Tuesday, 30 May, 2006

قبل أن تنقرضوا!!

قبل أن تنقرضوا!!

يلفت نظرك في الصحيفة القومية الكبرى أخبار العلم ، التي عادة ما تنشر مليئة بالأخطاء العلمية الفادحة في بسائط العلم التي يعرفها طلاب المراحل الإعدادية والثانوية ، مما يشير إلى تعامل الصحيفة مع العلم وكشوفه وآخر منجزاته بعقلية الخبر الصحفي ، الذي ينقل ما تكتبه وكالات الأنباء ، وليته يكتفي بمجرد النقل لكان هو الصواب ، لكنه يتدخل بعبقرية نادرة في أيامنا في إعادة صياغة الخبر لكي يتمكن من بصم اسمه عليه ، فيحيل الصحيفة كلها إلى أقرب مقلب نفايات.

ولن يكون ذلك غريبا عندما نلاحظ موقف الصحيفة كلها من العلم وإنجازاته ، ومثالا لهذا الموقف المتكرر ما جاء في صفحتها الأولى في شكل خبر كشفي خطير تمت صياغته كتالي : "علماء إسبان يعثروا على حفرية عمرها أربعة عشر مليون عام ، هي الجد البعيد لكل القردة العليا وكذلك الإنسان حسب اعتقاد العلماء وفقا لنظرية داروين".

تعالوا نفهم هذه الصياغة في فقرتها الأخيرة "حسب اعتقاد العلماء" ، الكشف العلمي ليس علما يفرض نفسه على الجميع بل هو اعتقاد؟

نحن نتخذ موقفا عقديا من العلم والعلماء بحسبانه عقيدة مخالفة كما لو كان دينا آخر ينافس الإسلام ، أو كما لو كان لونا من التبشير المستهجن – إذن نحن – من الآخر – لسنا مع ما يراه العلم تأسيسا وبداية وموقفا. و هو ما لابد أن يفترض أن لدينا البديل العلمي الأصوب والأكثر نجاعة. .

فمن نحن؟! وماذا نقدم للعلم حتى ننعي عليه كشوفه؟ الصياغة أيضا تحمل قدرا من الكبرياء المبطن والاستهانة بالعلم وكشوفه الذي مازال يعتقد في "نظرية داروين"!..

ألا يفسر لنا ذلك مصيبة تخلفنا النموذجي والقياسي حتى بين جميع الأمم المتخلفة؟

ألا يجعلنا ذلك خارج العلم أي خارج المسيرة البشرية؟

وهي بهذا الموقف نكون بشرا من بشر هذا الزمان؟

وهل لدى الصحفي الأريب (المؤكد أنه كبير بدليل نشره في الصحيفة الكبرى وفي صفحتها الأولى) ، هل لدى هذا الصحفي بديل للعلم في تاريخنا الطويل العريض الغيلظ ذي الجلد السميك؟

هل لديه بديل لعلم تتبعه الدنيا كلها أم أنه كالشعر يتبعه الغاوون؟

وهل لديه أي مبرر لكل هذه الإنفه والشموخ والكبرياء بينما هو وصحيفته وأمته كلها في قاع تراتب الأمم؟

وإذا كان كبيرا وصحيفته هي الكبيرة ويكتب هذا كتب بدون تردد ، أفلا يفسر لنا ذلك خيبتنا وهزائمنا المتتالية وأن الجهل قد أصبح سيد الموقف؟

بالطبع يمكن لمحررنا الداهية أن يشير هنا إلى سبقنا المعرفي في فروع علم البيولوجيا مستعينا بفقهنا المقرر على طلاب الثانويات الأزهرية ، ومعرفته لتهجين الحمار والحضان لينتج بغلا أو بغلة عقيما ، وكيف أن علمنا يرتبط بعقيدتنا دون تفريط ، فيجوز للحصان أن يقفز على الحمارة لإنجاز المطلب العلمي برضى شرعي مسموح به إسلاميا ، لكن "يكره نزو حمار على فرس / 403". . وسر كراهة قفز الحمار على الحصانة أن الحصان حيوان كريم شريف عند العرب إضافة إلى أن الخير معقود بنواصيها حسب الحديث الشريف : ربما واجهت علماؤنا هنا مشكلة في إقناع الحمار بكراهة نكاح الحصانة ، أو إقناع الفرسة بعدم السماح للحمار بركوبها ، وهي مشاكل بسيطة وهينة إن شاء الله.

إنها شيخوخة الأمم عندما تدخل طور الخرف والزهايمر قبل الموت المهين لا الكريم ، أمة أصبحت تخاف حياة لها تطورها الذي لا تعرفه ولا تفهمه تخاف من العصر وطرقه وأساليبه فتنكفئ على ماضيها البعيد تستحضره بحسبانه أجمل العصور ، كالفرد تماما عندما تصيبه الشيخوخه ولا يعود يرى في شيخوخته سوى عالم لا يعرفه فيعيش حلم يقظه أيام شبابه الذي ذهب وولى ، فيفقد القدرة على تغيير نمط سلوكه ، وتضيع منه الهمة والإرادة منشغلا بآخرته رافضا أي جهد لأي عمل منجز أومنتج بعد أن تيقن أنها أيامه الأخيرة.

إن الرئيس الأمريكي بوش وصف القارة الأوربية بالقارة العجوز لفقدها الهمة والقرار في حل مشاكلها ، ولو لا تدخل أمريكا في الحرب الثانية إلى جانب القارة العجوز لكان الدب الروسي قد التهم كل أوروبا ، ولو لا تدخل أمريكا في حل مشاكل أوروبا المعاصرة كما حدث في البوسنة مثلا لتمزقت أشلاء البلقان وما حولها بالتبعية في متتالية انفجارية. فإذا كان هذا وصف أوروبا فبم يمكن وصفنا نحن؟ بماذا يمكن أن نصف أنفسنا ونحن نروج في كبرى صحفنا للعداء للعلم لأنه إنجاز شعوب أخرى ، وأن علينا مخالفة هذه الشعوب إخلاصا لأصالتنا ووفاء لتخلفنا؟

نحن أمة تصنع مشاكلها بأيديها ثم لا تعرف إلى حلها سبيلا ، وكل حلولنا نربطها بالدين أو بوجهة نظر في الدين كالحجاب الذي بدأ كزي من أزياء الحشمة لينتهي اليوم فرضا إجباريا دونه إنكار المعلوم من الدين بالضرورة ، ولأن الدين مقدس فلا يصح مراجعة الحلول السابقة التي تمت بموجبه. أخرها علم العراق الذي كتب عليه صدام بإصبعه الشريف أيام أم الهزائم 1990 عبارة الله أكبر ، ومن بعدها لم يتمكن العراقيون من تغيير علم الطاغية ، فهكذا يفعل كل نظام مأزوم ، يختفي وراء الله ويترك حلوله قيودا تكبل شعبه عن التحرك من بعد ، ليكون ديكتاتوريا حيا وحبيسا وميتا.

أسلمنا كل مظاهر الحياة في بلادنا في زمن أزمة انتقالية مستحكمة ، وسمحت حكومتنا لشغل الناس بقضايا الحيض والنفاس بهجمة الأسلمة على العقول ، بالأشرطة غير المرخصة التي تحوي قمامة الفكر التحريضي المثير للكراهية والفتن ، بالصحف ، بالمجلات ، بالكتب (ويا خسارة الورق والعقول) ، بإذاعة الدولة ، بتلفاز الدولة ، ومؤتمرات الدولة ، واحتفالات الدولة ، إضافة إلى نهر المال البترو دولاري الذي ارتبط بإسلام المظهر دون المخبر ، الزي والجلاليب واللحي ولخمار والنقاب والشباشب ، والطعام الإسلامي ، والطب الإسلامي ، مصحوب هذا كله بحملة تكفير علنية للمجتمع والدولة ، بل وفي الأوتوبيس العام والمترو ، حيث أصبح لكل منها خطيب أو خطيبة ، أي والله العظيم. . خطيبة! ! ، بل إن بعضهن اشتهر في مترو الآنفاق بالاسم مثلهن مثل الشاب عمرو خالد ، والشاب "قرضاوي" حملة تكفير لكل ما هو مخالف لعادات وتقاليد البدو ، حملة تكفير للفن وتدعير للفنانات والفنانين ، وتكفير للأدب الذي هو أدب ، وللثقافة وللعلم حتى كفروا الرئيس الذي أعطاهم كل هذه المساحة واغتالوه يوم نصره مكافأة له لاستعادته تراب الوطن الذي فرط فيه من قبل العربيون المتأسلمون ، وتركوا على تراب سيناء مساحات دم من أبناء مصر ستظل تخزى تاريخهم أبد آبدين.

وبعد هذه الأسلمة المتشحة بأسوأ رداء إسلامي ممكن وبأكثر رؤية مظلمة للإسلام ، رغم وجود بدائل مذهبية أكثر احتراما للإنسان وللدين وللمستقبل. بعد هذا كله يصبح طبيعيا أن يكون هذا موقف صحفنا الكبرى من أي علم ، ومن الطبيعي أن يرفض الناس أي جديد.

المصيبة تتفاقم عندما نحاول اليوم العثور على حلول لمشاكلنا المتراكمة تلالا ، وبعد الاجتماعات وجهد المتخصصين ووضع الخطط والاقتراحات ، يتم رفع التقارير النهائية للمشايخ مرة أخرى ليروا رأيهم فيها ليحللوها أم يحرموها. والأنكى أن نتحدث عن الإصلاح الديني حتى لا يفرز الإسلام بوضعه الحالي مزيدا من الإرهاب ، بإحالة ملف الإصلاح لرجال الدين من اجل الإصلاح الديني (؟!!). . السؤال هنا هل يمكن للفيروس أن يبحث لنفسه عن علاج يقتله؟

إن الإرهاب هو النتيجة الطبيعية والمفترضة لسوء السياسات التي استخدمت الدين في أغراضها ، لجر الشعوب من أعناقها عن رضى وإيمان طيع ، الإرهاب أصبح كائنا حيا ينمو ويتكاثر بإغواء الآخرين للتزاوج معه لإنتاج أجيال محسنة. و كما برع فقهنا البيولوجي في مسألة تهجين البغل الذي لا يتناسل ، فقد جاء منجزنا البيولوجي واضحا لكل الدنيا.

جاء الإرهاب نتيجة هجينة لتزاوج ثقافة التكنولوجيا مع ثقافة القبيلة البدوية ، فإنتج شائها عملاقا قويا يملك آليات العصر مع عقل الماضي المتخلف ، عملاق قوي الجسد ضعيف الفهم ، نصف آدمي نصف آلي ، نصف متحضر ، هجين كالبغل لهذا هو قاتل سفاح. لهذا أيضا هو لا يستطيع الإنجاب ، لذلك يتراجع بيولوجيا إلى مرحلة الكائنات الطفيلية ، فهو طفيلي في كل شئونه ، طفيلي في موارده المالية ، طفيلي في الحصول على منفذي عملياته ، يعيش في مزابل الكراهية وكهوف الغدر بعيدا عن الحضارة وإشعاعها القاتل للجراثيم ، ثم هو أيضا لحل مشكلته البيولوجية التكوينية يأخذ صفات مصاص الدماء ، يتغذى مثلهم على دم البشر ، ويدفع في شرايينهم سمومه ليصيبهم بالعدوى ، ليحولهم إلى مصاصي دماء. وليس من دليل واضح على انتشار عدوى السعار انتشارا وبائيا أكثر من الشباب المسلم في مختلف البلدان وهم يلتفون حول رمز دينهم بن لادن بولاء قبلي لا يعرف معنى الوطن ، فيضربون الوطن إخلاصا لرمزهم غير واعين أن الأمة الإسلامية هي مجموع هذه الأوطان التي يدمرونها ، وغير مفترضين أن من يقتلونهم هم من يشكون مجتمع هذه الأمة.

الإرهابي لا يشغله من هم ضحاياه الذين سيدفنهم التفجير أحياء ، لا تشغله أحلامهم ولا أهلوهم ولا إن كانوا من المصلين التقاة أو من الآثمين ، لا تشغله انتماءاتهم وبعضهم أخلص منه إسلاما ، أو للحقيقة كلهم.

إن البشر لا يسلكون هكذا أبدا. . إنه انجازنا العلمي ، إنه الإنجاز الذي بلا شبيه ، إنه الهجين المفترس الطفيلي مصاص الدماء المسعور ، الذي يفترس الشيعة والسنة والأطفال والنساء والعجزة ، اليهود والمسيحيين والبوذيين ، المصريين والعراقيين والماليزيين والأتراك ، يضرب في أي مكان ، في الأراضي المقدسة وفي سيناء المقدسة وفي فرنسا وفي إسبانيا وفي أمريكا وفي أفغانستان وفي أي ستان وكلها يعيش فيها بشرا آمنون فهي كلها مقدسة ، يلتهم ولا يفرق بين ذكر وأنثى ولا كبير ولا صغير ولا أبيض ولا أسود ولا أصفر ولا طفل رضيع. .

ترى هل اكتشف شعب في الدنيا أسلوبا كالذي اكتشفناه وصنعناه في معاملنا؟ . .

وهل في الدنيا من له كل هؤلاء الأعداء؟

وعود إلى مشايخنا الطيبين الذي سيحلون لنا مشكلة الإرهاب عبر ملف الإصلاح الديني. . منهم من أيد الإرهاب علنا ومنهم من أيده على استحياء ومنهم من سكت ، لكن ليس منهم من قام يكفر الإرهاب والإرهابيين كما سبق وكفروا مفكري الوطن وحكام الوطن وكل الوطن.

مشايخنا الطيبون هم من يقودون صغار شبابنا لبيع دمائهم في سوق الخلود ليلحقوا بالصبايا الحور ، ويتركونا بين الدمار وبين التهديد الدولي القادر. إنها سوق نخاسة لا إنسانية ، تذكرني بما كان يفعل السلف الجاهلي بقيادة الفتيات لبيع أعراضهن في الخيام الحمر. . تذكرني بالقوادين.

وكلما اقتربت رياح الديمقراطية ازداد الشيوخ ضراوة ، وإزداد الإرهاب شراسة بادعاء أن الديمقراطية بدعة غريبة مرفوضة ، وكأنما صحيح الدين سيتعطل عندما يراقب الشعب سارقيه.

لقد استولى المشايخ عبر الفترة المأزومة الماضية على كل السلطات ، فأصبحوا هم مصدر التشريع ومصدر القانون ومصدر التنفيذ ، أصبحوا الآمر الناهي ، بينما تم إقصاء الدولة الحديثة لأنها غير ملتزمة ولا تشرب مكة كولا ، وأنها تضع تشريعات كفرية ، ويقوم نظامها كله على أسس كفرية.

ولأن الديمقراطية تطيح بكل هذا لصالح الدولة المدنية الحديثة يصبح مفهوما اشتداد سعارهم الآن الذي هو علامة على بداية النهاية.

هل تذكرون عندما صلى شعراوي تجاوز الله عن سيئاته في هزيمة 1967 ، وقال إنها كانت شكر لله لهزيمة السلاح السوفيتي في أيدي المسلمين أمام السلاح الأمريكي في أيدي الإسرائيليين.

الحقيقة أنها كانت صلاة الاحتفال بهزيمة الدولة الحديثة العصرية التي أزاحت دولة الدين والخلافة. .وبعد سبتمبر 2001 وهبوب الرياح القالعة للكراسي الدموية ازاداد بطش الإرهاب لأنه دولة الدين ، أو المتحالفة معه في طورها النهائي ونزعها الآخير. لأن قيام الدولة الحديثة منذ زمن محمد علي فضح جهلهم وتخلفهم وطمعهم وغشهم لله وللمؤمنين فحقدوا عليها وكفروا تشريعاتها وطالبوا بزوالها ، حتى واتتهم فرسة السقوط في 1967.

ولأن الأيام دول فقد آن لمشايخنا أن يتركوا ملف الإصلاح لأهله وناسه لأنهم قد أصبحوا عمالة زائدة في الدولة المقبلة ، وحتى تتم تهيئة الأوضاع ضمن مسيرة الإصلاح لقدوم الآتي ، إما أن تتم إحالتهم للاستيداع ، أو أن يعاد تأهيلهم وهو الأمر الصعب ، حتى يمكنهم مرافقتنا سفينة المستقبل ، ولكن لهذه المشكلة حلها الذي نعرضه حبا في الوطن ولأننا لا نعرف الكراهية مثلهم. بل نغفر لهم ، وعلى استعداد لإعادة تأهليهم. نحن يا سادتنا نعرف الغفران والحب لكل أبناء الوطن ، ونحن كفيلون بتعليمكم وتثقيفكم وإخراج كل الخرافات من رؤوسكم لتركبوا معنا سفينة النجاة نحو الحضارة ، لأنه لا عاصم لكم اليوم من الانقراض.

روز اليوسف

Posted by المجموعة الليبرالية at 12:16:27 | Permanent Link | Comments (1) |

Friday, 26 May, 2006

فأين ذهب الإرهاب؟!

فأين ذهب الإرهاب؟!

بات معتاداً مشهد الدماء العراقية تلطخ الوجه العربي كله بل والإسلامي ، وأمسينا ننام على الكوابيس ونصحى على الكوارث بأيدي المسلمين في كل مكان في العالم ، بفضل رعاية مشايخنا أسكت الله لهم حساً ، ودعايتهم للفضيلة التي كانت غائبة وحضرت ، وأسموها الفريضة الغائبة حسب كتاب الإرهابي المصري شكري مصطفى. رافعين للعالم رايات الإسلام خفاقة بإنجازات الصحوة الإسلامية على ردم من الخراب وبحيرات من دماء الأبرياء في كل مكان ، وقتلى من كل الألوان والعناصر والملل ، تحت ما أسموه " فريضة الجهاد ".

تعالوا نحاول أن نفهم ما تقدمه ميليشيات المسلمين المسلحة لنا وللعالم بحسبانه فضيلة وفريضة على المسلمين. إنهم بما يفعلون يؤكدون كم هو ضعيف رب الإسلام ، كم هو بحاجة للعناية والرعاية دون كل الأرباب عبر التاريخ ، والتي كانت حامية لشعوبها ورمزاً لتفوقها حسبما نقرأ من أساطير وأديان أخرى ، إلا الإسلام ، فقد تحول أتباعه بربهم إلى رب لا يستطيع أن يدافع عن نفسه وعن عباده بل يكاد لا يريم حراكاً. هذا علماً أن الإسلام نفسه من أكد لعباده "أن الله يدافع عن الذين آمنوا". وأنه قبل مجيء الإسلام أو ظهور المسلمين قد أرسل جنده طيراً أبابيل ترمي أعدائه بحجارة من سجيل ، وشرح في قرآنه أن لله ملائكة مسومين يحاربون ويقتلون ولا يـُقتلون ، خالدون ، وله أيضاً قوى الطبيعة التي دمرت قوم نوح بطوفان رباني ، ودمرت أيضاً جنوب شرقي آسيا بالتسونامي كما يؤكد مشايخ المسلمين ، وهكذا فإن لله أسلحة إبادة شاملة أطلع عليها عباده ورسله وأنبياءه. وأنه يـُعين ولا يـُستعان عليه. إنهم يفتئتون على الله ويعينون أنفسهم بأنفسهم جنرالات حروب دفاعاً عن رب الحول والطول العظيم ، رغم أنهم لم يكونوا موجودين قبلاً منذ فجر الخليقة ، وكان الرب موجوداً بعدله وقدراته وكماله ولم ينتظر من عباده أن يقتلوا عباده تقرباً إليه ، لأنه وحده من أوجب على نفسة الفعل العدل في المكان العدل.

تعالوا نتصور بعض ما يحدث عندما ينادي منادينا حي على الجهاد

ماذا ستكون ردود أفعال بعضنا ؟ بعضنا سيتجه فوراً إلى رئيس الجمهورية لقتله كما حدث مع السادات ومع عمر وعثمان وعلي وغيرهم ، وبعضنا الآخر سيتجه إلى مدينة الأقصر ليقتل فيها السائحين ويمثل بجثثهم ويضرب اقتصاد بلاده الوطني في مقتل ، وبعضنا سيتسلل إلى العراق ليفخخ أسواقها أويفجر المصلين العراقيين عند صلاة الجمعة أو يفجر أنابيب النفط فيها لإيقاف عجلة التنمية ، وبعضنا ستعجبه مدريد فيفجر محطة القطارات فيها أثناء الزحام وبعضنا يحب العروبة والإسلام فيفجر الرياض ، أما بعضنا ممن يعشق الموت الفضائي فسيخطف طائرة ويفجر بها أبراج نيويورك. فأي لون من هذه الألوان هو الجهاد؟

إن الجهاد عند مشايخنا وميليشياتنا المسلحة له ألف تفسير ، لكن أبشعه وأسوأه هو ما يحمله من عداء لكل الأمم. بل أيضاً لمسلمين مثلنا لكنهم يختلفون عنا في المذهب أو الرأي. إنه الكراهية حتى الموت ، وهو ما لا نعتقد أنه من إسلامنا في شيء.

المشكلة عندنا أننا نستدعي مبدأ وقيمة من زمانها منذ ما ينوف على ألف وأربعمائة عام ومن مكانها في جزيرة العرب ، ومن ظرفها التاريخي الذي استدعى من القوة الطالعة في الجزيرة أن تحل محل فراغ القوى الذي حدث بعدما نهكت القوتين العظيمتين نتيجة صراعهما الطويل. كان ظرفاً وتاريخاً له أسبابه وظروفه التي حددت خط سير الأحداث حينذاك ، وكانت الظروف مواتية لعرب ذلك الزمن للغزو والفتح والاحتلال ، بينما تغير الوضع اليوم بالكلية وأصبحنا في معادلة القوة والضعف نحن الطرف الذي هو دون الضعف بمراحل لأننا أصلاً لسنا داخل المعادلة !!

وضمن ذلك المبدأ القديم الذي استخدمته القوى الإسلامية لتوحيد جزيرة العرب واحتلال دول المحيط ، تقوم مباديء أخرى ترتبط به وتنتج عنه تم تقنينها في كتبنا الفقهية بقواعد شرعية ، وضمن تلك القواعد ما يقنن السلب والنهب والقتل وسبي نساء المهزوم ، وهي القواعد التي تجاوزها الزمن بعدما حدث من تطور إنساني على كل المستويات وضمنها المستوى الأخلاقي الذي وضع للحروب أخلاقيات ومعاهدات يتم العقاب على مخالفتها دولياً كما في نصوص الأمم المتحدة ومعاهدات جنيف ، وبموجبها تم التدخل في البوسنة والهرسك ، وبموجبها يحاكم رئيس الدولة لأنه سمح بإغتصاب النساء والإبادة الجماعية. لم يعد مفهوم الجهاد ملائماً لزماننا يا سادتنا المشايخ ، وإلا فماذا تفعلون إذا قرر بوش إلزامنا بمبادئنا وأخذ أهلنا من العراق ومن أفغانستان عبيداً وسبايا إلى نيويورك وواشنطن ، هل سيكون في هذه الحال بربرياً وضد الإنسانية ؟ وترى كم سيكون الخـُمس وهو نصيب الرئيس حسب قواعدنا ، سواء من البترول ، أو الرجال عبيداً ، أو من النساء السبايا ؟

وغني عن التوضيح أن ما يقع خارج حدود وطن كل منا هو شأن يخص المجتمع الدولي ولا يخص دعاة الجهاد ، لأنهم ليسوا مجلس الأمن ولا هم الأمم المتحدة ليتبنوا قضايا دولية الطابع ، خاصة بعد أن قفل الجهاد بابه يوم قفلنا عائدين من الأندلس ، ويوم أصبحنا مطاردين بعد أن كنا مهاجمين ، وأن هناك دولاً كبرى لديها العلم ولديها الحضارة إن غضبوا على دولة حاصروها بمنع التعامل معها لتموت جوعاً وتخلفاً.

لقد تم تطبيق مبدأ الجهاد وما يترتب عليه حسب الكيف والمصالح عبر التاريخ ، فما هي المصالح اليوم في جزّ رقاب الخراف الآدمية وتفجير المصلين في الحسينيات وفي الكنائس العراقية؟ وما هي المكاسب التي حققها المسلمون بغزواتهم المباركة؟ فقط لم يحققوا سوى القتل ، وإذا كان القتل هدفاً في حد ذاته ، فهو ما يعني أننا قد هبطنا إلى ما دون الحيوانات المفترسة التي تفترس لتأكل ، ولهذا خلقت ، فلماذا خلقنا نحن؟!

إن المقصد الشرعي من الجهاد هو نشر الإسلام وحماية المسلمين وفتح البلدان ، فهل يحقق الزرقاوي ذلك أو سيده بن لادن ؟ إن الجهاد عندما لا يحمي المسلمين بل يؤذيهم أشد الأذى فإنه يتحول إلى إجرام.

الشيخ يوسف القرضاوي منزعج أشد الانزعاج ممن قال عنهم "من يسعون إلى تفكيك الإسلام فيريدونه إسلاماً بلا جهاد ومصحفاً بلا سيف". دون أن يوضح لمتابعيه ماذا حقق هذا السيف حتى الآن وماذا فعل الجهاد بالمسلمين؟

أما الشيخ علي جمعة المفتي المصري فقد دعا العالم كله إلى استبدال كلمة "إرهاب" بكلمة "إرجاف"؟ وكيف سيقولونها يا مولانا؟! وهل للإرجاف معنى معلوم حتى لدى المسلمين؟

لو كان المعنى معلوماً فلماذا أخذ يشرح المعنى مدعوماً من الدكتور محمد زيدان ليوضحه للمسلمين؟ ولماذا كل هذه المشقة؟

ما العيب في كلمة "إرهاب" الواضحة البسيطة والتي تعني ترويع الآمنين والاعتداء عليهم؟

السبب أن الكلمة وردت في القرآن "ترهبون به عدو الله وعدوكم" ، ولا يفهم المسلم هل سننزع عن الآية معناها المقصود والواضح ، أم سنظل نستخدمها ، لكن نستخدم لذات المعنى كلمة أخرى هي "لإرجاف " في حال حدوث إرهاب اليوم؟ ويرى السيد المفتي أن كلمة إرجاف هي التعبير الصحيح ، كما أرجفت المدينة بعد غزوة أحد وأثناء غزوة الخندق ، عندما ارتفع صوت المعارضين أو المنافقين في حال ضعف الإسلام المؤقت ، والذي كان يقابل بروع مسلح سريع وقوي تم فيه اغتيال عدة رؤوس من أهل المدينة. إن بن لادن والزرقاوي لا يشببون بنساء أميركا ولا يقولون قصائد هجاء حتى تسمى فعلتهم إرجافاً كما تقول كتب التراث (وأرجفت المدينة) أي تكلم أهلها وعلا صوتهم بالمعارضة والنقد. إن الزرقاوي وبن لادن وميليشيات الإرهاب لا تقف عند حد الكلام الذي كان يتم إخراسه في زمنه بالسيف ، إنما هي تحرق وتذبح وتسلخ وتدمر أهلنا بالعراق ، والإنسانية في أي مكان.

طالب فضيلته باصطلاح الإرجاف بدلاً من الإرهاب في ندوة بمسجد النور بالقاهرة ، وأكد أن "الحضارة والثقافة الإسلامية باقية وصامدة ولم تمت ، وإنما نامت لبعض الوقت وهي الآن بحاجة لمن يوقظها لمصلحة البشرية". الدكتور جمعة مهموم بالبشرية المحرومة من أنوارنا ، وأنها بحاجة لأمتنا النائمة بـ"تعبيره" ، وعلى أحد ما أن يهز الأمة أو يسكب عليها عارها حتى تصحو من النوم لتأخذ بيد البشرية نحو النهضة المباركة.

لا زال هؤلاء يعتقدون أنهم مناديب السماء وأن علينا واجباً ربانياً لهداية البشرية ، ولا يفهمون أبداً أن للآخرين أديانهم وأنهم يحبونها ويحترمونها وأن علينا أن نحترم ذلك. أما من عليه واجب الهز ، أو من المنوط به ، أو ما هي الهيئة التي ستقوم بالهز ، فإذا هزتنا أمريكا فهل يتناقض ذلك مع شريعة الهز الإسلامي؟

الدكتور محمد زيدان تلقف "الإرجاف" ليشرح كيف أرجفت المدينة والمرجفون "الذين يزعزعون الاستقرار والمثبطين" أي المعارضين في يثرب... المعارضة بالكلام هي الإرهاب ، أما الرد على المعارضة حسبما قال زيدان -أكثر الله أمثاله- "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم".. الأحزاب ، أي سنغرينك بقلتهم.

ولا يكتفي سادتي أهل الدين بهذا التعريف للإرهاب ، إنما يضيفون لمفهوم كلمة إرجاف معاني جديدة معاصرة ، فالمرجفون أيضاً "هم الذين يسيرون وراء كل ناعق ، الذين يشنون على الأمة حروباً معنوية ليدفعوها للتبعية للغرب"...

هذا إذاً هو الإرجاف ، فأين ذهب الإرهاب؟!.

(الاتحاد الإماراتية)

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:02:13 | Permanent Link | Comments (0) |

Sunday, 14 May, 2006

إنه التلفزيون

إنه التلفزيون

فـي بعض القنوات الفضائية يستفتي المؤمنون مشايخهم في بعض المسائل الخاصة وأحياناً الخاصة جداً جداً، ويلاحظ أن السائل في المسائل الخاصة جداً جداً عادة مـا يكون سيدة ذات صوت رخيم ودلال فيه خفر وحياء إلا فيما سمح بـه الله خاصة فـي رأي الدين الذي لا حيـاء فيـه.

وهذه إشارة من باب اللطافة لمن يجلسون يترصدون هذه الفتاوى من الشباب المتغول في مراهقته فتتحول الفتوى عن هدفها، ويتحول البرنامج عن غرضه من البث.

و الغريب هنا أن تسمع كل هذا الوضوح والسفور على شاشات ملتحية متحجبة ، وتقرأه بالتفصيل الممل، وكيف يكون شرعياً في الكتب المقررة على تلاميذ وتلميذات في سن الشبق بالمرحلة الثانوية بل وإعدادية في أزهرنا الشريف. ورغم ذلك يجمع أهل الفتاوى التلفزيونية وأهل أزهرنا الشريف على الوقوف صفاً مرصوصاً ضد تدريس الثقافة الجنسية بالمنهج العلمي في مدارسنا، وترك الغول يخرج على استحياء مغناج في استفتاء تلفزيوني هنـا، أو بالحديث عن مجامعة القرد كمفسد للصوم في رمضان في مقررات أزهرنا هناك، أو في جريمة اغتصاب لفتى أو فتاة هنا وهناك، يعلن عنها بين ألوف الحالات التي تمنعها الفضيحة عن الإعلان.

مـا علينـا… فقط وجب التنبيه، لأن في قنواتنا ما يثير بلبلة المؤمن حين تكون المشاعر الدينية السامية في أوجها.

و في ما يلي نموذج مداخلة لشاب وفتاة.

الشاب التقى بالفتاة ليتزوجها فأحبها وهي لـم تحدث لديها أيـة مشاعر، فقام كل منهما بعمل استخارة، فجاءت الاستخارة للشاب بالإيجاب والقبول وجاءت للفتاه بالنفي والرفض، في شأن لا يمكن حسمه بالصلاة وبعض الأدعية واستشارة الحظ ، شـأن مرجعة للمشاعر وأسلوب الزواج في بلادنا وكيف يتم حسمه... مع عدم الالتفات بالمرة إلى عقل منحه لنا الله نضعه في صندوق ونغلقه لنقف دوماً على باب ضارب القداح أو قارئ الكف ليختار لنا، وهو الأمر الذي يشير إلى شخصياتنا الاتكالية الضعيفة المهزومة التي تخاف أخذ القرار حتى في أخص مـا يخصها.

سيدة أخرى عجوز وقعت على قعيدتها فانكسر عصعصها وتخشى ألا تبعث يوم القيامة لأنها قرأت للدكتور زغلول النجار أن العصعص هو الشتلة التي سينبت منها جسد الإنسان يوم البعث استناداً لحديث نبوي، وأن الدكتور زغلول أكد أن العصعص بسبب هذا الحديث لا يمكن كسره ولا سحقه ولا حتى بالمذيبات الكيميائية ولا بالقنبلة الذرية…. ووقع المفتي بين الحديث وبين زغلول وبين العجوز الملتاعة في حيص بيـص.

والشيخ يوسف القرضاوي كفقيه معتدل يحاول عبر التلفاز أن يبحث عن فقه جديد للأقليات المسلمة في أوروبا وغيرها لتبرير زواج المسلمة من غير المسلم، فيرجع إلى رأي قديم عن امرأة أسلمت وعاشت مع زوجها المسيحي وجواز ذلك، ليقدم ذلك جوازاً للحالات المشابهة اليوم في أوروبا. لكنك هنا لا تلمس فقها جديداً بقدر ما هو العودة الدائمة للبحث في القديم لتبرير الجديد.

ويبقي السؤال، ماذا لـو أن تلك الحادثة القديمة التي تمت إجازتها من قبل فقهنا القديم لم تحدث؟ فهل كانت الفتوى اليوم ستتغير؟ وكيف أكون مفكراً ويقتصر تفكيري في البحث عما يمكن نقله من عالم الموتى القديم إلى عالـم الأحياء؟.

……"هذا" يفترض أن يعلم الناس، كيف يفكرون ولذلك اخترعه أهله

لكنه في بلادنا يعلم الناس كيف يكونون عبيداً للماضي... إنه التلفزيون.

سيد القمني

الاتحاد الإماراتية

Posted by المجموعة الليبرالية at 12:52:09 | Permanent Link | Comments (0) |

Thursday, 11 May, 2006

لا محيص!

الا محيص!

 

عندما قال "جاليليو" وفق نظرية علمية متماسكة ، إن الأرض ليست مركز الكون إنما هي كوكب كالكرة يدور حول الشمس ، تعجلت الكنيسة فحاكمته وطلبت منه إقراراً واضحاً بكذب ما وصل إليه.

أي كان عليه أن يكذب علمياً كي يصدق دينياً. وعبر سلسلة المحاكمات التي مر بها العلماء بالذات ، كان واضحاً أن طريق العلم مختلف بالكلية عن طريق الدين.

ودارت الأيام لتعترف الكنيسة بصدق "جاليليو" ، بل وتقدم له اعتذاراً لائقاً يعبر عن مدى التطور الذي حدث للمؤسسة الدينية المسيحية لتواكب الزمن وتتعايش مع جديده ، ليمكنها الاستمرار ولو مع كثير من التنازلات عن شؤون كانت تعتقدها حكراً على الله وكتابه المقدس ، فإذا بها أضغاث أحلام وأوهام من أساطير الأولين.

كان للكنيسة كي تستمر في الوجود أن تترك العلم لأهله ، والقانون للناس كي يصوغوه حسب مشيئتهم بما يحقق مصالحهم ، لتستمر قائمة ترعى شأناً لن يرعاه العلم ولن يهتم به القانون ، وهو الجانب الوجداني والروحي والقيمي. ومن ثم عقدت صلحها المضطر مع منهج التفكير العلمي حتى تتمكن من البقاء ، تستقبل أصحاب المعاناة النفسية ، ومن ثقلت ضمائرهم بالآثام لتعيدهم إلى الحياة مرة أخرى, الحياة التي يملكها العلم ولا تملكها الكنيسة ، ليمارسوا دورهم الإنتاجي والإبداعي.

أصبحت الكنيسة سنداً روحياً للقلقين والحيارى ، واستمرت تمارس وجودها بالإصرار على الأسرة كوحدة اجتماعية سليمة لمجتمع سليم. أصبحت جزءاً من الحاضر بكل تعقيداته وإبداعاته ، بل ربما أصبحت مع التطور المادي الهائل هناك ضرورة ضامنة لمجتمع يتباعد ويتفكك إنسانياً بفعل التقدم التقني الهائل هناك. أصبحت ظهيراً للإنسان العالم بعد عداوة طالت زمناً وطالت رقاباً لن تعوضها الإنسانية.

هنا أعلن المرحوم "ابن باز" منذ سنوات قليلة أن من قال بكروية الأرض قد كفر كفراناً لا محيص عنه!

بينما منذ أشهر أقل أعلن العالم العلامة والبحر الفهامة زغلول النجار رئيس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن أعلن فضيلته أن مكة المكرمة هي مركز الكون ، في كشف غير مدوٍ كتبه في صحيفة "الأهرام" القاهرية ، التي تفرد له صفحة كاملة أسبوعياً ، مما يكشف لنا إلى أي مستوى وصل العرب, عندما لم يدوّ الكشف إلا في "الأهرام" فقط. ويا لوعة القلب عليك يا وطن!

المشكلة هنا أن كشف الدكتور النجار أصبح بدوره لا محيص عنه ، ولا تفهم حكاية لا محيص هذه! إلا في ضوء ما يفرض على المسلمين فرضاً حتى في فهم شؤون دنياهم أو علم زمنهم. فهناك دوماً نظرية لا محيص عنها لدينا تواجه ذلك العلم الغريب غير المسلم بل والكافر ، إما بالمخالفة وتكفير من اتبع العلم كما عند "بن باز" ، أو بالموافقة للعلم ، ولكن عبر تمريره أولاً على ذائقتنا الدينية الحساسة المقدسة ، لنسمح بذلك بمروره عبر جماركنا "العلمدينية" ليأخذ الموافقة بالمرور من عدمه.

إن "ابن باز" يعادي العلم ومعه فريق كبير وهو متسق مع نفسه لا ينافق ولا يتجمل ، رافضاً التنازل عن مركزية الأرض المسطحة ، لأن فيها مكة والمدينة والقدس ، ومثل تلك القدسية لا تكون على كوكب مثله مثل كواكب أخرى تدور حول شمسها وليس فيها مقدسات.

وابن النجار يوافق العلم أو هو بالأحرى ينافق العلم حتى لا يقول ولا يكتشف إلا ما نريد نحن ، ولا يكتشف إلا ما وافق مقدسنا ، فإن قال بخلاف ذلك قام هو ومنظمته العالمية للإعجاز العلمي بإعادة اكتشاف ما تم اكتشافه لكن في القرآن.

يطرح هذا التساؤل المنطقي نفسه عن مدى جواز اعتدادنا بكوكب الأرض لنجعله مركزاً للكون بينما أربعة أخماس سكانه من غير المسلمين ، كفرة والعياذ بالله ، فماذا عن الملائكة الطاهرين بالمليارات منهم الركع ومنهم السجود ومنهم المسبحين لرب العالمين حيث عرش الرحمن؟.

ألا يستحق هذا المكان في نظر المسلمين أن يكون هو مركز الكون أينما كان؟ إن "ابن باز" أخذ بالموقف الظاهر للآيات ببساطة ورفض ما يخالفها من نظريات العلم بحكم مسؤوليته كمفتٍ أمام ربه يوم الحساب ، فأصر على مركزية الأرض. بينما "ابن النجار" زايَد على الموقف كله ليدخل في صلب الموضوع الأساسي وسر التقديس ليجعل مدينة مكة المكرمة ليست فقط مركز الكوكب الأرضي, (و هذا في حد ذاته نكتة لأن أي نقطة على سطح كروي تصلح مركزاً لتلاقي خطوط هذا المحيط) بل إن مكة رغم أنف العلم والعلماء في الدنيا هي مركز الكون كله ، دون أن يستطيع عالم واحد في العالم مهما بلغت مكانته ، ومهما حصد من جوائز وتقدير أن يزعم معرفته بحدود الكون وأقطاره بدقة تجعلنا نجعل من مكة أو نيويورك مركزا للكون.

لو قال كة مركز الأرض لسامحناه بحسبانه يمرر ألاعيبه الاستعراضية على بسطاء المسلمين ، ولأنها لن تخالف نقطة أخرى على سطح الكرة فتأخذ الوصف نفسه. لكنه قال إنها مركز الكون. ألا تروننا منشغلين بشؤون تضعنا زمنياً في مرحلة زمنية وارتقائية تقع قبل جاليليو... لا محيص؟!

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:34:31 | Permanent Link | Comments (4) |

Wednesday, 03 May, 2006

لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟

لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟

o معاوية بن أي سفيان وولده يزيد لم يمنعهما اسلامهما من قتال آل بيت الرسول وجز رأس الحسين

الحجاج بن يوسف الثقفي اعدم من العراقيين مئة وعشرين ألفا واستباح نساء المسلمين

o العباسيون قتلوا خمسين ألفا من أهل دمشق وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم

هل كان ممكنا أن ترتج أجهزة الدولة كلها مستجيبة لاستغاثة مواطن يعاني القهر والظلم في بلاد المسلمين على يد المسلمين ، في الإمبراطورية الإسلامية العظمى الغابرة ، كما ارتجت وتحركت بعدّتها وجيوشها في القصة الأسطورية إستجابةً لصرخة امرأة مجهولة منكورة لا نعرف من هي ، وهي تنادي الخليفة من على الحدود عندما اعتدى عليها بعض الروم... " وامعتصماه"؟!.

إن هذا النموذج من القص يريد أن يعلن مدى اهتمام الدولة جميعا بمواطنٍ فردٍ يعاني أزمة ، وهو ما يستثير الخيال العربي المقموع ويدفعه إلى محاولة استعادة هذه الدولة الأبية التي كانت تردع الأعادي بكل فخر ومجد كما كانت تنشغل بالمواطن الفرد كل الانشغال ، حتى بات عزيزا كريما مرهوب الجانب أينما كان. لكن بين القص الأسطوري وبين ما كان يحدث في الواقع مفارقات لا تلتئم أبدا ، ولا تلتقي أبدا. والنماذج على ذلك أكثر من أن تحصيها مقالة كتلك ، بل تحتاج إلى مجلدات من الكتب. لكن يكفينا هنا اليسير منها لنكتشف هل كانت ثقافة "وامعتصماه" أمرا حقيقيا فاعلا في الواقع أم أنها مجرد قصة لرفع الشعارات دون الفعل وليس أكثر ، كالعادة العربية المعلومة! خاصة أن هذه الدولة العزيزة بمواطنها الكريم هي الدولة النموذج التي يطلبها اليوم المتأسلمون على كافة فصائلهم وأطيافهم ، ويزينونها للناظرين بقصٍّ كهذا عادة ما يبدأ بمسئولية الخليفة الراشد وهو في يثرب عن دابة لو عثرت بالعراق.

وينتهي بالحفل البانورامي حول احتلال "عمّورية" انتقاما للفرد العربي الأبي حتى لو كان امرأة! مع علمنا بحال المرأة قياسا على الرجل في تراثنا.

لقد صرخت القبائل العربية في الجزيرة منذ فجر الخلافة "و اسلاماه" تستغيث بالمسلمين لردع جيوش الدولة عن ذبحها وسبي حريمها وأطفالها لبيعهم في أسواق النخاسة ، تلك القبائل التي تمسكت بحقها الذي أعطاه لها ربها بالقرآن في الشورى والمشاركة الفاعلة في العمل السياسي.

فرفضت خلافة أبي بكر"الفلتة" بتعبير عمر بن الخطاب لأنها تمت بدون مشورتهم ولا ترشيح احد منهم ولا اخذ رأيهم ، فامتنعوا عن أداء ضريبة المال للعاصمة تعبيرا عن موقفهم ، لكنهم عملوا برأي الإسلام فجمعوا الزكاة ووزعوها على فقرائهم في مضاربهم التزاما بهذا الركن الإسلامي بجوار صلاتهم وصيامهم وقيامهم بقية الأركان المطلوبة. فلم يعفها ذلك من جز الرقاب والحصد بالسيف. والصراع هنا لم يكن حول الإيمان والكفر ، بل كان الشأن شان سياسة دنيوية لا علاقة لها بالدين.

ورغم الجميع فقد تواطأ السدنة مع السلطان ضد تلك القبائل ليؤسسوا في التاريخ المذهب السنّي الذي وجد فرصته في مكان سيادي بجوار الحاكم ، فقام بتحويل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني ، واعتبر أن محاربة هؤلاء واجب ديني لأنهم قد كفروا وارتدوا عن الإسلام لا لشيء ، إلا لأ ، ن هكذا كان قرار الخليفة؛ ولأن هذا الخليفة كان "الصدّيق" صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصهره ووزيره الأول. فالبسوا الخليفة أولا ثوب القدسية ولو ضد منطق الإسلام الذي لا يقدس بشرا ، ثم البسوا القرار قدسية الخليفة ، ثم أصدروا قرارهم بتكفير هذه القبائل بتهمة الردة عن الإسلام لأنها حسب القرار البكري قد "فرّقت بين الصلاة وبين الزكاة" ، وهو أمر فيه نظر من وجهة نظر الشرع لا تبيح قتالهم ولا قتلهم. لذلك تم تدعيم القرار بان تلك القبائل قد خرجت على رأي الجماعة وخالفته وهو اختراع آخر كان كفيلا بوصمها بالارتداد منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

وهكذا ، ومنذ فجر الخلافة جلس الفقيه في معية السلطان يصوغان لنا إسلامنا ، إسلام يؤسلم ويكفّر حسب مدى التزام المواطن بالمذهب السيد الذي هو مذهب السدنة والسلطان وأولي الأمر ، وطاعتهم أمر رباني وفرض سماوي. ومنذ خرجت جيوش أبي بكر تحارب تاركي الزكاة تحت اسم الدين والصواب الديني ، أصبح معنى أن تخرج جيوش المسلمين لتحارب الكفار "غير حروب الفتوحات". إنها خارجة للقضاء على المعترضين أو المخالفين في الرأي السياسي الذي تتم إحالته إلى الدين ، حتى يتم الذبح والحرق والسبي بإسم الدين وليس لخلاف سياسي.

نظرة عجلى على تاريخ العرب المسلمين ستكتشف أن مقابل "وامعتصماه" الأسطورية ، ألف "واسلاماه" كان جوابها مختلفا.

وبلغ الأمر غاية وضوحه في زمن عثمان بن عفان الذي فتق بطن عمّار بن ياسر ضربا وركلا ، وكسر أضلاع ابن مسعود حب رسول الله ، ونفى أبا ذر إلى الربذة ، فقتل المسلمون خليفتهم ، وتم قتله بيد صحابة وأبناء صحابة. ومن بعدها خرجت الفرق الإسلامية تحارب بعضها بعضا وتكفّر بعضها بعضا ، حتى مات حول جمل عائشة خمسة عشر ألف مسلم ، ومن بعدهم مائة ألف وعشرة من المسلمين في صفّين ، لا تعلم من فيهم من يمكن أن نصفه بالشهيد ومن فيهم من يمكن أن نصفه بالظالم المفتري!

أما عن زمن معاوية وولده يزيد فحدث ولا حرج عما جرى لآل بيت الرسول ، وكيف تم جز رأس الحسين لترسل إلى العاصمة ، وكيف تم غرس رأس زيد بن علي في رمح ثم غرسه بدوره فوق قبر جده رسول الله!. وإن ينسى المسلمون السنّة ، فان بقية الفرق لا تنسى هذه الأحداث الجسام التي فرقت المسلمين فرقا وشيعا ، كلها تمسحت بالدين وكان الشأن شأن سياسة ودنيا وسلطان.

وإن ينسى المسلمون أو يتناسوا فان التاريخ يقرع أسماعنا بجملة مسلم بن عقبة المري لتأديب مدينة رسول الله "يثرب" ومن فيها من الصحابة والتابعين بأمر الخليفة القرشي يزيد بن معاوية. فقتل من قتل في وقعة الحرة التي هي من كبرى مخازينا التاريخية ، إذ استباح الجيش نساء المدينة أياما ثلاثة حبلت فيها ألف عذراء من سفاح واغتصاب علني وهن المسلمات الصحابيات وبنات الصحابة والصحابيات.

أما زياد بن أبيه ، والي الأمويين على إقليم العراق ، فقد شرّع القتل بالظن والشبهة حتى لو مات الأبرياء إخافة للمذنب ، وشرّع قتل النساء. أما نائبه الصحابي "سمرة بن جندب" فان يديه قد تلوثتا فقط بدماء ثمانية آلاف من أهل العراق على الظن والشبهة ، بل اتخذ تطبيق الحدود الإسلامية شكلا ساخرا يعبر عن تحكم القوة لا حكم الدين ، كما في حال "المسود بن مخرمة" الذي ندد بشرب الخليفة للخمر ، فأمر الخليفة بإقامة الحد إحقاقاً للشرع لكن على المسود بن مخرمة.

ثم لا تندهش لأفاعيل السلطة وشهوتها في التقوى والأتقياء. فهذا الملقب بـ"حمامة المسجد" عبد الملك بن مروان لكثرة مكوثه في المسجد وطول قراءاته للقران وتهجده ليل نهار ، يأتيه خبر انه قد أصبح الخليفة فيغلق القران ويقول له: "هذا آخر العهد بك" ، ثم يقف في الناس خطيبا فيقول:"والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا وإلا ضربت عنقه".

ولابد أن يجد الحجاج بن يوسف الثقفي هنا ولو إشارة ؛ لأنه كان المشير على الخليفة ؛ ولأنه من قام على إصدار النسخة الأخيرة من القرآن بعد أن عكف مع علماء الأمة على تصويب الإصدار العثماني وتشكيله وتنقيطه بإشراف شخصي دائم منه ، ولم يثبت عليه حب الخمر أو اللهو. لكنه كان أيضا هو الرجل الذي ولغ في دماء المسلمين ، وكانت مخالفته في أهون الشئون تعني قص الرقبة ، فهو الذي قال:" والله لا آمر أحدا أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الذي يليه إلا ضربت عنقه". وهو أحد خمسة ذكرهم عمر بن عبد العزيز قبل خلافته في قوله: "الحجاج بالعراق والوليد بالشام وقرة بمصر وعثمان بالمدينة وخالد بمكة ، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا".

وقد سار الحجاج على سنّة سلفه زياد في إعدام النساء والقبض على أهل المطلوب حتى يسلم نفسه ، ومنع التجمهر ، وإنزال الجنود في بيوت الناس ووسط العائلات يلغون في الشرف كيفما شاءوا إذلالاً للناس وكسرا لإنسانيتهم ، حتى انه أعدم من العراقيين في عشرين سنة هي مدة ولايته مائة وعشرين ألفا من الناس بقطع الرأس بالسيف أو الذبح من القفا أو الرقبة ، دون أن نعرف من هم هؤلاء الناس ولماذا ذبحوا اللهم إلا على الاحتجاج على ضياع كرامة الإنسان ، أو لمجرد الشبهة والظن.

وقد وجد هؤلاء السادة في الذبح والحرق لذة وسعادة ، بل فكاهة دموية. ففي فتوح جرجان سال أهل مدينة طمسية قائد المسلمين سعيد بن العاص بن عم الخليفة القائم عثمان بن عفان الأمان ، مقابل استسلامهم على ألا يقتل منهم رجلا واحدا ، ووافق القائد سعيد ففتحوا له حصونهم فقرر الرجل أن يمزح ويلهو ويضحك ، فقتلهم جميعا إلا رجل واحد!

وعندما وصل العباسيون إلى السلطة بدأوا حملة تطهير واسعة شملت من مواطني دمشق خمسين ألفا تم ذبحهم ، وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم. ولما استقام لهم الأمر استمروا على النهج الأموي في ظلم العباد وقهر آدمية الإنسان ، وهو ما كان يدفع إلى ثورات ، تنتهي بشي الثوار على نيران هادئة ، أو بمواجهتهم للضواري في احتفالات رومانية الطابع.

وهكذا كان الإنسان سواء مواطنا عاديا كان ، أم كان في جيوش السلطان ، في مقتطفات سريعة موجزة مكثفة من تاريخنا السعيد وزماننا الذهبي الذي يريد الدكتور محمد عمارة استعادته ، لماذا؟

يقول لنا تحت عنوان "مميزات الدولة الإسلامية" ، إن الشريعة الإسلامية فيها "تفوقت على غيرها من كل الشرائع والحضارات والقوانين الدولية ، في أنها جعلت القتال والحرب استثناء مكروها لا يلجا إليه المسلمون إلا للضرورة القصوى". لذلك يرى الدكتور عمارة: "أن الدولة الإسلامية لم تخرج عن هذا المنهاج السلمي ، حتى تضمن الدولة للمؤمنين حرية العيش الآمن في الأوطان التي يعيشون فيها"- مقالاته الحروب الدينية والأديان السماوية 7 ، 8".

لكن ماذا عند سيادة الدكتور ليقوله بشان تلك الجسام الجلل في تاريخ ما يسميه الدولة الإسلامية؟!.

هذه دولتهم الإسلامية التي يريدون استعادتها لإقامة الخلافة مرة أخرى لتحرير فلسطين والعراق وإعادة الإمبراطورية القوية مرة أخرى. لقد كان زمنا ذهبيا بكل المعاني الذهبية بالنسبة للسادة الفاتحين الغزاة الحاكمين وحواشيهم من سدنة الدين وتجار البشرية ، لكنه كان زمانا تعسا بائسا دمويا بالنسبة للمحكومين المغزوين المفتوحين.

إذا قيل هنا أن ذلك كان منطق ذلك العصر ، فلا خلاف أبدا حول قول القائل. وإذا قيل انه لا يصح محاكمة ذلك الزمان بذوق زماننا الأخلاقي ، أيضا ليس ثمة خلاف. لكن الخلاف ينشأ فور القول باستعادة هذا الشكل من الحكم والأنظمة بحسبانها الأمل والمرتجى. هنا لابد أن نحاكمها بذوق أيامنا ، لنرى إن كانت هي الحلم المنشود والأمل المفقود ، أم ستكون هي الختام لخير أمة أخرجت للأنام!

عن مجلة "روزاليوسف"

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:40:20 | Permanent Link | Comments (0) |