Saturday, 18 March, 2006

اعقروا الجمل

اعقروا الجمل

لم يكن المتفجر فردا منفلتا متوحدا ، بل تأكد أنه ضمن خلية ، والله يعلم أين بقية الزنابير ، لكن الفكرة لا تنتفى بهذا الاكتشاف لأنه قد صار ممكنا أن يقوم بالفعل الإرهابى شخص مفرد ، كما حدث بطعن مواطن لسائح يقبل زوجته قبل التفجير بأسبوع ، لقد علمناهم وثقفناهم أن هذا المشهد الذى ترق له حواس البشر فى كل الأرض فيهشون له ويبشون وتخفق قلوبهم له حنانا وتفيض مشاعرهم بالإنسانية.

علمناهم فى المدرسة وفى التليفزيون والمسجد وداخل الأسرة أنه مشهد قبيح داعر غير محتشم ، فكان رد فعل المواطن هو خروج الطاقة التى زرعنا مولدها بداخله ، حتى إنه لم يستطع أن يقاوم مولد الكراهية والقبح بداخله فطعن الزوجين بالمطواة ، فأى قبح وكراهية زرعنا فى بلادنا الجميلة الرقيقة ست الحسن كله؟!

إن مولد القبح والكراهية والقسوة كمولد الطاقة ، ينفجر مع ازدياد الضغط بداخله ، وهو ما يقع تحته المسلم المسكين مع ما يتعرض له من ضغط هائل من أهل الدين فى بلادنا أكثر مما يتعرض له أى أهل دين آخر فى العالم.

فبينما يكفى المسيحى صلاة أن يرشم الصليب فى ثانية واحدة ، فإن المسلم مطالب بالتحول إلى آلة ميكانيكية تردد ذات الفعل كل يوم ، فهو مطالب بأن يذهب إلى المسجد خمس مرات فى اليوم ، ومطالب باستمرار بقراءة القرآن والتباكى إن لم يستطع البكاء وأن يقضى فيه يوم العمل الرسمى بلا إمكانية لأحد أن يطالبه بأداء عمله وهو يقرأ القرآن ، وتلاوة ما لا حصر له من أدعية وأذكار تصاحب كل حركة وكل سكنة من صحوه فجرا إلى لحظة دخوله فراش الزوجية.

عملية ترديد تكرارى فيسرح منه العقل فلا هو مع ما يتلو ولا هو مع ما يجرى فى واقعه ليفهمه ، فى فاصل ساتر بين العقل وبين واقع العالم الذى يجرى من حوله ، فيصبح فى حالة هلوسة مستديمة ضاعت معها القدرة على التمييز بين الجميل والقبيح ، وبين الخير والشر ، وبقيت فقط قيمة الحلال والحرام من وجهة نظر الإسلام وحده ، على المسلم محظورات ضاغطة عاتية ، فهو ممنوع من السؤال خارج القواعد المسموح بها ، وحرية التفكير ، فهى كما حدد الدين شروطها ، وكذلك تمتنع حرية الرأى ، ولا حوار إلا حول كتاب الله وشئون الشريعة كما قررها فقهنا.

و للملبس شروط وأصول تحولت إلى فرائض إسلامية مستجدة كالحجاب ، وياليتهم فرضوا للمسلمين شيئا يدفعهم للأمام ماداموا قد قرروا أن يضيفوا لفرائض الإسلام ما لم يكن فيها بابتداع غير حميد.

وعلى المسلم أن يكون حافظا لكثير من آيات النجاح عند الإقدام على الفعل وآيات إعماء الخصم وفك بصيرة المسلم وجلائها ، المسلم محروم من الكرنفالات الجماعية التى تجمع أبناء الوطن كله على الحب والتلاقى فى شوارع الوطن ليحبوا بعضهم ويحبوا الوطن ، المسلم محروم من الترفيه و الرقص الجميل الراقى والفن الذى يرقى الأحاسيس ، محروم من السينما ومن الرواية ومن المسرح ومن الموسيقى اللهم إلا الدفوف وهو ما لا علاقة له بالموسيقى.

المسلم محاصر حتى الشلل فى العقل فيسلم عقله لنواب الإسلام على الأرض ، لأن هناك من يفكر له ، وهو ما يقوم على مبدأ أن الرسول لم يكن ينطق عن الهوى وهو رسول ، وكان لا يجيب عن أى سؤال لمسلم إلا بعد وصول الوحى ، فما بال المسلم وهذا نبيه وسنته وقدوته ، هل بإمكان المسلم أن يخطو خطوة من تلقاء نفسه؟!

أما المرأة المسلمة فهى إلى عبودية ذليلة كما قال إمام المفسرين الرازى ، فهى عنده بعد تطبيق كل واجباتها تصبح كالأسيرة فى يد الرجل ، ويقول قرضاوى «الجزيرة/ حلقة الأهلية السياسية للمرأة» ، مفسرا ما تنوء به المرأة المسلمة ، فهى إضافة إلى كل المطلوب من المسلم الذكر ، فإن عليها واجبات أكثر وحصارا أشد ، يقول قرضاوى:«ضوابط أكثر للمرأة لأن الرجل ليس فتنة كالمرأة ، يطلب منها تغطية الشعر والنحر والعنق ولباس ما لا يشف ولا يصف.. المرأة مطلوب منها من الضوابط ما ليس مطلوبا من الرجل» ، ويفسر قرضاوى السر فى كل هذا الضغط على المرأة دون الرجل بقوله: «المرأة تودى الراجل البحر وترجعه عطشان.. وإن كيدكن عظيم»!

ولهذا القدر سلمت المرأة عقلها وروحها واعتقدت أن تلك فروض دينية مقدورة عليها ، حتى قامت الدكاترة السيدات الأزاهرة يكفرن كاتب هذه السطور عندما تحدث عن حقوق المرأة المطلوبة لها كمواطن كامل الأهلية كالرجل عبر الإعلام والتعليم والمسجد ، وحتى الجماعات الدينية الأهلية ، أمكن السيطرة على عقل المواطن ، ومن ثم إمكانية توجيهه حسب المراد ، أصبحنا أدوات فى أيديهم يفعلون بنا ما شاءوا ، إن شاءوا حاربوا بنا من أجل أمجادهم ، وإن شاءوا حولوا بعضنا إلى آلات تفجير متحركة ، فهناك فريق الوعظ والإرشاد ، وهو الأكثر خطورة لأنه الذى يفرش الأرض الثقافية للإرهاب ، وهناك فريق التبرير الإعلامى للأعمال الإرهابية ، يدين من طرف اللسان ليبرر بأسوأ التبريرات ، وهناك فريق التفجيرات المحترف الذى يترك لفريق آخر مهمة الدفاع عنه وتبرير فعله ، فإن ضاقت الحلقة ادعوا أن هؤلاء قلة لا شأن لهم بالمسلمين ، وأن الإسلام برىء منهم ، وأنهم يتفجرون حولنا وفينا وفى كرامة بلادنا وفى ديننا لأنهم قد حرموا من الحرية. أترون مكاسب الصحوة الإسلامية المباركة؟! أتروننا فى قاع الأمم تخلفا ، بل أكثر الأمم حصولا على احتقار العالم؟!

أترونهم وقد أوهموا شبابنا أن الاستبداد شأن حديث العهد اخترعته الحكومات الحالية بدعم من دول الكفر ، وعلى رأسها الطاغوت الأمريكى ، وأن قيم الحرية والعدالة والمساواة كانت هى السائدة فى مجتمعات المسلمين قبل ظهور الاستعمار ، يقولون ذلك باسم الدين المفترض فيمن يتحدث باسمه أن يكون لسانه أكثر طهارة من ذلك ، وأرفع من ذلك التدنى والكذب على الوطن وأهله من أجل مكاسبه السيادية على أكتافنا طوال تاريخنا الأسود الدموى المرعب منذ الفتح وقوانينه. فى هذه الشبكة العنكبوتية التى مدت خيوطها الشريرة فى كل الوطن واستشرت سرطانيا فى عقل أبناء الوطن ، تتوه منك الإجابة وأن تتساءل: من المجرم القاتل؟!

فى حادث الأزهر ، وما قبل الأزهر ، وما بعد الأزهر؟! هل هو الشيخ المرجعى للإخوان وإخوانهم على مختلف الأصناف الشيخ قرضاوى ، الذى وقف ضد السياحة ، وهى المصدر المالى الأكثر ضمانا لمصر من أى مصدر آخر ، لأنها تملك كنزا يعدل كنوز العالم الأثرية مجتمعة ، فقال فى حلقة «الظاهريون الجدد/ الجزيرة»: «يزعمون أن مصلحة الناس أننا نبيح لهم البغاء.. أن نبيح للناس المسكرات تشجيعا للسياحة» ، وبداية كان هذا مدخله لتكفير السياحة: البغاء والمسكرات ، لقد كانت مكة كذلك لكن النبى منع هذا الدخل الاقتصادى مقابل دخل آخر ، هو الجهاد فى سبيل الله من أجل الحصول على دخل أعظم وأفضل بفتح البلدان واحتلالها ، لأن الله قال: «وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ، يعنى إذا كنتم خايفين من ضيق ، ربنا هيوسعها عليكم ، وفعلا وسع الله عليهم بالفتوح والغنائم» ، انظر إلى النصب على المسلمين وعلى الله على الملأ! المقابل إذن هو الجهاد لاحتلال العالم بعد إلغاء السياحة من بلادنا. بينما ملك البحرين فى جواره رفض الاستجابة لطلب المتأسلمين فى بلاده إلغاء الخمر ، لأن مملكة البحرين تحقق الآن أعلى عائد اقتصادى بالنسبة لعدد سكانها لكونها «موناكو» الخليج ، بفضل مجىء العرب المحرومين من الخمر فى بلادهم إلى البحرين ليعيشوا هناك فى لون من السياحة لا علاقة له بالآثار التى يقتل شبابنا زوارها.

رغم أن هناك آثارا جميلة ومهمة فى البحرين ، لكنها لم تكن يوما السبب فى ارتفاع الدخل الاقتصادى لهذه الدولة الصغيرة المنفتحة بذكاء بعد أن كانت أفقر دول الخليج. إن موقف قرضاوى ليس موقفا شخصيا بالتأكيد ضد مصر وضد توفير مصدر رخاء لأبنائها ، لأنه يقف ضمن جوقة كاملة تردد ذات الخطاب ، معظمهم فى مصر ، قرضاوى يرى: «أن هناك من يسعون إلى تفكيك الإسلام.. فيريدونه إسلاما بلا جهاد ، وزواجا بلا طلاق ، وعقيدة بلا شريعة ، وحقا بلا قوة ، ومصحفا بلا سيف ، هو رسالة تشمل كل جوانب الحياة من أدب الاستنجاء إلى بناء الدولة. يشرع للإنسان منذ أن يولد إلى أن يموت».

دون أن يقول بالطبع أنه لا يوجد قول شرعى فى الشأن السياسى ونظام الحكم فى الإسلام ، حتى لو قام بتأويل بعض الأحاديث فإنه سيجد أنها أقل بما لا يقارن باهتمام الإسلام بنظافة العربى مثلا: «أدب الاستنجاء» ، وشروطه ، فاهتم بشئون وتفاصيل ليست بذات شأن فى حياة المجتمعات والدول وسياستها ، وأهمل الشأن السياسى ، مما يشير إلى أنه قد ترك الشأن السياسى للمسلمين ، لكن قرضاوى ورجاله يقولون إن الشأن السياسى هو حكم الله وليس البشر وبما أن الله لن يحكم بنفسه ، فهم قد اختاروا أنفسهم للحكم بالنيابة عنه!

أوهم قرضاوى شبابنا المسلم بفكرة شمولية الإسلام تلك ، وأنها أصل الإسلام الذى دونه الكفر العلنى ، حتى اضطره المفكرون الليبراليون للاعتراف بأنها أبدا لم تكن أصلا من أصول الإسلام ، وبقوله فى الجزيرة فى 20/2/2005: «لما سقطت الخلافة الإسلامية وليس للإسلام سلطة دينية ، ماعدش للإسلام شىء ، لذلك الإخوان و حسن البنا كانا من أبرز دعاة هذه الفكرة». وفكرة الحاكمية ظهرت متأخرة فى كتابات سيد قطب ، إنما فكرة الشمولية بدأها حسن البنا منذ سنة 1928.

هذا قول مولانا فى اعتراف شديد الوطأة لا تعرف معه ما يجب أن نفعله مع مثل هؤلاء الذين أوهموا المسلمين بشمولية الإسلام لكل حركة وسكنة للمسلم ، وساعدتهم الدول الإسلامية عبر ما تملكه من وسائل تثقيف إعلامية وتعليمية لتأكيد هذه المعانى التى ليست أكثر من معان وأفكار لجماعة محظورة ملوثة بالدم.

لكن قرضاوى سعيد بما أنجزه فريقه فهو يقول سعيدا ومعه كل الحق: «أصبح المسلمون يتنادون فى كل مكان بتحكيم الشريعة الإسلامية ، ولو عمل الناس استفتاء من يحكم: الشريعة أم القانون الوضعى؟ الشريعة الإسلامية ستكتسح». ومع الشمولية الموهومة للإسلام بالصلاحية لكل مكان وزمان ، التى بدأ زرعها وريها منذ حسن البنا فقط ، يجب علينا الرجوع للقرن السابع الميلادى فى كل شأن من شئوننا ، ومسألة السياحة لا يعرفها الإسلام ويرفضها إذا لم تكن فى النطاق الإسلامى ، فلا سياحة فى الإسلام لأنه «لا يشد الرحال إلا إلى ثلاث: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا» ، يعنى قبرص واليونان كفر ، وكلما تعمقت أكثر كان كفرك أعظم ، المتعة الشخصية ممنوعة ، إن أردت المتعة فقد حددها لك الدين لتضع هناك أموال رحلتك زيادة فى حصة البنوك السعودية ، هذه هى السياحة المسموح بها ، ومعلوم أن التأكيد عليها كان لضمان استخدام الأماكن المقدسة كمصدر للكسب والرزق ، أما آثارنا الأعظم فى العالم على الإطلاق فهى سياحة محرمة لاقترانها بالمرفوض عمله فى مكة والمدينة ، ونحن لسنا لا مكة ولا المدينة ، ولا نطمع فى مثل تلك القدسية ، بقدر ما نريد أن نستثمر منجز أجدادنا التاريخى كى نعيش كما يعيش البشر ، من المسئول ، هل هو سيدى المفتى الذى ينشغل بالحضارة الإسلامية التى نامت ويريد أحدا ليهزها لتصحو لمصلحة البشرية ، أكثر من انشغاله بمصرنا وهمومها ودوره المنوط به من أجلها «ندوة بمسجد النور عن الحضارة الإسلامية نظمتها وزارة الأوقاف المصرية».

من المجرم القاتل السياف أو المتفجر أو جاز الرقاب؟! أم كلنا مجتمعا ودولة وحكومة؟!

أطمئنكم جميعا ، يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالى إن كلنا أبرياء: الحكومة بريئة والقاتل برىء ، وقرضاوى برىء ، الكل أبرياء ، لأن الله هو الفاعل الحقيقى: «إن الله هو الذى خلق القدرة فى الإنسان على فعل الأعمال ، فالله بهذا النظر هو المخترع للعمل كله لأن الإنسان ما كان قادرا على فعل ما لم يخلق الله فيه القدرة على ذلك الفعل».

انشغل إمامنا بآخرتنا وإثمنا من عدمه ، أما من مات ومن تعرض للظلم ومن قتل ، وأنظمة العبودية والقهر والثقافة التى تحرض على الكراهية والموت والغم ، كل هذا لم يفعل بذاته ، إنما الله هو الفاعل.

اطمئنوا إذن! لقد تركنا الإرهاب ينمو ويترعرع عندما سمحنا للفكر الإخوانى بالتغلغل فى إعلامنا وتعليمنا حتى بثوا فى عقول أبنائنا ما لا علاقة له لا بدين ولا بإسلام ولا بوطن ، لقد نما الإرهاب عندما تركناهم يؤسسون فى عقل المسلم المصرى أن المواطنة والجنسية بدعة ، لأنهم لا يعترفون بالأوطان ، إنهم أمة لا إله إلا الله فى أى مكان ، لقد استفحل شأن الفكر الكاره عندما سمحنا لمؤسسة الفتوى بالقول فيما هو خارج اختصاصها ، وعندما سمحنا لأكثر المشايخ قسوة أن يفتى فى تلفازنا وإذاعاتنا وفضائياتنا حتى تناقضت الفتاوى مع بعضها ، وتناقضت كلها مع القانون الوضعى الذى نكفره علنا وندرس هذا التكفير لأبنائنا مفضلين عليه قوانين القرن السابع الميلادى ، ومن قال بغير ذلك تتم محاكمته ، وهى إحدى التهم التى واجهها صاحب هذا القلم ذات يوم مضى ، ولن يعود سادتى أبدا ، وكونوا على يقين من ذلك. لقد انتشر السرطان عندما سمحنا لهم بسلب أرواح عيالنا لأن أى واحد منهم يطلب من رعاياه المؤمنين تسليمه عقله عندما يستفتيه ويسأله ويتتلمذ عليه لأنه المتحدث باسم الإسلام. لقد ترعرع الفيروس عندما سمحنا لشحنة الكراهية أن تتجه ضد الناس أنفسهم ومصالحهم ، عندما شحذنا الأرواح بكراهية دول الغرب المتقدم حتى تكره شعوبنا كل ما يتعلق بالغرب حتى لو كان الحرية والكرامة والديمقراطية ، بدلا من أن تتجه ضد من مرمغوا كرامتنا فى الطين أمام العالم من مشايخ وميليشيات المسلمين المسلحة!

لقد أعطيناهم الحق فى أن يعودوا لضرب الوطن وقتل الأبرياء عندما أطلقوا فى كل صحفهم قومية ومستقلة وحزبية وصفراء على ما يحدث فى العراق فى جانب المتسللين العرب وبقايا البعث الدموى ضد أهلنا فى العراق لقب «المقاومة» ، وهو لقب تشريفى قصدنا به أنها مقاومة وطنية مشروعة ، وقام مشايخنا يشبهونها بالمقاومة الفرنسية عندما احتلها النازيون ، هذا رغم أن مفكرينا الإسلاميين يعلمون أن الإسلام ليس فيه وطن أصلا كى نحارب دفاعا عنه لأن الجهاد هو فى سبيل الله لا يعترف بالأوطان لأننا أمة لا إله إلا الله. وقفنا مع السنة فى العراق عندما رفضوا المشاركة فى الانتخابات ، وإن لم يكن من البعض بالقول الصريح المباشر فقد جاء ضمنا ، لعلمهم أن خروج قوات التحالف سيترك الشعب تحت رحمة هؤلاء الإرهابيين يعيدون فرض ديكتاتورية حطمتها الإرادة الدولية ، بما لديهم من مخازن سلاح هائلة سلمها لهم أتباع صدام بعد سقوطه ، نحن نعلم أن السنة لا يريدون مشاركين لهم فى حكم العراق ، لا كرديا ولا شيعيا ولا مسيحيا ولا آشوريا ولا كلدانيا ولا مندائيا ، ثم إذا كانت مقاومة وخيار وطنى عراقى يقوم بها العراقيون؟!

فلماذا تضرب المقاومة أهلها ومواطنيها وهى الوطنية؟! إنهم يضربون أغلبية الشعب الذى توجه لصناديق الاقتراع ومعه كفنه ليقول لهم: لا انتهى زمنكم وزمن احتكاركم للسلطة. لكن السنة لا يتنازلون عن قناعة أن حكم العراق حق مكتسب لهم دون غيرهم ، ودخول الانتخابات يحمل اعترافا بحق الآخرين فى المنافسة على الحكم ، وهو المبدأ المرفوض ، وبينما المتطرفون يمسكون بسيدة مندائية ليقطعوها قطعا صغيرة وهى حية كان إعلاننا يبرز نجاحات المقاومة الباهرة وبشاعة الاحتلال الأمريكى ، إننا عندما نهلل لهذه المقاومة فى العراق ، فلا نبتئس عندما يخرج علينا المتفجرون فى وطننا بعد أن آمنوا بما نقول لهم.

قرضاوى يقول فى حلقة الظاهريون الجدد بالجزيرة: «إن الإنسان يضحى بنفسه من أجل دينه ، ويضحى بوطنه من أجل دينه ، فالدين مقدم على الإنسان». إن قراءة هذا النص هكذا يجعله غير مفهوم ، لكنه يصبح مفهوما عندما نرى لوحة الأزهر يوم قدم الصبى المتفجر دينه على وطنه. لماذا؟

لماذا أهاجم وطنى من أجل دينى؟

يجيب قرضاوى : «لإقامة الدولة المسلمة التى تحكم بشريعة الله. وعلى الدعاة أن يعملوا بكل ما يستطيعون ، ويهيئوا الرأى العام لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم» ، وأن «على المسلم أن يكره الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضى بالمنكر الذى تطفح به الحياة من حوله ، فإن أدنى درجات الإيمان أن يغير المسلم المنكر بقلبه ، أى يكرهه ويتألم به ويسخط عليه ، وأرفع من ذلك درجة أن يغيره بلسانه إن استطاع» ، وأرفع من هذا أن يغيره بيده إن استطاع ، كتابه: ظاهرة الغلو فى التكفير ص 566 ، ولاحظ عنوان الكتاب ، وما يقول هو من سماحة مقابل ظاهرة الغلو فى التفكير ، أن بغير المسلم بيده بغض النظر عن القانون وعن حياة الناس وعن كرامة الوطن ، وبغض النظر كيف فهم هذا الذى سيغير بيده دين الإسلام. يقول أيضا: إن جهاد الكفار والإلحاد والعلمانية والتحلل وما يسندها من قوى داخلية أو خارجية فهو الآن فريضة العصر وواجب اليوم/ قرضاوى/ كتابه فى فقه الأوليات/ ص 116».

إن التربية والتعليم الناجعين يخلقان فردا يحب الحياة لا أن يكون حاقدا كارها لها ، فيهلك نفسه ويهلك الآخرين ، هذا بينما تحولت جامعات البحث العلمى فى بلادنا إلى جماعات دينية تتحاور فى الحلال والحرام وتبحث فى التفاسير الدينية بدلا من البحث فى قوانين الفيزياء والرياضيات.

إن جامعاتنا تبحث قضية الحجاب والنقاب والعفة والفضيلة وأركان الدين وتستضيف زغلول النجار ليجلس أمامه علماء جامعاتنا مبهورين بكشوفه العالمية ، وهو الانبهار الذى يشير إلى مستوى معرفة أساتذتنا الجامعيين بما تخصصوا فيه من علم. لقد نسيت الجامعة دورها كباحث علمى أول فى الوطن مهمته كشف أمراض الوطن المستوطنة فى عالم الطب أو فى عالم الثقافة ، لمكافحته من أجل الصحة البدنية والعقلية للمواطن ، واستغرقت فى البحث فى العسل وبول الجمل ، فتركت اختصاصها واستولت على دور المسجد ، والمسجد لا يرى بأسا فكل الطرق تؤدى إلى الحكومة الإسلامية.

وإن الزائر لجامعة الزقازيق تحديدا - التى كان منتحر الأزهر من طلابها النوابغ - سيجد الشعارات المكتوبة فى كل مكان ، وكلها شعارات لا علاقة لها بعلم ، بل هى شعارات العار والكراهية والحجاب والجهاد.

لقد روينا بذرة الإرهاب الكريهة عندما سمحنا للقانون وللتعليم والإعلام أن يقسم أبناء الوطن إلى فريقين ، وأن الوطن من نصيب فريق دون فريق ، وأن الصواب فريق واحد هو الحق المطلق ، وأنه مكلف بتصويب الآخرين ، أو إبادتهم إن لم يتمكن من تصويبهم.

لقد تسرطن العقل بالإرهاب عندما اختفى من ذاكرتنا طه حسين وماذا قال ولماذا ، وبقى خالد بن الوليد البطل الفاتح الذى ارتكب من الجرائم فى حياة النبى ما دفع النبى ليرفع يديه إلى السماء مناديا: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» .

عندما ظلت رموز الطائفة الواحدة المتسيدة هى الحاضرة بسيفها القاطع وخيلها الناقع وبطولات قتالها المجيدة ، وعندما غيبنا عن الوعى طلعت حرب وماذا فعل بعيدا عن القتل والقتال.

نسن قواعد قانونية مرورية تنص على عدم تدوين أى شعارات تشير إلى الديانة فى السيارات جميعها ، واليوم سيارات الحكومة نفسها تنوء بأحمال من هذه الشعارات الممزقة لمعنى الوطن والمواطنة ، أما السيف العظيم على الزجاج الخلفى للسيارات مع الآيات ، فقد لوحظ أنه قد بدأ يرسم هذه الأيام بلون الدم. إنها التجربة التاريخية التى مر بها المسلمون فى فجر تاريخهم فى معركة الجمل عندما خرجت السيدة عائشة أم المؤمنين رافعة راية العصيان ضد خليفة المسلمين على بن أبى طالب ، وهى المعركة التى قامت بين مسلمين صحابة على قيادة أحدهما زوجة النبى ، وعلى قيادة الآخر ابن عم النبى وربيبه وزوج ابنته ، وفى كلا الفريقين خيار صحابة كبار وكثر.

عندها تجلت مشكلة بشأن الجهاد وشروطه ، فبعد أن هزم على عائشة ، طالب المسلمون عليا بنصيبهم من الغنائم ، ورفض على لأن هذه الحرب بين مسلمين ، ورد عليه المعترضون: «أبحت لنا دماءهم ولا تحل لنا أموالهم وأعراضهم» ، فقال لهم الإمام على: من نصيب من منكم ستكون أم المؤمنين! لقد سقط فقه القتال وشرعنته عندما كان من مسلم ضد مسلم وتوقفت نتائجه وشروطه وأحكامه. أما الصحابى الجليل سعد بن أبى وقاص ، فقد رفض الدخول فى أى من الفريقين ، وقال: «لا أقاتل حتى تأتونى بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول أصاب هذا وأخطأ هذا» ، وهو الموقف الصواب بأى معيار وزنته ، وبعده كان موقف الإمام على ، والمسلمون يتدافعون قتالا عن جمل أم المؤمنين وهى تركبه تحرضهم على القتال ، ولما طال الأمر حتى مات الآلاف حول جملها كان أمر الإمام على أن «اعقروا الجمل».

كان القرار خطيرا إزاء حساسية الموقف ، فالجمل فيه أم المؤمنين وظعينة رسول الله ، مما أكسب الموقف كله حساسية قدسية ، لقد كان جمل أم المؤمنين رمزا أعطى هذه الموقعة اسمها التاريخى «موقعة الجمل» ، الجمل كان رمز ثقافة هى ثقافة الخروج على الخلافة والشرعية وعلى قانونها ، هى ثقافة اعتراض المسلم بالسلاح مع الاحتجاج بالدين ، لذلك نادى على الناس: «اعقروا الجمل لأن فى بقائه فناء العرب».

أبناء وطنى: اعقروا جملكم. اعقروا الجمل حتى لو كان مقدسا حتى لا يفنى المصريون ، فقد عقره قبلكم الإمام على كرم الله وجهه حتى لا يفنى العرب.

روزاليوسف 24 أبريل 2005

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:22:12 | Permanent Link | Comments (0) |

Sunday, 12 March, 2006

جماعة

يتاجرون بعقل الأمة ويقدمون لشبابنا مخدرات كلامية تمنع العقل عن العمل

جماعة "العلم والإيمان" أما آن لكم أن تستريحوا وتريحوا ؟!

 

ماذا يريد هذا الشيخ من أحاديثه عن معجزة الهدهد السليماني وفضل يوم الجمعة عن بقية الأيام ؟

عندما تهتم صحيفة كبرى أن تكتب بلون مميز في صدر خبر مهم لديها كلمة "خاص" ، فإنها تعلن للقارئ حصولها على كسب وسبق صحفي كبير يستحق التنبيه له وبخصوصيته لتلك الصحيفة التي تمكنت من الحصول عليه ، وهو ما فعلته كبرى صحفنا عندما أوضحت أن موضوعها "خاص" بها وليس لأحد آخر ولا لصحيفة أخرى ، وبعدها كتبت بالبنط العريض عناوين طويلة وأكثر عرضا تعلن للعالم أن :

· المفكر الإسلامي الكبير رئيس لجنة الإعجاز العلمي بالقرآن يطلعنا على ما لا نعلمه.

· رمضان شهد نزول صحف إبراهيم وتوارة موسى وإنجيل عيسة وزابور داود وقرآن محمد .

هذه نماذج فقط من عناوين الكشف الكبير في التصريح الخاص للصحيفة الكبرى وليس كل النماذج ، أما "المفكر الإسلامي الكبير رئيس لجنة الإعجاز العلمي بالقرآن بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية" الذي سيطلعنا على ما لم نكن نعلم فهو سيادة الدكتور الجيولوجي صاحب الفضيلة الداعية النجم الشيخ "زغلول النجار" ، وإليك قارئي ما قال فضيلة رئيس هذا الشيء الكبير ذي الاسم الطويل .

يقول فضيلته لا فض فوه وقل كارهوه : إن الله ذكر شهر رمضان قد نزلت جميع الكتب السماوية وأما مصدر ذلك :

· فليس بحثا وراء الآثار في أماكنها وتدقيقها بما يليق بعالم باحث ،

· ولا كشفا جديدا لمخطوط قديم كنا نجهله ،

· ولا نقوش على حجر هنا أو هناك ، ولا أية وثيقة تاريخية تشهد بهذا الكشف التاريخي الكبير

· ولا حتى بمدونات في هذه الكتب السماوي نفسها وهي موجودة بين أيدينا بشكلها الحالي من زمن يسبق الرسالة الإسلامية ، ولا تعرف بالمرة شهرا اسمه رمضان ، ولا أي شهر عربي آخر

· أن هذه الكتب عندما ظهرت وانتشرت وآمن بها الناس لم يكن هناك أمة أو شعب اسمه العرب قد ظهر بعد على صفحة التاريخ إلا في الفترة الواقعة بين انتهاء التوراة وبداية الإنجيل ،

· كما لم نعرف أن القبائل الشراذم البدائية التي كانت تعيش في جزيرة العرب قد استشعروا أنهم شعب واحد إلا عندما جمعهم الإسلام على دين واحد .

· كذلك لم نعرف لغة العرب إلا من تدوين تال يذكر لنا معلقاتهم السبع .

· والمعلوم علميا أن أقدم نص مكتوب يمكن نسبته إلى العرب كان مكتوبا بالنبطية لأن العربية لم تكن قد ظهرت بعد ككتابة ، وهو نص امرئ القيس المدون على شاهد قبره "هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب الذي حاز التاج وتوفي في 223 م" .

هذا ما يعرفه المثقف العادي عبر تداوله لمنجز علم الآثار والتاريخ ، وهو الأمر الذي لم يشغل الشيخ زغلول مرة منذ بدأ الكتابة وحتى اليوم ، ولم يقم مرة بالتوفيق بين منجز العلم في التاريخ وبين المفاهيم الدينية ، أو التلفيق لا فرق ، كعادته في البحث في العلم عما يلتقي مع نصوص الدين .

لأنه لا يعتبر التاريخ علما له وزنه ورواده وعلماؤه وأنه يجب أن يؤخذ من مصادره العلمية ، لأن أي تاريخ عنده يؤخذ مما جاء في كتب التاريخ الإسلامية دون مناقشة ، رغم أن فضيلته متخصص في تاريخ الأرض الحجري ، ويعلم أن لهذا الحجر تاريخا وعلما عظيم الشأن ، لكنه لا يعطي للإنسان الحق الذي أعطاه للحجر ، لأن التاريخ عنده هو التاريخ المقدس وحده ، لذلك هو يأخذ التاريخ من الطبراني إذ يقول : "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان ، وأنزلت التوراة لست مصت من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان ، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" . هذا رغم أن رمضان لم يكن قد اخترع بعد ، لأن أصحابه لم يكونوا قد وجدوا بعد كشعب وكقومية لها لغة واحدة وكتابة واحدة .

هذا هو الخبر الأول وفيه هذا الأمر المهول الذي أكدت له الصحيفة وأرفدت تحت كلمة "خاص" ! وإذا مان هذا هو الكلام الذي استحق التبيين والتأكيد وأهمية أن يكون خبرا خاصا في أكبر صحيفة في بلدنا ، فيا ترى كيف يفكر صحفيو هذه الصحيفة وأهلها ؟!

إلا يفسر لنا ذلك سر الجهالة المعممة في بلادنا ؟!

إن تلك الروايات التي تفتئت على علم كبير كعلم التاريخ بفروعه العظمى ، هي قصص من ألوان الروايات المصطباوية في ليالي الأنس البدوية ، رووا فيها من الخيال والطرائف ما رأوه من جانبهم في صالح المسلمين ، لنأخذه نحن اليوم كمسلمات تكتسي ثوب العلمية لأن الحكواتي هذه المرة رجل دكتور جيولوجي ، رغم أنها تميز روايات شهر زاد لملكها الناعس شهريار في استعصائها على أي عقل صاح ، ويزيدون في التقديس فيقدسون لغتهم العربية التي لم تتكون كلغة ذات قوام واضح له قواعده وأصوله وفنونه إلا في الزمن الإمبراطوري الإسلامي ، ويجعلونها لغة الأزل وبها حدث آدم به وزوجته حواء وبها سيكون الحساب يوم الساعة وبها يجب أن يتسمى كل الناس في أي مكان وفي أي تاريخ فتصبح أسماء الفراعنة سلهوق بن عمران والريان بن الوليد ، وأي حاجة في أي حاجة ، فلا مشكلات مع قوم وثنيين ذهبوا وبادوا كما يعتقد زغلول وكل الزغاليل !

ولا تفهم هل يكتب زغلول وجماعته حسب المناسبة ما يلزمها من مواد محسنة للطعم ، وتسلية للصائم بالهيام في مزيد من تأكيد منهج اللا علم حتى لا يكون لنا علم إلا من تراثنا؟!

وهل تطلب تلك الروايات في الشهر الكريم لتثبيت أفئدة المسلمين حيال شهرهم الفضيل أم هي من باب التسالي الرمضانية كالياميش والفوازير ؟! أم هي منح الرسالات السابقة الكرامة بإنزالها جميعا في شهر لم يكن معلوما بعد ؟! وهل مع كل افتراض حسن النوايا ، هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الخطاب في زمن أصبح له في درس التاريخ كعلم فنون رفيعة في درس اللغات القديمة وفي الأنثروبولوجيا والأركيولوجيا والميثولوجيا ، وفي دلالات العلاقات والغوص بكشاف العقل والعين والأذن لدرجة اللمس في حضارات الدنيا القديمة ، هل نحن وفي حالنا المتدني بين الأمم بحاجة بعد إلى خطاب العلم والإيمان أم نحن بحاجة إلى خطاب يكرس العلم ومنهجه في حياتنا ويحترم العقل والعلماء من أجل قراءة واضحة علمية لتاريخنا وتاريخ الدنيا حتى نستطيع أن نتكلم لغة الإنسان الآن ، لا لغة إنسان منقرض وانقرضت معه ثقافته البدائية ومناهجه الإبتدائية ، لاشك أننا بحاجة إلى الخطاب الثاني كي نكرم أنفسنا بدلا من شهورنا ، فالإنسان لاشك هو الأكرم والأجدر بالتكريم .

من شهورنا المقدسة إلى أيامنا المقدسة

ينتقل صاحب الفضيلة مؤكدا لنا "إن يوم الجمعة كان مفروضا على الأمم من قبلنا .. وهدانا الله تعالى إليه ، فأصبح الناس لنا فيه تبعا واليهود غدا والناصرى بعد غد ، ومعنى ذلك أن اليهود أصبحوا يعظمون يوم السبت وأصبح النصارى يعظمون يوم الأحد وانصرفوا عن يوم الجمعة".

أولا لابد أن نلاحظ هنا ملحوظتين سريعتين ، الأولى تعريضه بأهلنا وشركاء وطننا وتاريخنا ومستقبلنا من مسيحي مصر الذين انصرفوا عن حق الجمعة إلى باطل الأحد ، وأيضا لابد أن نلحظ أنهم واليهود سيعظمون الجمعة ، سيعظمونها ،يوم يسود الإسلام الأرض بعد أن نحتلها إن شاء الله !

ثم يأتي فضيلته بالحديث ، وما أكثر الحديث عند الحاجة حتى لو تنافضت الحاجات ، ليقول : "سيد الأيام يوم الجمعة ، وأعظمها عند الله تعالى ، وهو أعظم عند الله تعالى من يوم الفطر وعيد الأضحى . وفيه خمس خلال : خلق الله عز وجل فيه آدم عليه السلام ، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض ، وفيه توفي الله تعالى آدم ، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أجابه الله تعالى إياه ما لم يسأل حراما ، وفيه تقوم الساعة".

والحديث المذكور من أحاديث الآحاد المعومة ، كما أنه يخالف أحداث التاريخ مخالفة تامة ، فلم يتم استخدام اسم الجمعة كعلم ليوم من أيام الأسبوع إلا في الزمن النبوي ، وقبل ذلك كانت العرب تسميه يوم العروبة ، وكان على المستوى الديني يوم الاحتفاء بكل ما هو وثني ، وأبعد زمان يمكن افتراضه "لعدم وجود وثائق تاريخية" ليوم العروبة هو زمن قصي بن كلاب.

ولا تعلم ما الذي سيستفيده المسلم الصائم التقي المقهور الذي يعيش هزيمة حضارية ماحقة من هذا العلم بشأن يوم الجمعة ؟!

أو ما الذي سيحققه من تحرك في واقعة الآسن من معرفة إن كان آدم قد نزل يوم الجمعة أو يوم الخميس ؟! وإن كان قد خلق يوم الأربعاء أو يوم الثلاثاء؟! أم هي فقط نكاية لغير المسلمين بكلام لا يؤمن به إلا بعض المسلمين لتشريف أيامهم وشهورهم على حساب التاريخ كله ؟!

وهل هكذا نكون قد تفوقنا على غيرنا وتميزنا بيومنا الأسبوعي وبشهرنا السنوي ؟! وبما أن هذا الحديث كان موجودا طوال العصور الماضية ونحن نسير من هزيمة إلى أخرى ومن تخلف إلى مزيد ،ومع وجود رجال الدين في بلادنا بعدد كما الليمون والحمد لله

لماذا لم يبحثوا لنا بعلمهم الذي يستحقون بسببه لقب "العلماء" عن تلك الساعة مقبولة الدعاء في يوم الجمعة ، لتدعوا فيها الأمة كلها للدعاء دعوة رجل واحد فيسقط أعداؤنا وتزول أمريكا من على الخريطة ويستأسر اليهود لنمارس عليهم كل ألوان الذبح الجميل فتحل مشاكلنا النفسية ونعيش سعادة النصر ؟!

أم هي لعبة فوازير رمضانية نظل ندعو حتى يسقط الدعاء في وعاء الساعة المطلوبة إن تمكنا من الدعاء عندما تفتح فجأة ، وأنت وحظك ؟! وهل يمكن عندها الاستعانة بصديق شيعي مثلا أم لا يجوز ؟! وهل هذا الحديث يحدثنا به رجل يزعم أنه تلقى العلم بمناهجه من زمن هو الأسود منذ أن أصبحت حياتنا هي : أنت وحظك ، حتى غادرتنا الأمم إلى بعد قصي ساحق يصبح معه مثل هذا الحديث جريمة تصرف الناس عن مشاكلهم الحقيقية ، وعن السعي لحلها بطرق علمية، وتضليل مقصود لمكاسب مادية رخيصة على حساب عقول المسلمين ، تضليل لهذه العقول في متاهات من الطرق الأسطورية لا تؤدي في النهاية إلا لمزيد من تفاقم المشاكل لإنصراف العقل إلى الماضي الذي مضى عن حاضره المزري ومستقبله غير المرئي .

ومن ثم تتتالى التساؤلات على سادتنا أهل العلم والإيمان تلح تطلب منهم الإجابة لأن لزوم الصمت آفة المذنب

هل تقصدون سادتي إقناعنا بدين نؤمن به عن طريق علم لا نؤمن به أنتجه عقل قاصر كما تؤكدون ؟! أم أنكم تشكون في ديننا لا سمح الله فتبحثون للإيمان عن مبررات رغم أن الإيمان لا يحتاج تبريرا!؟

· أم أنكم تقصدون إقناع العلماء بترك علومهم ومختبراتهم لنعود جميعا إليكم كمصدر للمعرفة اليقينية ؟

· أم تراكم تريدون إقناع العلماء بالكف عن البحث والتجريب والاكتشاف والاختراع ليتجه العالم الغافل كله نحوكم يسألونكم النظريات العلمية الجديدة حتى يتأكد العالم أنه يطلب العلم من أهله ومن مصادره من شيوخنا الأجلاء ؟

· أم أن المقصود مصلا بحكاية الجمعة ورمضان تسجيل جون في غير المسلمين ؟!

· لنقول لهم بكل فخر بالجمعة وبرمضان عليكم واحد ؟!

· أم يا هل ترى المراد أن يتوب كل من في الغرب الكافر من عباد عن المنهج العلمي والبحث الكشفي الذي أدى إلى انهيارهم الأخلاقي وعارهم وعريهم ليلحقوا بالمسلمين أخلاقا ومجدا وتقدما ؟!

وهل بالإمكان أن تتطوعوا فورا لاستلام راية البحث والتجريب والابتكار والاختراع من الكفرة والمشركين لتعلو راية الإسلام خفاقة بفضلكم الذي سنعرفه لكم ونقدره ، ونجعلكم قادة لنا دون تقية وصندوق اقتراع قد يأتي بكم أو لا يأتي ودون دم وذبح وانقلابات همجية ، إن كنتم كما تزعمون سادتي ففي يدكم خلاصنا وتقدم أمتنا ولكم زعامة مطلقة ولكم علينا الفضل الأبدي .

لكن الأمر بالطبع ليس كذلك ، فهم يملكون مساحات التلفزة والصحفجة ومقررات المدرسة وأسماء لوامع ومريدين كالحواريين تبعا ، ومع ذلك لم يتقدم أحدهم بكشف أو اختراع جديد واحد نرقص حوله بالدفوف في كرنفال إسلامي عالمي لنغيظ به العالم ولو مرة ؟ .. ولو مرة .. أيتها السنين الغبرة المرة .

نحن نعلم أن الأمر ليس كذلك لأنه لو كان كذلك فقد كان امامهم التاريخ ألف عام متصلة يركبون علينا ويخطفون اللقيمات من أفواه عيالنا لتتراكم عندهم قصور وجنات نعيم ، فهل كانوا عبر هذا التاريخ يجهلون ما بأيديهم من علوم حتى نبههم إليها أهل الصليب والخنزير وإخوان القردة كما يحبون أن نستخدم هذه المفردات ؟ أم كانوا يعلمون لكنهم كانوا كسالى لا يشغلهم وطنهم ولا أهلهم ولا ما وصلت إليه أحوالنا من ترد فاستطابوا النوم عبر عصور الغم والكرب العظيم ؟

أم انهم كانوا صما بكما وعميا فهم لا يفقهون ؟

مع كل هذه الأسئلة وكل ما يمكنك أن تبني عليها من استنتاج أيها القارئ ، فإنك ستجد مع كل إجابة أن أهل (العلم والإيمان) ليسوا أهلا لا للعلم ولا للإيمان ، وليسوا أهلا لأي تقدم بما يقدمونه لشبابنا من مخدرات تمنع العقل عن العمل ومثبطات تمنع الجلد على المشقة والجهد على تحصيل المعرفة ، ومقوقات تقنعهم وهما بأن كل العلم في أيديهم فتعوقهم عن طلب المعرفة خارجه .

هؤلاء السادة ليسوا أهلا للاستماع إليهم بعد أن ظلوا صامتين كشواهد القبور عبر القرون حتى اكتشف له العلماء في الغرب (سبوبة) للكسب غير المشروع على حساب عقل الوطن ومستقبله. حتى في ميدان صناعة الأساطير المبهرة تفوق علينا الكفرة بعلمهم وصنعوا إبهارات هوليوود السينمية التي تبهر أساتذة الأساطير الدينية في بلادنا .

سادتي (أهل العلم والإيمان) : في بلاد العلم والحريات يعلمون ببساطة البداهة أن العلم هو إنتاج الإنسان وعقل الإنسان وحواس الإنسان من أجل سعادة الإنسان ورفاهيته ورفع كل ألوان المعاناة عنه ، لأن العلماء من بني الإنسان يعلمون حاجات الإنسان وآلامه وكيف يسعد. كما يعلمون كم عانى بنو الإنسان عبر تاريخهم من ألوان الأمراض الفتاكة التي كانت تحصد الناس حصدا ، كما كان زمن الطاعون والكوليرا والجدري والسل الرئوي والدفتريا والتيفوئيد والزهري والسيلان . ولم يتمكن رجال الدين لا بالدعاء ولا بالصلاة صادقة أم كاذبة من رفع المعاناة عن الناس ، حتى قرر الناس هناك أن يرفعول يد رحال الدين عن حياتهم حتى ألجأوهم معابدهم ليبدأ العلم رحلته العظيمة من أجل الإنسانية ، بحثا وتنقيبا وشقاء ومعاناة بين عدوى المرض في الغابات وتحت المحيط في فدائية هي الأرقى بين كل ألوان الفدائية ، لأنها فدائية من أجل الحياة لا من أجل الموت ، حتى أمكن القضاء على كل هذه الأمراض الفتاكة في بضع سنين من عمر البشرية الطويل الذي خدم فيه رجال الدين أنفسهم بالقرابين والعشور والنذور والجباية من كل لون دون أن يقدموا للبشرية مصلا واقيا ولا علاجا شافيا .

وربما لا يدري أهل الدين عندما يردون العلم بمعجظات الأنبياء كسبق إلهي يثبت تفوق الله على الإنسان بالمعجزات ، ربما لا يعلمون أن العلم ليس فيه معجزات . بل هو يرفض الإيمان بالمعجزات ، لأنه كد وشقاء وعنت وجهد دءوب وبذل للنفس الرخيصة ، وراء العلم من أجل بني الإنسان ، ولولا جهودهم تلك ما صحت لنا أبدان ولا طالت لنا أعمار ، ونحن كسالى قعود في حالة كساح طال أمده .

وأحيانا لا تفهم ماذا يريد الشيخ زغلول ومن لف لفه فيما يحدثنا به عن معجزة الهدهد السليماني الذي كان يفهم في السياسية كما يفهم في أصول العبادات ، وكيف فهم سليمان تلك اللغة قبل أن يحاول العلم فهم تفاهم الطيور مع بعضها . ومعجزة النملة (اسمها في قصص الأنبياء للثعلبي جرسا وكانت بحجم الذئب) وشعبها من النمل ، وعلاقة هذا الشعب النملي بالشعب الإسرائيلي زمن سليمان ، وكيف شهد زمن سليمان اكتشاف سرعة الضوء عندما احضر الذي عنده علم الكتاب عرش بلقيس قبل أن يرتد لسليمان طرفه ، ومعجزات المسيح الطبية في العلاج التي سبقت العلم الذي لم يصل حتى الآن إلى إحياء الموتى مثله .

يبدو أن سيدي الشيخ زغلول ورفاقه لا يلتفتون إلى أن كل معجزات الأنبياء السابقين لم تخدم البشرية في شيء فالريح التي سخرها الله لحمل بساط الريح السليماني لم تخدم البشرية في شيء ، وجن سليمان بكل حشدهم لم يقوموا بإنتاج مصل مضاد لأي مرض ، ولم يطوروا إنتاج النبات والحيوان لإطعام المزيد من الأفواه الجائعة كما فعل العلم ، ولم يقيموا مصنعا للطائرات في وجود بساط الريح ، بل إنهم لم يقيموا لسليمان نفسه صروحا شاهدة كما لرمسيس وخوفو وأمنحتب ، ولم يقم المسيح بتعليم تلاميذه كيفية شفاء المرضى حتى يتم تعميمها للحد من آلام البشر توفيرا لوقت طويل استغرق ألفي سنة بعده .

إن هذه المعجزات لا يجب مقابلتها بإنجاز العلم لأنها كانت معجزات خاصة لإثبات صدق النبوات وانتهت بنهاية أصحابها ، لأنها كانت معجزات (استعمال مرة واحدة) .

أما العلم فلم يصنع معجزات لأن كل ما فيه يقبله العقل ويفهمه كما أنه يسمح بمشاركة أي عقل ويفهمه كما أنه يسمح بمشاركة أي عقل يمكنه أن يصلح أو يضيف ، ولا يحتاج إلى معجزات لإثبات صدقه ، لأنه يشك في هذا الصدق كل يوم فينقد نفسه ويصلح شأنه ويحذف ويضيف فيتقدم : لذلك هو علم .

سادتي أصحاب الفضيلة المفترون على العلم ، سادتي دكاترة العلم الذين تركوا علومهم ليفتئتوا على ديننا ، إن الحياة إنما هي نفحة ونفخة من روح الله ، فمن استطاع المحافظة عليها وصيانتها استحق منا التبجيل والتقديس ، أما من ركب أكتافنا يأكل آذاننا بمواعظ وفتاوى أكلت الأخضر واليابس ولم تزل تفح فينا نيرانها ، فليرحل عن دماغنا لأن زمانه قد مضى ، ولأن أحدهم لم يتقدم مرة واحدة بما يصون صنعة الله في أرضه حتى تقدم العلماء الفدائيون من أجل الإنسانية للصارع من أجل المحافظة على نسمة الله في الأرض ، وهم العلماء وهم العقول ، وهم الفعل ، الذي تقول بشأنه كتب التعليم الدينية "إن علماء الحضارة المعاصرة وإن كانوا أهل خبرة في المخترعات والصناعات ، فهم جهال لا يستحبون أن يوصفوا بالعلم ، لأن علمهم لم يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا إنما يطلق لفظ عالم على أهل معرفة الله وخشيته / منهج التوحيد 3 ث ص 77 / السعودية" .

سادتي (أهل العلم والإيمان) بئس التجارة تجارتكم فهي تجارة بعقل الأمة ممثلا في شبابها الذين هم مستقبلها ، كفاكم ما جنيتكم من بلهنية النعيم .. فارحلوا سادتي عنا .

نشرت فى روزاليوسف 30/10 /2004 العدد 3986

Posted by المجموعة الليبرالية at 01:09:53 | Permanent Link | Comments (0) |

Friday, 03 March, 2006

مدينة قرضاوي الفاضلة

مدينة قرضاوي الفاضلة

قرضاوي تمكن من تأسيس مكان متميز له في الفكر الإسلامي المعاصر بمجموعة ضخمة من الأعمال المكتوبة ، إضافة إلى نشاطه الكثيف في الفضائيات العربية ، ووجوده في جميع المؤتمرات المحلية والدولية مرجعا أعلى ، ومستشارا لبعض حكام الخليج ، وأثار القرضاوي أكثر من مرة جدلا وصخبا بسبب ما يطرح من فتاوي ، كما في فتاواه بشأن زواح المسيار ، وموقفه من مسألة الحجاب في فرنسا ، واستمرار الزوجة المسلمة تحت زواجها المسيحي ، إلى ما كان أكثر إثارة للصخب وهو إعلانه بعد 11 سبتمبر وحضور القوة الأمريكية في منطقتنا بأهداف علنية ، إعلانه الإيمان بالديمقراطية على التزامن والترافق مع مبادرة الإخوان بذات الخصوص في مصر ، إلى فتواه بقتل أي غربي عسكري في العراق – دون قطر بالطبع. حيث أكبر قاعدة أمريكية.

ثم فتواه بجواز جز رؤوس المدنيين عراقيين أو غير عراقيين أو تفجيرهم بغض النظر عمن يقتله التفجير امرأة أو رجلا أو طفلا ، مسلما أو شيعيا أو سنيا ، مسيحيا أو بوذيا أو آشوريا أو كلدانيا ، إنجيليزيا أو طليانيا أو إسبانيا ، أسودا أو أبيضا أو أصفرا ، لا فرق ماداموا من المتعاونين مع الاحتلال الأمريكي للعراق ، كالسباك وكسائق الشاحنة أو الكهربائي أو الحمال الذين يطلبون لقمة العيش بالعمل والعرق ، ويرى أن ذبحهم حلال زلال.. ثقة في إيمان القصاب وقدرته على إصدار الأحكام العادلة بشأنهم ، لذلك لا شك في إثم الضحية التي استحقت الذبح.. ألا يفزع مرة من دم الضحايا الأبرياء على مائدته وهو يتناول طعامه السمين مرة؟ ألم يذكر مرة شبابنا الذين غرر بهم ليذهبوا في عمليات انتحارية ، بينما هو مستمر على شاشات التلفزة يفتي.

ثم مؤخرا في حلقة الأسبوع الماضي على كرسيه المعتاد في قناة الجزيرة قال فضيلته كلاما كثيرا يستحق المناقشة ، ومما قال ان الأمريكان قد بدأوا حشدهم ضد الإسلام قبل أحداث 11 سبتمبر ، "وأنهم رشحوا الإسلام بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عدوا بديلا يجب أن تتوجه إليه مشاعر التعبئة بالكره".

والعارف بمنظومة الحياة الغربية في المجتمعات الحرة لابد أن يجد الشيخ بعيدا بعدا سحيقا عن فهم هذه المنظومة التي لا تعمل وفق عواطف الحب والكراهية ، ولا تدفع جيوشها لقتل مواطنيها بدوافع الكراهية ، ولا تدفع بهم أيضا حبا في أحد ، بل هي فلسفة المنفعة البحتة ، المصلحة وحدها وفي المطلق.

نحن يا شيخ من يفكر بعواطفه ، نحن اليوم وحدنا من لازال يستخدم شيئا غامضا متقلبا اسمه العواطف ، مازلنا نعيش الزمن الكلاسيكي زمن حرب داحس والغبراء دفاعا عن قيمة الضيافة ، زمن تضحية حاتم الطائي بحبه لفرسه فذبحه لضيفه إعلاء لقيمة الكرم. زمن حرب قبائل بكر بن وائل ضد الفرس أنفة وكبرياء لإهانة كسرى لابن النعمان ملك الحيرة ، ذلك كان زمان واليوم زمن آخر ، ذلك كان منهجا واليوم منهج آخر لا نعرفه ولا نفهمه ، فنحن نريد من زمن اليوم أن يتعامل معنا بقواعد زمن مضى فتنعدم لدينا الرؤية ونفقد لغة الكلام المفهومة فنتحدث ونحن بلا أي غطاء من أية قوة عن حقوقنا التي لن نتنازل عنها لأنها حقوق دينية وتاريخية دون أن نفهم أن الحق بدون قوة تسنده هو الباطل نفسه ، وأن قواعد اليوم ليست بما تملك من حق ، لكن بقدر ما تستحق ، أصبحت القاعدة هي الاستحقاق لا الحقوق. وفي مركز التخلف نقبع بثقلنا بين العالمين ثم نعلن إصرارنا على الولاء والبراء ، بموالاة ومحبة المسلم وحده حتى لو كان فلان العبيط أو علان الأكتع ، وكراهية غير المسلم والتبرؤ منه حتى لو كان آينشتين أو إديسون.

إن أمريكا يا مولانا لم تقم قبل 11 سبتمتبر 2001 بحملة تعبئة لكراهية الإسلام والمسلمين ، بل نحن من نكرهها منذ الزمن الناصري المأسوف عليه إلى الزمن الإسلامي الذي يجود بآخر أنفاسه هذه الأيام ، و طوال ذلك الزمن وصلت الكراهية حدا جعلت من كراهية أمريكا دليلا على وطنية المواطن ، دون أن نفهم كيف نمارس كل هذه الكراهية بينما أيدينا تمتد بأخذ المعونة من الأمريكان مليارات؟ أليس ذلك على المستوى الأخلاقي لونا من تدني القيم ، وعلى المستوى الديني دناءة في السلوك؟

مولانا يصرف المسلمين عن مواجهة الحقيقة المؤلمة وهي أنه هو أمثاله متهمون بأنهم أساتذة مدرسة الإرهاب ضد الإنسانية. ومولانا يصرفنا عما ارتكبت أيدي السفهاء منا في 11 سبتمبر إلى فكرة كراهية أمريكا لنا قبل هذا التاريخ ، لذلك استحقت الفعل الكارثة عقوبة لها على كراهيتنا. مولانا يصرفنا عن ضرورة البدء بالتعامل العلمي مع نتائج 11 سبتمبر ، أن العمل العلمي لا يجيده مشايخنا ولا يعرفونه ، والمعنى هو خروجهم من الفعل المترتب على 11 سبتمبر في عالمنا ، أولا لأنهم كانوا مدرسة تفريخ الإرهاب ، وثانيا لأن نتائج ما حدث بدأت بالحدوث ومستمرة بالحدوث وستحدث ، وأنه لا مفر لنا كمواطنين صالحين من البدء بالتعامل مع هذه النتائج برؤية علمية صارمة لا علاقة لها بالمشايخ ، وأن مخاطر عدم التعامل العلمي المدروس مع ما سيحدث ستكون مخاطرة هي الزوال من خريطة التاريخ أو التحول لكائنات أدنى في سلم التطور يمكن استخدامها في العمل البدني الرخيص.

إن صرف النظر إلى الدين ورجاله يخرج بنا من سكة الندامة إلى سكة اللي يروح ما يرجعش ، ويجعل مساحة الفعل في منطقتنا لأمريكا وإسرائيل وحدهما ، ليفعلا في واقعنا ونحن حسبما يطلب منا قرضاوي في دعاء قنوت يسمى " قنوت النوازل.. يعني حينما تنزل بالمسلمين نازلة نقنت في الصوات وندعو على أعداء الإسلام ، وأن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وأن ينصر الإخوة المجاهدين وأن يفك أسر المأسورين " ، ومن ثم لن يبقى في واقع الفعل سوى أمريكا وإسرائيل ، بينما نحن في دعاء القنوت. وفوق هذا ، وبينما هو قانت ، يرفض أي تحرك إيجابي محلي للجدل مع نتائج سبتمبر محليا ودوليا لاحتواء نتائجه الإيجابية ،ويهبط على الديمقراطية التي لم نعرفها إلا من الغرب هبوطا خاطفا ينتقي صندوق الاقتراع وحده دون أسس الديقراطية التأسيسية في الليبرالية العلمانية ، ليتخذ من الديمقراطية ستارا واقيا لتاريخه وتاريخ رفاقه أساتذة مدرسة الإرهاب الدولي ومرجعية هذا الإرهاب الدينية والتي على فتاواها يتحرك الإرهاب ويذبح ويفجر ويقتل ، يأخذ الديمقراطية ويرفض أهلها وأصحابها أن يكون لهم أي وجود ، ومن ثم يشن حملة على الليبرالين أو العلمانيين والحداثيين الجدد كما سارالإصطلاح فيتهمهم بأنهم عملاء للأمريكان "أنظر يا مسلم شيخك في جوار وحمى أكبر قاعدة أمريكية في الشرق ، لم يشر يوما إليها بكلمة ويتهم مفكري الوطن بالعمالة لأمريكا.. تأمل يا مسلم" !!

ثم يقول إن الأمريكان "يريدون أن يعتمدوا على هؤلاء الحداثيين والعلمانيين وأن يولوهم قيادة الأمة ، وأن يضخموهم وأن يفتحوا لهم المجالات في الإعلام والتعليم.. يريدون أن يصنعوا منهم شيئا".

ثم يوجه الخطاب لأمريكا شامتا: "ولن تستطيعوا أن تفعلوا شيئا بهؤلاء لأن هؤلاء مرفوضون من المجتمعات الإسلامية ". تعالوا نفهم ، دعاة الديمقراطية الليبرالية الكاملة هم عملاء لأمريكا لأن قرضاوي لا يريد الديمقراطية الكلية الليبرالية العلمانية أي بحقوقها وقوانينها ، يريد فقط صندوق الاقتراع وحده لهذا لا مانع لديه من تشويه شرفاء الوطن وتلويثهم الذين يؤكدون على الحقوق قبل الصندوق ، ويتهمهم بالعمالة بينما قرضاوي وبطانته هم عملاء تاريخيون للسلاطين ، وعملاء تاريخيون لمصالحهم ، حتى لو كانت ضد مصالح الشعوب ، وعملاء تاريخيون لتاريخ مضى وانقبر ، وعملاء لكل ما هو ضد حقوق والحريات.. قرضاوي بتعامل مع الليبرالية كما لو كانت جماعة أو فرقة دينية ، بينما هم فرادي لا يعرفون بعضهم البعضا ، لأن هكذا الليبرالية ، هي الحرية في المطلق ، لا تعرف الفريق والجماعة ، هي مجموعة قيم ومبادئ يمكنك أنت أن تعتنقها أو غيرك والليبراليون لا يطلبون التسلط على الناس في حماية أمريكا ، إنما هم يريدون أسلم الطرق لمنع الصراع والوصول إلى صيغة يتفق حولها الجميع لشكل الدولة والحكم ، تراعي كل تفاصيل المجتمع بأديانه ومذاهبه ومعتقداته دون تمييز ، هم يطلبونها للناس لا لأنفسهم ، يطلبون أن يتمكن الشعب من الاختيار الحر عن وعي حقيقي وغير مزيف وغير وطني بل قبلي مضحوك عليه من شيوخنا الذين لن يتخلوا عن حق السلطان أو عن تولي الحكم بأنفسهم وولاؤة الناس ، بينما الليبرالية تضع كل هذا بيد الناس ولا تريد حكمهم لا باسم الله ولا باسم الشيطان ولا باسم اي شعارات وادعاءات كانت.

مشايخنا جلسوا فوق أكتافنا ألفا وأربعمائة وخمسة وعشرين عاما ولا يريدون أن يتركوا لغيرهم المشاركة الحقيقية.

أنظر معي تعبيره أن الأمريكان يريدون أن يفتحوا لهم المجالات في الإعلام والتعليم ، تعبير فصيح فضيحة يحمل اعترافا طالما أنكروة ، بأن الليبراليين وأنصار الحريات ممنوعون من الوصول إلى أجهزة الإعلام ، لأنه مادام الأمركيان سيفتحونها لهم فإنها كانت قبل ذلك مغلقة بحلف الفقيه مع السلطان.

ثم يمضي فضيلته مطمئنا نفسه أن هذا الحلف الخائن ما بين الليبراليين العرب وبين الأمريكان لن ينجح ، "لأن هؤلاء مرفوضون من المجتمعات الإسلامية ، وليست لهم شعبية وليس لهم جماهير".

لاحظوا قرضاوي لا يرى في نهاية الطريق سوى كرسي الحكم ، ويتصور أن العلمانيين يصارعون الإسلاميين عليه ، لا يريد أن يفهم أن العلمانية هي فتح باب المنافسة العادلة للجميع مسلم أو مسيحي أو ملحد ، أو رجل أو امرأة ، أو أسود أو أبيض على التساوي الحقوقي الكامل كمواطنين في الدولة الديمقراطية. المنافسة بما يملك كل منهم من مشاريع وبرامج علمية مدروسة من أجل كل مواطن ، وهي منافسة سيخرج منها رجال الدين لأنهم حتى اليوم حتى في احزابهم الدينية لم يقدموا برنامجا واضحا لأنهم لا يعرفون شيئا اسمه المنهج العلمي في التفكير ، لذلك يحارب قرضاوي هذه المنافسة ويعتبرها كفرا. أما قول مولانا أن هؤلاء ليست لهم شعبية فهو إهانة لكل مواطن بشكل فج ومتعال ، لأن معنى قوله أن كل المواطنين يرفضون الحريات ويرفضون حقوق الإنسان ويرفضون إخوانهم في الوطن، معنى ذلك أننا شعب عنصري طائفي ، بل وشعب من العبيد بالفطرة.

أما عن لغته شديدة التعالي مع الاستصغار لشأن المفكرين الليبراليين العرب بقوله : "يريدون أن يصنعوا منهم شيئاً" ، فبحسباني من هؤلاء الليبراليين العلمانيين ولا فخر ، فليسمح لي قارئي بتقديم شهادتي هنا:

فأنا لم يصنعني أحد إنما صنعت نفسي بنفسي يا مولانا ، ولم أتقاض يوما من أحد من الداخل أو الخارج مسلما أو غير مسلم دولة أو أفرادا أو هيئات ومن ثم عشت هم هذا الوطن وكربه مع كرب الحياة والمعيشة واخترت الطريق إلى الحريات خلاصا لأبنائي من بعدي ، وما كان أيسره تحصيل المال والسؤدد والجاه بتخديم ذات المادة العلمية وذات التحليلات للحصول على سعادة الدارين دنيا وآخرة.

رفضت يا مولانا أن أخون وطني وقضيتي ، رفضت أن أكون مرتزقا مقدسا ، ويطيب لي هنا أن أشعر بالزهو بما حققت في أسوأ ظروف ممكنة ، وأن اراهن بشرفي وحدي كعلماني محترم أمام شرفكم كل سادتي القرضاويين.

لماذا لا ترد سيدي قرضاوي على ما نسوق بوجهك من حجج وتحليل لعلك تستمتع به؟

لماذا لا تقبل لقائي على أية فضائية في مبارزة تجمعنا معا فقط دون تدخل ودون فخاخ الجزيرة المعروفة ، لنطرح الأمر على مائدة النقاش ، والباب مفتوح لك يا سيدي والكرة في ملعبك ، لعلك تهديني لمدرستك فأعود عما أنا فيه من غي وبغي وخيانة للوطن في حضن أمريكا؟ أو لعلك تأخذ الخطوة الأخيرة نحو العلمانية.

ثم العلمانيون ليسوا فقط عملاء لأمريكا ، بل إنهم ضد الإسلام رغم أعترافهم بأنهم مسلمون ، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا بمسلمين لأنه "فيه فرق بين مسلم وإسلامي.. هناك تيار قومي وتيار إسلامي وتيار شيوعي".. مولانا يدقق هنا المصطلحات لأن هناك فرقا بين المسلم والإسلامي ، وحسبما نفهم من عرضه للتيارين الأيديولوجية فالمعنى أن المسلم إن لم ينخرط في تيار إسلامي سياسي فهو ليس بمسلم ؟! باختصار كلنا غير مسلمين لأننا غير أعضاء في تيار الإخوان.

ثم يتساءل : "كيف سيقود الأمة الإسلامية من لا يؤمن بالإسلام مرجعا؟ " قرضاوي يحدثنا عن أمة إسلامية وهمية وشايل هم القائد الذي سيقودها. إنه حديث زمن البعير والخيل والليل والسيف هو هو ، إنه لا يلتفت إلى أن الأمة مناط الحديث اليوم هي الأمة المصرية ، وأن هذه الأمة تتشكل من ضفائر مختلفة الأديان والمذاهب والعناصر وأن أي حديث يجب أن يراعى قوة هذه الضفائر ولا يحدثنا عن الأمة الإسلامية المأسوف على شبابها لأنها تكاد تكون أقصر الإمبراطوريات عمراً في التاريخ.

قرضاوي يفصح عن أحلامه الأسطورية ، فيتحدث هنا عن صراع على قيادة أمة المسلمين "أمة كده وكده!!" وأن العلمانيين طرف في هذا الصراع ، بينما العلمانيون لا تشغلهم الأمة الموهومة في شيء ، إلا كما تشغلهم مصالح وطنهم الخارجية مع أي دولة أخرى ، لا يملكون عواطف جياشة تجاة حسناوات البوسنة ، ولا صبايا الشيشان ، نحن مشغولون فقط بمصر يا مولانا على الأقل في المرحلة الحالية ، وفي ظل المناخ العالمي المعلوم ، فإن أحلامنا متواضعة وبسيطة تتمثل في مجموعة مبادئ وحقوق وحريات لا يرفضها سوى المستفيد من تخلف الوطن وكل من هو ضد المواطنين ، أحلامنا حقوق إنسان كاملة ، حق الحياة الآمنة الحرة الكريمة ، حق الاعتقاد والإعلان عنه وحمايته وصيانته مطلقا ،حقوق كاملة متساوية للمرأة والأقباط والمسلمين وكل الملل والنحل والأعراق. باختصار الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية وطبقتها الدولة المتقدمة فتقدمت ، نحن لا تشغلنا القيادة والزعامة يا مولانا لأنه في حال تطبيق مبادئنا السامية الرفيعة النبيلة الشريفة الوطنية المخلصة ، سنكون كأفراد قد خرجنا إلى مساحة المواطن الفرد كأي مواطن آخر ، يشكل وجوده في ساحة الفعل بما يمكنه إثباته للجماهير كي يتأهل للقيادة فهو فكر لكل الناس بمن فيهم أنت يا مولانا ، وساحة منافسة لكل مواطن حتى لو كان هذا المواطن هو أنت يا مولانا.

مشكلتنا كليبراليين عند سيدنا هي أن مجتمعنا يرفضا ، لأننا ضد تطبيق العقوبات الجسدية باعتبرا أن الزمن قد تجاوزها ، وأنها ضد حقوق الإنسان التي نؤمن بها ، لأن المجتمع قد أصبح أشد تعقيدا من زمن تلك العقوبات وأصبح إثبات الجرم من عدمه مسألة أكثر تعقيدا ، مما يمكن أن تقطع معه يد أحدهم لنكتشف براءته من بعد. يقول سيدنا : إنهم ضد الجلد والبتر والرجم والحجاب ومع الأقليات وحقوق الإنسان و" ده اللي بيجعلنا نقول أن المجتمع الإسلامي يرفض هؤلاء، لأن هؤلاء يرفضون حدود الله ". وهي تهمة أصبحت ماسخة ولا طعم لها لأن هذه الحدود لم تطبق عبر تاريخ الإمبراطورية الإسلامية إلا في حالات فرادي نادرة ، لأنها لم تجد السبيل المؤسسي للتنفيذ السليم ، فلماذا ينزعج قرضاوي من رفضها اليوم؟

قرضاوي يقول إنهم عندما يركبون الكراسي "لا سمح الله" سيقيمون دولة الإسلام الديمقراطي ، أما كيف ذلك فهو ما جاء في قوله : "عندنا في الإسلام أهل الحل والعقد، ولم يفصلوا لنا كيف نصل إلى أهل الحل والعقد ، الآن الديمقراطية وصلت.. بطريقة الانتخابات نحن لا نقول بأن أول شئ نعمله هو إقامة الحدود على الناس ونقطع يد السارق فقبل أن نقطع يد السارق نطعم الجائع ، ونكسو العاري ، ونشغل العاطل ، ونعلم الجاهل ، ونداوي المريض ، ونكفل المحتاج ونؤوي المشرد ، ونكفل اليتيم ، والزنى لا يمكن أن يثبت بالبينة لأنه كيف يرى أربعة من الناس العملية الجنسية ، هذا عمره ما ثبت في التراث الإسلامي الأول عن طريق الشهود".

ها قد خلق قرضاوي قناع مستر هايد ولبس قناع مستر جيكل ، ففي دولتهم عبر ألف وأربعمائة سنة لم تعثر الأمة كلها على طريق يعرفون به من هم أهل الحل والعقد ولا كيفية العثور عليهم ولا من هم؟

هل هم الجند أم المشايخ أم الأعيان أم العائلة المالكة؟ حتى وصلت الديمقراطية الغربية بطريقتها في الاقتراع بالانتخاب لتشكيل برلمان الدولة الإسلامية الديمقراطية ، ولا تعرف ما أضاف هنا سوى تسمية المنتخبين ديمقراطيا بأهل الحل والعقد ؟!
اللهم إلا إذا كانت دولة الإسلام الديمقراطية المرتقبة ستكون إسلامية ، بمعنى أنها تحت سيطرة التيار الإسلامي باعتبار أعضائه هم فقط المسلمون. وفي هذه الحال سيتم انتخاب 400 مفتي وكل مفتي وظروفه ، وكل مفتى وما يريد من الفتوى ، والفتوى كما تعلم تشريع ، يعني سيكون عندنا مولد فتاوي ، هذا إضافة لفتاوي الفضائيات والصحف والجماعات المسلحة وخريجي الأزهر ، فيزدهر التشريع ، وتتضارب القوانين ونعيش سمك لبن تمر هندي في أمة الفتوى العظمى.

ثم لماذا كل هذا الجهد والترشيح والانتخابات والبرلمان لوضع تشريعات ، فمادامت الفتوى تشريعا يكفينا قرضاوي مفردا يفتي ويشرع وحده ، لكنه في هذا الحال لابد أن يثبت أنه ديمقراطي ، بأن يفسر لنا لماذا يفتي دون أن ننتخبه ؟

والغريب مع سيدنا وهو ينعى علينا رفض العقوبات البدنية أنه يفعل فعلنا ويسير على دربنا ويأخذ ما قلنا على صفحات هذه المجلة منذ ست سنوات قبل سبتمبر 2001 حلا لمشاكلنا بأيدينا قبل أن يأتينا عمرو ، وها قد أتى عمرو ، أو بوش ، فيأخذ قرضاوي ما سبق وقلناه كسبيل لتطوير فهمنا عن الإسلام بما يسمح بقبول الحداثة والتغيير في بلادنا. وهذه آفة مشايخنا إنهم يحتاجون لمن يفكر لهم !!

وكان ملخص ما طرحت هو الاقتداء بفعل بعض الصحابة الكبار في التجرؤ على الحدود حسب مصلحة الزمن والمكان ، وبرأي بعض الفقهاء بهذا الشأن من باب تعطيل بعض الحدود للحريات ، وبأخذ حق تغيير بعض الحدود كما هي ، نصيب المرأة من الميراث أو شهادتها أو ما إلى ذلك ، لإيقاف هذه الأحكام نهائيا بما لا يسئ لقناعات المسلمين. فيأتي مولانا سائرا على درب الليبرالي المتواضع شخصي الضعيف ليحل مشاكل دولته الإسلامية الديمقراطية ، بأن الخليفة عمر أوقف الحد وأنه يمكننا قياسا عليه إيقاف الحد وأنه يمكننا قياسا عليه إيقاف الحد حتى نطعم الجائع ونكسو العاري إلى آخر تفاصيل مدينته الفاضلة الكاملة ، وهكذا يعطل مولانا الحد إلى الأبد وأكون الفائز بالسبق لأن مدينة خيالية كهذه لن يكون فيها سارق نقيم عليه الحد. ويكون قرضاوي قد وقف في خندقنا لإنقاذ دولته الديمقراطية الإسلامية بينما هو يكفرنا لهذه الأسباب تحديدا.

ومعنى كلام مولانا هو تعطيل الحدود التي نصل إلى زمن الوفرة رغم أنه يعلم أنه زمن الخلفاء الراشدين وغير الراشدين بعد أن عادت الفتوحات على الصحابة بثروات عظيمة وتحولت حياتهم من ضنك وشدة إلى وفرة وثراء ، ومع ذلك سرق الصحابة بيت مال المسلمين أكثر من مرة "حبر الأمة كبير المحدثين عبد الله بن عباس مثلا" ولم يقم عليه الحد زمن الوفرة والرخاء كما يطلب مولانا.

ومنذ فتح بدو الجزيرة بلادنا ونحن ننتظر هذا الحلم الذي لم يتحقق تحت تاريخ دولة الخلافة الطويل ، وتحت سلطان مشايخنا حتى اليوم. المقصود أن من سرق من كبار الصحابة لم يطبق عليه الحد المراد تطبيقه زمن الوفرة المقبل ، كما لم يطبق الحد على من سرقوا منا الوطن كله.

السؤال الهام هنا حتى متى ننتظر هذا الحلم الجميل عندما يعم الرخاء لنبدأ في تقطيع أوصال المسلمين كلون من ترف التسلية زمن الوفرة لتعمنا السعادة ونعيش في حبور؟

ا