبيراً من الأفراد وكثيراً من الخدم والضيوف بشكل يومي ، مما جعلني رغم هذه الكثرة أشعر بالوحدة ، لأنني لم أكن محل اهتمام مع مشاغل الجميع بهذا البيت المفتوح للجميع. الأب أزهري اشتغل بالتجارة وحقق نجاحاً وضعه في الصف الأمامي بالبلدة ، وحقق تعويضه عن الأزهر بجلسات كبيرة في بيته للاستماع إلى القرآن وطرح التفاسير والاختلاف حولها فكان البيت نادياً دينياً خاصة في شهر رمضان حيث يستمر السهر حتى الفجر.لذلك اصطبغت النشأة بالإسلام في بيت شديد التدين لكنه أيضاً شديد التسامح لاعتناق الأب آراء الشيخ محمد عبده وفكره مع التزامه القوى بالإسلام وإثبات أزهريته بارتداء الزي المشيخي التقليدي. لكن الطفولة عموماً لم تكن سعيدة لملازمتي المرض مبكراً ، ولوعى أصابني بما يمكن تسميته ( الاكتئاب الوطني). في صباي بدأت الأمور تتحول إلى النقيض ومع تخرجي من الجامعة كان علي أن أحمل أعباء هذه الأسرة الكبيرة . تخرجت من قسم الفلسفة بعين شمس و سافرت إلي الخارج لأتمكن من استكمال دراساتي العليا وتعليم أشقائي وشقيقاتي وعدت إلى الوطن في 1985 بقرار التفرغ التام والكامل للعمل الفكري.

ما هي العوامل التي أثرت في فكر سيد القمني؟

أنا ابن الهزيمة مثل كثيرين لازالت وطأتها عليهم عظيمة من 1967 وحتى الآن ، وكانت الفاصلة في فكري وحياتي ودافعاً للبحث عن أسباب الهزيمة ، وهنا انصرفت عن قراءة الإبداع كالروايات العالمية أو المسرح أو القصص أو الشعر إلى قراءة البحوث العلمية والفكرية خاصة ما تعلق منها بالأديان ، وانكببت بالذات على مكتبة الدين الإسلامي الهائلة من علوم أصول إلى الفقه إلى الفلسفات إلى علم الكلام إلى علوم القرآن عند مختلف الفرق. لكنني لم أضع بحسباني أن أكون كاتباً مشاركاً إلا متأخراً في عام 1985. وقد تبنيت الطرح القومي مع موقفي النقدي من الإسلام والخطاب الإسلامي حتى حدث احتلال الكويت وما تلاه ، لأهتم قليلاً بالقراءة السياسية حيث اهتزت قناعتي القومية أو بالتحديد العروبية المصبوغة بنماذج كالناصرية ، لأتحول إلى الليبرالية مبدأ وعقيدة كنموذج أمثل لخلاص الوطن.

ما هي الكتب التي أثرت في فكرك؟

أثر في فكري ثلاثة كتب أساسية قرأتهم وأنا طالب بليسانس الفلسفة جامعة عين شمس ، الأول هو ( اسبينوزا) للدكتور الجليل فؤاد زكريا ، والثاني هو ( نحو آفاق أوسع) للمرحومة العظيمة أبكار السقاف التي هي بحاجة إلى رد الاعتبار والتقدير لهذا العمل تحديداً. ثم كتاب ثالث قرأته متأخراً كان سبباً في اهتمامي بالأساطير هو كتاب الباحث المحترم الأستاذ فراس السواح ( مغامرة العقل الأولى) ، إضافة إلى مجموعة كتب البحث العلمي التي درستها في التمهيد للماجستير وكان لها فضل الضبط العلمي الدقيق فيما كتبت من أعمال.

ما هي آخر مؤلفاتك؟

كتاب ( ابن لادن .. شكرا !!) وهو في المطبعة الآن .

ما هي الأفكار الأساسية في مشروعك الفكري؟

أنا أكثر تواضعاً من الزعم بامتلاك مشروع فكرى متكامل المواصفات مترابط الخطوات ، وإذا وجدت عبارة مشروع فكرى على أغلفة كتبي الخلفية فإنها تكون ضمن كلمة الناشر الذي يكتب ما يراه دون تدخل من جانبي. لكن يمكن إيجاز الخطوط التي تسير فيها محاور أعمالي وشاغلي بشأنها وأهدافها التي أرجوها منها.

ما الذي يشغل فكر سيد القمني؟

إن شاغلي الأساسي هو تخلف وطني وهزيمته الحضارية الفادحة ، ومن ثم فإن أي بحث أقوم به يكمن وراءه الكشف عن مجهول أو شبه مجهول ، أو قصد نقدي لفكرة أو مفهوم أو رؤية خاطئة تساهم في تخلفنا أو تحجب عنا رؤية ما نحن فيه مقارنة بالأمم الراقية. وقد ارتسمت دراساتي بهذا الصدد عدة خطوط. من بينها إعادة قراءة السيرة النبوية بمنهج سوسيوتاريخي يربط النص المقدس بواقع الدعوة وهو يتغير ويتطور ليقيم دولته السياسية ، وذلك كما في كتابي ( الإسلاميات).

ما هي الخطوط التي ينبني عليها فكرك؟

هناك خط قصد إلى دراسة جذور الأساطير ، ومنابعها ، والظروف التاريخية التي صيغت فيها أو من أجلها ، ومقاصدها وكيف وصلت إلى الديانات الكبرى الشرق أوسطية وضمنها الإسلام لتصبح مقدسات ، وذلك كما في كتاب (الأسطورة والتراث) ، وكتاب ( قصة الخلق). ثم خط يعمد مباشرة إلى نقد الحاضر العربي على مختلف مستوياته للكشف عن الأخطاء في الفهم أو في النظرية أو في التطبيق أو في القوانين أو في السياسات ، وأصول هذه الأخطاء في خطنا النظري دينياً. وكيفية التخلص من تلك الأخطاء دون إساءة للدين ولا خسارة للدنيا ، وذلك كما في كتاب ( الفاشيون والوطن) وكتاب ( ابن لادن شكرا‍‍( ثم خط يهتم بهذا جميعه لكنه مساحة متعتي الخاصة ، بالبحث عن حل لمشكلات غير محلولة في التاريخ ، أو الكشف عن غموض مستغلق ، بمنهج أشرك فيه القارئ معي في البحث وراء خيوط الغامض وحل المشكل ، وأحملّه معي بعض المشقة لتكوين كوادر جديدة عبر هذه المتعة العلمية التي هي تدريب على البحث العلمي واعتياد على منهجه ، ويمثل هذا الخط كتاب( النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة) هذا كله إضافة إلى خط الاهتمام بقضية فلسطين واليهود كما في كتاب (الإسرائيليات).

تثار الآن نقاشات وجدل حول تجديد الخطاب الديني ، فما رأيك في هذه القضية وهل المطلوب تجديد الخطاب الديني أم تحديثه أم ماذا؟ وكيف؟

إن ذعر الاقتراب من الدين الإسلامي نقداً أو تفكيكاً وتحليلاً أو لمجرد تقديم قراءة وتفسير جديد ، جعل الجميع يحذرون الاقتراب من جوهر المشكلة رغم أن المشكلة الآن هي في تركيب الدين نفسه وتكوينه الذي يتفرد به عن معظم الأديان الأخرى ، والتي وسمته بخصائص جعلته يحمل كثيراً من التناقضات الداخلية في المفاهيم والأحكام سمحت بمحاولات تدخل لرأب الصدوع وإزالة التناقضات لكنها سمحت من جانب آخر للمشتغلين بأمور الدين باستخدام أبعد خطاب ممكن عن أخلاقيات الأديان ، فاتسم خطابهم بالخداع والانتهازية و التبرير والتجميل. وبحسابات المصالح ، وحلف العمائم مع السلطات لم ينشغل هذا الخطاب بالناس بل بإثبات صدق وجهة نظر واحدة ، دون وجهات نظر أخرى محتملة يفرضها شكل الإسلام وظروف نشأته وتطوره وتكوينه عبر ثلاث وعشرين سنة هي عمر تفاعل الوحي وجدله مع واقع الأحداث حينذاك ، وكان ممكناً أن تؤسس متغيرات الوحي وتبدل أحكامه لتعددية فكرية ناضجة في ظل الإسلام ، لكن الحلف المبكر الذي قرر استخدام الدين لمصالحة لم يترك على الساحة سوى وجهة نظر واحدة هي الصادقة وعداها هو الباطل ، وأن أصحاب هذا الرأي الواحد هم “الفرقة الناجية” وما عداها من فرق إسلامية هالك.

ومع تثبيت المفاهيم والنصوص وتحرك الواقع وظهور التناقضات بين جديد الواقع وقديم الدين لم ينشغل الخطاب الديني بالناس ولا إصلاح الأخطاء أينما كان أصحابها ، قدر ما شغله مفهوم العار البدوي الذي لا تؤلمه الهزائم والتخلف قدر ما يؤلمه انكشاف هذا العار وذيوعه ، ولأن رؤية واحدة كانت هي السائدة عبر التاريخ ، فقد ساد تصور أن هذه الرؤية هي الدين نفسه ، لذلك فإن أي انتقاص منها أو عار يلحقها هو بالضرورة لاحق بالدين ذاته وهو الأمر غير المسموح به.

ما المقصود بالتناقضات الداخلية؟

حتى أوضح المقصود بالتناقضات الداخلية سأضرب هنا مثلاً واحداً وإن كان أكثرها حساسية لدى المؤمن وأبعده أثراً في حياة المسلمين ، أقصد تلك التناقضات الناشئة عن طريقة جمع المصحف العثماني التي لم ترع في تصنيفها وتبويبها قواعد التصنيف والتبويب المعروفة ، كأن تجمع آيات التعبد معاً والتشريعات معاً وعلى الترتيب الزمني والقصص الوعظي معاً وقوانين الأخلاق معاً ، بل أنها لم تراع الترتيب الزمني للآيات وارتباطها بأحداث الواقع وجدلها معه وتأثرها به وتأثيرها فيه وتغيرها وتبدلها حسب متغيرات هذا الواقع وهى سمه فارقه تميز الإسلام عن بقية الأديان. الحكمة الوحيدة في الترتيب العثماني _ إذا كانت حكمة _ هي السير في ترتيب النصوص من السور الأطول إلي السور الأقصر دون أي رابط موضوعي ولا زمني . هذا بينما السور الأقصر كانت هي الأولى زمناً بحيث لو أردت قراءة القرآن قراءة شبه مرتبه فعليك البدء بآخر المصحف رجوعاً إلى أوله.

لماذا لا يقوم عالم مسلم فدائي بترتيب آيات القرآن حسب تاريخ نزولها ومعها هامش بأسباب نزولها؟

ربما لأن هذا العالم الفدائي غير موجود ، ولا شك أنه إن وجد فإن التنظيمات التي تسمي نفسها إسلامية ستصدر فتوى باغتياله ، كما حدث معي.

ما المشكلة في هذا الترتيب العكسي؟

نتيجة هذا الرتيب في الجمع ، تجاورت الآيات الناسخة مع الآيات المنسوخة ، وسبق حكم حكماً آخر تال له حسب الترتيب الزمنى ، واختلطت آي السلم بآي الحرب ، وآيات حرية الاعتقاد بآيات فرض الإسلام دينا وحيداً صحيحاً ومن يعتقد بغيره فلن يقبل منه. ولا عبره هنا بقول من يصرون على أن هذا الترتيب توقيفي أي كان وقفاً على النبي وجبريل ، وأنهما من رتباه على هيئته الحالية ، لأنه لو كان الأمر كذلك ما ظلت مصاحف الصحابة الكبار على اختلافها بعد موت نبيهم وحتى زمن عثمان بن عفان ، ولأنه حتى لو كان الأمر كذلك فإنه يظل بحاجة إلى إعادة نظر.

هناك دراسات حديثة جداً تؤكد أن عبد الملك ابن مروان وليس عثمان ابن عفان هو الذي وضع اللمسات الأخيرة للمصحف وحذف 11 آية على الأقل؟ ما تعليقك على ذلك؟

لم أطلع بعد على هذه الدراسة.

ما مخاطر تجاور الآيات الناسخة والمنسوخة؟

مخاطر كبير جداً ، لأنه بتجاور المتشابه والمحكم والناسخ والمنسوخ ، مع عدم ترتيب زمني يوضح ما رفع وما بدل وما ثبت وما أنسى وما فقد.

أصبح المسلم في حيرة من أمر دينه والتبست عليه أحكامه وتناقضت مواقفه ، وهو ما أدى إلى بروز دور رجال الدين في دين لا يعترف برجال الدين ، وقد أصبح لهم مبرر وجود ضروري كمتخصصين تكون مهمتهم التوسط بين الله وبين الناس لشرح كلمته لهم وإيصالها إليهم ، ليحل المتوسط الشارح بفهمه وشرحه محل النص القرآني ويتحول كلامه إلى نص جديد مقدس ، بل وتلتبس القدسية بأصحاب الشروح من سدنة الدين عبر التاريخ ، هذا رغم أن هذا التوسط مرفوض بل مدان إسلامياً ، لأن الإسلام لا يعترف بالكهانة ولا يقر بوجود رجال دين مسلمين ، ومع ذلك لم يستح بعض المسلمين من استثمار وضع المصحف لصالح أنفسهم بالعمل كرجال دين محترفين ، بل وصنفوا لكل طريقة “يونيفورم” كالزي الشيعي للملالي والأزهري للمشايخ إلخ. لإثبات تميزهم عن بقية المسلمين ، وإثبات أنهم طبقة كهنوتية إسلامية من نوع خاص .

رجال الدين جعلوا كلام الله لغز الألغاز ليكونوا نواب الله لشرحها

وأصر هؤلاء على إيهام المسلمين بقدسية الحبر والأحرف والورق وترتيب المصحف فيها. وبسبيل هذه القدسية وجد رجال الدين فرصاً هائلة لتبرير هذا الوضع بعلوم اخترعوها ومفاهيم وضعوها وقواعد استنوها لا تسمح للمسلم العادي بمعرفتها والتعاطي معها كأدوات لفهم دينه _ رغم أنها أدوات لتعقيد هذا الفهم _ وأصبح كلام الله هو لغز الألغاز وسر الأسرار المستغلق على الإفهام ، بدلاً من أن يكون واضحاً بسيطاً سهلاً ساطعاً للمؤمنين به.

لكن هذا ما حدث في جميع الأديان ، فهي في البداية كانت بسيطة. ثم عمد رجال الكهنوت لتعقيدها لتصبح مغلقة على العامة ليكونوا هم الأوصياء على شرحها .

هذا هو ما حدث في الإسلام أيضاً فضمن تلك العلوم جاءت علوم القرآن ، لتضع لنا الحكم البواهر في استمرار وجود آيات تحمل أحكاماً بطل العمل بها في حياة النبي نفسه ، وعن الأسرار الربانية في وجود أكثر من حكم إزاء فعل واحد ، ولماذا نأخذ بحكم منها ولا نأخذ بالآخر رغم وجوده في آيات تتلى يتعبد بها المسلم. أو لماذا الإصرار على تفعيل أحكام ضاعت آياتها من المصحف العثماني كحكم رجم الزاني المحصن ولأن الله قال : ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” ، فإنهم يأخذون دور الله هنا كنواب له فلا يعترفون بهذا الضياع الذي حدث ، ويأخذون بأحكام السنة بدلاً مما ضاع ويصرون على حكم رجم الزاني المحصن ، وحتى يتم تبرير تفعيل حكم دون نص أو لوجود نص معطل الحكم أو لوجود الحالين مجتمعين.

إذن رجال الدين وضعوا بذلك أسس الكهانة في الإسلام ؟!

إنهم يستغلون الدين أسوأ استغلال ، ويضعون حكمتهم البالغة في تقسيم النسخ أنواع على ثلاثة أشكال ، ولكل شكل ضروبه. وينتقلون من المتشابه إلى المحكم وبالعكس ، ويرصون على أرفف المكتبة العربية قواعد وقوانين ومفاهيم جعلت مكتبة الإسلام أكبر مكتبة في التاريخ لدين من الأديان ، كلها صياغات بشرية شابهتها شواغل المصالح والتحالفات وأفاعيل السياسة ، ولبست ثوب القدسية دون مبرر واضح واحد ، ويضع لنا الفخر الرازى مثلاً تفسيره لسورة الفاتحة وهي بضعة أسطر في مجلد من ثلاثمائة صفحة ، رغم وجود إشارات في علوم القرآن لا تعتبر الفاتحة قرآناً إنما هي من قبيل الافتتاح بأدعية وتسبيح وتقديس قبل قراءة القرآن.

الباحث الليبي الصادق النيهوم أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة جنيف (سويسرا) يقول إن الرجم لا وجود له في الإسلام وإنما أخذه الفقهاء من التوراة. ما تعليقك؟

فقهاء الإسلام طبقوا التوراة بدل القرآن في حد الرجم. فلا وجود لحد الرجم في القرآن.

ما الذي يجب عمله للتخلص من ذلك؟

يجب تقديم النصوص للمسلمين مرتبطة بواقعها وزمانها مرتبة زمنياً ، ذلك كفيل بحل كثير من التعقيدات التي تجعل المسلم بحاجة دائمة لمفسر ومفتى معاً. وهى في اعتقادي عملية يسيره يمكن القيام بها إلى جانب المصحف العثماني لو اجتمع لها أهل الهمة ، خاصة مع وجود المصادر الكافية المفصلة التي تساعد على إتمام هذا العمل من كتب تأريخ إلى سير ، إلى أخبار إلى حديث ، ودون تدخل من علم الفقه أو اعتماده أصلاً ، لتقديمها في شكل يسير سهل التناول يصل بين المسلم ومقدسه ولا يفصل بينهما ليضع المشايخ في الفراغ بينهما.

هل هذا ما كنت تعنيه بقولك سابقاً “التناقضات الداخلية”؟

هذا مثال يبرز المقصود بالتناقضات الداخلية ، التي تستبعد المؤمن العادي وتضع مفاتيح الآخرة بيد السدنة وتسمح بانتهازية الدين واستخدامه بما هو ضد الدين والناس والله لصالح فئة واحدة هي حلف الحكام والفقيه التاريخي الرذيل .

الإسلام وعلوم العصر ، كل مخترع علمي يحاول المتأسلمون إيجاده في القرآن. ما تعليقك علي ذلك؟

القرآن ليس كتاب علم ، بل هو كتاب دين روحي ، وهناك تناقضات تتراكم كل يوم وليلة بينه وبين واقع الحياة المتغير المتبدل دوما ، خاصة مع الإصرار على تغطية الدين لكل صغيرة وكبيرة في حياتنا ولكل شأن عظيم أو تافه. ومع القفزات الهائلة التي حققها المنهج العلمي في حياة البشرية ، أصبح المسلمون يدينون بكل معاشهم وعمارتهم وعلاجهم وسعادتهم وترفهم لهذا المنهج وأصحابه في بلاد الغرب ومع الشعور الأكيد بالتخلف إزاء المتفوق وكيف أصبحت خير أمة أخرجت للناس في قاع رتب الأمم ، فقد زاد ذلك من الشعور بالعار وبطريقنا المعهود في علاج العار قام جهابذتنا يؤكدون أننا سبقنا للغرب في كل المعارف ، وأنها كانت مكنونة مصونة في طيات ألفاظ مقدسنا ونحن لم نكن نعلم . دون أن تقدم تلك الجهود شيئاً حقيقياً ملموساً في حياتنا إلا المزيد من التخلف مع كل زيادة لمساحة المقدس في حياتنا.

الإسلام وحقوق الإنسان . كيف نوفق بينهما؟

مع التطور العلمي الإنساني الذي رافقه تطور على المستوى الأخلاقي نحو مزيد من ضمان الحريات الفردانية وحقوق الإنسان. وانتهت كبرى وصمات العار في التاريخ البشرى عندما كان الإنسان يسترق أخيه الانسان ، وأصبحت فترة قبيحة مدانة في تاريخ الإنسان.

ومع ذلك يصر حماة الإسلام وسدنته على تدريس أحكام أبواب فقه كامل للعبيد ، وأحكام ثلاث وعشرين آية تشرع الرق والسبايا وملك اليمين. ورغم أننا تقدمنا بهذا الشأن بدراسات تبيح إلغاء أحكام تلك الآيات وبعض الآيات الأخرى عند الضرورة ، مع مبررات هذا الإلغاء فقهياً وشرعياً ومصلحياً ( أنظر مثال لذلك كتابنا الفاشيون والوطن) ، فإن سادتنا المشايخ حملوا علينا حملة رجل واحد ودارت معركة ضارية ضروس لم ير فيها سادتنا المشايخ فيما نقول سوى أنه لون من الهذيان وردوا علينا بالتكفير الديني والتخوين الوطني بجمود معتاد لا يفعل أكثر من إقصاء المختلف ونفيه واستبعاده .

مع أن نسخ الآيات القرآنية التي لم تعد صالحة لزمانها مشروع ، فقد مارسه القرآن بالناسخ والمنسوخ ، ونسخ الصحابة مثل أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم آية المؤلفة قلوبهم ، وآية الفيء وغيرهما ، كما بين ذلك د. محمد عابد الجابري والأستاذ العفيف الأخضر. فما تعليقك؟

لا يجوز لمسلم نسخ آيات إنما يجوز له تعطيل أحكامها وهو أمر مشروع إسلامياً تمت ممارسته عدة مرات عندما تطلبت الضرورة ذلك.

لكن مشايخنا أعماهم التعصب والجمود العقائدي والذهني يرفضون التفكير لأنه أشق عليهم من التكفير السهل ، انهم يعيشون في تناقض لا أول له ولا آخر ويصرون في الوقت نفسه على أن الإسلام أول من وضع حقوقاً للإنسان!!! وأن تلك الحقوق جاءت كاملة نقية من كل شائبة ، بينما حق الاعتقاد مثلاً وهو أس ولب وجوهر تلك الحقوق حق مرفوض إسلامياً دونك ودونه حد الرده ، رغم أنه بذلك يتدخل في أشد المناطق خصوصية هي منطقة الضمير حيث هناك الحرية المطلقة ، وحيث لا يمكن الاطلاع على دواخله ولا التدخل فيه .

ماذا نفعل لنخلص الإسلام من قيود وسلاسل الماضي ليلحق بحاضرنا وقيمه الراقية؟

لا أجد في تأكيد سدنة العقيدة على تأكيد حقوق الإنسان في الإسلام سوى مزيد من الشعور بالعار ، يطلبون له مواد التجميل ومساحيق لا تخفى شيئاً ولا تجمل شيئاً. وأنهم لديهم يقين كامل برقى تلك المبادئ الحقوقية الإنسانية والحقوقية الحديثة ، ويريدون للإسلام التحلي بها فيعلنون سبق الإسلام في ميدان الحقوق رغم مبدأ كقتل المرتد أو نهاية الرق من التاريخ و بقائه بالإسلام ودون أي محاولة لإعادة النظر فيما بأيديهم من نصوص ، فالرق كان موجوداً قبل الإسلام ، بل إن الإسلام طالب بعتق العبيد وبيع النساء المسترقات في الأسواق ليتمتع بهن المسلمون بالغصب منهن ، هذه الأفعال كانت مقبولة في أخلاق تلك الفترة.

لكن المشكلة الحقيقية قي نطري المتواضع أن الفقهاء التقليديين وزعماء المتأسلمين كما يسميهم د. رفعت السعيد مازالوا مصرين على أن الرق و”ملك اليمين” أي الإماء أمر أخلاقي ومشروع اليوم أيضاً لمجرد أن القرآن أباحه في حقبة تاريخية معينة. تعرف أن مصطفي مشهور شيخ المتأسلمين المصريين صرح ل “الأهرام ويكلي” بطرد الأقباط من الجيش وتحويلهم إلى أهل ذمة كما جاء في القرآن. إن ما ينقص هؤلاء بعد حسن النية هو فهم أنه لابد من قراءة النص الديني قراءة تاريخية . د. محمد عابد الجابري يقول إن الله بالناسخ والمنسوخ أراد أن يعلمنا كيف نقرأ القرآن بعد موت الرسول (ص).

كلام د. الجابري صحيح تماماً وأنا من أنصار القراءة التاريخية لنصنا الديني لتطهيره من الأحكام التي فات أوانها وزمانها . لكن كيف نخلص الإسلام من سلاسل الماضي؟

لتخليص الإسلام من سلاسل الماضي ليلحق بحاضرنا وقيمة الراقية الفارقة حتى عن زمن النبوة ، لأن الرقى التطوري طبيعي مفهوم في ضوء تطور الإنسانية بتطور العلوم والفنون وتبدل أشكال الحضارة .لكنهم يرون الرقى قاصراً فقط على زمن النبوة ، وأن البشرية قد اكتمل نضجها علماً ومعرفةً وخلقاً ورقياً وتحضراً في زمن النبوة ، وأن ما بعده انحطاط دائم وتردى وتخلف (؟!) بل ربما يكون قولنا هنا برقى البشرية بعد زمن الدعوة لونا من الكفر يضيفونه إلى لائحة اتهاماتهم لشخصي المسكين ، اعتماداً على الحديث القائل :”خير العصور عصري ثم الذي يليه فالذي يليه”. لكن رقينا المعاصر عن تلك الأزمان البدائية حقيقة ساطعة باهرة كالشمس لا ينكرها إلا فاقد الرشد والتمييز بالمرة ، وما أكثر فاقدو الرشد بينهم.

راشد الغنوشي يقول إن على المسلمين في القرن الحادي والعشرين أن يعودوا إلى دولة الخلافة الراشدة . ما رأيك فيما يقول؟

(يضحك د. سيد ويقول) : كلهم يقولون . . . دعهم يقولون.

وماذا عن حقوق المرأة ؟

لدينا مشكلة مستعصية فيما يتعلق بوضع المرأة في الإسلام ووضعها الحقوقي اليوم ، ففي الإسلام هي ناقصة دين في العبادة ، وناقصة عقل عن الولاية وهى نصف الذكر في الميراث وفى الشهادة ، وهى رفيق الشيطان من فجر الخليقة وهى فتنة تسير على قدمين ، لذلك يجب تغطيتها لحجب شرها عن المجتمع. ومع ذلك مطلوب منها أن تعطى المجتمع حقوقه كاملة ، وإلا وقع عليها عقاب هو في بعض الحالات أشد من العقوبة التي تقع على الرجل إزاء نفس الفعل.

ولأن حقوق المرأة في إنسانية كاملة غير منقوصة قد فرضت نفسها على الدنيا ، وأثبتت المرأة حضورها ووجودها في كافة مناشط العمل الإبداعي بجداره لا تشير إلى نقص يعتريها. فقد قام سادتنا المشايخ يكتشفون سبق الإسلام لمعرفة هذه الحقوق وأنه أول من أعطى المرأة حقوقها غير منقوصة. فالنساء شقائق الرجل لهن مالهم وعليهن ما عليهم ، في خطاب خداعي لا يخجل من نفسه أبداً ، ولا ينظر في المسالة الحقوقية للمرأة في الإسلام. وعندما لا يمارس المشايخ وظيفتهم لخدمة الناس والوطن والدين فإنهم يستقيلون من وظائفهم ويتركون المهمة لغيرهم. الغريب أنهم أكدوا شفوياً حقوق المرأة دون أي نظر في القانون ، وعندما قدمنا هذا النظر مشفوعاً بدراسات فقهية مطولة تعطى المرأة حقها وتحفظ للدين مكانه قامت السيدة الدكتورة الأزهرية تكفرنا ضمن جوقة المكفراتيه لأننا أخطأنا الصواب وطالبنا لها بحق كحق الذكور ، ولا تعرف كيف يلتئم الموقفان : الموقف الذي يؤكد حقوق المرأة في الإسلام ، والموقف الذي يكفر من يطلب لها تلك الحقوق في الإسلام؟ إنه الشعور بالعار الذي يصيب بعدم الاتزان والتناقص وسوء الفهم والتقدير فيهرع إلى تجميل الإسلام بالأوسمة التي وصلت إليها الإنسانية درءاً للعار. دون أن يفعل أي شئ حيال ما يستتبع تلك الأوسمة من متغيرات حقوقية لازمة ، ومتغيرات في الفهم أولاً.

· اسمح لي د. سيد أن أختلف معك في هذا الموضوع . رأيي المتواضع أن نشجع من يقول من المشايخ أو حتى من المتأسلمين أن حقوق الإنسان لا تتعارض مع الإسلام .وهي في نظري المتواضع تتعارض مع نصوص القرآن وخاصة نصوص الحديث الذي اختلقته الفرق الإسلامية لأسباب سياسية . ولكن حقوق الإنسان لا تتعارض مع روح القرآن ، وروحه هي العدل. الأستاذ العفيف الأخضر طالب بكتابة تفسير عبد الله ابن عباس رضي الله عنه لآية “وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون”(هود 117) على الصفحة الأولي من جميع كتب التربية الإسلامية في جميع البلاد العربية .وتفسير عبد الله ابن عباس الذي قال عنه رسول الله (ص) هو”حبر هذه الأمة” كالتالي:”إن الله لا يعذب على الشرك وإنما يعذب على الظلم”. هذه هي روح القرآن كما فهمها من تخرجوا من مدرسة النبوة مباشرة. أليس عدم المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق ظلماً؟ أليس عدم المساواة بين المرأة والرجل في الميراث اليوم ظلماً؟ أليس عدم المساواة بين غير المسلم والمسلم اليوم ظلماً؟ أليس رفض تدريس العلوم الحديثة التي بها تتقدم اليوم جميع الأمم ظلماً لأمة الإسلام؟ أليست العمليات الانتحارية ضد المدنيين والمستأمنين ظلماً؟!

أن القول في الهواء الطلق شئ ، والاقتناع به وتأكيده للمسلمين وتفعيله حقوقياً شئ آخر لا خلاف معك يا أستاذ وأنا متفق مع ما قاله أستاذنا العفيف الأخضر ، لكن كل ما أريد أن أقوله أنهم يقولون ذلك من طرف اللسان ، هم يقولون أن القرآن سبق حقوق الإنسان في الاعتراف للمرأة بحقوقها ليضيفوا بعد ذلك بأن حقوق الإنسان في الإسلام لا تتعارض مع كون المرأة ناقصة دين في العبادة وناقصة عقل في الولاية وميراثها أنقص بالنصف من ميراث الرجل. هذا التناقض المخجل هو الذي أشجبه ولو كانوا صادقين في ادعاءاتهم لكنت أول المؤيدين لهم. فهدفنا هو خدمة أبناء وطننا وديننا ولا شيء غير ذلك.

فلابد إذن من تطور المفاهيم العربية الإسلامية لتتناسب مع روح العصر؟

ما في ذلك شك ، فمع تطور قيم الإنسان برزت مفاهيم جديدة وأخلاق جديدة فيما يربط الإنسان بوطنه وبمفهوم المواطنة ، ترتبت عليها مشاعر ومواقف إزاء استقواء دولة على أخرى ، واستقلال الشعوب وإرادتها. وضمن هذه المعاني الجديدة أعادت الشعوب قراءة تاريخها وإصلاح شئونه والاعتراف بالأخطاء أينما وجدت ، بل والاعتذار عن الأخطاء التاريخية التي تم ارتكابها في حق شعوب أخرى. بينما تصر الدول التي غزاها المسلمون الأوائل واحتلوها استيطاناً وارتكبوا في حق أهلها من المظالم فوادحها ومن التنكيل أفظعه ونزحوا خيراتها إلى عاصمة الخلافة ، وقضوا على لغاتها الأصلية التي هي وعاء حضارتها وماضيها كله فانقطعت عن هذا الماضي ليصبح ماضي الاحتلال هو تاريخها المقدس ، واسلموا سكانها بالجزية أو بالقوة ، وجعلوا مسلميها موالى أي مملوكين للمالك العربي. وأصبحوا مواطنين من الدرجة ثانية في وطنهم إزاء العرب الفاتحين الذين كانوا سادة البلاد المفتوحة ومواطنيها المتميزين. وبخطاب مخادع رديء الصنعة والهدف عديم القيم تصر هذه الدول _ حتى اليوم _ عبر هيئاتها الدينية على الاحتفال السنوي بذكرى الفتح العربي لبلادها الذي أخرج أهلها من الظلمات إلى النور. وهى الحالة الوحيدة في تاريخ الدنيا التي يحتفل فيها وطن بذكرى احتلاله بكل تكريم وتبجيل .

وهكذا يتقدس كل شأن إسلامي حتى لو كان احتلالا للبلاد وهتكاً للأعراض ونهباً للثروات ، بخلط بين الدين وبين الغزاة وإسباغ القدسية على الغزاة والتماهي بهم.

لا شك د. سيد أنك تذكر ما قاله عثمان بن عفان عندما قال مؤنباً لعمرو ابن العاص الذي رفض زيادة الجزية على المصريين حتى لا يموتوا جوعاً فعزله عثمان وقال: “درَّت اللفحة” (أي الناقة) بعدك يا عمرو . فأجابه عمرو ابن العاص ذي القلب الرحيم “ولكنكم جوعتم صغارها يا عثمان”.

لذلك أقول إن ديننا الإسلامي بحاجة إلى الكثير ليتصالح مع زمننا ومفاهيمه وقيمة ، وإلى خطاب جديد مختلف يستخدم أدوات جديدة لإجراء جراحات لكثير من العلل الكامنة التي اكتسبت قدسية ليست من الدين في شئ ، وهو الأمر الذي أزعم أنى أقوم ببعضه في أبحاثي ودراساتي ، بخطاب لا يخفى العورات بل يكشفها ، لا يخشى العار قدر ما يخشى خروجنا من الوجود ذاته بعد أن خرجنا من دور الفعل في التاريخ.

في الواقع د. سيد أنت أحد أهرامات مصر وأنت تقوم بعمل تاريخي لإصلاح الإسلام سوف يذكره التاريخ وأتمني على وزير الثقافة فاروق حسني أن تتولى وزارته ترجمة أعمالك إلى الإنجليزية والفرنسية ونشرها خارج مصر ليستفيد منها مسلمو العالم وليعرف مثقفو العالم أن مصر لا تنتج فقط الإرهابيين مثل المجرم أيمن الظواهري بل تنتج أيضاً أمثالك وأمثال المستشار العشماوي والمفكر جمال البنا ود. رفعت السعيد والأستاذة فريدة النقاش ود. زقزوق والإمام الأكبر شيخ الأزهر وغيرهم كثيرين.

شكراً لك . مصر قدمت كثير من المفكرين المتنورين و المصلحين على مر الأجيال والعصور.

في كتاب الحزب الهاشمي تبنيت تفسيراً سياسياً تاريخياً لنشأة الدعوة الإسلامية وأرجعتها إلى عبد المطلب بن هاشم ، فهل لازالت عند رأيك ، أم أنك أصبحت ترى التاريخ يجب أن ينظر إليه من خلال معطياته هو وألا تسقط عليه مصطلحات معاصره؟

في هذا الكتاب قدمت قراءة جديدة لواقع جزيرة العرب والعالم راعيت فيه دقائق الجغرافيا ومعطيات حقل الأحداث من أشكال اجتماعية إلى تنظيمات اقتصادية إلى عادات وتقاليد ومعتقدات وتركيبة سكانية ، وتطور هذا جميعه متضافراً معاً عشية الإسلام ليصوغ في النهاية واقعاً جديداً أفرز هذه الإيديولوجيا وأقام للعرب دولة سياسية مركزية. وقد استكملته بكتاب “حروب دولة الرسول” لقراءة السيرة النبوية ونصوص القرآن مرتبطة بأحداث زمانها قراءة سوسيوتاريخية وجمعتها في كتاب (الإسلاميات). وقد كانت هذه القراءة باباً دخلت منه من بعدى أقلام أخرى تبنت طرحي كمؤسس ، كما في كتاب الشيخ الجليل المرحوم خليل عبد الكريم (قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية) وما أقامه بعد ذلك من بناء متميز كان مؤسسة ومعتمدة وجهة النظر التي طرحتها في الحزب الهاشمي ، كذلك تبنى ذات الطرح الأستاذ سعيد العشماوي في الباب الأول من كتابه الخلافة الإسلامية ، كذلك بعض الباحثين العرب المبتدئين بخطوات صلبه نتمنى أن يضيفوا للمكتبة العربية نواقصها .

هذا يؤكد يا دكتور ما قلته لك من قبل قليل من انك رائد في البحث الإسلامي لا وجود له ، ولا تخشى في الحق لومة لائم بل وغامرت بحياتك في عصر القتلة المتأسلمين وفقهاء الإرهاب.

شكراً لك وأتمنى عليك ألا تخجل تواضعي. بمثل هذا المديح فلدينا الكثير من المفكرين العمالقة ولهم أفضال غير منكورة وعلى رأسهم تلك الأسماء المحترمة المطروحة مثل العشماوي والبنا والسعيد وغيرهم ، ولكني لا أعتقد أنى قمت بأي إسقاط معاصر إلا في لغة الكتابة دون إعمال تلك اللغة إلا بما يناسب زمن الحدث لكن لينطق هذا القديم بلغتنا اليوم عما حدث في ذلك الماضي. ولم أرجع الأمر كله إلى عبد المطلب بين هاشم قدر ما أعطيته حقه كشخصية تاريخية تركت أثراً عظيماً في محيطها ، لكن كان إلى جواره عناصر وظروف هي التي أفرزت عبد المطلب ونماذج الحنيفية الآخرين .

أعلنت جماعات الإسلام السياسي أخيراً تخليها عن العنف وعن مضمون الإدانة والتفكير للسلطة والمجتمع ، حتى انهم اعترفوا بأن السادات مات شهيداً. فهل ترى ذلك كافياً لقبولها في الحياة الحزبية المعاصرة في مصر؟

إن الأحزاب السياسية في مصر بل الحياة السياسية كلها بل والاقتصادية بل والاجتماعية قائمة على أسس غير سليمة ليس هنا مجال مناقشتها. لكن المشترك بين الجميع حديثهم عن الديموقراطية السياسية (حرية صندوق الانتخاب) ، دون جوانب الديمقراطية التأسيسية ودونها لا ديموقراطية ، أقصد الجانب الحقوقي الذي يؤسس حقوق الاختلاف وحقوق المرأة وحقوق الأقليات وحق الاعتقاد الحر بإطلاق وحق تشريع البشر لأنفسهم بما يناسب مصالحهم ومعطيات واقعهم. وكلها حقوق مرفوضة من جميع التيارات الإسلامية بدون استثناء. ولا اعتقد الأمر سوى مناورة أذكى في منهجها من لغة القنابل والرصاص ، بغرض الوصول إلى السلطة عبر صندوق الانتخابات وبعدها يكون لكل مقام مقال.

هل تشترط للاعتراف بأي حزب قبوله بالديمقراطية ، أي التداول السلمي على الحكم حتى لا تتكرر في مصرنا الحبيبة المأساة الإيرانية حيث الأقلية من رجال الدين التي لم تفز إلا بثلاثين في المئة من الأصوات هي التي تحكم والأغلبية من الإصلاحيين التي فازت بسبعين في المئة من الأصوات في المعارضة والقبول الصريح لكل مواد حقوق الإنسان وبالقانون الوضعي المستمد منها؟

نعم أشترط ذلك لإبعاد الذئاب المتنكرة في جلد الحملان من الحياة السياسية .

* كيف ترى العلاقة بين الأساطير القديمة خاصة في مصر والشرق الأوسط وبين الدعوة الإسلامية على أساس أنها نشأت في شبة الجزيرة العربية التي كانت بمعزل نسبى عن تلك المعتقدات ؟

ليست الجغرافيا دائماً هي العامل الحاسم ، فرغم أن جغرافيا شبه الجزيرة تضعها فعلاً بمعزل نسبى عن معتقدات الحضارات المحيطة بالجزيرة ، إلا أن ظروف التاريخ كسرت القاعدة الجغرافية وتحولت الجزيرة إلى أكبر مستقبل وليس طارداً للهجرات في بعض الأزمنة ، فكانت الملجأ الآمن لكل الهاربين من الاضطهاد سياسي أو ديني على ألوان فرقهم ومذاهبهم ومعارفهم وأفكارهم وأساطيرهم ، وهم من أدوا إلى متغير ثقافي عظيم في داخل الجزيرة بعد أن تعربت هذه الهجرات وأصبحت قبائل عربية ، فأكبر منطقة في عالم ذلك الزمان تضم يهوداً ذوى شأن كانت هي جزيرة العرب ، كذلك انتشرت ألوان مسيحية مذهبية على مختلف الأطياف إضافة إلى الصابئة والمانويين ناهيك عن العبيد المستجلبين وتجار العالم الذين كانوا يمرون عبر الجزيرة بين الشام واليمن وكانت أكبر محطاتهم هي مكة وكانت الأساطير آنذاك ملاحم وفنوناً راقية تحمل خبرات المجتمع وحكمة الأجيال وتفسير الإنسان لما حوله في الكون نشأة وتكويناً وحركة ووجوداً وعدماً ، بلغة التعبير في تلك الأزمان عن دور القوى الغيبية كفاعل في الكون المشاهد كمفسر للحدث الواقعي. وقد وجدت كثير من الأساطير المصرية في الحياة والموت والفينيقية والبابلية ( أساطير الخلق والطوفان مثلاً) طريقها إلي التسجيل في الكتب المقدسة كما في التوراة ( العهد القديم) والتلمود . وقد ساعد على تزايد الهجرات إلى الجزيرة ظهور أزمنة الاضطهاد العقدي و الفكرى ، عندما أصبح مذهب من المذاهب ديناً رسمياً لدولة ما تضطهد ما عداه وتنفيه . وقد تجلى ذلك في الزمن الهلليني الروماني حتى أسماه التاريخ بعصر الآلام.

لكن هل أثرت كل هذه الأساطير على الإسلام كدين؟

لقد حمل هؤلاء ثقافتهم معهم إلى الجزيرة لتؤثر بعد ذلك في العقيدة الإسلامية. وفى كتابي ( النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة) شواهد وأدلة على انتقال كثير من عقائد مصر القديمة وعاداتها وطقوس عباداتها إلى الجزيرة ، بل وانتقال مفردات اللغة المصرية ومعانيها المتعددة إلى التطابق. بل أن عقيدة المسلمين في الآخرة تكاد تتطابق جملة وتفصيلاً مع العقيدة المصرية بهذا الشأن من فكرة البعث إلى الحساب إلى الجنة والنار إلى السراط ( كما في كتاب: الطريقين) والميزان وشهادة الجوارح على الميت ( كما في كتاب الموتى) مع قصور اليهودية والمسيحية عن هذا التطابق. مما يشير إلى انتقال مباشر من مصر إلى الإسلام أو المحيط الذي ظهر فيه الإسلام دون وسيط ، وهذا ما حاول الكتاب المشار إليه تحقيقه وبحثه. هذا إضافة إلى أن ‘سراة العرب كانوا يرسلون أبناءهم لتلقى التعليم العالي في مدرسة جنديسابور ، ثم تلقي التعليم الجامعي في جامعة الإسكندرية. وكان منهم من دخل مباريات معرفية وتحديات ثقافية تتعلق بمعارف تلك المعاهد مع النبي محمد مثل النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط.

العقيدة الإسلامية مليئة بالأساطير ، كيف يمكن تنقيتها من كل هذه الشوائب؟

كل الأديان مليئة بالأساطير وليس الإسلام وحده ، بل ربما كان الإسلام هو أقل الأديان احتواء على الأساطير ، لكنه يعتمد كسر قوانين الطبيعة بالمعجزات كأدوات دالة على النبوة والاتصال بالقوى السماوية ، فهو يعتمد كثير من الأساطير عن الملك الإسرائيلي سليمان ، ولمحمد معجزة خاصة في الإسراء بالبراق الأسطوري ثم المعراج إلى السماء على سلم من نور ، وأساطير عربية مثل ناقة صالح التي أنجبتها صخرة وغيرها. لكن لا أعتقد أن مهمتنا عصرنه الإسلام بهذا المعنى أو تنقيته من الشوائب كما تقول ، لأنها لم تكن شوائب في زمنه بل متوافقة مع منطق قائم في أديان أخرى تصدقها أمم بكاملها على أنها حقائق. وقد قبل مسلمو عصر النبوة هذه المعجزات واعتبروها دلائل على صدق النبوة. لكن المشكلة أن مسلمي اليوم لم ينغرسوا في مناهج عصرنا كما إنغرس أهل الغرب ، لذلك تحولت أساطير الكتاب المقدس إلى ما يشبه الفولكلور اللطيف ، وليس عن اقتناع بإمكان كسر قوانين الطبيعة اليوم كما هو حال الاعتقاد الإسلامي في انتظار خلاص إعجازي أدى إلى تبلد عقلي طويل. ومع التبلد تغيب الحقائق ومن ثم الإرادة والعقل والفعل انتظاراً للحل الإعجازي. لذلك علينا أن نقبل مأثورنا كما هو دون غربلة ولا تنقية إلا فيما هو ضروري كإضافة للموجود فعلاً وليس مزيحاً له ولا مغيباً له ، لأن في قراءته فوائد جمة تضئ لنا ذلك الزمن وكيف كان يفكر وماذا كان منطقة في القبول والرفض ، إضافة إلى أنها تلقى ضوءاً على أشكال المجتمع ونظمه لمن أراد درسها بغض النظر عن الإيمان بهذه الأساطير ( الشوائب) من عدمه.

ترفع الجماعات الإسلامية شعار الجهاد في العراق وفلسطين فهل ترى أنه مازال بوسع هذا التيار تحريك الشارع ؟ أم أنه شعار ينتمي إلى الماضي ولا يصلح للفكر المعاصر والقرن الحادي والعشرين؟

مسألة تحريك الشارع ليست وحدها الدافع الأمثل لاعتماد الجهاد من عدمه ، لأن هذه الحركة قد يكون لها مضار أكثر من المنافع ، لأن المطلوب هو الحركة الرشيدة المنتجة وليس الحركة العشوائية التي قد تأتى بكوارث. وإذا كان تطبيق هذا المفهوم في زمنه مجدياً فلأنه كان هناك فراغ قوي دولي يحتاج إلى من يملأه وقد ملأه العرب ، ولأن موازين الضعف والقوة تحولت إلى صالح العرب فقد أقاموا إمبراطورية في حينها ، وهي ذات القوانين التي تفعل فعلها اليوم لكن بعد أن انقلبت المعادلة لغير صالحنا وأصبحنا الطرف الأضعف إزاء قوى تملك السيطرة على البر والبحر والجو وما تحت الأرض بمناهج وفلسفات تختلف بالمرة عن زمن الجهاد . وإذا كان الجهاد قد حقق للمسلمين زمن ظهوره الغنائم ، فإن تفعيله اليوم دون اعتبار للمتغيرات الكونية عبر أربعة عشر قرناً جعلنا نحن الغنائم .

واليوم هناك مفهوم الكفاح الوطني الذي لا يكافح لا من أجل الله ولا من أجل الجنة ولا من أجل الحور العين ولا لنصره الدين ولا الدفاع عن مسجد له رب يحميه ، ولكنه يكافح لتحرير وطنه وإرادته من الاحتلال ، ويشارك في هذا الكفاح أهل الوطن من كل ملة ودين وعنصر ، ويكسب تعاطفاً عالمياً ودعماً لابد أن يؤدى إلى انتصاره في النهاية. أما مفهوم الجهاد فهو مفهوم طائفي عنصري ‘يقصى من العمل الوطني كل أبناء الوطن من غير المسلمين ، ويدافع من أجل الله ومقدساته قبل وطنه. ويؤدى إلى نفور الضمير الدولي الذي تجاوز العنصرية والطائفية وأصبحت لغات مرفوضة بل ومرضية. ومع تقسيمه المواطنين واستبعاد بعضهم من الفعل _فيما يفعل مفهوم الجهاد _ فإنه يشق الصف الوطني شقاً ويمزق وحدته أشلاءً.

ثم أن مفهوم الجهاد مفهوم واسع وضع في زمن مفارق لزماننا على كل المستويات ، لأنه استوعب ظرفه العالمي آنذاك ووضع على عاتق المسلمين فتح بلاد الدنيا وإخضاعها للمسلمين . وإن ذلك واجب على كل مسلم. وهو ما يحمل ضمناً العداء المسبق لكل شعوب الدنيا بسبب العقيدة وحدها وهى ما لا يكفى اليوم مبرراً ، ويحتاج تفعيلة إلى قوة عظيمة لا نملك منها شيئاً ، دون أي محاولة لفهم سياسي ناضج لأحوال عالم اليوم وضرورات عقد التحالفات أو فكها على أسس مصلحية دقيقة ليس فيها مجال للعنتريات الطائفية أو العنصرية.

وعلى المستوى الأخلاقي فإن مفهوم الجهاد يفترض ملاحق له تتمثل في الإغارة والسلب والنهب والسبي وركوب نساء العدو ، لأن الغنائم ‘أحلت لنا ولم تحل لأحد من قبلنا ، كما قال النبي محمد في حديثه الصحيح ، وصادق عليه القرآن بآيات تقفو بعضها بهذا المعنى. وهذه الملاحق قد تجاوزتها الدنيا واصبح للحروب قواعد أخلاقية مرعية بوثائق دولية ترعى كرامة الإنسان حتى لو كان محارباً. كذلك يحمل مفهوم الجهاد قوة دفع استعمارية لحوحة لاحتلال البلاد الأخرى ونقل ثرواتها وتغيير ثقافتها. لكن الجهاد عندنا ‘مبرر بأخلاق دينية ترى المجاهد في أرقى الدرجات حتى لو فتح البلاد وقتل الناس وانتهك الأعراض وسلب الأموال ، بينما ترى المدافع عن بلاده وحياته وعرضه هو الآثم لأنه يمنع المجاهد من نشر دينه. وما أبشعه منطق أن صلح في زمانه فهو لم يعد صالحاً لزماننا بالمرة ، بل أنه لم يعد مصدر فخز بأي معنى من المعاني ، بل إن ما فعله المجاهدون عبر تاريخنا غير الجميل يحتاج من العرب اعتذاراً واضحا عما ارتكبوه من فوادح الآثام العظام في حق الشعوب المفتوحة في تلك الأزمان البربرية.

Posted by المجموعة الليبرالية in 08:59:30 | Permalink | Comments (3)

Wednesday, November 22, 2006

أنا الشعب !

أنا الشعب !

يطرح أهل الدين على الناس مصطلحات يحددون مفاهيمها بأنفسهم ، وهي المصطلحات التي تحتاج إعادة فهم ، خاصة أنهم يربطونها بالمقدس الإسلامي ، ويعممونها على عموم المسلمين ، بحسبانها المفاهيم الواحدة الممكنة ، وعادة ما يتم ربط هذه المفاهيم بمصالح السدنة السيادية كمصدر لمعرفة المقدس وتفسيره ، ومن ثم تتحول لترتبط بالدين نفسه عبر تقادم الارتباط بينهما.

يقولون لنا إن نبي الإسلام تنبأ بانقسام المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة ، الناجي منها فرقة واحدة والباقون إلى النا. و رغم التجهيل في الحديث حول سمات أو مواصفات الفرقة الناجية ، فإن سدنة الدين ، أو من جانبهم حددوا هذا المصير في الدنيا. ويبدو لنا أن هذا الحديث كان رجع الصدى لما حدث في واقع المسلمين من انقسامات حادة ، فرقتهم شيعاً ليس فقط في فهم حديث كهذا ، ولكن في شؤون التعبد الطقسية ذاتها. و مع احتساب كل فرقة نفسها هي وحدها الناجية لأنها صحيح الدين فيما ترى ، فيبدو أن كل الفرقاء قد أقروا هذا الحديث بغموضه حتى يقبل إسقاطات كل الفرق عليه.

لكنك مع التأريخ الإسلامي لابد أن تصيبك الدهشة وأنت تبحث عن الفرقة الناجية في نظر جمهور المسلمين وما يسمونه إجماعهم ، لتجد أنها هي الفرقة التي حققت انتصارها عندما انتصرت لما يريده السلاطين من الدين ، فحازت الوجاهة الاجتماعية على الناس والحصانة الكهانية ، مع نفوذ يجد مكانه إلى جوار العرش دوماً.

بينما تحولت الفرق القليلة المعارضة إلى طوائف مهزومة حق عليها الكفر وأحياناً شنوا عليها الحروب الوخيمات في تاريخنا ، إلى درجة أنه كان يتم استئصال المهزوم بالإبادة الجماعية ، ولم يبق من هذه الفرق سوى الذكريات التاريخية ، بعضها القليل بأحلامهم التاريخية من وجهة نظرهم كما المعتزلة مثلاً أو الشيعة الإمامية ، وبعضها الذي فني ، فقد تم تشويه فكره وحرق كتبه ولا نعلم عنه ما نعلمه إلا من مدونات كهنة السلطان ووجهة نظرهم. فأباد الأمويون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء العباسيون فأبادوا الأمويين ، وهكذا دواليك. وكل من تسنم العرش كان يعلم أنه سيصبح الفرقة الناجية ، في الدنيا والآخرة.

ولكن تعالوا نفترض صحة هذا الحديث التامة المطلقة لنتأمله معاً ، فنجده يفترض سؤالاً شديد الأهمية وهو:

من الذي يقع على عاتقه عبء الحكم العادل للتحكيم بين الفرقاء لفرزهم وإصدار القرار الصواب لتحديد الفرقة الناجية؟.

أبداً لم يطرح أحدهم السؤال على نفسه ، لأن جميعهم يرى نفسه وحده دون غيره الصواب المطلق ، ولم يفترض أبداً لهذا الغير الحق في الاختلاف ، لأنه لا يراه ، ولأن الدين واحد أحد لا يمكن أن يكون رأيين لأنه سيكون بذلك دينين ، وحتى يكون الرب واحداً والرأي واحداً والحاكم واحداً والفقيه واحداً لابد أن يكون الدين واحداً.

إن الحديث يفترض بداهة أن هناك فرقة خارج هذه الفرق المتقاتلة أو المختلفة أو السيدة والمقموعة ، يفترض فرقة محايدة هي التي يمكن بحيادها أن نقوم بعملية الفرز والتصنيف والتقييم وإصدار الحكم.

بهذا الفهم التلقائي البسيط كان لابد أن يلمح الجميع تلك الفرقة المحايدة التي لا ينشغل بها أحد ، ولا يهتم لأمرها أحد ، لذلك لم يلمحها أحد. وإذا لجأنا إلى القرآن فلن نجد الأمر يقتصر على الفرز والتمييز بين الطائفتين المتقاتلين ، إنما سيمتد إلى قتال إحدى الطائفتين عندما نكتشف أنها هي الباغية ، وهو ما يشير مرة أخرى بوضوح إلى فرقة ثالثة هي المتلقي الحقيقي للخطاب النبوي والقرآني ، تلك الفرقة المخفية في تاريخنا ، والتي أناط بها القرآن الحكم بين الفرقاء ومقاتلة الباغي.

إن الفرقة التي أهملتها كل الفرق المتصارعة على السلطان ، هي الناس ، هي الشعب. الآية تحمّل الشعب مسؤولية حماية مصالحه وإدارة شؤونه ، وتهيب به للوقوف في وجه رجال الدين الذين يمثلون المذاهب على ألوانها ، والذين يقسمون الأمة فرقاً متقاتلة منذ فجر التاريخ الإسلامي ، ولم يكن قتالهم مرة واحدة من أجل الناس ، لأن الناس كانوا هم موضوع الاقتتال ، كانوا هم الغنيمة ، بدلاً من أن يكونوا الحكم العدل. فهم مجموع المواطنين الذين يشكلون الدولة والأمة ، وهم حسب مفاهيم اليوم في النظام الديمقراطي من يشرعون لأنفسهم عبر مجلس نيابي منتخب من كل الملل والنحل والمذاهب والأعراق ، هم الفرقة التي حكمت فأحسنت الحكم ، بينما عندنا فإن أحداً لم يرها حتى تاريخه.

Posted by المجموعة الليبرالية in 11:57:48 | Permalink | Comments (1) »

Monday, November 20, 2006

تعالى إلي يا أخي الحبيب

تعالى إلي يا أخي الحبيب

في 1/6/2004 قدمت قناة الجزيرة لقاء بين الشيخ (مصطفى تسير يتش) مفتي البوسنة العام وبين رئيس مركز التنوير الإسلامي بالقاهرة (أبو إسلام أحمد عبد الله) حول جدوى الحوار بين الأديان ، وهي حلقة كارثة بكل المقاييس في ظل أوضاع المسلمين اليوم إزاء العالم كله.

كان رمز الشر فيها هذا الـ(أبو إسلام) ، وبقدر ما أساء إلى نفسه وهو بها جدير ، بقدر ما أساء إلى قضية الإسلام وإلى المسلمين جميعا ، وقدم للعالم كل الأدلة الممكنة على إرهاب الإسلام والمسلمين ، متحدثا بلغة المنتصر التاريخي الذي يملك كل القدرات الاقتصادية والعسكرية ، ليحدث العالم ليس من أجل مزيد من التحضر والرفعة للعالم وللمسلمين ، ولكن من أجل الكراهية والدمار.

وهو الأمر الذي مهد له الدكتور فيصل القاسم في اتجاهه المعاكس بقوله:

“صحيح إن الصراع بين الإسلام والمسيحية وصل إعلى درجاته أثناء الحروب الصليبية لكن هل يقل الوضع الحالي خطورة ؟ إلا يعتبر ملايين المسلمين الاجتياح الأمريكي للمنطقة العربية امتدادا للحروب الدينية ؟ ما هي قائدة الحوار بين الأديان في هذا الوقت إذن ؟ .. كيف تتحاور مع أتباع ديانة لا يعترفون بدينك أصلا كما هو الحال مع المسيحيين .. لكن في المقابل .. ألم يحاور الله عز وجل إبليس ؟ فماذا نخشى الحوار مع تلامذة إبليس كما تساءل شيخ الأزهر؟”.

ولا تصل خطورة خطاب صاحب مركز التنوير الإسلامي إلى هذا المستوى الدولي وبلدانه الكبرى كفيلة به ، لكن خطورته تمتد إلى بلاد يعيش فيها المسيحيون مواطنون إلى جوار المسلمين كما في أكثر من بلد في عالمنا العربي والعالم المسمى بالإسلامي ، وما يمثله من تهديد لأمننا وسلامة بلادنا وتماسكها الداخلي في زمن أزمة دولية طاحنة لم تشهدها بلادنا من قبل .. ولا نعلم كيف توافق أجهزة الدولة في بلادنا على إعطاء التراخيص لإنشاء هذه المراكز الإرهابية بينما ترفض الموافقة على قيام مراكز للداعين للمجتمع المدني؟

وهل يعلم المسئولون عن أمننا الداخلي والقومي ما يفعله هذا الـ(أبو إسلام) وأشباهه؟ .. تعالوا إذن نطالع معا بعضا مما حدث في هذا اللقاء المشئوم تقصيا لحقيقة مركز التنوير الإسلامي ومساحات النور التي ينشرها في الوطن تأسيسا على ما قدمه وقاله بلسانه .

وبداية لنا على تقديم الدكتور القاسم في البدء تساءلات :

لماذا الربط الدائم بين كل صدام أو حتى تلامس بين بلادنا والغرب ، وبين الحروب الصليبية؟

إن العودة إل فخاخ التاريخ بحثا عن مبرر للكراهية سلاح ذو حديثن ، فنحن بدورنا لم نكن ملائكة ، وما حدث في الحرب ليس فيلم صلاح الدين ، ولم يكن صلاح الدين هو أحمد مظهر ، والمتخصصون يعلمون جيدا أنها كانت حربا طاحنة على الطرفين ، وأنها لم تتجه ضد المسلمين وحدهم بل ضد العرب جميعا ، بدليل المحارق النازية ، فهذه هي حروب الكراهية.

واتجهت الحرب ضد العرب المسلمين ويهود ومسيحيين ، لأنها كانت غزوا لا يفرق بين المواطنين ماداموا عربا ، لأن العرب حسب النظرية الأساسية للحرب قد احتلوا المقدسات المسيحية وأرضها عند الفتوح الإسلامية ، وعانى الحجاج الأوربيون المسيحيون من سياسات خرقاء خاصة أيام السلاجقة مما دفع أوروبا للدفاع عن المقدسات المسيحية لاستردادها من أيدي العرب الغزاة وهو أمر في ذلك الزمان طبيعي تماما ، بل يمكن أن يكون طبيعيا في زماننا إذا سألنا أنفسنا ماذا لو احتل غاز أرض الحرمين واستولى عليها ؟ ثم ألم يدخل العرب الحروب المقدسة المتتالية من أجل تحرير الأرض المقدسة في فلسطين؟

وماذا لو انتصرت جيوش العرب ودخلت تل أبيب كما وعدنا أحمد سعيد أول يوم لحرب الخامس من يونيو 67 المشئومة؟ إن منطق الحرب هو هو في كل زمان ، كل ما في الأمر أن الأمم ترتقي أخلاقها بمرور السنين فتقل الهفوات الأخلاقية قدر الإمكان مع التقدم الحقوقي الإنساني .

ويضيف الربط الدائم بين الحروب الصليبية وكل حدث جديد شرخا جديدا في جدار الوطن.

وأمريكا ليست مسيحية بل هي خليط من الأجناس والأعراق والملل والأديان فيها الأسود والأبيض والأصفر والمسلم والمسيحي واليهودي والسيخي والبوذي واللا ديني أيضا.

والربط بين الحروب الصليبية وبين أحداث اليوم هو محاولة لإسباغ الشرعية على الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي كان وراء ما يحدث الآن بغباء تاريخي مشهور منذ السلاجقة وما قبل السلاجقة ، لتسويغ الإرهاب من جانب ، والوقوف ضد أي محاولة للإصلاح الداخلي باعتبارها سيرا في ركاب المعتدي وعمالة له وكفرا بالإسلام من جانب آخر ، لأنه مع إصلاح حقيقي صادق ستختفي هذه اللغة وتلك المفاهيم ويخرج أصحابها من ساحة الفعل إن شاء الله إلى غير رجعة .

ثم نأتي للسؤال المفخخ المطروح من مقدم البرنامج : “ما فائدة الحوار بين الأديان في هذا الوقت بالذات”؟ .. وتعبير “في هذا الوقت بالذات” مقصود لتسلل إلى الذهن فكرة المؤامرة في ظرف صعب ، وأن وراء الأكمة ما وراءها في الدعوة لهذا الحوار .

رغم أن الحوار مطلوب في كل وقت وفي كل ظرف مادام ممكنا لتقليل من مخاطر الظروف الصعبة وتقريب وجهات النظر على مساحات مشتركة من التفاهم الإنساني. خاصة وأن المسلمين لا يعلمون شيئا عن ديانات غيرهم ولا يدرسونها في معاهدهم كما هي في واقعها ، وإن درسوها يدرسونها من وجهة نظر الإسلام ورأيه فيها . بينما المسيحيون في بلادنا يعلمون كل شيء عن الإسلام في الإعلام والتعليم الذي يعلم الجميع الإسلام إجباريا ، يظل المسلمون في حالة جهل مطبق بعقيدة إخوانهم في الوطن ، فهي كفر بالله وشرك وتثليث وكفى بذلك سبيلا . رغم ما في الأناجيل بوضعها الحالي الذي يتهمه المسلمون بالتحريف من خلق رفيع وحض نادر المثال على المحبة بين الناس سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين ، وهو أرض صالحة لمشتركات الحوار بين المسيحية وأي دين آخر ، يمكن استثمارها في هذا الحوار المطلوب لصالح المسلمين بدلا من نفيها وتجريحها وتكفيرها وإقصائها بعقلية التعصب الأبله الذي طالما خسرنا بسببه قضايانا حتى صرنا بين العالمين مضرب المثل في خسارة قضايانا وأرضنا وكرامتنا .

ويبقى السوال التحريضي والغبي في الوقت نفسه:

كيف تتحاور مع أتباع ديانة لا يعترفون بدينك أصلا كما هو الحال مع المسيحية ؟

(لاحظ دائما : المسيحية ؟! كما لو كانت بقية الأديان تعترف بدين الإسلام وإذا كان هناك أتباع ديانة في العالم تعترف بدين الإسلام فمعناه أنهم قد أصبحوا مسلمين .. أليس ذلك الطرح معبرا عن مدى غباء العقل العربي الإسلامي؟) . وهل مقصد الحوار أن ينتصر المسلمون أو يسلم المسيحيون ؟ لقد ذهب المتحاورون الأجلاء الكبار القاعدون على صدرونا المالئون شاشات التلفزة في بلادنا إلى الحوار بهذه العقلية ، حتى عاد مفتي البلاد المصرية مهللا بما حققه من انتصارات للإسلام وكيف محق المحاورين ، وعاد قرضاوي ليعلن : “يجب ألايستمر الحوار والمسيحيون لأنهم لا يعترفون بالدين الإسلامي”. كما لو كنا نحن قد اعترافنا لهم بدينهم المسيحي. نحن نعترف بدين مسيحي لا يعرف المسيحيون عنه شيئا ولم يسمعوا به ، ونتخذ من ذلك ذريعة أننا نعترف بدينهم وهم لا يعترفون بديننا مطالبيين العالم أن يكون بقدر غبائنا ليبتلع هذا الفهم العسير ويهضمه.

بينما الحقيقة أننا نكفر المسيحية علنا وكل أتباعها ونعتبرهم (الضالين) ونطالبهم بالعودة إلى المسيحية النقية كما قالها الإسلام ومن ثم إلى الإسلام؟ ونشتد عليهم في النكير لأنهم لم يعترفوا ببشرى عيسى “نبي من بعدي اسمه أحمد” وليس لديهم في أناجيلهم لا أحمد ولا مصطفى ولا محمود ولا طه ولا ياسين ، وليسوا مسئولين عن فهمنا وطرحنا ، وليسوا مسئولين أيضا عن تاريخ نعتقده صادقا وأنهم خرجوا عليه ويعتقدونه غير صحيح ، لأنه لا دليل واحد عليه عندهم سوى كلامنا نحن ويبقى المعنى إما أن تعترفوا برأينا فيكم باعتباركم كفره ضالين أو لا حوار .. هذا ما يقوله العلامة البحر الفهامة (قرضاوي) عا فاه الله وأحسن له خاتمته . غير فاهم فضيلته أن مجرد جلوس المتحاورين على مائدة واحدة ، هو اعتراف كل منهم بحق الآخر في الوجود وفي اعتقاد ما شاء وفي الاختلاف حسب المنطق الليبرالي الذي أصبح علكة هذه الأيام في فم قرضاوي دون أن يفهم أسسه وقواعده البسيطة الأولية الابتدائية.

والغريب أن المحترم (أبو إسلام) كان يبدأ كل فقرة حوارية لمناظرة بعبارة “يا أخي الحبيب” معبرا عن مدى السماحة واللطافة ، ليردفها بالسباب والقذف والتصغير والتهوين من شأن محدثه المسلم مفتي البوسنة العام ، ومن شأن الدين المسيحي وكل المسيحيين في الأرض. بينما كان السيد المفتي على درحة عالية من الأدب والتهذيب تليق بداعية مسلم في بلاد تحتاجه وتحتاج إلى دعوته وحواره ، بينما يجلس بيننا السيد أبو إسلام يدعونا هنا إلى إسلامه الإرهابي ، ولذلك وتفعيلا لسنته في الحوار نقول له : “تعالى إلى يا أخي الحبيب” لنناقش ما قال كما فعل هو فكان وجها منفرا للمسلم قبل غير المسلم .

و (أبو إسلام) لقب أطلقه المحترم على نفسه ، يبدو أنه مستمد من ابن لة اسمه إسلام ، حتى يكتسب المهابة كحارس للإسلام بل قل هو أبو الإسلام نفسه. ويبدأ أبو إسلام حديثه بتوضيح المصطلحات التي سيستخدمها في حديثه إزاء المسيحيين بقوله اللبيب : “إن لفطه الكقر إذا خرجت مني فهي شهادة مني للكافر أنه صحيح على دينه وليست مذمة ولست مكفراتي كما يروجون عني عندما أقول للصليبي أنت كافر .. وقد يرد على لساني صفة أهل الصليب وأنا لا أجد فيها أيضا مذمه لأنها صفة ومسمى بشئ غال عندهم يحبونه ويعبدونه ويقدسونه .. يقول الألوسي دينكم الباطل ولي دين ، دين الحق . هذا هو الفيصل في أن نقول إن هناك حوارا : تعالوا إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا الله وأن محمدارسول الله هذا شرط الحوار” .

هل تسمع يا وزير الداخلية ؟ هل تسمعي يا حكومة؟ هل تسمعون يا مسلمين ؟ ..

بهذا الاصطلاح التمهيدي سنخاطب إخواننا في الوطن .. تخرج في الصباح فتقابل جارك المسيحي فتقول له : لا سلام عليكم يا كافر ، فيرد عليك التحية بأحسن منها : صباح الهباب يا ملعون .. وبعدها يعيش أبو إسلام وأشباهه سعادة مرأى الدم في الشوارع وأهل الوطن يذبخون بعضهم بعضا .. هيه مصر ناقصاك يا أبو إسلام؟

نتابع المكفراتي المنوراتي صاحب مركز التنوير؟ ليلقي بأسوأ ما سمعت أذن وأحط ما رأت عين دون ذرة خجل واحدة مما يسوق من اتهامات وأكاذيب بحق إخواننا وأهلنا وأحبابنا وأبناء وطننا شاء من شاء وأبى من أبى قائلا : لكي أحاور آخر لابد أن تكون هناك أرضية مشتركة للحوار ، نتحاور على ماذا؟ على عقيدة وشريعة؟ الشريعة عندي كاملة وتامة وعندة مستدعاة من دين سابق . العقيدة عنده مخالفة تماما ، العقيدة عندي الله واحد تساوي واحد ، أما العقيدة عنده واحد زائد واحد تساوي واحد ، فيها مشكلة ومعضلة. أنا أؤمن بالإنجيل وهو لا يؤمن بالقرآن ، أنا أؤمن بعيسى وهو لا يؤمن بمحمد ، أنا أنزه الله عن التجسد وهو ينزله إلى مرتبة الإنسان الذي يأكل ويتبرز (أنظر قارئي إلى مستولا الأدب في الداعية المنوراتي). أنا أنزه مريم عن كل اتهام وهو يضعها موطن شبهة .. أنا ملتزم بضوابط القتال والدفاع عن النفس والدعوة إلى الله وهو يرفع شعارات السلام ليذبحني باسم يسوع الرب . أنا ادعو النساء إلى الفضيلة وأحرم الخمر وهو يدعو للحرية النسوية ويقدس شرب الخمر. أنا مأمور بالإحسان لهذا النصراني ولم يمنعني الإسلام من مصاهرته .. أما هم فلا يمكن أن يقبلوا هذا” .

وبغض النظر عن سوء الفهم الفاحش عند أبو إسلام حول الديانة المسيحية عن جهل يبدو متعمدا أو هو تجهيل وتنفير لا يستحق عناء المناقشة هنا فللمسيحية أهلها وأقدر على طرحها وشرحها ، فقط أعلق على ما تعلق بالإسلام في حديثه لعله يرعوي ويتهذب ، لأن التكفير بدروه سلاح ذو حدين يرتد على صاحبه ، وللأسف على دين صاحبه.

فالمعلوم لكل باحث في الإسلام انه قد استمد معظم شرائعه إن لم يكن كلها من شرائع العرب قبل الإسلام بعد أن هذب بعضها القليل جدا وشذ به لأنه ما كان ممكنا نقل شعب بكامله إلى شرائع لا يعرفها أو تناقض ما ألفه (انظر بهذا الخصوص كتاب الشيخ خليل عبد الكريم حول جذور الشريعة الإسلامية) .

والعقيدة المختلف عليها أمر مسلم به وإلا أصبح كل الناس أمة واحدة وديانة واحدة وهو ما لا يتفق ومشيئة الله ولذلك خلقهم ، فلا سبيل هنا للسخرية من عقائد الآخرين ، لأن لدينا الكثير في تراثنا يستحق منهم السخرية بينما هو عقائد عزيزة علينا ونؤمن بها عن يقين كالتداوي ببول الجمل ، وناقة صالح التي ولدتها صخرة ، والحصان الطائر المعروف بالبراق ، وهي أمور محل اعتقاد وإيمان لا محل فحص منطقي وعقلي ، وفي كل الديانات عقائد تبدو غير مقبولة للآخرين .

أما إيماننا بالإنجيل فهو إيمان بإنجيل تنزل على المسيح وحيا وهو ما لايعرفه المسيحيون في عقيدتهم ، لأن الأناجيل تقف عندهم موقف الحديث عندنا فهي أقوال فالها المسيح ودونها عنه تلامذته على اختلاف بسيط هنا أو هناك كاختلاف نص رواية الحديث في لإسلام.

وكوننا ننزه الله فإن السنة والسيد أبو إسلام منهم يجسدون الله ويرون له يدا وبصرا وأنه يجلس على عرض تحمله الملائكة ..إلخ وهو ما اختلف فيه معهم المعتزلة تنزيها لله فكفرهم أهل السنة لهذا التنزيه ، وكون المسحية قد أنسنت الإله فإن هذه الإنسنه في كثير من الفلسفات اقتراب رباني من العباد وتواضع إلهي بغرض خلاص المؤمن.

وفي النهاية هي عقيدة لا تجبر أحدا على اعتناقها ولا تقتل من يرفضها ويخرج عليها.

ولم يضع المسيحيون السيدة مريم موضع شبهة يوما ، بل أطلقوا عليها (أم النور) ترميزا لحملها بالسيد المسيح.

ودعوتهم للحرية النسوية كلها ندعو بها اليوم لاعتقادنا أنها دعوة راقية ومحترمة . والمسيحية لا تقدس شرب الخمر إنما ترمز بنبيذ غير مختمر لدم المسيح في طقس المناولة ، كما أن الإسلام لم ينصح باجتتاب الخمر إلا متأخرا بعد أن شربه جميع الصحابة الأكارم ، ولم يكن محرما في شرائع لله عند الأنبياء السابقين والإسلام سمح لنا بالزواج من المسيحيات لأننا من سيركب ، ولم يسح بالعكس .

أما شرط أبو إسلام للحوار أن يشهد المسيحيون بشهادة الإسلام ، فهو إرهاب فصيح وطريقته في الدعوة لا تترك سبيلا إلى الإسلام ، وساعة يشهدون بشهادة الإسلام فلماذا الحوار إذن؟ هنا حاول مفتي البوسنة بأدب جم أن يشرح لأبي إسلام أنهم هم من يدعوننا إلى الحوار رغم ما يملكون من قوة ورغم ما نحن فيه من ضعف ، وأن بابا الفاتيكان يرسل له بالنهاني في الأعياد الإسلامية وهو ما يعني “أنه يريد أن يقول إنني أعرف أنك موجود وأنك مسلم وأنا أهنئك” . ترى بماذا رد صاحب مركز التنوير الإسلامي ، قال : “يريد أن يحسن وجهه لديك .. لأنك صاحب الدين الكامل .. هو الذي أتى إليك مهرولا .. وعلى فكرة هو لا يرسل دعواه إلا لمن يحبهم .. فهذه مذمة لك يا مولانا أرجوك أن تتبرأ منها أمامنا الآن بارك الله فيك فأنت عمامة أزهرية.. هو الذي طلب منا الحوار ليبرأ نفسه من النقصان .. لكنه لم يعلن الكفر بيسوع” . وهكذا .. وبهذا المنطق نصبح نحن الكمال إزاء دعوة الحب التي يجب أن ترفضها ونسخر منها ونتعالى عليها حتى يكفروا بيسوع .. لاحظ أنه يتكلم هنا عن الحبر الأعظم وبهذه اللغة شديدة السفه والبلاهة . بينما كان رد مفتي البوسنة البليغ أن المسلمين شيعة وسنة يكفرون بعضهم بعضا ، “والحوار من أجل أن نعيش جميعا في سلام أو لن يعيش أحد في سلام” . ومن جانبي لا أجد تعقيبا غير التساؤل : ترى من سيكون الخاسر لو كان رأي أبو إسلام هو الصواب ؟! لا أكثر الله من أمثالك يا أبو إسلام . روح يا شيخ .. منك لله

روزاليوسف

Posted by المجموعة الليبرالية in 10:46:20 | Permalink | No Comments »

Saturday, November 18, 2006

البنوك الربوية هل هي ربوية؟


البنوك الربوية هل هي ربوية؟

 

سار مسرى الحقيقة أن جميع البنوك على أصنافها هي بنوك ربوية ، عدا تلك البنوك التي أطلقت اللحية وقصرت الجلباب ولبست النقاب وأضافت لنفسها صفة (إسلامي) ، تمييزاً لها عن اللون العالمي الأوحد في كل الدنيا للمعاملات البنكية ، وهو الأمر الذي نوقش طويلاً.

لكني هنا أطلب من قارئي مشاركتي البحث العقلي في قاعدة تحريم الربا التشريعية ، وموقف البنوك الملتحية المتحجبة ، وموقف البنوك السافرة الخليعة من تلك القاعدة. وأوجه للقارئ هنا خطاباً مختلفاً ، أخاطب فيه عقله وأيضاً إسلامه ، لنعلم أي اللونين من البنوك أكثر شرعية؟

أعلم أن السؤال مدهش لأن كل شيء واضح ومنتهٍ وصدرت بشأنه فتاوى قاطعة.
لكن غير المدهش أن المسلمين في بلادنا غالباً ما يسلمون بأمور تبدو واضحة قاطعة وهي ليست كذلك بالمرة.

ومثال لذلك الموضوع الذي نناقشه هنا. بل أزعم أن البنوك الإسلامية هي أسوأ أنواع الحيل التي يتم بموجبها استغلال المسلم الطيب غير المتفقه.

لنأخذ الموضوع خطوة خطوة ، في مشهد من مشاهد الفضائيات الإسلامية التي توجع الكبد على المسلمين. شاهدت صاحب معرض سيارات يسأل الشيخ ليفتيه في حرمة أو حلالية بيعه السيارات بسعرين ، فلديه سعر للبيع النقدي وسعر للبيع بالتقسيط ، ولو قرر الاقتصار على البيع النقدي لبارت تجارته. فتقدم المفتي بحل مدهش ويسير ، وهو أن يضع سعراً واحداً للسيارة هو سعر بيعها بالقسط ، وعندما يقرر أحدهم الشراء نقداً يخصم له الفارق كهدية ، والنبي قبل الهدية؟

الحل الفتوي هنا هو تحايل واضح لتمرير قانون السوق ، الذي يعمل كله في كل أنحاء العالم بنظام الفائدة ، والتاجر يعلم ذلك ، والمفتي يعلم ذلك.

تنقلنا هذه الخطوة لما بعدها ، لنستمع إلى الشيخ القرضاوي وهو يقول: “إن الإمام ابن تيمية وابن القيم لهما دراسات واسعة في إبطال هذه الحيل… ربنا عاب على اليهود حينما استخدموا الحيلة في الصيد يوم السبت ، ونصبوا الشباك يوم الجمعة ، وبعدين أخذوا الصيد يوم الأحد ، وقد اعتبر الله ذلك منكراً كبيراً ، ولهذا جعلهم قردة خاسئين” - حلقة الظاهريون الجدد - “الجزيرة”.

فإذا كانت غضبة الله على اليهود لأنه حرم عليهم العمل يوم السبت دون حكمة واضحة ، ويتضح أمرها في ابتلاء لهم بالطاعة المطلقة ، فلما تحايلوا على شأن لم يروا فيه حكمة, غضب عليهم وحولهم من بشر إلى قردة وخنازير. فتراه ماذا يفعل بنا في ضوء مثل تلك الحيل؟ ترى هل التخلف المقيت الذي يعاني منه المسلمون دون العالمين والاحتقار الدولي لهم بسبب ما يفعله السفهاء منا ، ترى هل هذا هو جزاء ما نرتكب؟

إن مشايخنا حللوا الفائدة المئوية المطاطة المفتوحة المتغيرة المجهولة المائعة غير المضمونة ، وحرموا الفائدة المئوية الثابتة المعقولة الواضحة ، المقررة بشروط يوقع عليها طرفا العقد ، المحددة بصرامة الأمانة المطلقة دون نسبة خطأ واحدة. فائدة تقوم على قوانين تنظم العلاقة وتحمي أياً من الطرفين من الهروب بأموال الآخر كما حدث في كارثة بيوت الأموال وبنوك التقوى ، وتجعل الأمان المطلق للمال شرفها المعلن بغض النظر عن معنى الحلال ومعنى الحرام عند مشايخنا.

فالحلال والحرام ليس ظاهر نص بقدر ما هو توفير القيم في المجتمع وترسيخها ، وأعلى قيم اقتصاد المجتمع هي ضمان الأمان في المعاملات النقدية ، ولا يجادل في ذلك إلا جاهل أو معاند مكابر.

هناك تسليم آخر يرتبط بالموضوع ارتباطاً وجودياً ، وهو تعريفهم للربا بأنه الفائدة المحددة النسبة ، أما المفتوحة المحتالة كما حدث ووقع فهي الحلال. مع ملاحظة أن المشايخ الذين قدموا هذا التعريف للربا هم من وقفوا وراء شركات توظيف الأموال والتقوى ، وهم ذوو أسماء لوامع وهم نجوم مشاهير في عالم الدعوة ، وهم من وردت أسماؤهم في كشوف البركة التي كانت عبارة عن هدايا مالية تصلهم بحسبان الشركة تباركت بهم وبرعايتهم لها فزاد رزقها ببركتهم ، فاستحقوا ما لهفوا من أموال فقراء المسلمين.

إن بيوت الأموال والتقوى هي بنوك “اعطني مجالاً أسرقك براحتي… ، وسأسمي الربا مرابحة وهي عين المتاجرة ، ورزقي ورزقك على الله”.

وهذا هو عين النصب العلني على المسلمين.

وإذا كان القارئ منزعجاً ، فليتابعني لأقدم له الأدلة العقلية والنقلية على أن صفة الربا يجب أن تلصق باعتبارها جريمة في كل المعاملات النقدية التي ترفع راية الإسلام ، قبل أي لون آخر من البنوك ، لأنهم قد صاغوا للربا تعريفاً يعملون تحته كمظلة ، أما حقيقته فشأن آخر.

الاتحاد الاماراتية 16/06/2005

 

 

 

Posted by المجموعة الليبرالية in 21:26:09 | Permalink | Comments (2)

Friday, November 10, 2006

حريـة الفوضى ومعنى المواطنة

حريـة الفوضى ومعنى المواطنة

هل نحن جادون فى إجراء إصلاحات حقيقية فى الوطن؟

أم سنظل على أوهامنا وأساليبنا ومناهجنا حتى نصحو يوما على المارينز يتجولون فى شوارعنا ليصلحوا لنا على طريقتهم؟

إذا كنا حقا نريد إصلاحاً فلماذا حتى الآن لا نرى سوى جعجعة بلا طحن؟

وكلام دون فعل؟

لماذا لا نرى شيئاً حقيقياً ملموساً فى إعلامنا حتى لا تنطفئ جذوة الأمل فى صدورنا فننكفئ على دواخلنا فى حالة اكتئاب وطنى ، أو يستغيث بعضنا بالرمضاء فى الداخل وبالنار فى الخارج؟

ألا ترون العالم كله إلى تغير متسارع لا يرحم المغفلين ولا الانتهازيين ولا المنتفعين؟

هل نكسر أقلامنا ونمزق أوراقنا مرة أخرى يأساً من الراقدين على صدورنا لا يريمون حراكاً؟

سيدى رئيس الجمهورية يعلن أن خروج أمريكا الآن من العراق يعنى تمزق العراق ، بينما أجهزتنا الإعلامية كلها تقول شيئاً آخر ، سيدى رئيس الجمهورية يتحدث عن الإصلاح ويقدم على الانتقال من زمن الاستفتاء إلى الانتخاب ، ويضع خريطة إصلاح تبدأ بتكريس المواطنة ، و إعلامنا كله فى واد آخر ، يكاد يشى إما بأنه لا يفهم معنى المواطنة بطول تباعده عنها ، وإما أنه لا يصدق المتغير الآتى ولا يتصور نتائجه ، وإما أنه يمارس حرية الفوضى وعدم الانضباط المدمر ، او ان سيدى الرئيس لايعنى بالفعل مايقول ، إن ما يصدر عن التلفزيون المصرى هو رائحة جثث تعفنت لا تملك لنفسها غير ما تبثه علينا من قبورها!

هل يفهم التليفزيون فى بلدى ما يجرى؟ إنه بحاله الراهن يبدو خارج أى فهم ، لأن هذه كل قدراته ، وليس لديه ما هو أبعد مما هو فيه ، هل تفهم صحفنا القومية معنى المتغيرات المتلاحقة فى العالم ، وفى شرقنا البائس؟ يبدو أنها لا تفهم ولا تريد أن تفهم ، هل يفهم الأزهر؟.. إن نظرة سريعة على هذا كله تكشف أن كلاً من هذه الأجهزة يهيم فى وادى الأفاعى وأساطير علاء الدين ، وأن كلاً منها لا علاقة له بالآخر ، ولا بالأحداث المتلاحقة ، ولا حتى بالوطن ، لقد تكلس كل منها وتيبس حتى أصبح مصدرا للأذى والضرر والخرافة والتخلف ، وبدا أن كلا منها فى استقلالية فوضوية عن بقية المؤسسات ، فلا تعلم هل صحفنا الكبرى هى تابعة لوزارة الإعلام أم تابعة للأزهر أم لا تتبع شيئاً محدداً ، ولا تعلم هل التليفزيون المصرى كيان مؤسسى فى الدولة أم هو مركز قوة خاص؟ فمصر الوزارات والمناصب فيها عشائرية قبلية ، هل كل هذه الأجهزة والهيئات كيانات منفردة يعزف كل منها نشازا خاصا؟

كما هو حال الأزهر الذى لا نفهم بالضبط موقعه من الإعراب فى الدولة ، أو كما هو حال دار الإفتاء ، أو كما هو حال النظام المرورى فى شوارع القاهرة الذى يثبت مدى حرية المواطن المصرى إلى حد الفوضى القاتلة؟

هل تمارس كل من هذه الأجهزة الإدارة والعمل كل على طريقتها الخاصة؟ إن الأجهزة الإعلامية الحديثة التى تسمى أجهزة التثقيف العام ، أو يفترض أنها كذلك ، قد اخترعها أهل العلم والاختراع لتحقيق مزيد من انخراط الناس فى ممارسة الدولة كلها من أجل التقدم ، لكن هذه الأجهزة فى بلادنا تم استثمارها لأغراض أخرى ، فسادها خطاب دينى متخلف انتكس بالعقل المصرى إلى زمن السرد الأسطورى ، لتجييش الناس وفق توجهات هى ضد الناس وضد الوطن وضد المستقبل ، ما حدث فى بلادى كان على عكس الغرض الذى من أجله اخترع المخترعون هذه الوسائط الإعلامية ، استخدم لمسح وعى الناس العقلى والعلمى ، وحولوا البشر إلى كائنات شرسة طائفية وعنصرية دون قيامهم بأى فعل منتج يرتقى بهم ، علموهم الطاعة والاستغراق فى أسوأ التوجهات الدينية ليهتموا بآخرتهم عوضا عن دنياهم ، وبالموت عن الحياة ، وبالانتحار عن سعادة الدنيا وبهجتها المنجزة المبدعة المنتجة ، وبالكراهية عن الحب والتعايش الإنسانى الراقى ، فكان أن ارتدت الكراهية إلى صدورنا ، فقمنا نقتل بعضنا بعضا ، وقام المواطن ليضرب وطنه وأبناء وطنه بدلا عن إنجاز يرتقى ويشرفنا.

لكن اليوم قد اختلف عن الأمس بالكلية ، بينما وسائطنا الإعلامية لم تدرك بعد أن هناك شيئا جديدا يحدث وأن ما تدخله مصر الآن من تحولات قد يأخذ السفينة كلها إلى بحر الظلمات ، خاصة أن المعرفة بالجديد لم تعد حكرا على التليفزيون والصحف القومية والأزهر وجهاز التعليم المصرى ، شبابنا يدخل الإنترنت ويطالع ويعرف ويفهم حتى لا يكون أقل وأدنى من شعوب الدنيا ، رفضا للدونية واحتقارا للذات الصامتة المصمتة ، لكن هؤلاء هم الأقلية الذين إذا تحركوا انفلتت منهم الحركة الواعية ليركبها الفاشيون من عروبيين وإسلاميين بفضل إعلامنا نحن ، ومع الأسف وياللفجيعة أن يركب الإخوان والعروبيون شارعنا فى استعراض للقوة يثبت للقوى الكبرى فى العالم أنهم التنظيم الوحيد البديل الممكن. إن هذه الجماعات الفاشية ما كان ممكنا لها أن تركب حركة التغيير فى تظاهرات الشارع المصرى ، إلا عندما مهد لها إعلام الدولة وتعليمها كل السبل وهيأها لها ، وعندما يضبط النظام إيقاع الشارع على الإسلام ليحكمهم به ، فإن دعاة الأسلمة فى الشارع يكونون فى نظر الناس هم جحا الأولى بلحم ثوره.

لقد راهن إعلامنا عبر أكثر من خمسة عقود على مسح وعى الناس السياسى بالدين لتسكين الأحوال فى الداخل لحكم الناس بالدين عن رضى منهم وقناعة ، والمصيبة الواضحة لكل ذى عينين أن كل من راهن هذا الرهان قد خسر بالعشرة ، لأن الحد الآخر للخنجر قد أثبت أنه الأقوى والأمضى ، فعلتها أمريكا عندما دعمت الصحوة الإسلامية دعما بلا شبيه ولا نظير فى تاريخها ، فبقرت الصحوة بطنها وأخرجت أمعاءها فى مانهاتن و واشنطن ، وراهنت السعودية وها هى تلملم كل يوم أشلاء أهلها أو ضيوفها من الأبرياء ، راهنت الجزائر بعد بعثات الشعراوى والغزالى وبقية ميامين الأزهر ، وها هى تذبح كل يوم ، راهنت مصر بالإسلام على قيادة المنطقة فى منافستها مع السعودية فى الزمن الناصرى ، فأعاد الحجاز فتح مصر على يد أتباع ابن عبدالوهاب ومازالت مصر تراهن رغم ضربات الإرهاب الإجرامية التى تذبح أبناء الوطن وضيوفه واقتصاده قربانا لرب لا نعرفه ولم نعرفه فى إسلامنا قبل صحوتنا الإسلامية.

وتستمر مراهنة مصر لتكون الخسائر أكثر دمارا ودموية ، لأنه مع استمرار مناهجنا الإعلامية المخترقة بالفاشية الدينية والعروبية قد تم تأهيل الشارع المصرى ليسقط فى حجر الإخوان ، ذات يوم كارثى منتظر ومترقب فى انتخابات لا يعلم إلا الله حجم نتائجها على بلادنا ، وإذا لم يتغير هذا الخطاب الإعلامى اليوم وفوراً فإن المستقبل سيحاكمه فى الزمن الآتى ، بحسبانه كان المجرم الأعظم فى حق مصر والمصريين.

إذا كنا حريصين على هذا الوطن الجميل الذى زيناه بالقبح والكراهية والتخلف ، وإذا كنا نريد له إنقاذا قبل أن يسقط فى هوة بلا قرار ، فعليكم بخطاب مدنى يستهدف مصر لا الإسلام ، فللإسلام رب يحميه ، أما الوطن فهو فى حماية أهله ، وما أكثر ما أصبنا إسلامنا بالضرر بما فعل السفهاء منا. نريد خطابا مدنيا وطنيا لا طائفيا ولا عنصريا ، لا إسلاميا ولا مسيحيا ولا عروبيا ولا أعجميا ، نريد إعلاما يتحدث كما يتحدث العالم ، أن يتحدث لغة العلم والحرية والحضارة ، ومع شديد الأسف ولوعة الكبد أن كل هذا لم تبد له أية آثار واضحة أمامنا حتى اللحظة الراهنة.

إن ما نراه أمامنا إعلام يعيش زمن الخيل والليل والبعير وتكريس علاقاتنا الدبلوماسية بدولة الجن والعفاريت ، ومشهد مذيعاتنا ومذيعينا الفضيحة لمصر كلها ، هل تطالعون القناة الثقافية وما فيها من ثقافة؟ هل تشاهدون قناة التنوير وما فيها من تنوير؟ إن مبنى ماسبيرو نفسه قد تم إنشاؤه بعقلية الخمسينيات ليليق بتكنولوجيا الخمسينيات وزمنها ، ولم يعد يستوعب الجديد من أنظمة وتجهيزات وآلات ، وهو بما فيه من بشر وآلات لن يستوعب أى جديد ، وعندما يتحدث هذا الجهاز عن الإصلاح يصيب المشاهد بالرثاء لما آلت إليه أحوال مصر الجميلة ، وما أصابها من قبح فى التفكير وفى المنهج وفى القول

لأن إعلامنا ليس إعلاما إنما هو إعلان يروج لبضاعة فاسدة ، لا نسمع فيها سوى التمجيد لفلسفات الكهوف والصحراء ، هى فلسفات تم تصميمها زمن الغزو العربى ليتمكن الغزاة من السيطرة على عقل الوطن لتركيع الأمة المصرية ، وسلاسة قيادتها ، فألقى تاريخها ولغتها وهويتها وأدخلها فى تبعية إجبارية لفلسفة اعبودية لة إن جاز تسميتها فلسفة ، ثم عادت الفتوح مرة أخرى بالصحوة المباركة لنتبع شيئا لا هو مصر ولا هو المستقبل ولا هو هويتنا ، ولا هو الإسلام الذى نعرفه ونؤمن به ونحترمه ونحبه.

مع تطور البشرية وارتقائها بنظمها الحديثة فى الحكم والتفكير ، ديمقراطية ومنهجا علميا ، وثبوت نجاحها أمام أعيننا وتفوقها الذى لا يقارن بخير أمة أخرجت للناس ، قام إعلامنا يفسح 35% من مساحات إرساله «بحسب إعلان وزير الإعلام السابق صفوت الشريف» للدين وحده ، هذا ناهيك عن بقية البرامج من دراما وحوارات وعلم وإيمان ، هى أيضا تطبيق عملى للفكر الوهابى ، عبر عمليات ترقيع لهذا الفكر بما وصلت إليه الإنسانية من فكر وعلم ، لنقول أن ما نعتقده خير مما هو عند الغرب وأكثر أصالة ، فأصبح لدينا شيء مهلهل لا هو فكر ولا هو علم ولا هو إسلام ، أصبحنا أمام ابن غير شرعى لا يمت بقرابة لأبيه وأجداده ، أصبحنا أمام شىء لقيط كان الأجدر بنا أن ننسبه إلى الفراش ، إلى أبيه الفعلى النشيط المبدع الذى نأخذ عنه جديده ، ولا نقول أنه كان قديمنا ، فننسبه زورا إلى الزوج المخدوع العقيم العجوز المشلول.

إن تمجيد الملبس الباكستانى ، ولحية أبى لهب ، وكحل عتبة بن شيبة ، ومسبحة أبى جهل ، والقتل صبرا بحسبانه مقاومة ، والتمييز بين الدم المسلم والدم غير المسلم ، والتمييز فى الهيئة بالحجاب وإضافته فريضة إلى فرائض الإسلام الخمس ، حتى يعرف المسلم من غير المسلم ، بذات الفلسفة التى كان يميز فيها الذمى بجز مقدمة الرأس ، وختم الرقبة بالرصاص ، وشد الزنار على الوسط ، والاستئثار بالوظائف والمناصب ، هو لون من إعادة الفتح والاحتلال وضرب المواطنة فى مقتل ، هو سقوط فى فاشية فاضحة يجب فضحها والتشهير بها على الملأ لتنبيه الناس ، وليس تمجيدها وتكريسها فى النفوس الضائعة. إن تكريس هذه القيم العنصرية والطائفية فى زمن تحول خطر ، سيتم فيه استغلال الشارع للوصول إلى قيم لا علاقة لها بالديمقراطية المنتظرة ، ولن يفوز بها إلا صاحب هذه القيم بركوب شارع طائفى عنصرى ، لأن نموذج التخلف هو النموذج الأوحد المطروح فى السوق والذى لا يسمح بعرض غيره ، ولم يسمح حتى الآن!! سادتى أهل القدرة على الفعل فى وطنى ، إن أقررتم بضرورة الإصلاح فهو ما يعنى أن بضاعتكم المعروضة حتى الآن هى بضاعة فاسدة ، وهو ما يعنى ضرورة الاعتراف بهذا عمليا وعلنيا وإعلاميا ، وهو ما يعنى ترك المساحة للقول الجديد المختلف حتى يتمكن المواطن من المقارنة والفرز

وهو ما يعنى ألا تواجهونا طوال الوقت بأن ربنا قال…. ، وأن نبينا قال …. ، لأنه فى هذه الحال لن يكون هناك قول آخر ممكن أو قابل للطرح أمام الله ونبيه ، لا تركبوا الدين لأغراض ليست دينا ، إنما سياسة ، واجهونا بقول البشر ليسمح بقولنا أمام قولكم ، ولأن الله لن يأتى بنفسه ليصلح ، ولأن النبى قد مات منذ أزمان طويلة ، ولأن ما تقولون ليس قول الله ولا قول النبى ، ولا تبتغون به وجه أحدهما بقدر ما هى مصالحكم منذ مات نبينا وركبتم أعناقنا وسيطرتم على مقدراتنا.

ارتفعوا بإعلامنا عن عنصرية العربى الفاشى والمتأسلم ، اللاعب بديننا ووطننا ، بإلغاء كل مظاهر الأسلمة والعربجة ، فإعلامنا مازال مطعما للبيض لا يدخله السود ، مازال بنكا لا يودع فيه غير المسلم ، مازال بنكا إسلاميا مضحكا هزليا يضحك على ذقون المسلمين ، وهم يعلمون ويحيلون الإثم فيه عليه

ارتفعوا بإعلامنا عن لغة الكراهية التى لا تؤدى إلا لخيانة مصرنا ، لقد شققتم مجتمعنا شقا ، وحاكمتمونا (كاتب هذة السطور) بتهم منها إذكاء الفتنة الطائفية ، وأنتم رمزها الأوضح والأسوأ والأبشع. وإذا كان القانون لا يجيز منح الشرعية لقيام أى تشكيل أو تنظيم أو تكتل أو تحزب يقوم على العصبية العرقية أو الطائفية الدينية أو على الجنس أو اللون ، بما يفاضل ويمايز بين المواطنين …………. فلماذا أنتم هنا علنا ودون خجل ودون محاسبة قانونية؟

إن الإخوان يقولون نحن جماعة المؤمنين وهو ما يعنى أنهم وحدهم المسلمون الأتقياء ، وهو ما يعنى أن بقية أفراد الوطن ليسوا كذلك ، وإذا كانت الحكومة قد منعت عنهم الشرعية لهذا السبب تحديداً فلماذا إعلامنا عنصرى عرقى طائفى؟ ولماذا هو شرعى فى ذات الوقت؟

لقد أسقط إعلامنا قيم الحق والخير والجمال لصالح قيم الحلال والحرام ، لتصبح قيمة عنصرية بالتمام ، لأنه الحلال والحرام من وجهة نظر دين واحد من أديان المواطنين ، بينما قيم الحق والخير والجمال قيم إنسانية لكل الملل والنحل والعناصر ، وهى أهم القيم التى تكون شخصية المواطن وتحدد أسلوب تعامله مع مجتمعه ومع الدنيا ، وهى القيم التى لا يشكلها الدين ، إنما يشكلها الفن الراقى والآداب بصنوفها والفلسفة بمنطقها ليحكم الإنسان بها على الأشياء حكما محايداً دقيقاً ، فيتخذ المواقف المناسبة ويواجه بها ما يعرض له من مشكلات. إن الإنسان فنان بالفطرة فإن قتلنا فيه الفن قتلنا فيه إنسانيته ، لكن الفن عندنا كافر ، تعلو عليه قيم الصحراء كرا وفرا وسلبا ونهبا وقتلا وتوحشا وافتراسا.

إن إعلامنا من طرف خفى يعلى من شأن فناناتنا التائبات عن الفن؟! هل يأملون أن يصبحوا أنبياء؟ أو قديسات؟ بعد أن ذهبت تلك الأمانى بذهاب خاتم الأنبياء والمرسلين؟

لماذا يوجد المشايخ فى الإعلام؟

هل هذا هو دور الإعلام؟

إنهم فيه ليشيروا إلينا :

هذا هو ربنا ليصادروا عقولنا مقابل تعريفنا بالله ،

ليفكروا لنا نيابة عنه ، وعنا ،

والبيعة بهذا الشكل خسرانة تقع علينا كشعب بالخسارة ،

لأنهم هم من يأكلون الثمار دنيا واخرة و”سعيد الدنيا سعيد الأخرة “.

لقد سبق أن عرفونا بالإسلام عند الفتح فأسلمنا ، والحمد لله ، لقد وضعوا أساس العمارة ، فلماذا هم موجودون عند التحديث بالتشطيب والديكورات الإصلاحية الجديدة؟

لقد أدوا دورهم التاريخى فى زمنهم كأى دور آخر له زمنه ، وانتهى دورهم ، ومع ذلك يملأون علينا صفحات صحفنا القومية مقررات يومية ، وشاشات التلفزة والإذاعة ، ولا يكتفون بإذاعة القرآن الكريم..

لماذا؟ لديكم إذاعة فاذهبوا إليها ولا تخرجوا لنا من كل صحيفة ولا تدخلوا علينا بيوتنا من شاشة التلفاز ، فنحن نعرف ربنا وإسلامنا ولم نعد بحاجة إليكم.

أنتم تقولون لنا خطبا جميلة لا شك ومواعظ لطيفة لا شك ، لكن عندما تحكموننا هل ستحكموننا بهذه الخطب والمواعظ أم كما حكم السلف؟ بالفقه وسيفه الذى لم يتغير مطلقا ولم يتطور منذ عصور الظلام ، وحتى اليوم؟

وهل ستعيدون إلينا الرقيق مرة أخرى؟

أم سنكون نحن الرقيق؟

وهل ستطبقون علينا الجلد والرجم والقطع والسلخ والجز؟

أم ستأخذون بحق الإنسان فى حرية الاعتقاد وبحقوق المرأة الكاملة الأهلية على التساوى مع الرجل؟

إذا كنتم ستأخذون بالحقوق الإنسانية الحديثة فلسنا بحاجة إليكم لأن لها أصولها وفلسفاتها المعمول بها فى العالم كله ولم يكن لكم فيها أى دور ، وإذا كنتم ستطبقون ما فعله السلف من سلخ وجز رقاب ، فلسنا أيضا بحاجة إليكم ، وسيكون أولى بكم كهوف تورا بورا أو إلى جوانتنامو وبئس المصير وساءت مرتفقا.

روزاليوسف 10 أبريل 2005

Posted by المجموعة الليبرالية in 19:04:08 | Permalink | No Comments »

Tuesday, November 7, 2006

هيئــة علمــاء الإرهــاب

هيئــة علمــاء الإرهــاب

ممثلها أكد في قناة “الحرة” أن ما تفعله القاعدة في العراق اتباع لشريعة الإسلام:

تمكنت في شهور قليلة من تكوين أشد الملفات سواداً والعراقيون تأكدوا أنها تحرك خيوط الجريمة المنظمة في بلدهم

علماؤها لا يقولون إلا باطلاً بشأن قاعدة العراق ولا يبطلون إلا الحق فكانوا هم المجرمين

الإخوان المسلمون مارسوا دور وزارة الإعلام للقاعدة واستثمروا وجودهم في بعض أجهزة الإعلام للترويج لفكرها

كما في كثير من دول المسلمين ، تشكلت جماعات مشيخية من علماء السنة ، بعيداً عن التبعية الرسمية لنظام الدولة ، وإن كانت تضم في عضويتها الكثير من العاملين في المؤسسات الدينية الرسمية الذين هم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين ، أو أي تنظيم إرهابي آخر ، كحلقة وسيطة تقوم بدور المرجعية الدينية لتبرير أي مواقف أو أفعال قد تتم إدانتها بإدانة الدولة جميعاً في حال الإفتاء بما يخالف القانون المدني للدولة.

وضمن هذه الجماعات المشيخية جبهة علماء الأزهر التي تحول اسمها إلى هيئة علماء الأزهر ، والتي تحمل في طيات اسمها أن كل الأزاهرة أعضاء في الهيئة وهو الأمر غير الصحيح والذي يصيب الدولة في أحيان كثيرة بالحرج وأحيان أخرى بالإدانة نتيجة لمواقف هذه التجمعات التي ترعي أهداف الجماعات غير شرعية كالإخوان أو أي جماعات تشتغل باسم الإسلام السياسي ، وتنتمي في الوقت ذاته لجهة رسمية تسند ظهرها .

ومثل تلك الهيئة المصرية ذات الملف الأسود تشكلت في العراق “هيئة علماء المسلمين” وهو اسم يأخذ مساحة أوسع تشمل جميع المسلمين رغم عدم وجودهم فيها في الحقيقة.

و قد تمكنت هذه الهيئة في شهور قليلة من تكوين أشد الملفات سواداً حتى تأكد لدى العراقيين ان هذه الهيئة تحرك خيوط الجريمة المنظمة في العراق ، وأن أعضاء تلك الهيئة هم المجرمون الحقيقيون وراء ما يحدث في العراق ، وأن محاكمة هؤلاء هي البداية الصحيحة لوقف العنف في العراق (انظر وداد فاخر / إلاف / 23/9/2004 ). و ترى الكاتبة أن القومجية والإسلامجية من ذيول النظام البائد والعصابات الدينية المسلحة قد أصابهم اليأس والخيبة عندما لم تسقط الثمرة العراقية سهلة في أيديهم ، وأن معظم العراقيين اتخذوا طريق المقاومة السلمية حتى الجلاء ، فقاموا ينتقمون من جميع العراقيين بلا استثناء ، وخصوا غير بعض المسلمين بنقمتهم باغتيال المسيحيين العراقيين دون ذنب واضح، كما قاموا باغتيالات معلومة بين رموز العراقيين الشيعة .

وهكذا يبدو أن بقاء أمريكا في العراق قد أصبح هدفاً مطلوباً للقومجية والإسلامجية في حد ذاته ، لإثبات وجهة نظرهم أنه بالإمكان إيذاء أمريكا ، وأن أحد أفضل السبل هو إغراقها في المستنقع العراقي لتحقيق هذا الهدف ، وإطالة أمد وجودها هناك لأنها لن تغادر مادام الأمن غير مستقر ، حتى إذا خرجت خرجت مهزومة لتترك العراق لمن يمكنه الاستيلاء عليه من الداخل بعد إسقاط حكومته بحجة أنها صنيعة للإحتلال ، ليغرق العراق في دماء أبنائه ما بين سنة وشيعة وكرد ومسيحيين ، ناهيك عن بقية الأقليات التي ستقدم قرابين على مذبح الإرهاب ، خاصة مع الوجود الفعلي الآن لمقاتلين عرب من منظمة القاعدة يتراوح عددهم التقريبي ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف مقاتل ، يتبعون رجل القاعدة فرع العراق أبو مصعب الزرقاوي ، الذي لم يترك فرصة ليعلن فيها العداء لأهل العراق وبخاصة شيعته ، واعتبارهم نهباً حلالاً وسبياً شرعياً وذبيحة مطلوبة لأفه الإسلام السني إلا وقال فيها بوضوح وبدون مواربة .

خارج العراق كان رجع الصدى للقاعدة بين كثير من علماء الدين ، وبين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين عبروا عن تعضيدهم التام لما أسموه “المقاومة العراقية” من خلال الفضائيات الخليجية العديدة ، و الصحف المتأسلمة الواسعة الانتشار ، وكتبوا وأعلنوا و قالوا موقفهم الموافق تماماً لفكر بن لادن والظواهري والزرقاوي تأسيساً على المذهب الإرهابي . وبكامل الحرية أعربوا عن وقوفهم في خندق الإرهاب في صحفنا وإعلامنا بما أسموه تأييد الفكر الجهادي ، وبإصدار فتاوي تأييد ، ونشر ما يصدر عن رجال القاعدة من بيانات وتهديدات .. أما الإخوان المسلمون فقد مارسوا بين الناس دور وزارة الإعلام للقاعدة ، واستثمر بعضهم وجوده في مؤسسات الدولة الإعلامية للترويج لفكر القاعدة الجهادي وتأييده بالآيات والأحاديث من على منابر وزارة الأوقاف وقاعات محاضرات الأزهر الشريف وكافة وسائل الإعلام والدعاية والإعلان ، بدعوى مواجهة العدو المشترك وهو الصليبيون والصهاينة.

و للأسف الشديد فإن هذا الصوت يكاد يكون الصوت الوحيد في وسائل الإعلام العربية والإسلامية حتى غاب العقل المسلم عن أي رؤية أخرى للموقف السياسي والشرعي ، وحتى تحول المسلمون إلى طاقة متفجرة تبحث عن منفذ للإنطلاق والتدمير إخلاصاً لهذا الإسلام الذي يعرفون ، الذي أصبح بديلاً للإسلام البكر الذي لا يعرفون.

و رغم سيل البيانات العسكرية لمنظمة القاعدة فرع العراق ، ورغم سيل القتلى من أبناء العراق ، ويا لوعة الكبد لما يحدث لأبناء العراق من الأجنبي ومن الشقيق .. و رغم الإعلانات بالصوت والصورة للذبائح على الطريقة الإرهابية ، ورغم حرق أجساد الموتى وضربهم بعد موتهم وتعليقهم متفحمين على كباري بغداد ، ولا ذنب لهم إلا أنهم غير مسلمين ، فإن قرضاوي يعقب من جانبه (الجزيرة 26/9/2004) على ما حدث من تمثيل بالقتلى المحروقين بقوله : “هذه الأشياء لا يقرها الشرع” لاحظوا الصياغة “هذه الأشياء” وليست هذه الجرائم البشعة ، أو ليست هذه الأفعال الهمجية البربرية .. أما عن ذبح الرهائن فإن النبي – كما يقول قرضاوي – قد قتل بعض الأسرى في غزوة بدر وكانوا ثلاثة “ونصحح هنا لمولانا أنهم كانوا أثنين فقط هما “عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث” ، لكنه يبرر هذا القتل للأسرى بأنهما كانا محرمي حرب . ولم يشرح لنا كيف كانا مجرمي حرب ، لأن هذا الوصف لا ينطبق عليهما بالمرة حتى لو كان القائل قرضاوي ، ثم يقول : إن الرسول قال : إذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبح” .

مع هذا الرجوع للأسانيد المبررة ، فإن قرضاوي كعادة الخطاب المخاتل المخادع عند مشايخنا ، يتهم الموساد والمخابرات الأمريكية بالقيام بهذه الأعمال القذرة في العراق ، لتعمل في الخفاء ليتسبب فعلها في رد فعل نفسي عند المجتمع الدولي ، ثم ينسب ذلك إلى الإسلام والمسلمين وهم منه براء ، ولا تفهم هنا هل كانت تبرايراته السابقة للأفعال الإجرامية تبريراً لفاعليها المسلمين ، أم تبريراً لفاعليها من الموساد والمخابرات الأمريكية؟

ومع قرضاوي وقف ممثل هيئة علماء المسلمين العراقية في قناة الحرة (13/9/2004) الشيخ علي خضر الزائد ، ليؤكد أن ما تفعله القاعدة في العراق هو اتباع للسياسة الشرعية التي هي جزء من الإسلام ، وإن خالفهم سماحة الشيخ محمد حسن الأمين ، وكان جل اهتمامه ليس بالقصاب ولا بالذبيحة ، بقدر ما كان صورة الإسلام التي أكد أنها أهم بكثير من أي اعتبار آخر ، مع التأكيد على أن الإرهاب وافد علينا وليس له أصل في دين المسلمين .

ومثل الشيخ الزند كان قرضاوي ، وكان اهتمامه منصباً على تدخل المشايخ في السياسة والحروب ، مع رفضه البات لمن لا يرون للمشايخ حق الدخل ، وهم يرون ذلك منعاً لفتن أعظم لأن مشايخنا لا هم بأهل سياسة ولا هم بأهل حرب إنما هم أهل تحريض يستجيب له مشاعر المؤمنين ليسوقوهم إلى حتفهم بظلفهم .

من هنا يحتج قرضاوي أشد الإحتجاج على من يناديهم بالتزام العمل الديني دون التدخل في السياسة والحرب بسوء فهم أو سوء نية لا فرق ، فيقول : “هذا لن يمنع علماء المسلمين من أن يقولوا الحق وأن يبطلوا الباطل ولو كره المجرمون” رغم أنهم بشأن قاعدة العراق لم يقولوا إلا باطلاً ، ولم يبطلوا إلا الحق ، وكانوا هم المجرمين .

تعالوا نتأكد معا من حقنا في هذه الصراحة بالرد على مولانا الذي أكد من هنيهة أن خطف الناس في العراق من مختلف الملل والنحل والبلاد ، بغض النظر عمن يتعاطف أو يقف مع قضايانا أو عمن يعاديها ، تقوم به المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ، فيتصل بالبرنامج أحد الإرهابيين ليقول : “إن المقاومة الإسلامية الشرعية هناك قد تقوم بحجز بعض الأشخاص لكن ليس بغرض قتلهم وإنما بغرض التحقيق معهم”. و من ثبتت إدانته قطعوا رأسه عبرة ودرسا وتخويفا وإرهابا للكفار والمتعاونين معهم ، وإن ثبتت براءته أفرجوا عنه.

قرضاوي يعيد القفز من مربع إلى آخر فيقدم فتواه بأن “من ثبت أنه جاسوس فقتله مشروع باجماع مادام الإخوة (لاحظ : الإخوة) يحققون ويثبتون أن الشخص يعمل لمصلحة المحتل .. وإذا ثبتت عليه جريمة توجب قتله .. ويمكن أن يمن عليهم أو يفادون بمبلغ من المال وهكذا نحن أصحاب مبادئ”.

هكذا أقنع الأخوة قرضاوي بأنهم يحققون مع المخطوف ، ومن ثم سلم قرضاوي للإخوة بالنزاهة التامة دون نقاش ، بل ورد على المنتقدين لطالبي المال مقابل الإفراج عن الرهائن بأنه أمر شرعي يؤكد أن المسلمين أصحاب مبادئ!. لكنه اعترض فقط على نشر الصور البشعة لجز الرقاب “لأنها تؤذي مشاعر الخلق والذوق العام” ، وهو ما يعني أن يتم الذبح في الستر حتى لا يضطر قرضاوي لنسبته (لبشاعته) إلى مخابرات أمريكا وإسرائيل. رغم تدخل بعض المشاهدين لتذكير الشيخ أن هؤلاء المذبوحين مدنيون.

ولأن الفتوى خطيرة فهي تحتاج إلى اجتماع علماء المسلمين من كل المذاهب المناقشتها ، فإن قرضاوي أجاب قائلاً : “أخونا (لاحظ : أخونا مرة أخرى) بيقولك أنهم يحققون معهم ويجدون أن هؤلاء أعوان مهمون جداً للمحتل ويتجسسون لحسابه ، فهذا الأمر واضح لا يحتاج أننا نجمع علماء المسلمين . هناك علماء مسلمون في العراق اجتمعوا وأصدروا وقرروا وهم في هذا كفاة” .

لقد صدق قرضاوي (أخونا) و (إخواننا الذين لم يتصلوا) تصديقا فوريا أكيداً ، رغم أنه أخ واحد لا يصلح شاهدا وكان يلزمه بعض الأخوة لمزيد من التأكيد ، فهل كان التصديق الفوري مجرد صدفة باتصال هاتفي من مجرم عتيد أم أن الاتفاق قائم قبل الإتصال ، والموافقة جاهزة ومسبقة ؟

“أخونا قال لنا” فماذا نريد وضوحا بعد ذلك؟

الأمر واضح لدرجة أننا لا نحتاج لحشد العلماء ويكفينا فقد اجتماع علماء العراق على ذبح الأبرياء ، إنهم (هيئة علماء المسلمين) ، إنهم (جبهة علماء الأزهر) ، إنهم (جماعة الإخوان المسلمين) ، إنهم (جماعة أنصار السنة) ، إنهم (جماعة التكفير والهجرة) ، إنهم باختصار على مختلف المسميات : هيئة علماء الإرهاب .

روز اليوسف 2/10/2004 العدد 3982

Posted by المجموعة الليبرالية in 11:51:17 | Permalink | Comments (3)