Wednesday, 30 August, 2006

فتاوى تغييب العقل وعلماء الضياع

فتاوى تغييب العقل وعلماء "الضياع"!

بين تجارب المشايخ ومواعظ الدكاترة

يفترض رجال الدين أن الإنسان كائن عاجز ليس في مستطاعه بمفرده أن يفكر أو يكتسب المعارف بجهده ، ولا يعترفون أن هناك أصلا معارف يصنعها الإنسان بالكشف والبحث والفهم ، لذلك فالإنسان عندهم غير مدرك لمصالحه ، لذلك وضعوا لأنفسهم قوانين فقهية تمنع هذا الإنسان من التفكير ، لأنه ربما صادم بذلك معلوما من الدين بالضرورة فاستحق الموت ، أو لأنه اجتهد في شأن يخالف نصا قطعيا قال قراره مسبقا في هذا الشأن ، لذلك فالإنسان يملك عقلا قاصرا تابعا لا يمكنه الاستقلال بصنع قوانين تناسب ظروف الحياة المتغيرة ، ولا يمكنه أن يتخذ قرارا بدون الرجوع إلى أهل الدين للتفسير وللفتوى ، لأنه عاجز وفاقد للأهلية بالمرة.

المشكلة هنا أن رجال الدين لا ينسون وهم يصوغون لأنفسهم هذه السيادة والسيطرة والوصاية على الناس ، أنهم أيضا ناس ، وأنهم أيضا بشر ، ومن هنا اصطنعوا لأنفسهم أزياء مهيبة وألقابا فخيمة ولغة خاصة تشمل في معظمها نصوصا دينية كلما تحدثوا ، ومؤسسات طائفية خاصة أضفوا عليها القداسة ، لإلقاء هذه القدسية في روع العامة فيصبحون هم الدين ، ويتحولون إلى نوع خاص من البشر يقف بين الله والإنسان في ترتيب الدرجات ، ليتحولوا إلى وسائط بين الله وعباده وشفعاء للعباد يمنحون الغفران أو اللعنات ، ويطلبون استسلام الإنسان العاجز لهم لأنهم العارف بمصالح الناس عبر معرفتهم بقرارات وعلم رب الناس ، بتفويض خفي من الله لهم دونا عن بقية عباده دون أن يبرزوا للناس مرة واحدة نسخة واضحة من هذا التفويض ولا مبررات حصولهم عليه.

والمعلوم تاريخيا أن هذه الرؤية التي روجها رجال الدين لصالح سلطانهم ليصبحوا الطبقة المميزة تاريخيا عن جميع البشر ، قد أدت إلى تخلف البشرية طويلا تحت سيطرة حلف رجال الدين مع أية سلطة كانت ، واحيانا كانوا يحكمون بأنفسهم مباشرة في دول ثيوقراطية كاملة المعنى والمبنى ، حتى أمكن للبشر وهم يصوغون فكرا إنسانيا جديداً ، ويرزحون تحت أحكام القتل والصلب وجز الأعناق والاعتقالات للتراجع عما يكشفون بعقولهم ، أن يراكموا الفكر الإنساني الجديد لبنة بعد أخرى ليتركوا للبشرية بعد عذاباتهم وموتهم من أجلها ، تأسيسات فكرية ومناهج عقلية أدت لبزوغ عصر الأنوار الذي استحق اسمه التاريخي عن جدارة واستحقاق ، لتبداً النهضة العقلية الإنسانية بالمنهج العلمى ، لتتالي كشوف العقل القاصر لتؤكد أنه لم يعد قاصرا ولا بحاجة لوصاية من أحد ، بل لتتالي الكشوف التي تؤكد مدى غباء النظريات السابقة ، ومدى فاشيتها وتحالفاتها المشينة ضد إنسانية الإنسان ، بأدلة تؤيد الجديد بالإثبات المحسوس والملموس وبالتجربة المخبرية التي أدت في النهاية إلى نتائج وإنجازات اختارها الناس بعد تأكدهم من فعاليتها ، لتتطور البشرية وترتقي بأدوات إنسانية لا علاقة لها بالأديان ، ولتصنع لنفسها الجنة على الأرض بغض النظر عن جنة السماء المؤجلة ، حتى دخلنا عصر الاتصالات العظيم والتحكم بالجينات سعيا نحو خلق أفضل مما هو كائن ومما كان. هذا بينما لم يكن بيد رجال الدين وهم يفقدون أوراق سلطانهم على الناس ما يقدمونه للناس سوى كلام لا دليل عليه لأنه ظل غبيا مجهولا لا مصداقيه له ولا دليل إلا كلامه في نصوصه القدسية.

وكان طبيعياً أن ينحاز الناس إلى العلم ورجاله ، ليسحب التطور معنى العالم ولفظه عن رجل الدين إلى علماء العلم الإنساني الجليل ، بعدما حقق لهم هؤلاء العلماء الرفاه والسعادة والمكاسب العظيمة على كل المستويات والأنواع ، من التداوي وتشخيص الأمراض واختراع علاجاتها. بعد الحجامة وبول الجمل والعسل والحبة السوداء والسحر والجان والرقية والمعوذات إلى تشخيص المرض بأدق الأجهزة للوصول إلى أفضل النتائج الممكنة للعلاج ، إلى تطور كل مناهج وفنون المعرفة في التاريخ الذي أصبحت له مناهجه وأدواته إلى الاقتصاد بنظرياته واسسه ، إلى علوم السياسة والحقوق التي تقوم على الحريات الإنسانية الكاملة ، إلى السعي في الفضاء بحثا وكشفا وتنقيبا.

هذا بينما مازال الإنسان في بلادنا يعيش مرحلة ما قبل العلم.

بل ما قبل النهضة ، بل ما قبل زمن الانوار.

يحاول إثبات أهليته فيصادرونه أو يحاكمونه أو ببساطة يقتلونه، حتى يبقى دون سن الرشد فيكبر الجسم دون العقل ليتحول إلى كائن أبله كالقرد الذي يمكنه عزف الموسيقى أو مطالعة التلفاز دون أن يعرف شيئاً عنهما!

لقد تجاوزتنا الإنسانية بتطورها المعرفي ومنهجها العلمي إلى مرحلة الإنسان الراقي ونحن عند المرحلة القردية لأنهم يوقفون نمو الإنسان في بلادنا نحو الرشد ، ويحرمون عليه إدارة شئونه بنفسه ، ووضع تشريعاته بما يناسبه ، لأن هناك من هو أدرى بمصالحه من رجال الدين المحترفين الذين مازالوا في بلادنا يؤكدون أن نظريتهم هي الأزلية الأبدية الصالحة لكل زمان ومكان ، التي خلقت يوم خلق الإنسان ولن تسقط حتى قيام الساعة.

لقد كان حلف رجال الدين والسلطة هو أبشع حلف عرفته الإنسانية من فجرها ، و سجل مظالم وسحق لكرامة الإنسان عبر تاريخ مقيت ، حتى تمكن الإنسان في الشمال من استعادة كرامته وإعادة رجل الدين إلى حظيرته ، وحكم نفسه بنفسه بتشريعات تناسب زمنه ومصالحه وكرامته. لكن الأمر في جنوبنا ليس كذلك ، رغم أننا على تواصل اضطراري مع إنجازات الإنسان الراقي للاستفادة من منجزاته ، لكن دون أية مشاركة في هذه المنجزات فانتكسنا من المرحلة القردية إلى مرحلة الطفيليات التي تتغذى على الآخرين ، ولا تكتفي بذلك بل تسبب لهم أفدح الإضرار ، وهو الواضح في أهم صادراتنا للعالم "الكراهية والإرهاب".

عبر ثلاثة وثلاثين عاماً أو أكثر ساد خطاب حلف السلطان والكاهن في بلادنا بعد صحوة مؤقتة حدثت في مصر في عشرينات القرن الماضي ، تم القضاء عليها بقفز عسكر يوليو على السلطة عام 1952 ، ولم نعد بعدها حتى اليوم إلى ما حققناه في القرن الماضي ، عندما كان الناس يجدون في الدين دعوة لطلب العلم ولو في الصين ، و من المهد إلى اللحد لتكريم بني آدم الذي كرمه ربه بآيات واضحات ، عرف منها أن عصر النبوات قد انتهى وبدأ عصر العقل بالنبي الخاتم ، وأن القرار بختم النبوات يعني قرارا بعدم تدخل السماء في الإرض بقرار إلهي حتى يتمكن الإنسان من بلوغ رشده لإدراة الكون الذي خلقة له الله ، لكن الأنتهازيين ، من فجر تاريخ دولتنا الإسلامية قرروا استلام الوصاية من الله على عبادة بقرار شخصي مصلحي ليركبوا اعناقنا ومازالوا راكبين ينتهزون موجات المد والجذر السياسي ليركبوا الموجة في كل مرة باسم الله والدين.

مشكلتنا الآن أنه لم يعد مسموحاً ان نعيش الزمن القردي في مجتمع دولي يسعى للتكامل والتكافل والعيش المتبادل الأمن ، وانتهاء عصر عبودية الإنسان لأي من كان. وأن برامج الاصلاح والمبادرات تتتالى لإثبات وجودنا كطرف صاحب مصلحة فى هذة الإصلاحات المطلوبة ، ورغم ذلك فإن صحافتنا القومية حتى اليوم لم تعلم فيما يبدو بما حدث ويحدث ، ومازالت عند قديمها ثابته لا تريم حراكاً ، في حالة موت سريري تعاني فيها من الهلوسات!

هنا سأختار اختيارات عشوائية مما تنشره صحافتنا في زمن الإصلاح لنرى كيف يراد للناس أن يفكروا.

في علاج داء خطير قتال كالسرطان تكتشف صحيفة الأهرام في "1/4/2004" أن العسل علاج أكيد للسرطان والفيروسات والجهاز الهضمي ، كل هذا معاً. ويستند الدكتور(لاحظ أنة دكتور) رمضان مصرى هلال فى ذلك ، ليس إلى تجارب علمية ناجحة مؤيدة بالبراهين المخبرية والإحصاءات الدقيقة ، مع تقنين الأسباب الفاعلة فى العسل ، وعلاقة تلك الفعالية بمرض السرطان ، إنما هو يستند إلى حديث أبى هريرة : " من لعق من العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبة عظيم البلاء" ، و رغم أن السرطان مرض موجود مع البشرية من فجرها ، فإن البشرية لم تعرفة ولم تشخصة ولم يعرفة الزمن النبوى ، لكنة عند الكتور مصرى هو "عظيم البلاء" ، ومن ثم يشرح لنا كشفة المعجز بقولة إن العسل " يحتوى على مواد تمنع انقسام الخلايا ، وبذلك يستخدم العسل كمادة مضادة للسرطان "..واللة يحب المحسنين.. !! فالسيد الدكتور يعلم بشكل غامض معلومة عن السرطان هى أنة انقسام للخلايا ، فقام يدلى بدلوة الإسلامى ليلقى فى روع العامة أنة قد عثر لهم على المضاد الفعال لهذا الانقسام ، ليقول لهم كلاما زى العسل ليس أكثر ، لتأكيد إمساك الإسلام بعنان أعصى الأمراض فى سبق علمى لم تصل إلية الإنسانية بعد ، ودون حاجة لبلاد الكفرة وعلومهم.

لكن صحيفة المساء القاهرية لاترى ذلك الرأى ، لأن الدكتور محمد وهدان (لاحظ ان كلهم دكاترة والحمد للة الذى لايحمد على مكروة سواة) يقول فى 31-3-2003 : " إن ماء زمزم هو قاهر السرطان !! أى واللة العظيم تلاتة قال كدة !! ، بل أن ذلك تم إبرازة كعنوان بالبنط العريض ، لكن كى يتم الشفاء بزمزم فهناك شروط ، يعنى مش أى كلام !! وأهم الشروط شرطا لايمكن قياسة بأى أدوات ممكنة ولا حتى التعرف علية ، إنة (حسن النية) !! وقد اسند الدكتور وهدان فى كشفة هذا إلى خبر فى صحيفة لم يذكر لنا اسمها عن امرأة مغربية ابتليت بالسرطان ، وحار الطب فى علاجها (لاحظ العمد فى تبخيس العلم مقابل زمزم؟) لكن هذة السيدة " داومت على شرب ماء زمزم فقهر زمزم الرطان وكل الأورام الخبيثة بإذن اللة الواحد القهار " !! ودمتم.

ومن جانبها تفرد صحيفة الأهرام صفحة كاملة أسبوعيا للشيخ الدكتور بدورة زغلول النجار في خطاب لا يليق إلا بزمن القرود ، ومن إبداعات الشيخ زغلول أن بعض المسلمين الباحثين في العلم تأكدوا بالتجربة المعملية المخبرية أن الذباب يحمل في إحدى جناحيه سما ناقعا وفي الجناح الآخر دواء شافيا. كلا لم ينشغل زغلول بالمرض في حد ذاته ولا بالعلاج الشافي في أجنحة الذباب. وكيف نستخرج المصل الواقي من الامراض من جناج الذبابة لنكتفي به عن أدوية بلاد الكفر التي تكيد لنا بعلاجات لا تنفع ، ولا حتى الإشادة بهؤلاء العلماء المسلمين وتعريفنا بهم ومن هم وأين أجروا أبحاثهم الباهرة ، كل ما شغل الدكتور هو أن تلك التجربة "من أعظم الشهادات على صدق نبوة ورسالة وهذا النبي الخاتم".

و تفسح ذات الصحيفة مساحات لذات الطروحات كما للدكتور أحمد شوقي إبراهيم رئيس المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة، و لا تفهم كيف يلتقيان "المجمع العلمي" و "القرآن والسنة" ، فللعلم شروط لا تلتقي بحال مع النصوص ، والنصوص ثابته والعلم متغير ، والنصوص إلهية والعلم إنساني ، ولا تدرك لأي غرض تقوم هذه المجامع التي لم تحقق حتى اليوم أي إنجاز علمي واحد تتقدم به للعالم كحصوة في عين اللي ما يصلي على النبي. اللهم إلا ابعاد شبابنا عن الكد والبحث العلمي الصارم إلى القول البسيط السهل في نصوصنا ، نكتفي به ونظل عالة على الغرب يكتشف لنا ونستهلك نحن على الجاهز!

ومن منجزات تلك المجامع البواهر ما يقوله الدكتور شوقي عن كيفية سجود الشمس للإله ، يقول سيادته : "فنحن في جوف السماوات السبع ، والسماوات السبع في جوف الكرسي ، والكرسي في جوفه العرش ، فأي مخلوق في السماء الأولى تحت العرش ، وإذا تخيلنا هذا النظام الهندسي للكون "لاحظ هذا كله من هندسة الدكتور ولا علاقة له بنظام الكون فالعلم لم يعرف الكرسي ولا العرش ولا السماوات السبع" المهم يتابع قائلاً : "إذن لعلمنا أن الشمس وهي تجري في السماء الأولى هي تحت السماء السابعة وتحت الكرسي وتحت العرش ، فالشمس أينما ذهبت إنما تسجد تحت العرش 12 / 11 / 2004.

هل فهمتهم شيئاً؟ صاحبنا الدكتور مهتم بتسبيح وسجود الجمادات وحديثها ولغتها ، فهو يقول مرددا عن علي بن أبي طالب : كنت مع النبي في مكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر ولا مدر إلا قال له : السلام عليك يا رسول الله 6/11/2004.

أليست هذه مأساة حقيقية ؟ و إذا كان الله قد منح النبي قدرة فهم لغة الجبال التي لا شك تختلف عن لغة الشجر ، ولغة المدر لغة أخرى بالطبع ، فكيف سمعها علي وفهمها ورواها لنا ؟ يتطوع المفسرون هنا ليؤكدوا أن اللة قد منح عليا بدورة علوم اللغات تلك ، و ما سر الاهتمام اليوم بهذه الشئون الأسطورية ، وماعلاقة المجمع العلمي بالموضوع ؟! وهلا سجل لنا أحد رجال العلم فيه هذه اللغة لنقدمها للعالم بحسبانها كشفاً يليق بنا؟

ومع اشتداد موجات الحر أحياناً تتقدم الصحيفة القومية الأولى بتفسيرها ليس بشرح حركة الرياح والمنخفضات والمرتفعات الجوية ومواسمها ولماذا هذه الحركة دون تلك ولماذا هي حارة أو باردة وكيف تهب ، فإنها تقدم لنا ما وصل إليه الدكتور عزت عطية في حوار خطير أجرته معه علا عامر ، إذ يقول سيادته : "قال رسول الله اشتكت النار إلى ربها وفقالت : رب أكل بعضي بعضاً ، فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر فى الصيف وأشد ما تجدون من الزمهريرفى الشتاء". الدكتور عزت استاذ الحديث بكلية أصول الدين بأزهرنا المبارك يشرح قائلاً لا فض فوه : "فجهنم بشدة نيرانها يمكن أن يتسرب حرها إلى الأجواء التي نعيش فيها ، كما يمكن أيضاً أن يتسرب منها البرد الشديد أو الزمهرير". أما كيف ذلك علمياً ؟ فيقول سيادته : حرارتها العالية "أي جهنم" تنجم عن النيران المتمركزة فتنطلق هذه الحرارة إلى الفضاء فيصل بعضها إلى الأرض ، أما الزمهرير فهو لتعذيب الجن لأنهم خلقوا من نار ، أما البشر مخلوقون من طين فهم يعذبون بالنار".

وتحضر ذات الصحيفة ندوة علمية لهيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة حول الحجامة بين الضوابط الشرعية والأساليب العلمية لتتحفنا بأقوال علمائها لتؤكد لنا أن الدكتورة فاطمة النقلي أستاذة الكيمياء الحيوية بكلية طب بنات الأزهر : "إن الحجامة تسهم في شفاء من معظم الأمراض "لاحظ : معظمها ، لاحظ أيضا أن الدكتورة متخصصة في الكيمياء الحيوية". و "ذلك مثل الصدفية وارتفاع ضغط الدم والروماتويد والسكر وسيلان الدم وتقليل نسبة الدهون". وأشارت إلى أهتمام الأوساط العلمية بجامعة الأزهر بهذا الموضوع وتسجيل أول رسالة ما جستير عن الحجامة 15/6/2003 ، هذا ناهيك عن حوار العقل "هكذا العنوان" بصحيفة الأحرار ، وما نشأ من جدل حول حديث التفلية ، وأن ابن حجر قد أباح للزوجة أن تستضيف صديق زوجها في غيبته لتقوم بتفلية رأسه "31/5/93".

ويشرح ابن حجر معنى التفلية "أي تتبع القمل فيه / رد ا لدكتور محمد السعيد مشتهري".

أليس الزمن القردي تسمية تليق بنا ؟!

وفي 12/4/2004 يكتشف زغلول النجار بالأهرام اكتشافنا لسرعة الضوء قبل اكتشافه في بلاد الغرب الكافر في الإتيان بعرش ملكة سبأ من أرض سبأ إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين ، مما يشير إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء ومثل هذه السرعات الفائقة لم تكن معروفة إلى في القرن العشرين.. وهو ما يعتبر سبقا علميا معجزاً.. لاحظ السبق العلمي هنا لله صاحب تلك القدرة على البشر ؟!

هذا ناهيك عما ينشر باسم الدين ليصادم قوانين الدولة ، بل يخرج عليها بسفور مدهش وتكرار أكثر إدهاشا ويستحق العقوبة القانونية للخروج على النظام العام للدولة ، مثل تكفير القوانين الوضعية لصالح الشريعة الإسلامية ، ولا تعرف ماذا يطلب بن لادن أكثر من ذلك ، ونموذجا عشوائيا لهذا الحشد الدائم ضد نظام الدولة العام وتكراره باعتداء واضح على القانون ، وما جاء في أهرام 24/7/2004 ، وكيف أثبتت الباحثة خديجة النبراوي أن الشريعة الإسلامية كانت ومازالت أفضل السبل للنهوض وتطوير المجتمعات.. خلافاً للقانون الوضعي.. لأنها تمتاز بالدقة والمثالية التي تتفق والفطرة البشرية وتناسب مختلف المجتمعات.

ثم تذكرنا الأهرام بفضيحة اشجار غابة ألمانيا التي تشكلت بشكل عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، والتي ظلت تباع صورها بوسترات في بلادنا في استثمار كاذب ملفق حتى اكتشف الناس أنها لوحة لرسام من المنصورة. و الفضيحة الجديدة شارك فيها تليفزيون مصر تحت عنوان الصورة التي أذهلت العالم والتي قدمها برنامج "صباح الخير يا مصر" وكيف أن الأرض تبدو مظلمة من الفضاء ما عدا نقطتين مضيئتين هما مكة والمدينة، وأن الأقمار الصناعية صورتها فأذهلت وكالة الأنباء الأمريكية ناسا ، هنا تشارك الأهرام باحتجاج طويل عريض للدكتورة أميرة الشنواني التي سجلت تحتا اسمها "دكتوراه في العلوم السياسية" لكن يبدو أنها تعمل في الدعوة والإرشاد والهداية لأنها احتجت أشد الإحتاج على أن نشرات الأخبار في بلادنا لم تذع هذا الخبر ، وكيف شعرت بغضب شديد كيف أننا في بلد إسلامي به الأزهر الشريف ولا يهتم بخبر كهذا ، و رأت أن المسجد الأقصى لم يكن مضيئاً بدوره لأنه تحت الإحتلال 2/2/2004.

مع إشادتها بالإعلامي تامر أمين الذي سرب الخبر لصباح الخير يا مصر ومن تلفازنا لتامر أمين لصباح الخير يا مصر لصحفنا لدكتوراه العلوم السياسية يا قلبي لا تحزن !

هذه يا سادة عينات عشوائية كلها دكاترة تمكنت من عقولهم ألة الكهانة الدينية حتى لا تدري كيف مارس أصحابها البحث العلمي للحصول على تلك الدرجات ، وهو ما يستدعي السؤال إعمالاً لهذا : هل في بلادنا بحث علمي حقاً ؟

وفي ظل هذا اللون من الفكر الذي نعيشه وتظلله تلك المفاهيم يطرح السؤال الأهم نفسه :

هل يمكننا أن نتوقغ خيراً بإعطاء هذا الفكر الحق في سماع شهادته الديمقراطية في صندوق الاقتراع؟!

هذا هو الأهم في كل ما سبق ، إن الجماهير لا تسمع إلا صوتاً واحداً ، وكلهم في انتظار إشارة ساعة الصفر ، فماذا تتوقع من رد فعل سبعين مليون مصري استمر شحنهم طوال ثلاثة عقود بمثل هذا الفكر انتظاراً لعودة صلاح الدين؟!

يبقى أن يبدأ الإصلاح بإصلاح لغتنا ومفاهيمنا قبل أن نفكر في الإصلاح ، أن يعود الوعي إلى بلادنا أولاً ، أن تخرج هذه اللغة وتلك المفاهيم من بلادنا لتعيش مع بن لادن في مفازات الجبال والصحاري ، لتعود مصر إلى مصر ، ويعود شعب مصر إلى مجده الحقيقي الذي سجله للعالم بإرادة وتحد مازال مفخرة كوكب الأرض.

أن يعرف الناس أن في الدنيا شئوناً أخرى غير الدين تقدم بها البشر علماً وسياسة ولغة وفناً وأخلاقاً ، لكن هل توجد رغبة حقيقية في أن يعرفوا ؟!

هذا هو السؤال !!!

روز اليوسف 9/10/2004 العدد 3983

Posted by المجموعة الليبرالية at 12:47:28 | Permanent Link | Comments (1) |

Sunday, 27 August, 2006

الإسلام والجراد

الإسلام والجراد

نادراً ما نجد في الصحيفة الكبرى (الأهرام ) قولاً مثل قول سكينة فؤاد 25/11/ 2004:

"الحمد لله أن أكد فضيلة شيخ الأزهر أن اصطياد الجراد بهدف أكله ليس تكليفا شرعيا ، وإنما أمر اختياري"

حتى لا يفوتني واجب شرعي بعد دعوة لجنة الفتوى لاصطياد الجراد وأكله ، لمساعدة الحكومة في القضاء عليه ، ولأن القدوة خير مثال فكان يجب أن ينقل لنا التليفزيون صورا للجنة وهي تتناول أطباق الجراد. أو صورة الحكومة وهي تفطر وتتغدى وتتعشى على أطباقه ، ولا أعرف ما هي ضرورة أن يتدخل الأزهر في أمر الجراد". وجملتها الأخيرة وهي سؤال مفصلي يتعلق بمفاصل ثقافتنا وحرصنا عليها ، والإجابة عنه هي إجابة أيضاً عن أسئلة كثيرة حول تخلف المسلمين المثالي.

هنا سنحاول أن نضع يدنا على الأسئلة والأجوبة.. لنحدد بدقة ليس علاقة الأزهر بالجراد ، و إنما علاقة الإسلام بالجراد ، لأن أزاهرتنا عندما يتحدثون في شأن من شئون دنيانا فهم يرجعوته دوما إلى رأي الدين الذي يتمثلونه ويتماهون به ، وأصبح الحديث كما لو كان صدى لرأي الله مباشرة ، خاصة عندما تجد بعضهم يفتي في التليفزيون ووراءه تجري الشموس والنجوم والأقمار وبجواره لفظ الجلالة كما لو كان هو الذات الإلهية أو أنه رسولها المباشر جاءنا قافزا لتوه من بين أكوانه ومجراته وكواكبه في إيحاء مرفوض وغير جائز بل وخال من الذوق الإيماني في التعامل مع رب الأكوان وطريقة الانتساب إليه.

وبعد دعوة المسلمين في مصر لأكل الجراد بفتوى شرعية من لجنة الفتوى بالأزهر لمساعدة الحكومة في القضاء عليه تقدم الإمام الأكبر بفتوى توضيخ : "إن إصطياد الجراد بهدف أكله ليس تكليفا شرعيا وإنما أمر اختياري.. وإن تناول الجراد كطعام ليس مخالفا للشريعة الإسلامية ولا يدخل في قائمة الأطعمة المحرمة على المسلمين". ومن ثم أعفانا إمامنا من هذه الوجبة التي لم نعتد عليها في بلاد النيل ، وحولها من تكليف إلى اختيار.

بعد أن دخل الجراد مصر ينهش ما تبقى لفقرائها في الحقول ، وبعد أن أحسنت وزارة الزراعة استقباله هاشة باشة مرحبة لحلوله أهلا ومجيئة سهلا ، كان الحل هو تشجيع الفقراء على تناول الجراد بحسبانه طعاما تناولة من قبل الأسلاف المسلمون والعرب الأواءل في بواديهم الشحيحة وبيئة الندرة التي كانت تسمح بتناول كل ما تقع عليه اليد ، أيا كان ، فكان العربي يأكل أي شيء يتحرك أمامه ومع تحاشي السم منها بحكم خبرة الأجيال.

وجاء الإسلام في مجتمع الندرة الشحيح مطابقاً لعاداتهم في تناول الطعام ، فلم يحرم لا أكل الجراد ولا أكل الضب (نوع من الأبراص الكبيرة السمينة الغنية بالبروتين) ، بل إن الجراد والضب يعتبران حتى الآن في موطن الإسلام الأول من ألوان الطعام المفضلة والنادرة.

غير المفهوم أحيانا في إصدار الفتاوي المتلاحقة ، هو تركيزها على مدى الحلالية في الموضوع دون تأثيم المقصرين والمطالبة بمحاكمتهم ولومهم دون مراعاة فروق البيئات وظروفها والمستساغ فيها حسب هذه الظروف من أطعمة ، وهو ذات الشأن الذي يفعله كل السلفيين بإحياء البيئة القديمة زمانا المفارقة مكانا في الزي والسلوك ، وطريقة الطعام ، وكل التفاصيل الصغيرة في الحياة أو الكبيرة ، وها هي أشكال الطعام ذاتها ،الجراد الذي كان يأتي لصحاري الجزيرة خيرا عظيما بما يقدمه من كميات بروتين هائلة تتساقط عليهم إعياء وجوعا من أسرابها في صحاريهم الوسيعة.. بينما كان الجراد ذاته يشكل خرابا للبلاد الزراعية وضياعا لمحصول وعرق وجهد العام كله ، ولم تكن موجات الجراد وحدها هي التي تهاجم المحصول عند نضوجه بل أيضا موجات البدو الجائعة على الحدود التي كانت تتربص بالفلاح وهو يلقي بذوره وهو يحرث حتى ينضج محصوله لتهبط عليه تسلبه عرق العام وبعض الأطفال والنساء ، ورغم أن هذا كان جرادا وذاك كان جرادا في نظر الفلاح المنتج ، أن كليهما كان شرا عند المزارع ، فإن الجراد عند البدوي كان خيرا بينما كان جرادا ياكل جرادا في نظر الفلاح.

إن سادتنا المشايخ لا يحتسبون فارق البيئة ولا الزمان ولا المكان ، إلا بما يوافق الهوى ، فالثريد الذي هو سيد الطعام ، حسب الحديث النبوي ، كان سيده لأن القمح مادة الثريد الأساسية كان طعام النخبة الثرية بوصوله من مصر إلى ميناء الجار على الساحل قرب مكة ، بينما كان القمح طعام العوام والفقراء في مصر ، ولم يعد الثريد سيد الطعام في بلاده ، ولم يعد أهل الثريد يأكلون الثريد لتغير الأزمان والعوائد والتقاليد باتصالهم بالشعوب الأخرى.

و لأن مشايخنا لا يريدون أن يتركوا شانا من شئون الزمان وإلا تدخلوا فيه ودسوا فيه أنوفهم لإثبات ضرورة وجودهم سادة مفتين وشارحين ، فقد تكرموا علينا بفتوى أكل الجراد ، وهو ما لا يناسب طبائعنا ولا أذواقنا ولا ظروفنا البيئية ، ولأن أكل الجراد لن يمنع أسرابه الهائلة من التهام كل ورقة خضراء في بلادنا ، ولأنه حتى لو اجتمعنا للدعاء علاقة بخطط الجراد وخط سيره ، وربما لو دعونا على المسئولين عن الكارثة لكان هو الأجدى ، وهو بدوره الدعاء الذي لن يفعل شيئا في واقعنا ولن يصيب وزارة الجراد إلا باستفحال شأن جرادها الداخلي.

أما المصيبة الأفدح في القضاء على الجراد بأكله أن هناك دولا أخرى مر عليها الجراد وقاومت أسرابه برشه بالمبيدات الحشرية بكل أصنافها ، وما وصلنا منه ما استطاع المقاومة ، لكنه يحمل السم الزعاف لكل من يأكله تطبيقا للفتوى ، ولا ندري هنا هل أسرع أصحاب اللحى والجلاليب القصيرة وصويحبات يوسف من محجبات ومخمرات ومنقبات إلى هذه الوجبة الأصلية السلفية تأكيدا لسلفيتهم أم أن أنفسهم عافته ، لكنها لم تعف عن لوازمه المرافقة تاريخيا له كالزي ، القديم الذي يلبسونه تأسيا بالسلف ، باختيار دون اختيار ، مما يشير إلى التطبيق والالتزام حسب المزاج والهوى ، رغم أنهم كان بإمكانهم هجم وجبة الجراد الثمينة ملتزمين أيضا بشرب مكة كولا (ملتزما).

ومع هذا المناخ وذلك الحال لا تفهم استخدام الدين في إعلانات الكسب غير المشروع على حساب أرواح العباد في إعلان "أشرب ملتزما".

وإذا كنا سنأكل الجراد فقرا بعد أن تهاوت الأوضاع في بلادنا إلى ما دون البترول الذي دافعنا في رفعه دماء أبنائنا في حروب متتالية منعت اليهود من استعادة خبير ، فإن كتب الفقه التي يدرسها أبنائنا وبناتنا في مدارس الأزهر تفتح لنا الباب واسعا للحصول على ألوان مختلفة وشهية من البروتين رخيص الثمن والمتوافر والحمد لله ودون أن نرتكب إثما ، فيقول كتاب "الإقناع في حل الألفاظ أبي شجاع ص 31 ، 32 شرح ج 1 المقرر على المرحلة الثانوية الأزهرية : "ويستثنة من النجس ميتة لا دم لها سائل ، بأن لا يسيل دمها عن شق عضو منها في حياتها كزنبور وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث ، لا نحو حية وضفدع وفارة".

ابشروا يا مسلمين جاءكم الفرج ، ويمكنكم أكل الجراد والزنابير والعقارب والأبراص (الوزغ) والذباب والقمل والبراغيث هنينا مريئا حلالا زلالا ، حلا للمشكلة الاقتصادية وإشباعا لملايين الأفواه الجائعة ، وهكذا الحلول وإلا فلا !!

لكن هناك فتاوي أخرى ترى رأيا آخر ، وقد نشرتها نفس الجريدة القومية الكبرى في صفحة الفكر الديني عندما قالت المحررة : "وتساءل الجميع : هل ظهور هذه الجيوش من الجراد بسبب تقصير بعض الجهات"؟!

وبالطبع لم يتساءل الجميع ، لكن السيدة الصحفية ومن لف لفها يرون أنفسهم الجيمع دوما ، ويتصورون كل الناس داخل هذا الجميع ، لأنه لم يعد يسأل مثل تلك الأسئلة اليوم أحد سواهم ، وهم قلة ليسوا "جميع" ، فالجميع اليوم مشغولون بشئون أخرى ويفكرون بطريقة أخرى ، لكن المدهش أن الأخت الصحفية حملت تساؤلات "جميعها" إلى "الكاتب الإسلامكي الكبير أحمد بهجت" ، ومن ثم يشرح قائلا : إن واقعة الجراد هذه لم تضرب مصر لأول مرة، بل أشهرها كانت في عصر موسى عليه السلام وفرعون.. "فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وآيات مفصلات وكانوا قوما مجرمين" ويضيف : "والمصريون إزاء هذا الموقف لجأوا وتوسلوا إلى موسى أن يدعو ربه برحيل أسراب الجراد، ودعا نبي الله ربه عز وجل أن يكشف عنهم هذا العذاب ، ورحل الجراد".

الكبير فيما يبدو لا يعلم أن ظاهرة أسراب الجراد ظاهرة متكررة طوال التاريخ ، وأنها لم تكن هذه المرة فقط ، بل إنها حدثت زمن الصحابة وأكلوه هنئا مريئا وملآوا به البطون ، لأنه كان خيرا عميما ، لكنه في بلد مثل مصر كان هو العذاب ، ليس زمن موسى وحده وليس في زماننا وحده ، وليس لخاطر النبي موسى وانتقاما من المصريين المجرمين وحدهم ، فهي ارتال بحر ظائر من أمواج الجراد هي التي تحدد طريقها وفق اتصالاتها بالبيئة والرياح ، وغريب المسألة هنا أن النبي موسة وهو نبي اليهود وهم شعب بدوي قد سلط الحشرات على مصر بغضب ربه يهوه كما في التوراة لأنه كان عالمابأن الحشرات في بلاد الندرة والبوادي نعمة لأنها مصدر عظيم للبوتين ، لكنها في بلاد الوفرة والزرع نقمة.

تقابلنا معغ صاحب الإجابة هنا مسألتان : الأولى هي عودته المستمرة ومعه أمثاله من الكبار إلى تراث اليهود كلما تعلق الأمر بمصر ، يتحالفون فيها مع يهود الأمس ضد الوطن ، وضد الأسلاف العظام وشماتة فيهم ورفضا لهم وتكفيرا وتجرميا ، ولا تفهم إذن سر عدائهم ليهود اليوم مادام هذا هو منطق الأمور ، اللهم إلا إذا كانت كراهية الأسلام العظام قد فاقت كراهيتم المعلنة ليهود اليوم ، والثانية أمر جلل ومصيبة من العظائم ، ترحل بالولاء بعيدا عن مصر دوما ، فإذا كان الصراع بين مصر واليهود انحاز الكبار لليهود ، وإذا كان الصراع بين مصر وفاتحها العربي انحازوا للغازي وليس لمصر ، فلماذا تنعمون بخير مصر وتلهطون ما منحتكم إياه دون حمد ولا شكور؟! بل مع ولاء لأي عدو لمصر ، ألا ترون قرائي أننا بحاجة لصك قوانين جديدة تحاكم مثل هذا الولاء وتدينه وتعاقبه؟

لقد جرموا أجدادنا حتى يسلبونا مصر يحكمونها ، ويسلبون مصر ولاؤنا لها ليصبح ولاؤنا لهم هربا من أجدادنا المجرمين.

ولو عدنا للقصة التراثية حول موسى سنجد أن مشكلته كانت مع فرعون واحد مزعوم من بين مئات الفارعين الذين حكموا مصر بالحكمة والقانون والأخلاق ، نفس فكرة "أسلم تسلم" التي توجه لشخص ملكي ولا يعلم شعبه عنها شيئا ، ويتم عقاب الشعب كله في حالة لم يسلم الفرد الملكي أو الحاكم عند الغزو.

وفي كل الحالات سنلحظ أن العقاب الجماعي يعم كل الناس بإثم فرد ، إن كان قد أثم ، فالكبير يستطرد منوها بقوله : "وهذه القصة توضح أن الجراد صورة من صور العقاب وآية من آيات الابتلاء والعضب الإلهي على عصيان البشر".

لكنه لا يقف هنا منفردا وهو يتهم إله الكون العظيم بعدم القدرة على الفرز والتمييز بين الشرير والصالح فيرسل كوارثه على الجميع تأكل الحرث والنسل ، فينضم إليه الدكتور أحمد عمر هاشم ، وهو كبير بدوره ويقول كلاما كبيرا أيضا ومنه ثوله : "إن سراب الجراد هي غضب من الله تعالى سببه ما يقع في بعض دور المسلمين من ظلم وإجرام وارتكاب الذنوب ، والله عز وجل ينبه بشء بسيط ، وهو هذه الأسراب. إن الناس قست قلوبهم ، ولا يرفع هذا البلاء إلى التوبة ، وأن يكف الظامون عن ظلمهم ويثوبوا إلى رشدهم" ، ثم يدعو سيدنا هاشم كافة المسلمين لطرد الجراد كما سبق أن طرده رب موسى بالدعاء التالي : "لا إله إلا الله العظيم الحكيم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم" ، المهم أن الجراد أكل ماشاء وطار عندما شاء ورحل حسب جدوله هو قبل أن ندعو هذا الدعاء ، المشكلة عند الكبيرين هي رؤيتهما أن "جميعهم" هم الأطهار الكبار وليس لهم مثل عامتنا ذنب فيما يحدث من غضب إلهي ، بل هم الناصحون العارفون المطهرون ، جميعهم لم يرتكبوا الذنوب ولم تقس قلوبهم مثلنا جميعا ، فجميعهم حلوين طيبين ، وجميعنا وحشين عصاة ! أليس هذا هو التكفير ؟! وأليست هذه هي عقليه تكفير الناس وتحميلهم ما لا يحتملون من ذنوب نتيجة عقل خرافي أسطوري ، وإدانتهم طوال الوقت بما لم يرتكبوا وإشعارهم بالذنب الأبدي الذي لا ينتهي كي يرضى عنا الله ويرسل لنا أسراب العلماء والعلم الإنساني على كافة صنوفه بدلا من الجراد.

الدكتور عمر هاشم هو نفسه من قال ذات القول أيام الزلزال الذي دمر البيوت فوق رءس البشر وطحن الأسمنت بعجين الأجساد..وقال ذات الكلام : "إن ذلتكم تنبيه بسيط من الله" ، ولم يكن الزلزال تنبيها بسيطا بل كان كارثة قومية أصابت أكثر ما أصابت أصحاب البيوت المتواضعة من فقراء مصر ، وأصابت أكثر ما أصابت الأطفال الذين لا تملك حواسهم إتيان المعاصي والشيوخ الذين كفت حواسهم عن إتيانها لعجزهم ن ومن تمكن من النجاة هم الشباب القادر على إتيان المعصية المقصودة ، إنها عقلية الإبادة الجماعية الذي تأخذ الطالح بالصالح ، عقلية تكفير الناس للحصول على تفسير لظواهر لا علاقة للدين بها ، ولا مجال لرجال الدين أنفسهم في كل موقف وفي كل حدث ليثبتوا دوام وجودهم حتى فيما لا حاجة لنا بهم.

وإذا كان الجراد – حسب كلام الكبيرين – نقمة وعذابا ويهاجم البلاد الظالم أهلها ، فلماذا أحل الإسلام أكله وكان يهاجم مكة والمدينة طوال العصور وحتى الآن رغم أها أرض الله المقدسة ، وهذ كان الجراد زمن النبي وزمن الصحابة الكرام كمعلوم من الطعام غير المحرم على المسلمين نعمة أم نقمة ؟ وهل كان أهلها من المجرمين والذين قست قلوبهم أم من الصحابة المكرمين ؟ وإذا كان الحال كذلك فلماذا نحن وأسلافنا العظام المجرمين طوال الوقت؟

لماذا لا يتوقف سادتنا أهل الدين عن التدخل في كل شأن في حياتنا بأسلوب أصبح غير محتمل ، لماذا تحريم لعب الطاولة ولماذا تحريم رياضة اليوجا ، لقد حرمتم كل أمر على الناس حتى عادوا كالعرجون القديم ، كالخشب المسندة ، وخلت بلادنا من كل ألوان المرح وانتهت كل الكرنفالات.. فحتى الطاولة أصحبت حراما؟ يا إخواننا اتفقوا مع بعضكم أولاً ، المسلمون عيدوا هذا العام على ثلاثة أيام السبت والأحد واالأثنين ؟ أليس هذا الشأن أجدى من تكفير الناس بالجراد ؟ أبشؤكم أيها المسلمون ، هناك بحث الآن بين سادتنا المشايخ لإطلاق قمر صناعي إسلامي تكون مهمته رؤية الهلال لتحديد بداية الأشهر العربية ونهايتها؟

"أخضفضوا صوتكم وأنتم تقولون هذا الكلام لأن فضايخنا أمام العالم أصبحت بجلاجل". أترونكم وهذا حالكم بقادرين على إصدار فتاوي تناسب العصر والزمن وتفهم أبسط بسائطه التي يعملها تلامذة الابتدائي أو مفترض أن يعلموها؟! أ تسكتوا أسكت الله لكم حسا؟! بالمناسبة حكاية القمر الصناعي هي قول كبير آخر ، يتحدث هذه الأيام كثيرا فيخطئ كثيرا ونتمنى أن ينعم الله عليه بنعمة الصمت والإنصات أكثر من الكلام.

إن صناع الحضارة لم يكونوا من رجال الأديان السماوية الثلاثة

بل كانت الحضارة أنشط قبل ظهور إكليورس الأديان السماوية ، ثم إن التحضر الحديث لم يحدث إلا بعد التخلص من سطوة الكنيسة ، ولم يحدث لبلد إسلامي واحد سوى تركيا التي تحركت مع أتاتورك نحو الحضارة ، إن الحضارة والتقدم لم يقم بهما يوما رجال الدين ، بل كانوا دوما معطلا وقامعا ومانعا.

والموت ضروري للتطور، لأنه لو لم يكن هناك موت لما كان هناك تطور جديد ، فالتطور يعني موت القديم ليفسح المكان لمولد الجديد ، وإن استمر القديم دون موت فلن يكون هناك تطور لجنين جديد ينمو في بيئة جديدة ، والبيئة الجديدة اليوم لا مجال فيها لمشايخنا ولكلامهم الذي يجب أن يموت حتى لو بقتله ، بقتله بحثا وردا وفضحا ، لنسمح للمستقبل بأن يأتي.

روزاليوسف 10/12/2004

Posted by المجموعة الليبرالية at 01:00:47 | Permanent Link | Comments (0) |

Thursday, 24 August, 2006

دروس من زمن النبوة

دروس من زمن النبوة

عبادة الله ليست مشروطة بالأفعال المعجزة والملغزة:

بعض المفسرين تركوا السياق لينسبوا للرسول معجزات لا يحتاج إليها

الإيمان بالله لا يحتاج إلى أفعال خارقة لتأكيده. . فسبحانه يضع قوانين الواقع ويهيئها لقبول مشيئته

بعض التفاسير لا يشغلها السياق فتغرق في التأويل وبعضها يستخدم القرآن لتأكيد موقف أيديولوجي


من بين قصار السور المكية نقرأ "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا رب البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" (سورة قريش).

ثم نتتبع التفاسير ، نقارن لنفهم ما هو ذلك الإيلاف المنسوب لقريش؟

وما هي علاقته بالرحلة القريشية التجارية إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفاً؟

وما علاقة ذلك بطلب الآيات من القرشيين التوجه بالعبادة إلى رب الكعبة؟

ولماذا أطعم الله قريشاً من جوع وآمنها من خوف وهي لا تعبده؟

وما هو لون هذا الخوف وسببه؟

وأيهما مقدم على الآخر ويعتد به سبباً للآخر: هل الإيلاف والرحلة هما ما أدى إلى الطعام والأمان ، ويستدعي عبادة رب البيت؟

أم أن الطعام والأمن من الخوف هما ما أديا إلى الرحلة والإيلاف ويستوجب شكر الله بعبادته؟

من لطائف التفاسير "أنهم لما كذبوا النبي"ص" دعا عليهم فقال : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ، فاشتد القحط ، فقالوا يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون فدعا فأخصبوا وزال عنهم الجوع وارتفع القحط /الشوكاني/ 5/610"

منها أيضاً أن الله "أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحي وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى" ، أو ما ذهب إليه الضحاك والربيع "آمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدتهم الجذام ، وآمنهم من خوف أن تكون الخلافة في غيرهم ، وآمنهم بالإسلام / الرازي/ التفسير /16/110".

منها ما فسر هذا الخوف بأنه إشارة إلى حملة الفيل الحبشية المسيحية على الكعبة زمن ميلاد الرسول "ص" وتراجعها بفعل سماوي فصلته سورة الفيل "الألوسي/ التفسير / 15/473" وحيث قالت التفاسير في رجال جيش الفيل "جعلوا كعصف مأكول : لكفرهم". دون أن ينتبه الشارح إلى أن الكفر الحقيقي كان حينذاك في مكة وأنها كانت من بين أعتى المراكز الوثنية في العالم ، وأن حملة الفيل كانت تدين بآخر الديانات السماوية وقتها ، لذلك نجد الرازي يلمح دون أن يصرح جبا للمقارنة بقوله : "إنا لا نسلم أن الله تعالى فعل ذلك بهم لكفرهم ، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة ، ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرهم لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار /التفسير/ 16/104".

وضمن ذلك التفاسير اللطائف ما أخرجه ابن جرير والمنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردوديه أن الإطعام بعد الجوع قد حدث بدعوة الخليل إبراهيم قبل ذلك بقرون طويلة عندما قال : "وأرزق أهلة من الثمرات /126/البقرة" ، وأن الأمان من الخوف يعود بدوره إلى دعوة إبراهيمية أخرى "رب اجعل هذا البلد آمناً /35/ إبراهيم. ولأن تلك دعوة نبوية مستجابة فإن سورة قريش قد جاءت لتنهي القرشيين عن السعي وراء التجارة في الرحلتين طلباً للرزق لأن الله قد كفاهم مؤونة ذلك. أو بنص الشوكاني "نهاهم عن الرحلة وآمرهم أن يعبدوا رب البيت وكفاهم المؤونة /5/610". أو بتعبير الفخر الرازي أن يكون معنى فليعبدوا : أي فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف". ثم يعقب الرازي على من يتساءل مندهشاً من هذا المنطق "فكان السائل يقول : لكن نحن محتاجون إلى كسب الطعام والذب عن النفس فلو اشتغلنا بالعبادة فمن ذا الذي يطعمنا؟ فقال الذي أطعمهم من جوع قبل أن يعبدوه إلا يطعمهم إذا عبدوه؟/16/109".

ويأتينا معنى الإيلاف من "فتح القدير" شارحاً أنه تألق قريش الخروج في الرحلتين أي الاعتياد عليهما "5/608" بعد أن أعطاهم الأمن. "فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع وآمنهم من خوف فألفوا الرحلة ، وكأن ذلك من نعمة الله عليهم ، وأخرج أبن جرير عنه أيضاً في الآية قال: أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف /5/610" ، ويضيف الرازي والمعنى أن هذه الألفة قد حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله : "ولكن ألف الله بينهم /16/106".

وهكذا نحن مع تفاسير يترك بعضها السياق بكليته لينسب المعجزات للنبي "ص"فيقول بدعوة نبوية على قريش بالقحط ثم دعوة بالخصب دون آية روابط مع بقية الآيات بشأن الإيلاف والرحلتين ودونما غرض واضح إلا الإيغال في التقديس وتبدل أحوال الطبيعة استجابة لهذه الدعوات

أو مع تفاسير مثلها لا يشغلها السياق فتغرق في التأويل فيصبح الجوع هو الجهل والطعام هو الوحي ، ومثلهم من يذهب بالتفسير إلى تأكيد موقف أيديولوجي وسياسي فيصبح الخوف الذي تم تأمينه هو خوق قريش أن تخرج الخلافة منها قبل أن يعلم أحد أو يتوقع قيام دولة إسلامية أصلاً.

أو مثل تفاسير تلجأ للغيب سبباً لكل شأن ، فترى الإطعام والأمان قد حدثا ليس بدعوة النبي محمد "ص" إنما بدعوة إبراهيم منذ أزمان سوالف. وهو التفسير الذي سيتضارب مع حقيقة أن ثراء قريش وأمانها هو أمر حديث بجوار ماضيها الطويل حتى زمن إبراهيم يتغشاه الجوع الكافر حتى كانوا يأكلون حشرات الأرض والودك وورق الشجر ، وأن الطعام والأمان لم يتوافرا حقاً إلا بعد قيام تجارة الرحلتين.

أو مثل الربط بالخوف ثم الأمان بهزيمة جيش الفيل ، كما في قول الفراء يفسر الإيلاف "فعلنا ذلك بأصحاب الفيل منا إلى قريش ، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها في الجاهلية / فتح القدير / 5/608" فهزيمة جيش الفيل كانت منة إلهية على قريش فتخرج في تجارتها ولا يغير عليها العربان مهابة لها وخشية. ويستطرد "ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام ، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف /5/609". فقريش بهذا المعنى قد حصلت على الأمان بمجاورتها البيت المكي ثم أدى بها هذا الأمان إلى القيام برحلاتها التجارية ، لكنه لا يفسر لنا لماذا "لولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام"؟! لأن المعنى البسيط الواضح هو أن سر البقاء في هذه البقعة الجغرافية وسر الأمان وسر الشبع بعد الجوع إنما يتقاطع جميعه عند الرحلتين تحديداً.

وبينما نجد معظم التفاسير قد قلبت الأوضاع فجعلت الإيلاف والرحلة نتيجة توفير الله الأمان والطعام لهم ، كما لو كان الأمر نزهة الشبعان الآمن ، فإن القراءة السليمة للآيات حتى يمكن فهمها فهماً منطقياً هو أن نسير مع نسقها وترتيبها وسياقها الداخلي والخارجي ، فتصبح "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف". مقدمات وأسباب أدت إلى نتائج هي الشبع والأمان ، وأن ذلك يرتبط بمعنى الإيلاف الذي يبدو في الآيات فعلاً واضحاً منسوباً بالفاعل هو قريش لأن "إيلافهم" تعود عليها في النص "لإيلاف قريش إيلافهم" ، وعلى هذا يجب أن يقوم محور الفهم بحيث يرتكز المعنى على حركة البشر في الواقع ، وفعلهم فيه ، وفي ضوء هذا الواقع يجب فهم أن الآيات قد جاءت تعبر عن هذا الواقع ، وتسجله ، خاصة إذا لاحظنا أن تلك التفاسير نفسها وهي تحيل الفعل إلى الغيب تفلت منها أحداث الواقع وترتيبه المنطقي ، فيقول الشوكاني : "الذي أطعمهم من جوع أي أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلها /5/610" ، لذلك فلا مفر للفهم من العودة إلى واقع زمن الأحداث وحكاية الرحلتين والإيلاف ، وهو ما لا يتضارب مع الإيمان بتدبير إلهي أدار هذا الواقع بمشيئته ، لتظهر الإرادة فعلاً إنسانياً على الأرض ، منطقياً مفهوماً بعيداً عن الأحاجي والتفاسير التي تحيل كل حركة وسكنه أوامر غيبية ودعوات نبوية وتدبيرات أزلية.

ولنبدأ بكلمة "قريش" فنجد نشأة الكلمة لا تشير إلى قبيلة بعينها تحمل هذا الاسم ، كما هو معتاد في الأفهام المتواترة ، إنما جاء ذلك نتيجة فعل قام به الجد البعيد للنبي "ص". المعروف باسم "قصي" عندما جمع قبائل وعشائر من ذوي المصالح المتقاربة وقرشها أي وحدها وجمعها وطرد بهم خزاعة من مكة ، واستولى عليها مع حلفائه المقرشين. . وذلك في سياق أحداث تاريخية عالمية تركت أثرها في مكة ، إذ بدأت مكة حينذاك تصبح محطة مهمة على طريق التجارة الدولي بين اليمن والشام ، يقدم أهلها فيها الخدمات للرحلات المتاجرة نظير أجر الاستراحة وتخزين البضائع والتحميل ، ثم تطور الأمر إلى أخذ عشور على هذه التجارات كضريبة عبور ، بعد أن نشبت الحرب بين الفرس والروم وطارد بعضهما بعضاً في كل مكان متاح ، حتى لم يبق لطرق التجارة طريق آمن سوى طريق الصحراء المار بمكة وهو ما حوزل مكة إلى حاضرة تجارية دولية ، وهو ما كان بإمكانه أن يفسر الشوكاني. لماذا "لولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف". وفي تاريخ ابن كثير نقرأ "وأما اشتقاق قريش فقيل من التقرش وهو التجمع بعد التفرق. . وقيل سميت قريشاً من التقرش وهو التكسب والتجارة. وقال الجوهري : الكسب والجمع ، وقد قرش يقرش /4/187. وتجد في التفاسير معرفة هذه المعلومة لكنها لا تفيد منها ولا تتجاوز ذكرها ، ومثيله ما تجده عند الرازي إذ يقول "قريش مأخوذ من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم في البلاد. . قال الليث كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً ، فسموا قريشاً لأن التقرش هو التجمع /التفسير/16/107".

وهكذا تقرشت القبائل المتحالفة ذات المصالح المادية المشتركة وتوحدت لتحمل اسم قريش من بعد ، وهو الاسم الذي يتضمن مع فعل التجمع والتوحد معنى اليسار المادي في كلمة "القرش" مفرد القرش المجموعة.

أما الإيلاف فهو ما نراه الخطوة التي تلت فعل التقرش ، بعد أن تمكنت قريش بما جمعت من قروش ضريبة العشور أن تقوم بالتجارة لحسابها واشترت البضائع من تجار مصادرها ومنابعها عند الموانئ البعيدة في اليمن لتبيعها لحسابها في الشام ، وبالعكس ، وقد هيأ لها ذلك مجموعة متسارعة من الأحداث ، فقد تهاوى مركز اليمن التجاري ، وتضعضعت أحوال الممالك العربية الشمالية "الغساسنة والمناذرة" في العصر الجاهلي الأخير. كذلك تطلب الأمر أن تقوم قريش بتأمين الطريق كله من غارات البدو طلباً لأمن القوافل وهذا الإيلاف عن طريق عهود ومواثيق مع زعماء القبائل الكبرى الضاربة على الطريق ، متبعة أساليب منوعة ، فهناك من شيوخ البدو من رضى بالهدايا والجعالات ، ومنهم من أشركوا في تلك التجارات لربطهم بمصالح يدافعون عنها ، وبذلك حصلت على الأمن من "الخوف" على تجاراتها من إغارة الأعراب ، وأقامت لنفسها كرامة بين القبائل بإيلاف أوسع مع ملوك الدول التي تذهب إليها بتجاراتها ، وهو ما جاء ذكره عند البلاذري وهو يحكي عن دور هاشم وولده عبد المطلب في عقد المعاهدات مع ملوك روما وحمير ، ودور عبد الشمس في تألق نجاشي الحبشة ودور أخيه نوفل في تألف كسرى فارس وأخذ عهود الأمن منهم لتصل إليهم التجارات في مواعيدها "أنساب الأشراف /1/59".

وضمن عملية الإيلاف والتأليف استضافت قريش في كعبتها أرباب قبائل الجزيرة على تعددها ، كضيافة حسنة لرموز هذه القبائل السيادية للتأليف بينها وبين قريش وبينها وبين بعضها في مكان واحد ، فأصبحت مكة مزاراً لكل العرب وحاز موسمها التجاري الأكبر "الحج" مكانة لا تضارع بين أسواق العرب ، وحضره العرب من كل مكان للكسب والتجارة والعبادة والسمر والمرح حتى أصبحت مكة على مستوى العرفي عاصمة للجزيرة جميعاً.

روزاليوسف 9 نوفمبر 2002

Posted by المجموعة الليبرالية at 13:20:07 | Permanent Link | Comments (0) |

Saturday, 19 August, 2006

فعل اعتدال .. علني

فعل اعتدال .. علني

عبر تاريخ العرب الإسلامي المجيد ؛ خاض العرب معارك كثيرة و هائلة ؛ و في كل تلك المعارك كان الزعيم الروحي يطلب من جماهيره أن يسلموه عقولهم أولاً قبل التضحية بالنفس ؛ لأن هذا الراعي الذي يتكلم باسم الله يجيد استخدام ما ينتقيه من مؤثرات لغوية و عاطفية من دين يجهله أهله ؛ و يتخفى وراء الآيات ليصبح هو وحده نصاً مقدساً يعمل به المسلم حتى يكاد ينسى نصه الأصلي .

الآن يقدمون لنا صورة المرحوم الشعراوي يقرأ القرآن من السماء و حوله النجوم و الأقمار و الشموس ولم يجد المسلمون في ذلك غضاضة ؛ لقد اتخذوا من أحبارهم أربابا من دون الله ؛ فكان أن حلت عليهم غضبة ربك فباتوا في العالمين في الأسفلين دركاً .

إن المتفجرين المسلمين لا يقدمون على هكذا قتلة إلا بعد أن تكون قد أصبحت عندهم هي قيمة الجمال بعينه ؛ هي قيمة عليا تقوم علي عشرات الفتاوى التي عادة ما توعز بأن اختيار الإرهابي اختيار من الخالق مع ما تستفيض في شرح أوصافه كبيت الشهيد بالجنة عند تقاطع الأنهار حيث يفض الأبكار في ضيافة الجبار ؛ تاركاً مستقبله علي الأرض ؛ و أوجاع أهله عليه ؛ و ترمل زوجته و يتم أطفاله ؛ إن مثل هذا الشهيد بحاجة لإعادة نظر بشأنه و قد ترك أسرته للمجهول مسارعاً للمضمون ؛ الأكل الشهي و المشرب الخمري و النكاح الذي لا يتوقف ؛ خاصة عندما يموت متفجراً عند باب مسجد شيعي لحظة خروج المصليين .

إسرائيل من جانبها وضعت قاعدة أمنية مهينة أشد الإهانة ؛ فهي لا تسمح بالدخول للمسجد الأقصى إلا لمن تجاوز سنه الخمسة و الأربعين . لأن هؤلاء لا ينتحرون ؛ فهم أعقل من ذلك ؛ في مثل هذا السن لا يجوز فقد الخبرة التي تخطط للعمليات ؛ أو هذا ما يزعمون . رغم أنهم الأجدر بالاستشهاد بعد أن شبعوا من الدنيا و أصبح الموت منهم قريب آت لا محالة ؛ فما أجمل أن يلقوا ربهم شهداء بعد أن كلت عظامهم و عجزت حواسهم ؛ لكنهم لا يفعلون!

هل هم غير متأكدين من النتيجة؟ فإذا كانوا غير متأكدين فلماذا يدفعون شبابنا و أولادنا للمجازر في أمريكا و الفلبين و إندونيسيا و أفغانستان و الشيشان و باكستان و العراق و مدريد و المغرب و السعودية و الكويت و قطر و مصر والجزائر و اليمن ؛ لماذا يدفعونهم للموت المبكر وترك أهلهم لوعاً بلا عائل ؛ يقتلهم الجوع والحاجة ؛ بينما المخطط الذي عادة ما يعيش في الرفاهية هو الأجدر بكل المقاييس بالشهادة ؟؟

ورغم أن أجدادنا بحكم الخبرة الطويلة قالوا "إن الصراحة راحة" ؛ فإن الخطاب العربي أبداً لا يعرف هذه الحكمة .

كان يكفي هذا الخطاب وقفة مع النفس تطالع الفارق الهائل اليوم بين الهند التي اختارت طريق الديموقراطية النيابية ؛ و بين باكستان التي اختارت الانفصال عن القارة الأم لأسباب طائفية بحت ؛ ثم اختيار طريق التجديد الوهابي للمذهب الحنبلي السني ؛ وكانت النتيجة ما نراه أمامنا علي الأرض.

أتذكر هنا من تلمذتي الجامعية أن معارفنا من مدينة البعوث الأزهرية كانوا جميعاً من الصومال الذي وقع فريسة الطاغية و عندما سقط الطاغية كان المبعوثون هم القياديين ؛ عادوا بلادهم بالفكر السني المتزمت لتتحول الصومال إلي مجموعة قبائل لكل منها خليفة ؛ فقبعث في قاع العالم لا هي دولة ولا هي أرض مشاع ؛ مثلها مثل السافانا و ما يعيش فيها .

و بذلك كانت كرامات الأزهر في الصومال أوضح من كل مقال ؛ و هي ذات الكرامات التي حققتها بعثاته للجزائر زمن هواري بومدين و كان علي رأسها المشايخ الشعراوي و غزالي و سابق ؛ أي مجموعة من العثاة ؛ وتركوا بصماتهم في الجزائر دماً و خراباً .

خطاب هؤلاء أضاع البوصلة من الناس فأصابهم الحول في الرؤية وضاعوا في تيه يظنونه إسلامهم بينما هم عنه في موقع قصي . انظروا مفكرينا الإسلاميين ؛ أو شبابنا عندما يتظاهرون لأن المناضل (س) قد قتله الإسرائيليون ؛ نعم للتعبير عن الغضب ضد الإحتلال الإسرائيلي ألف نعم ؛ لكنهم هم أنفسهم لم ينزعجون لدماء ألوف الأبرياء من عراق الأخوة .

شبابنا لم يتظاهر مرة واحدة ضد عصابة الزرقاوي و من يدعمهم و هم يذبحون الأبرياء ؛ يقتلون الأشوريين و المندائيين والمسيحيين ؛ يدفعونهم دفعاً للهجرة ؛ و يمنعون علي الناس شراء بيوتهم ؛ أما الشيعة فشأنهم معلوم عند الأخبار التي تبث خارج الحسينيات و المساجد لأبرياء خرجوا تواً من دور التعبد ليصبحوا أشلاء كل يوم تقريباً .

هناك قوافل من أبرياء الشيعة يموتون تتبعهم قوافل ؛ في دفع حثيث لرد مماثل يكون مبرراً لإحراق العراق و تقسيمه .

دماء و مشهد مؤامرة علنية ؛ الأهداف واضحة تماماً ؛ معلومة المصدر و الأعضاء تستصرخ كل الدنيا ؛بينما نحيل نحن المؤامرة علي الأمريكان ؛ و يسمى بعضنا ما يحدث في العراق الجميل (مقاومة) ؟ عندما ينفجر العراق فغن الجسم العربي كله سينفجر إلي عالم من الطوائف المتحاربة ؛ و الكاسب الأكبر سيكون إسرائيل بينما يرتاح بال الأمريكان لانشغالنا بقتل بعضنا بعض.

أين ذهب العقل العربي؟

هل من النخوة تأييد عصابة الزرقاوي ضد أهلنا شيعة كانزا أم مسيحيين أم حتى عبدة أي شئ ؟؟ هل هذا ما يحاربون من أجله ؟؟ لقد جعلوا الموت علي يد إسرائيلي أمنية كل مذبوح في العراق حتى يأخذ حقه من الاحتجاج العربي ؛ مجرد الاحتجاج يا عرب؟

ليس هناك أي تهمة يمكن توجيهها لهؤلاء الذين يموتون بالعشرات كل يوم في التفجيرات ؛ سوى إنهم ليسوا علي صحيح الإسلام ؛ و صحيح الإسلام اليوم هو المذهب الوهابي الحنبلي السني ؛ الذي يحمل التبعية الضمنية لبلاد العرب الحجازية ؛ في إعادة إخضاع المفتوحين ؛ انتظاراً لعودة الخلافة الظافرة .

تهمة هؤلاء جميعاً انهم لم يعلنوا الاعتراف و التبعية ؛ وإنهم ميراث العرب ؛ ميراث العرب السنة تحديداً . و ذلك منذ فتحوا بلادنا و أزالوا دولاً بكاملها من الوجود مثل مملكتي الغساسنة و المناذرة ؛ منذ أخذونا موالي لهم ؛ كان علينا أن نعلم أن الحكم لهم ؛ ولنا الصبر و السلوان .

فإن فكر العراقيون من غير الطائفة الوارثة صاحبة الحق الشرعي ؛ في أن يأخذوا حقوق المواطنة كاملة في ظل ظرف دولي نادر ؛ فإنهم يكونون قد خرجوا علي الناموس القدسي و القانون الكوني ؛ فالعرب هم السادة الفاتحون ؛ وهم الآن وهابية ؛ إذن من خرج عليهم فقد خرج علي الإسلام الفاتح

رغم أن الإسلام شأن و الوهابية شأن ؛ فقط هي لا ترضي أن تعتبر نفسها مذهباً ورأياً ضمن الآراء المطروحة في السوق للاختيار و المفاضلة ؛ لأنها لا ترضي أن تكون مذهباً ولا رأياً ؛ هي لا تقبل بأقل من الدين كله .

أحياناً يشعر المرء بالحزن علي أهله عندما يجد الطائفية وقد أفسدت الضمير الحي الصاحي فعاد المسلم لا توخره دماء الأبرياء من نساطرة أو مسيحيين أو شيعة في العراق ؛ و هم يسقطون كل يوم أشلاء ؛ لأنهم في فرصة تاريخية

روز اليوسف الأثنين 4/7/2005

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:44:50 | Permanent Link | Comments (0) |

Tuesday, 01 August, 2006

خطوطنا الحمراء

خطوطنا الحمراء

سبق لي في أعداد سابقة أن ناقشت هنا قاعدة "المعلوم من الدين بالضرورة" وما تستتبعه من أوامر ونواه تؤدي مخالفتها حسب الشروط الفقهية إلى شيء يسمى "الارتداد" وأن هذا الشيء له حد واحد هو القتل بعد محاولة الاستتابة غسلا لليد من الدم مقدما ، كما علمنا أن هذه القاعدة قاعدة مطاطية لأنها من صنع فقهاء من بني البشر ، ولأنها كذلك فإنها تقبل الاضافة والحذف حسب الهوى والمصالح والنزوات الانسانية وهو كله ما لا علاقة له بالشأن الإلهي.

ولإيضاح المسألة ضربنا أمثلة لتلك القاعدة من معلومات من الدين بالضرورة تؤكد هذه المطاطية إلى حد المصادمة مع قوانين الدولة الشرعية التي ارتضيناها نظاما عاما لأمتنا المصرية الحديثة لدولتنا الشرعية ، ويعتدى عليها وينتقص منها ويسلبها هيبتها.

ونكرر مرة أخرى وأخرى أن السماح لفرد مهما علت مكانته أو لجماعة أو لمؤسسة ثقافية أو دينية أن يقوم بالتشريع للوطن مع وجود تشريعات قانونية ودستورية فإنه يستحق العقوبة الفورية لأنه بذلك يقيم دولة موازية لدولتنا الشرعية ويعتدي عليها وينتقص منها ويسلبها هيبتها ، ويصبح هذا المطلب المتكرر مفهوما وواضحا عندما نجد في هذه القاعدة التكفيرية من يجعل المعترف بقوانين الدولة مارقا فاجرا مرتدا لأنه يحترم دستور وطنه وقوانينه ، لأن هذه القوانين قوانين وضعية من وضع الإنسان ، ومعنى احترامه لها والقسم على طاعتها والعمل بها أنه قد رضى بها بديلا لقوانين الشريعة الإسلامية وهو الكفر بالدين والخروج على الملة ، وقد رأينا صحفا قومية وكتبا تعليمية تردد هذا القول وتصر عليه مما يخلق لدى المواطن ولاء لدولة الخلافة الخفية ، وينزع منه الولاء لوطنه الأرض والتاريخ والشعب والدولة ، ويجعل من التشريعات الوطن عبثا ومن قسم القضاة على احترام قوانين الوطن كفرا ، مما يجعل القاضي أحيانا ينحرف عن قسمه اخلاصا للخلافة الخفية ليحكم بما تأمر ، فتتحرف الاحكام عن القانون إلى النقمة والنكاية ، متمثله في كثير من الاحكام الظالمة التي تعارض القانون علنا.

وهو الأمر الذي يجب أن يتوقف الآن وفورا بتطبيق العقوبات الرادعة على كل من يرى نفسه بديلا للوطن كله يشرع ويضع الحدود ويأمر بالتنفيذ ..وهو ما سمح من قبل بظهور الإرهاب في بلادنا وولاء الشباب لأحكام أمراء الجماعات من جهال الدين والدنيا ، وهو مالا يجب أن نسمح بعودته على أية صورة أو خلف أي قناع مرة أحرى ، خاصة هؤلاء الذين يتجشأون علينا طعامهم السمين في شاشات التلفاز لكل ما هو ضد القوانين المعمول بها ، ناهيك عن كونه ضد كل ما هو عقل ومنطق وعلم ، مما ينتهي بالعقلية الاسطورية إلى سيادة الموقف .

وإني هنا ادعو كل من يهمه الأمر إلى الضرب بيد من حديد على يد كل من يستهين بالدولة وتشريعها لصالح شئون لا علاقة لها لا بالواقع ولا بالوطن ، أولئك الذين يدينون القوانين الوضعية التي هي تشريعنا لأنفسنا حسب ظروف زماننا ومصالحنا ، بحجة أن الله هو الأعلم بظروفنا وأنه قد شرع لنا وانتهى أمر التشريع بعد ذلك إلى الأبد ؟

ومعلوم أن هذه الحجة كانت هي سند الفتوى التي افتت بها جبهة علماء الأزهر فأهدرت دم طيب الذكر دوما الراحل (فرج فوده) والمأساة الحقيقية أن هذا التكفير يطال شعبنا كله ودولتنا بك مؤسساتنا ويخلق بين المواطنين ولاءات هي خيانة عظمى للوطن ، تدفع بعض شبابنا المغرر بهم إلى رفع السلاح في وجه وطنهم وبني وطنهم .

أما المحزن المخزي فهو أن تتم محاكمة بعض مفكري الوطن لأنهم اخلصوا للدستور والقانون فتحدثوا عن المساواة من الحقوق والواجبات بين المواطنين بغض النظر عن العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين وهو ما حدث مع كاتب هذه السطور ، ولولا قاض يحترم نفسه ويحترم القسم الذي اقسمه ويخلص لوطنه ، الاستاذ سلامة سليم ، لكان العبد الفقير لم يخرج من حبسه بعد كما حث لبعض زملاء الهم والغم ، وطبقت عليهم أحكام دولة الخلافة الخفية لا أحكام دولتنا الشرعية ، والعجيب أنه تم تنفيذها وقامت بتنفيذها دولتنا الشرعية كمقاول من الباطن للحكومة الخفية ؟!

ومن جانبهم يصر مشايخنا على قاعدتهم لضمان قعودهم على صدورنا أطول فترة ممكنة ، ويدرجون تحتها مجموعة من المحاذير والمواتع القامعة التي لا تكاد تترك للمسلم فرصة للتكفير في أي شأن لأنها إنما تعمل على تسليمهم عقله لهم تماما وبدون وصل استلام ، لتتم إذابته في العقل الجمعي الذي تم تنميطه وتجهيزه وفق اطر كهانية ما أنزل الله بها من سلطان ، فكان ما كان ما نرى في شارعنا وفي سلوكيات ناسنا ، وكان ما كان من هزائم وتخلف وانحطاط حضاري لا شبيه له في عالم اليوم ، بتشابه النسخ العقلية في طبعة واحدة بطائفة واحدة يسهل إمساكها وتحريكها ، وهو الأمر الذي يشكل خطورة هائلة على الوطن وأمنه لأنه يكفي لأي مأفون أن يستثير هذا العقل الواحد الذي تم سلبه الوعي ليتحرك الجميع كما سبق وحدث في أزمة رواية "وليمة لأعشاب البحر" التي ذهب ضحيتها شباب تم نزع عقولهم في تحرك عشوائي لولا أخذ وزارة الداخلية بالمبادرة السريعة لكان ما حدث هو الأسوأ ، لكنا حتى الآن لم نسمع أنه قد تمت محاكمة الطبيب محمد عباس الذي كان وراء هذه الملحمة السوداء . وهي عثرات الدولة الشرعية التي يجب أن تتلافاها . وهذا ما ننبه عليه حتى لا يفكر مأفون آخر في مناخنا الجاهز لأي خراب ممكن بانتهار فرصة أخرى .

ومن هنا يمكنا أن نفهم هذا الشأن الاعجوبة ، عندما تسري في كل العقول فجأة نفس الاستنتاجات لنفس المقدمات بنفس المفاهيم ، وتتوحد المواقف إزاء كل شأن في تراص مصفوف لأنه عندما تتحول عقول المواطنين إلى طبعة واحدة ون