Sunday, 24 September, 2006

الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية

الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية

تأملات فلسفية في "الجين الإلهي" و "نظرية داروين"

· النظريات متغيرة وغير ثابتة وما كان لنبي أن يتبنى نظرية علمية تخالف معتقدات عصره

· الإنسانية تضع مفاهيمها للكون وفق مراحل تطورها ووفق المعلومات المتوافرة في زمانها

تابعت باهتمام ، اهتمام مجلتنا روزاليوسف بملفين كبيرين استغرقا أعداداً ومازالا فيما يبدو . الملف الأول كان حول ما تمت تسميته : اكتشاف وجود (جين إلهي) يدفع الإنسان داخلياً لمعرفة الله ، على يد السيد (دين هارد) .

والملف الثاني حول نظرية النشوء والارتقاء أو ما بدأته الأستاذة منة بكر بعنوانها "في أمريكا .. التمرد على نظرية داروين" ، وقد شارك في الملفين صحفيون وعلماء متخصصون وعلماء مستشيخون و شيوخ متعالمون ، في مساحة حرة ومحترمة أبرزت حواراً جميلاً قد يكون بعضه هزيلاً وبعضه قوياً ، لكنها في مجموعها شكلت سيمفونية متناغمة لمختلف الآراء من مختلف التوجهات ، وهو الأمر المحمود لهذه المجلة والتوجه المشكور للتدريب على قبول ومناقشة مختلف الآراء والتعرف عليها وإعلانها ، في قضايا ربما تشغلنا أكثر مما شغلت أي آخر في الأرض ، لتماسها مع الإيمان والتدين وهو أكثر ما يشغلنا بين كل الأمم . لكني لم ألحظ الجانب الفلسفي مطروحاً في كل ما دار من حوارات ، ولا ما يبنيه هذا الجانب من أسئلة كثيرة يمكن أن تثري هذا الحوار وتغنيه وهو ما سأحاول طرحه هنا . ولنبدأ بالجين VHAT2 أو الجين الإلهي .

أول استنتاج نستنتجه من اهتمام السيد دين هارد بالبحث عن جين إلهي في البشر ، فبحث مثل هذا لا يشغل الملحدين ولا يهمهم في شيء . لكن يظل كلام دين المطلق غير المحدد ، لأنه عند التحديد فإن كلامه يمكن استثماره إسلامياً للدعاية والدعوة إلى الفطرة الحنى فيه ، لكنه لن ينقذ مستر هارد من السعير مهما بحث ونقب لأنه لم يكتشف أن هذا الجين قد تحددت مواصفاته في الإسلام تحديداً دون بقية الأديان ، وشكل الإيمان ، خاصة مع أسلمة جميع الأنبياء من آدم حتى محمد وشهادتهم المعلنة بذلك في كتاب الله .

فمالنا ومال دين هارد ؟ وما لشيوخنا بالحديث في الجينات والبحوث النصرانية ؟

تعالوا نستنتج ما يترتب على الإقرار بفرضية وجود الجين الإلهي
أولاً لابد أن نقر أن الإيمان أو الكفر يأتي من داخل خلايانا ، وهو ما يعني أن معدم هذا الجين لن ينفع معه وعظ الواعظين شيوخاً أو احباراً أو قساوسة ، فهو كالرجل العنين لا تجدي معه محاولات كل عاهرات الدنيا لأن جينه الجنسي معطل .
إذن فهذا ما يلتقي مع القرارات القرآنية التي كانت تؤكد للنبي أنه سواء أنذرهم أم لم ينذرهم فلن يؤمنوا، لأن الله قد ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم الأكنة التي ربما كانت هي ذلك الجين المفقود .
المعنى أن فاقد الجين
الإلهي عاجز بالفطرة عن التعرف على الله والإيمان ، وهنا تحمل الفطرة دلالة جديدة هي عكس ما يفهمه منها المسلمون ، ومن ثم عليهم المزيد من تحديد المفاهيم ، و لابد سيترتب على التسليم بهذا الجين التساؤل عن جدوى إرسال الأنبياء والرسل وعن وظيفة الدعاية ومبرراتها ، سيكون كل هذا بلا معنى لأن الإنسان يعرف ربه بالفطرة ، ولأن إنساناً آخر لن يعرفه بالفطرة ، وبشهادة القرآن أيضاً (بختم الأكنة على العقول والقلوب) ، لن يعرفه مهما أرسلت السماء من رسل ، بعد أن تحدد مسبقاً وبالميلاد من سيكون المؤمن ومن سيكون الكافر .
و وفق اعتقاد المؤمن أن غير المؤمن لا أخلاقي وشيطان في شكل إنسان ، وهو اعتقاد يساوي اعتقاد السكران أنه أكثر صحوا من الصاحي ، فإن الاعتراف بوجود الجين الإلهي يعني أن الناس إما شياطين وإما ملائكة ، ولا علاج لأحدهما ليصبح كالآخر . ومن ثم على كل رجال الدين الاستقالة وإحالتهم إلى الاستيداع ، لأنهم في النهاية وبعد الآكل مريئاً والشرب هنيئاً لن يصنعوا في الواقع شيئاً حقيقياً . هذا رغم تصورهم أنهم من الصنف المقدس بالميلاد الجيني الإلهي ، وهو ما حرم منه أناس آخرون بلا ذنب جنوه ، بالميلاد ، مثل المغضوب عليهم ، ومثل الضالين.

وستتداعى التساؤلات تأخذ بعضها برقاب بعض : لماذا إذن تقاتل السلف الصالح حول ما اعتقد كل فريق منهم أنه صحيح الدين ، كالحرب الفلسفية والدموية حول هل صفات الله في القرآن كاليد والعين والسمع حقيقية أم لا . إن إكتشاف هذا الجين يدفع إلى اكتشاف الأسباب الحقيقية وراء هذا القتال بين مؤمنين بالجين وبالرسالة أيضاً الي دعمت الجين بأصول العبادة ، ووجود صاحب الدعوة بينهم ، وعند التدقيق سيكتشف المسلم أنها كانت مصالح دنيوية وصدمات سياسية ومكاسب ومغانم مادية ، وهو ما سبق وناقشه صاحب هذا القلم مناقشة أصولية في أعماله المنشورة ، وأنه لا الجين و لا الدين كانا طرفا في الصراع حقيقة ، إنما كان هناك الإنسان العاري إلا من مصالحه ، لأنه إذا كان الجين فاعلا وجالا على الله وأوامره فكيف له ألا يصيب ، عبر تاريخ البشرية والتي كانت تتخذ شكل المهابدة أي الإبادة الجماعية في معادلة صفرية دائمة عبر التاريخ الأسود للمتدينين .. لماذا ؟

وهل وجود الجين مع عدم تحديده كان هو السبب الحقيقي في هذا السجل الدموي للمتدينين؟ أم أن الجين الإلهي مثله مثل أي جين آخر معرض للعطب حتى عند القديسين والصحابة ، نماذج التقوى ، دون ذنب حقيقي سوى عطب يصيبهم كما يصيب أي بشر كان في الدنيا ؟

ثم ماذا عن فرعون المذكور في القرآن الذي قال لرعيته "أنا ربكم الأعلى"؟ ما كان جينه بالتحديد؟

الرجل هنا يعرف الألوهية ومعناها ، فهو غير ملحد وليس بكافر لأنه يعترف بأنه لابد من وجود إله ، لكن الجين الإلهي الدال على إله السماء لم يفعل فعله ، ولم يتعرف الفرعون عليه (بلغة الكمبيوتر) ، ولأنه لابد من وجود إله فقد عين نفسه إلهاً؟

أم أنه كان لديه جين غير ما لدى بقية الناس ؟

ثم تبقى أسئلة من لون آخر ، فالمعلوم أن الكائن الحي يحمل الجينات الدافعة للتزاوج والتناسل بالغريزة الجنسية ، وذلك لحفظ النوع ، فما هي أهمية وجود جين إلهي ، فانعدام الإيمان لا يقضي على النوع بهذا المعنى .

الغريب أن مشايخنا قاموا بهمة وأدلوا بدلوهم في الموضوع رغم علمنا أنه لو كان لأجدادنا مليارات الجينات الإلهية وقرر مشايخنا تكفيره فلن تشفع له جيناته الإلهية ، لماذا يدلون بقولهم في شأن محكم معروف لديهم مسبقا إزاء أي مخالف ؟

فيستدلون بفطنتهم من الكلام .. مجرد الكلام القابل للنقاش ، على الكفر والخروج على الله ما لهم ومال معامل دين هارد وأبحاثه ؟ إن من يطلب الدين يغار عليه ويعمل على رفعة أصحابه بفك الحصار عن عقولهم وحرياتهم لينطلقوا نحو العلم والرفعة ، حتى لو استدعى الأمر أن يضحي هؤلاء الغيورون على الدين بمكاسبهم وبلهنتهم ونعيمهم (واللهم نعم حسدا) وأن يضحوا بفكرهم الرافض للنهضة والتطور ويستريحوا .

ومسألة الجين الإلهي عند المسلم ستلتقي مع الحديث القدسي "كنت وحيدا في الأزل فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فبي عرفوني" ، أو كما قال ، لكن ماذا عن عابد أوزيريس في مصر القديمة ، وماذا عن عابد عشتار في الرافدين القديم ، وماذا عن عابد أدونيس في الشام القديمة ، وهل ترتبط المعرفة الإله بوجود العابد الحامل لهذه المعرفة الفطرية ؟

أي أن وجود الإله معرفيا مشروط بوجود العابد المفطور على هذه المعرفة ، وبدونه يصبح الإله مجهولاً أو بمعنى آخر غير موجود في أي وعي .. ومن ثم لابد أن يقول العابد أنا موجود فعشتار موجودة ، أو أنا موجود فأوزوريرس موجود ، وأيا كان صاحب القول ، الذي هو الشطر الأول من العبارة ، وهو اليوم غير موجود ، فقد سقط الشطر الثاني بالتبعية ، وهو ما يعني أن وجود الشطر الثاني قائم على وجود الشطر الأول ، فاختفاء الأصل يتبعه اختفاء الظل ، واختفاء الشكل يتبعه اختفاء الصورة ، واختفاء الجذر بتبعه اختفاء الشجرة ، واختفاء الشمس يتبعه اختفاء النهار ، أي أن الأنا هو الباقي ، هو الصانع والمنتجات متعددة ، والخالق باق والمخلوقات إلى الزوال ، وهكذا زالت أرباب كانت تخلق حسب الطلب وطبقاً لشكل البيئة وظروفها المجتمعية ليظهر منتج جديد بمواصفات جديدة أكثر ملاءمة للتطور الجديد . وهو ما ينهي لنا ملف الجين الإلهي بينما الأسئلة بينما الأسئلة في أوراقه بلا إجابة شافية .

ونأتي لملف نظرية النشوء والارتقاء باسم نظرية داروين ، حيث قام ملف روزا على التمرد على نظرية داروين في أمريكا ، و هو في النهاية محاولة من المتدينين الأمريكيين لوضع النظرية الدينية في المقررات المدرسية إلى جوار نظرية داروين وترك الطلبة يختارون. وإذا كان هذا صحيحاً فهو بداية تحقيق نبوءة الإسلاميين بقرب انهيار أمريكا ، لذلك لا يمكن أخذ الكلام على علاته ، ولا أصدر عليه حكماً في جملته ، بقدر ما أستنتج أن الديمقراطية الأمريكية تطرفت لدرجة سمحت لبعض المتدينين من محاولة إعادة التدريس الديني إلى جوار العلم في المدارس ، وأنها ظاهرة ربما كانت لها أسبابها ، لكنها إلى زوال سريع ، كما هو واضح من التراجع إلى فكرة الدمج بين النظرية الدينية في الخلق والنظرية العلمية في التطور بنظرية "التصميم العاقل" التي بدورها لم تحظ بأي تأييد علمي حتى الآن.

ولا بأس مما قال د. حسن عطية في درس جديد من دروس العلم والإيمان ، لأنه في النهاية ينحو بنية صادقة إلى حث الإيمان إيجابيا نحو العلم واحترامه عبر احترام الدين. وأيضاً لا بأس مما قاله صديقي الدكتور محمد شحرور وتخريجاته الجديدة المتميزة ، وهو أيضاً لون من محاولة التطويع الإيجابي لإيمان المسلم بالدين ، كي لا يجد على نفسه حرجاً في الأخذ بنظرية النشوء والارتقاء . بدفع الناس عبر تلوين التحريم ببهجة الحلال برؤية أخرى جديدة .

وللدخول في صلب حكاية الخلق والتكوين دينياً أو النشوء والارتقاء علمياً ، أن الأولى تعمد إلى نظرية الخلق المباشر ، فكما للصنعة صانع ، فللكون الحي بحسبانة صنعه لابد من صانع خالق مباشر ، بينما تعمد نظرية النشوء والارتقاء إلى القول بتطور حيوي عبر ملايين السنين انتهى بتطور جميع الكائنات من أصول أولى مجهرية إلى ما هي عليه الآن.

والمعلوم لدى أهل الأنثروبولجيا والميثولوجيا وعلماء الأركيولوجيا والتاريخ مجتمعين أن نظرية خلق الإنسان من طين أحمر لازب حمأ وتشكيله تشكيلاً فنياً بواسطة إله نفخ فيه نسمة الحياة ، كانت نظرية أولى قديمة قدم البشرية ، و لدى كل شعوب الأرض من المصريين الذين قالوا أن الإله خنوم قد صنع البشر على دولاب الصلصال الفخاري ، إلى البابليين إلى الآشوريين إلى الإغريق إلى تاهيتي إلى سكان استراليا البدائيين الآن ، حتى إن قصة خلق حواء من ضلع آدم مدونة قبل ظهور الأديان السماوية جميعاً في بابل القديمة في قصة تمت إعادة صياغتها أكثر من مرة تحكي خلق السماوات والأرض والكائنات الحية والإنسان ، تعرف باسم (إينوما إيليش) وترجمتها (في العلى عندما) وهي الأصل الأصيل الذي نسخت منه التوراة قصة تكوينها نسخاً (أنظر تفصيل ذلك في كتابنا قصة الخلق ، أو منابع صفر التكوين) .

والإسلام بدوره يأخذ بنظرية الخلق المباشر ، لكنه فيما يبدو سيخالف هنا ما قاله الدكتوران حسن عطية ومحمد شحرور ، ولا يحكي عن تطور الإنسان عن البشر أو العكس ، إنما هو قادر على تبديل الخلقة مباشرة ، مما يدعم الأصل المعتاد في فهم الخلق المباشر ، فالدين شأن والعلم شأن سادتي الأكارم ، و ليس بالضرورة أن يمر الإيمان بالعلم عبر الإيمان بالدين ، والإصرار على ذلك هو سر كارثتنا الأزلية وخيباتنا غير القابلة للمنافسة ، لننظر إذن في ضوء محاولة تفسير القرآن لصالح العلم في ضوء قول الله في القرآن : "فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين/ 65 / البقرة" ، وكذلك "فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين/ 65 / البقرة" هنا عملية تحويل مباشر وفوري في الخلقة والخلق ، لم تعتمد التطور منهجاً لها ، لأن أهل ذلك الزمان ما كانوا يعرفون التطور ، وقد جاء الإسلام ليخاطبهم بلسانهم وعلى قدر عقولهم ، لقد جاء ليقول لهم ما يعلمون مسبقاً من أديان ومعارف متواترة . وكان طبيعياً أن يخاطبهم حسب إدراكهم الذي هو أقل بألف وأربعمائة عام من إدراكنا ، وتحسب العام الأخير فيها بما يعادل ما أنجزته الإنسانية كلها عبر تاريخها منذ وجدت على الأرض.

وما كان ليحدثهم بلسان نظرية التطور لأنه لم يكن لديهم مختبرات ولا ميكروسكوبات إلكترونية ولا مناهج علمية في البحث والتفكير ولا مراكز علمية متخصصة تصرف في بحوثها المليارات . لقد كان بإمكان الإنسان أن يتصور إمكانية تحول البشر إلى كائنات أدنى عقابا لهم على الآثام والجرائم كالقردة والخنازير لأنه الأرقى والأكثر وعيا منها ، لذلك ما كان ممكنا نظريا لصالح التفوق الإنساني أن يكون الإنسان متطورا أو ممسوخا عن كائنات أدنى رتبة .

إن كل نبي خاطب إجيال زمانه حسب زمانه وقدر فهم زمانه ، وهذه الأجيال من ناتج أجيال سابقة أكثر بربرية وهمجية ، ورثت عنها ضمن ما ورثت بعض ثقافاتها ومعارفها البدائية الأولى . ولم يكن باستطاعة أي نبي أن ينكر معارفهم عن التكوين والخلق وإلا طالبوه بالبديل الأصوب والأقرب للفهم .

لقد مرت الإنسانية وهي تضع مفاهيمها للكون من حولها بمراحل ، وكانت قبل الأديان الثلاثة في مرحلة تعددية للآلهة ، وأيضاً لها رؤيتها للخلق والتكوين المباشر لأنها تفهم أبعد من هذا ، وهو ما نسميه اليوم أساطير ، وكلمة أساطير تتضمن الخيال والوهم السحري غير المترابط أو غير المعقول أو غير المترابط أو غير المعقول أو غير المرتبط فيه السبب بنتيجته ، فيصبح المرض سببه شيطان وليس لفيروس ما وتصبح الكوارث سببها غضب الآلهة ، وليس أسباباً موضوعية في تكوين الأرض وطبيعتها ، لذلك نرى تفكيرهم أسطورياً من منظور زماننا ، لكنهم صاغوا مفاهيمهم للكون بلغة تعبيرية خاصة قد تبدو لغير المتخصص كلاماً لا معنى له ، لكنه بربطه بزمانه ومناهج زمانة في الفهم والتفكير ، تكتشف أن هذه الأساطير تسجيل لأحداث حقيقية حدثت وأيضاً تسجيل لمفاهيم وطرق لمعرفة ما حولهم وقوانين ناسبت زمانهم.

وقريباً سيأتي الزمان المتطور بقوة نحو فيزياء كونية جديدة وسيحتاج إلى عقل جديد وقوانين جديدة وإدراك جديد ، يوم تنتقل عبر الزمن لتقابل ذاتك أو يوم نكتشف ما في الطرف الآخر من الثقوب السوداء الكونية ، أو كيف أمكن اليوم إطلاق جسيم بسرعة أكثر من سرعة الضوء ثلاثمائة مرة ، حتى إنه وصل جهاز الاستقبال قبل أن ينطلق ويختفي من مكانة الأول، نحن مقبلون على تحول هائل جديد يحتاج فهما جديداً يصبح معه فهم زماننا بالنسبة للآتي ضمن مرحلة الأساطير.

ونحن على أبواب هذا التحول الكوني ، الذي سيأخذ بشرا نحو مستقبل غير مفهوم لنا الآن ، ويترك بشراً لا يفهمون حتى ما يحدث الآن ، ترى كيف سيكون الفرق ، وساعتها هل سنكون كلنا بنى آدم أو كلنا أناسا أو ناسا او بشرا أو غيره مما طرحه الدكاترة.

من عجائب الدهور أنه في هذه المرحلة الفارقة تجد على الأرض بين الأناس بشرا بقوا من تلك العصور القديمة ، من بدايات البشرية ، حفريات حية تفكر بعقلية زمن الأساطير الماضي ، وهؤلاء هم نحن أهل الشرق المسلم سادتي.

ومن ثم نسجل الملاحظات هنا ، وهي أن قناعة الإنسان البدائي بنظرية الخلق المباشر لم تتضارب مع الأديان ، فأقرتها كل الأديان سماوية وغير سماوية وأسطورية ، لأنه ما كان ممكنا لأي نبي أن يحدث قومه حينذاك عن قصة التطور والارتقاء ، وما يتطلبه ذلك من حديث عن الجينات والخلايا وأنواع التكاثر والاستنساخ والكيمياء العضوية ، فإن أحدا ساعتها لن يفهم لأنه ذلك خارج مخزونه ومدركاته المعرفية ، بل إن بيننا حتى الآن أناسا لا تستطيع استيعاب نظرية التطور وفهمها فهما دقيقا لا يشغل الدين في شيء ولا يشغله الدين في شيء ، وعدم قدرتنا على استيعاب النظرية تعود إلى أن منطقنا في مرحلة أسبق من الزمن الحالي وهو ما لا يعني كذب النظرية بقدر ما يعني رفضنا لها لعدم قدرتنا على فهمها.

وحتى لو فكرنا بمنطق تلك الأزمان اليوم فلابد أن ننتهي للاعتراف بالعلم ونظرياته ، ففي أوروبا أنكروا قدرة الله على دفع الآرض للدوران حول الشمس ، حتى عادت الكنيسة في العقد الماضي إلى التراجع عن خطئها التاريخي واعتذرت لجاليليو لأنهم آمنوا ببعض قدرته واستكثروا عليه بعضها ، على تشغيل وإدارة ما أنتجه ، ونحن نكرر نفس الخطأ اليوم ، نعترف لله بقدرته على إحياء كل تلك الأحياء ثم تتكر عليه القدرة على تطوير وترقية ذلك الخلق ، خاصة إذا كان بإمكانه تغيير الصورة الآدمية إلى قرد ،فإن بإمكانه أيضا القيام بالعكس.

ولو تركنا الأمر مهملاً محرماً تدريسه في الأزهر ، فكأننا نقول إن داروين فقط هو الذي يطور الكون ويدفعه للترقي لمجرد أنه أدرك هذه القدرة الإلهية ومهد لكل العلماء الأفذاذ من بعدة للتحكم في الأجيال بهندسة الوراثة لإنتاج أجيال حية محسنة واستخدامها لمطاردة الأمراض ، بهذا المنطق يمكن القول أن الكفر البين هو الكفر بقدرة رب الإسلام على خلق ما يدير به أكوانه من قواعد وقوانين. وإن جهل السلف الصالح بالجراثيم والميكروبات لا يعني أنها ليست من خلق الله ، وقولنا اليوم بوجودها لا يعني أننا قد كفرنا بالله ، وأن عدم ورود أي ذكر لها في الكتب السماوية لا يعني أنها خرافة ، وأن الإقرار بوجودها لا يعني الكفر ، بل ربما كان الكفر هو إنكارها.

و ثمة سؤال أخير لازال يضرب أخماسه في أسداسه :

ماذا لو كان عصرنا الذي نعيش بكل إمكانياته قد تقدم زمانه فجاء في القرن العاشر قبل الميلاد.

فهل كانت الكتب السماوية ستتغاضى عن ذكر مكتشفات زمانها ونظرياته وعلومه؟

هل كانت ستنكر وجود المجرات وعجم وجود سماء كما نفهم نحن؟

هل كانت ستنكر أن نجوم السماء ليست مصابيح زينة إنما هي شموس عظيمة الأجرام؟

هل كانت ستنكر أن الأمراض تسببها الفيروسات والبكتيريا والجراثيم والخلل في الخلايا ؟

هل كان يمكن لنبي أن يمرض ولا يذهب إلى الطبيب؟

وهل كان سيتنكر لأطفال الأنابيب لو احتاجها؟

وهل كان سينكر معرفة كل شئون الجنين وهو في بطن أمه؟

وهل كان سينكر التليفزيون والطائرات والمحمول والإنترنت والأسلحة النووية؟

هل كان سينكر النشوء والارتقاء الذي تقوم عليه علوم البيولوجيا والاستنساخ؟

فلماذا والحال كذلك لا نتوقف عن تبرير العلم أو تحليله استنادا للدين؟
ولماذا لا ننتهي إلى أن هذا شأن قلبي تؤمن به على علاته أو لا تؤمن ، وأن العلم شأن عقلي مخبري لا علاقة له بالقلب ولا بالإيمان ؟
وأن الإيمانلا علاقة له بتقدم أو تخلف إنما هو شأن شخصي ضميري والتخلف فيه مرجعه إلى الله ، أما العلم فهو موضوع التقدم وموضوع الأمة كلها وليس شأنا شخصيا ولا يحتاج لمن يبرره ويحسن وجهه وإلا كانت مصيبتنا في عقلنا قد أصبحت هي كبرى مصائبنا .

روزاليوسف 8/1/2005

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:51:50 | Permanent Link | Comments (1) |

Wednesday, 20 September, 2006

الذئاب يعظون

الذئاب يعظون ..

إذن الإرهابيون يصلحون!

قراءة في مبادرة الجماعة المحظورة

هل نتركهم يسرقون الوطن بعد أن سرقوا الإسلام؟

يبقى من مبادرة الإخوان أن نفهم بنية العقل المعرفي الواقف في خلفيتها ، عبر آراء الإخوان ومواقفهم ، وبخاصة ما قدموه في مبادرتهم التاريخية وكيف أقروا بمبدأ الاختلاف والتعددية الديمقراطي . ثم في ذات المبادرة نسخوا هذا الإقرار بقرار لابد أن ينتهي إليه الوطن يعترف بريادة الإخوان نحو بناء المواطن المسلم والدولة المسلمة والحكومة المسلمة.

يعتبر الإمام أبو حامد الغزالي مرجعية كبرى بهذا الصدد ، لأنه في "فضائح الباطنية /2" ينادي المسلمين بقبول حقيقة الإختلاف ، ليس لأن الله قد جعل هذا الخلاف بين الناس والأمم تقديرا إلهيا وضعه في صنعته وفي خلقه ، وحكما قضى به من الأزل بنصوص قرآنية وأن هذا الإختلاف بين البشر لم يستطع حتى الأنبياء رفعه ، ويذهب الغزالي إلى أن الاختلاف في الأمة رحمة بها كما قال كثير من الفقهاء . لكن الغزالي يصر رغم ذلك على أن يقيم نفسه مقام الله مفضلا نصه – الغزالي – على النص الإلهي ، فيؤكد أن حق الإختلاف هذا غير جائز على الإطلاق في الأمور الاعتقادية؟ و هو ذات ما عبرت عنه مبادرة الإخوان في بنود تؤكد حق الاختلاف حسب المبدأ الديمقراطي الرفيع ، وتسحبه في الوقت نفسه من المواطنين لأن الهدف النهائي للإخوان هو إقامة الدولة الواحدية المصمته التي لا تعترف بالتعدد إنما هي تلغيه بفرض وجهة نظر على وجهات نظر الأخرى بحسبان وجهة النظر المفروضة وجهة نظر ربنا لا وجهة نظر الإخوان. ولا تفهم كيف يحيلون هذا التناقض إلى أللة ببساطة عجيبة ، خاصة أن فرض طرف على بقية أطراف المجتمع كفيل بتفكيك اجتماعي بالضرورة ، بينما التعدد والاختلاف على التعادل بحقوق وواجبات مقننة يرضي بها الجميع ، هو باب التنافس المبدع الخلاق وتعدد الطرق إلى المعرفة دينا أو سياسة أو اقتصادا أو علما ، وهو في الوقت ذاته قرار إلهي بالاختلاف بشري؟!

وهكذا يصيبك الإخوان بالاضطراب إزاء ما يريدون بالضبط ، رجلهم الكبير سيد قطب الموصوف بالشهيد في أدبياتهم قد أكد لهم في المانافيستو المعروف بمعالم على الطريق "162":

"إن من قال إن التشريع من حق البشر فهو ليس بمسلم . والديمقراطية أولا وأساسا هي حق البشر في التشريع لأنفسهم ، فأيهما نصدق شهيدهم أم مبادرتهم؟ أم بعض مبادرتهم دون بعضها؟

و في حال كوننا من أهل الديمقراطية كحل خلاصي ، فلابد هنا أن نضع تشاريعنا حسب ظروف حياتنا ومستجداتها وهو حق المواطن الطبيعي في النظام الديمقراطي لأنه العارف بمصالحه . وأن نعترف أن الشريعة الإسلامية كان لها ظرفها التاريخي المرتبط بزمان الدعوة ومكانها وشكل المجتمع والسياسة حينذاك ، وألا ننسى أن الإسلام كان يقيم لشراذم قبائل بدو الجزيرة دولة مركزية احتاجت لشرائع تناسب قبائلها وجغرافيتها ومطالبها وأهدافها ومنطق زمانها ، وألا ننسى أن وطننا مصر قد سبق الدعوة حضاريا بألوف السنين وله ظروف تختلف بالكلية عن ظروف الجزيرة وتختلف حاليا عن القديم في مجمله. ومع هذه المعاني اللازمة للقائل بالديمقراطية "كما قالت المبادرة" فإن حكيمهم القانوني عبد القادر عودة كان يعلن تكفير "كل من قال إن الشريعة كلها أو بعضها ليست احكاما دائمة وأن بعضها أو كلها كان موقوتا بزمنه ، أو قال إن أحكام الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر ، وأن غيرها من أحكام وقوانين وضعية خير منها / التشريع الجنائي في الإسلام /2/708" .

وإذا كانت مبادرة الإخوان تقصد الدخول في حوار وطني خلاق من أجل إصلاح نحتاجه نحن بغض النظر عما تحتاجه أمريكا أو أي آخر ، فإن الحوار يعني الانفتاح على كل وجهات النظر الأخرى ، وأن الرأي في الحوار يكون دوما نسبيا لا يعترف بمطلقات ولا ينسب أحد المتحاورين لنفسه الصدق الكلي مستبعدا صدق بقية الأطراف لأن بقية الأطراف عنده غير صادقين بالضرورة لأنهم لا يملكون ما يملك هو من صدق مطلق رباني ، ومن ثم ينفي الآخرين سلفا وينفيهم مقدما رفضا لأي يقين غير يقينه ، علما أن الحوار لا يعترف بأي يقين تام كامل بالاعتقاد بامتلاك مفاتيح كل الحلول وكل اليقينيات ، لأن مثل هذا الاعتقاد هو انغلاق على ذات تشعر بكملها وعدم حاجتها للآخرين من بني الوطن للتكامل معا من أجل الكل .. من أجل الوطن .

الحوار يفترض عدم اليقين بمطلق لا يقبل النقص عند جميع الأطراف ، وأن يقين طرف بذلك يدفعه إلى فرضه على الجميع أو نفيهم بحسبانهم كفارا ، وعندما يبدأ الحوار بالمبادرات فإن على هذه المبادرات أن تعي أنها قد قبلت بمبدأ نسبية الرأي وأنها لا تتحاور معنا لتثبت لنا يقينها الشامل إزاء منطقنا النسبي ، أو لتثبيت لنا صدقها وكذبنا لأن ذلك يعني اللا حوار فيما يطرحون علينا في مبادرة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .

وعندما يزعم الإخوان أنهم طرف قي حوار ومبادرات إصلاحية ، فعليهم بداية التخلي عن تصنيف الناس إلى مسلمين وإلى غير مسلمين أو شبه مسلمين أو مسلمين ضالين يحتاجون ريادة تهديهم لأن تعريف الجماعة بأنها "الإخوان المسلمون" يعني تصنيفاً وفرزاً يميز جماعتهم بالإسلام عن غيرها من بقية أبناء الوطن وبأنهم الأكثر إسلاما من غيرهم . فيمارسون وصايتهم ونخبويتهم واستبعادهم لغيرهم مسلمين كانوا أم غير مسلمين ، ليطرحوا علينا مبادرة كلها هواجس أيديولوجية يكمن الداعية القاسي في كل سطر فيها ، باعتقاد عجيب بمهمتهم الرسولية لجعل حياة المسلمين كلها مكرسة من أجل النص ، بينما الصواب هو تكريس النص من أجل أنفسهم وأن النص قد وجد من أجلهم لتيسير معاشهم لا تعقيد هذا المعاش وتفريغه من حوار النص من الإنسان والواقع المتغير ومع الزمان والمكان ليكون نصا حيا في خدمة الإنسان ، وليس العكس ، غير واعين أو واعين أن اختيار أنفسهم حماة للنص وأهدافه هو لون من الاغتصاب العلني لحق كل المسلمين في دينهم .

وأنهم يقيمون من تفسيراتهم وطريقتهم في فهم الإسلام نصا بديلا عن النص الإصلي ، يغتصبون فيه المعاني لصالح أهدافهم وأغراضهم بعدوان سافر على الله وكلامه ، للعدوان بهما على حقوق الناس ، وطريقتهم المعلومة هي جعل الدين أيديولوجية كاملة لجماعة طائفية يتحول فيها الانتماء عن الوطن إلى الانتماء لجماعة المسلمين لتكريس الوطن لجماعة المسلمين لتكريس الوطن الجماعة لا الوطن الأرض ، وهو ما سمح عبر التاريخ بخيانات كبرى للناس والأوطان مادام الحاكم القادم من خارج البلاد مسلما سواء كان شركسيا أم البانيا أم هو من الديلم أم من العثمانلية .

ولا يفهم أي عاقل كيف يطلبون الديمقراطية لتطبيق الشريعة الإسلامية فهل سيؤسلمون غير المسلمين أو يطردونهم من البلاد .. هم مع بقية المسلمين غير الموافقين أم سيفرضونها فرضا عندما يصلون إلى الكرسي؟

وبفرض أن هذا الكابوس أمكن وقوعه ألا يرون أن فرض الشريعة قهرا يحول الناس جميعا إلى منافقين؟

ثم ألا يعلمون وهم يتبنون الديمقراطية منهاجا أن الشريعة تختلف جذريا عن الحقوق في المبدأ الديمقراطي؟

لأن الشريعة تعبر عن مشيئة الله أما الحقوق في المبدأ الديمقراطي فهي تعبر عن مشيئة الناس ، وأن الناس هم من يصوغونها وفقا لحاجتهم ومطالب زمانهم ومصالحهم .

إن أي تشريع أيها السادة في أي برنامج إصلاحي لابد أن ينبع من مشيئتنا نحن ويعبر عن أحلامنا نحن في زمن لم تعد فيه كثير من بنود الشريعة مقبولة لاختلاف طبائع وعوائد الآزمان ، فلم يعد ممكنا اليوم وضع قواعد تشريعية تحدد حقوق الأسياد وواجبات العبيد ولا حق المسلم التقي في ركوب أي عدد من الجواري برضاهن أم بعدم رضاهن لأن ذلك في قواعد زماننا وفي الحقوق الديمقراطية وأدبياتها له اسم واحد هو "الاغتصاب" وما أبشعه !

وهي القواعد التشريعية التي تصر عليها أبواب الفقه المقرر على تلاميذ ثانوي أزهرى في بلادنا ، كما في كتاب "روض المربع" الذي يشرح في باب الرهن "ولو رهن اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف" فهذه أربعة عقود /238" كذلك "لا يحق للعبد أن يكون وليا في نكاح وللحر نكاح أمة ابيه /335 ، 340" وفي كتاب الإقناع في حل الفاظ أبي شجاع قرار "بجواز الجمع بين الإماء بملك اليمين من غير حصر / ص 16 شرح ج3"

لقد تغيرت أذواق البشر ومعاييرهم الأخلاقية فما كان أخلاقا اعتيادية معمولا بها في تلك الأزمان لظروف عصره لم يعد ممكنا الآن ، فمثلا لم يعد ممكنا للشيخ عاكف أن يتزوج بطفلة عمرها تسع سنوات احتراما لتشريع فقهنا في باب عشرة النساء إذ يقول : "وإذا تم العقد لزم تسليم الزوجة الحرة التي يوطأ مثلها وهي بنت تسع سنين" وإن اشتكت هذه الطفلة من ألم الفعل الجنسي وأنكر الزوج أنه يؤلمها "وإن أنكر أن وطأه يؤذيها فعليها البينة / روض المربع 353" . أي أن عليها أن تثبت للجمهور أن نكاحه لها يؤلمها "؟!!!"

كذلك لا نعتقد أن أي إخوانجي اليوم سيرضى بتزويج طفلته ذات السنوات التسع إرضاء للشرع ، لأنه قد تغير ذوقه الأخلاقي بمعيشته في زماننا عن ومن زواج بنت تسع ، فإن لم يقبل من الشريعة حسب ذوق أيامنا فيكون قد اعترف بحاجة التشريع الإسلامي إلى كثير من التعطيل واحيانا الحذف ، وإذا قبل بالتغيير ليتوافق مع قواعد أيامنا فاستبعد الرق بكل ألوان أبواب فقه الرقيق

وإذا رفض زواج بنت تسع فلماذا إذن العودة إلى القديم لتوفيقه مع حقوقيات اليوم؟ لماذا لا نلجأ لحقوقيات زماننا مباشرة إذن؟ لماذا لا نضع نحن تشريعنا بأيدينا كما تفعل كل الأمم؟

ألا ترون أن إخواننا الإخوان يعودون بنا إلى مناقشة موضوع تجاوزه الزمن بالمرة ولم يعد مطروحا للمناقشة أصلا .

أما الحكم السياسي بالشريعة فكيف سيكون؟

إنك مهما بحثت ونقبت فلن تجد في الشريعة أيه قواعد واضحة مقننة منضبطة للحكم ، ولا أي لون من ألوان التخطيط

ومن فجرها لم تجب الشريعة عن أسئلة هامة مثل :

· من يكون خليفة النبي؟

· أو كيفية تنصيبه؟

· وما هي صلاحياته؟

· ولا كيفية مشاركة المسلمين في إدارة شئون الدولة؟

· و ما هي الحريات التي يتمتعون بها؟

· و كيف يحمونها من السلطان إن جار؟

· و من يخلف السلطان القائم؟

إن هذه أساسيات قيام أي دولة وقد تجاهلتها الشريعة .. يردون علينا هنا بكل ما أنتجوه هم ومحترفو التلفيق بالتوافق العظيم بين ما جاء في الشريعة وما وصلت إليه الإنسانية من سمو ورقي اليوم ، و هو اعتراف بقياس الشريعة على المنجز الإنساني بعمليات تقريب وتأويل وإعادة التفسير . وهو ما يعني أن الأصل هو حقوقيات اليوم التي وصلت إليها البشرية بعد طول صراع ضد الظلم حتى قننتها ، أما التقليد فهو الشريعة المؤولة والمفسرة بمنطق الحاضر فلماذا كل هذه المشقة وأمامنا المنجز الإنساني الحاضر؟ أمامنا الأصل دون التقليد المبتسر والمتكلف؟

لقد كان النظام الإسلامي السياسي "الخلافة" حكما عربيا قرشيا أضفى عليه رجال الدين في حلفهم مع الخلفاء الصفة الدينية للاحتماء بمظلة الشرعية الدينية للدفاع عن نظام سياسي بشري لا علاقة له بما يريد الله ولا بالشريعة وأن الدولة الإسلامية عبر تاريخ الخلافة لم تعرف تطبيق الشريعة إلا بما يخدم السلطان وسيطرة رجال الدين ، ومع ذلك يقدم لنا شهيدهم كشفه لحل كل مشاكلنا بأنه "لا حاكمية إلا لله ولا شريعة إلا منه"؟!

وأنه للوصول إلى هذا الهدف العظيم يخبرنا محمود الصباغ "إن أعضاء التنظيم الخاص يمتلكون الحق دون إذن من أحد في اغتيال من يشاءون من خصومهم السياسيين ، فكلهم قارئ لسنة رسول الله في إباحة اغتيال أعداء الله / حقيقة التنظيم الخاص / 229" .

إن هذا الإرهاب الفصيح يخاطبنا اليوم بلباس المصلحين كما خرج الذئب يوما في ثياب الواعظين .. لماذا يا ترى؟ لأن الوصول إلى السلطة عن طريق العنف قد أثبت فشله .. ولأنها اليوم وفي ظروف العالم اليوم تشكل فرصة سانحة تاريخية ، فاالأمريكان أحباب الأمس واليوم وغدا قد تواجدوا قربنا والأمريكان تشغلهم مصالحهم في المقام الأول ، لذلك كان فضلهم عن الجماعات الإسلامية بكل أصنافها وعلى مشاريع الصحوة الإسلامية و كم صرفت المخابرات الأمريكية ببذخ على مؤتمرات الصحوة الإسلامية ، وفي الوقت نفسه يشكل الأمريكان تهديدا لأنظمة كبيرة في المنطقة ، ومع هذه الصورة للواقع القلق ركب الإخوان مركبهم الصعب في انتهازية فاضحة لكل الأطراف ، فبينما لم تشر المبادرة إلى موقف واضح من أمريكا بشكل محدد بصياغة شفافة لترك الباب مواربا للعم سام إن شاء حوارا أو حلفا وفي الوقت نفسه عرض الدكتور عصام العريان في برنامج "الحقيقة / دريم 8/5/2004" على الحكومات العربية ضرورة إدماج الحركات الإسلامية في نظمها السياسية "بغض النظر عن الديمقراطية هنا" وذلك كما قال لتقوية ظهر الحكومات في هذه المرحلة الخطيرة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية وهنا يمد الإخوان يدهم للحكومات لتسند ظهورها ، وتمد يدها الأخرى للأمريكان ولا نعلم في أي يد سيكون الخنجر ، متصورين سامحهم الله أن أحدا لا يعلم بتاريخهم الذي هو تاريخ الانقضاض على الحليف في أول فرصة ، ولا توجد حالة تحالف واحدة لم ينقض فيها الإخوان على الشريك عبر تاريخ تحالفاتهم.

وإذا كانت هذه أخلاقيات أخوان الإسلام في العمل السياسي فإنه سيكون صعبا على البلع تنغيمهم وألحانهم حول دورهم في إعادة الحياة الفاضلة والخلق الكريم لمجتمعنا بطول مبادرتهم في بند التعليم والبحث العلمي لابد من القيم الدينية والمبادئ الأخلاقية ، وفي بند بناء الإنسان المصري لابد من تعميق إيمانه بالأخلاق الفاضلة ومكارمها ومحاسنها بعد أن رانت علينا الشهوات الدنيوية ، وفي المجال الثقافي يجب العودة بثقافتنا إلى مصادرها الإسلامية وإصلاح مفردات الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون بحيث تنطق بالقيم الإسلامية بما ينأى بها عن مواطن العبث بالمبادئ الأخلاقية والسقوط في هاوية الفحش والبذاءات ببرامج ومسلسلات وتمثيليات هابطة تخدش الحياء وتشيع الرذيلة وفي بند الأزهر ترى المبادرة ضرورة غرس الأخلاق الفاضلة بشرح أخلاق الإسلام ومفردات تلك الأخلاق.

ويلاحظ في هذه البنود سوء فهم الإخوان لمعنى الثقافة لأن ثقافتنا لا تقوم على مصادر إسلامية فقط ، بل بها روافد كبرى عميقة منها المصرية القديمة ومنها القبطية ومنها الأفريقية ومنها الأوروبية منها العالمية ..إلخ.

ويلاحظ أيضا اهتمام المبادرة الشديد بالإعلام وضرورة إصلاح الفجور فيه والرذيلة بالعودة إلى مفردات الأخلاق الإسلامية كما هي في مناهج الأزهر مثلا . و هي المناهج التي تقدم مفرداتها وفق منطق أنه لا حياء في الدين ، و في ضوء هذا المنطلق يدرس صبايانا شبابنا المراهق بالأزهري الثانوي أبواب فقه يحدثهم بعضها عن مفسدات الصوم والكفارة : "من جامع في نهار رمضان فغيب حشفة ذكره الأصلي في قبل أصلي أو في دبره ولو ناسيا أو مكرها فعليه الكفارة والقضاء سواء أنزل "أي مني" أم لم ينزل .. وكذا إذا انزلت امرأتان بمساحقة فلا قضاء ولا كفارة" أما متى يجب الغسل فهو لو ادخل حشفته فى قبلها أو دبرها كان الحكم بالغسل لأنه جماع في فرج ، ولو أولج حيوان قرد أو غيره في آدمي ولا حشفة له فهذا يعتبر إيلاج الذكر "كل ذكره" أو إيلاج قدر حشفة معتدلة / أنظر الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع / ص 90 / ج1".

ومن ثم يطالب الإخوان بهذه المفردات لتكريس الخلق الرفيع في إعلامنا؟ !!! هل تذكرون عندما طالب المفكرون في بلادنا بتدريس الثقافة الجنسية في مدارسنا كي يتعلم المراهقون الصواب والخطأ وقيمة هذه الأعضاء وأهميتها وخطورتها في نفس الوقت وكي يعلم الصبي كيف يقي نفسه وكيف أن الفعل الجنسي ليس مشينا ولا معيبا لأن هدفه الحياة وإيجاد حياة جديدة ، وأن تعرف الفتاة أسرار أعضائها ووظائفها وكيف تحميها بحسبانها مصدرا للحياة لكنها قد تكون مصدرا لكل الأمراض إذا أسيء استخدامها.

عندما طرح هذا الأمر قام جميع إخواننا قومة رجل واحد على مختلف أطيافهم رافضة منددة بهذا الأنهيار الأخلاقي ، وعندما شاهدوا عجرم وروبي بالتلفاز طار صوابهم ولم يشعروا سوى بذئاب الجنس تعوي بداخلهم بدلا من أن يروا أمامهم إبداعا ربانيا خلق فأبدع وبنى فأحسن البناء ، ومن ثم قرروا أن يستبدولو هذا الفحش بمفردات كالحشفة والإيلاج في قرد أو نحوه وبالمساحقات عندما ينزلن "يبلغن أورجازم" أو إدخال الحشفة في فرج بهيمة أو دبرها ، خاصة لو فكرنا في باب تعميق المفردات والمفاهيم أن نخرجها فيديو كليب ، أنا شخصيا في هذه الحال سأفضل روبي قطعا.

ونكتشف أن أي إصلاح ينشغل به الإخوان يدور ما بين الحشفة والفرج ولو بدا بعيدا في النظرة الأولى كما فعلوا في إصدار بيان تأييد للمذيعات المحجبات في قناة الإسكندرية بدون علم نقابتهم ودون أن يشعروا بأي حرج أخلاقي ، ومثله ما جرى في نقابة الأطباء "أنظر العدد الماضي من روزاليوسف" ، وكيف تم التحول عن قسم "أبقراط" أبو الطب إلى قسم خاص لا علاقة له بالطب بل بالطائفة رغم البادج الذي يحمل اسم النقابة العامة لأطباء مصر ، يعني لكل الأطباء مع ذلك يبدأ القسم بالبسملة الإسلامية : بسم الله الرحمن الرحيم رغم أن قسما كهذا لا يفتتح هكذا ، بل إن البسملة نفسها باتت صرعة غير مفهومة نفتتح بها الخطابات ونرسل بها الشكاوي ونكتب بها حتى رسائلنا ، رغم أنك كي تبدأ بالبسملة فهذا يعني أنك ستقول كلاما مقدسا قياسا على القرآن ، ثم هل علم المسلمون أن النبي كلما تكلم بدأ كلامه بالبسملة؟ يعني هل قال يوما أحاديثه على قياس : بسم الله الرحمن الرحيم أمك ثم أمك ثم أبوك؟ إن الغرض من افتتاح القسم بالبسملة هو الأسلمة الإجبارية لكل طبيب سواء كان ملما أم غير مسلم ، أو وهو عدم اعتراف بوجود ثلث أطباء النقابة المسيحيين ، وإذا كانوا يعترفون بهم وقررنا الدروشة في العمل العلمي ، فلماذا لا نكتب بالمرة باسم الأب والابن والروح القدس إله واحد آمين؟

المهم تلى البسملة آية يكتبها كل أطباء مصر المسلمين في عياداتهم وفي المستشفيات هي "وإذا مرضت فهو يشفين" فلماذا مثلها مئات النماذج في الإنجيل مالها لا تكتب؟!

إذا كانوا على صحيح الاعتقاد باليقين أنة إذا مرضدت فهو يشفين ، فالماذا هم أطباء حتى الآن مادام هو يشفين؟ خاصة ما ما يحبذه فقهنا "لا يلزم الزوج لزوجته دواء وأجرة طبيب إذا مرضت ، لأن ذلك ليس من حاجاتها الضرورية المعتادة / روض المربع 397" ويرى فقهنا "أن ترك التداوي توكلا على الله أفضل ويكره إكراه المريض عليه / الإقناع ص 328 شرح ج1".

وماذا عن موقف الأطباء المتأسلمين من دعوة المبادرة إلى إقامة علمنا على شرعنا ، وشرعنا يقول غير ما يقول طبهم ، وعليهم أن يختاروا هذا أو ذاك فيقول الفقه الحنبلي : إن أكثر مدة للحمل هي أربع سنين لأنها أكثر ما وجد وأقل مدة حمل هي ستة أشهر / روض المربع 389" وما انتهى إليه الفقه الحنفي "إن أقل مدة حمل ستة أشهر وأكثرها سنتان / الاختيار / 154 شرح ج1".

ثم تعالوا إلى القسم نفسه وصياغة عباراته صياغة إسلامية المفردات مثل " تعاون الهيئة الطبية على البر والتقوى"؟ لماذا يا إخوان؟ هل أصبح شق الوطن وتمزيقه مهمة إخوانية محددة؟ أم أنهم لا يرون بقية أطباء مصر من غير المسلمين؟ الواضح أنه يرونهم جيدا لكنهم يقومون فقط بفعل نكاية لإثبات السيادة لهم وتبعية غيرهم لهم ، لذلك قاموا بتعديل البند الأخير بالقسم العربي للطبيب من "أن تكون حياتي مصداقا لإيماني في سري وعلانيتي نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين" بعد أن كانت تجاة الله ورسله ، هذا رغم أن إعلان اعتراف المسلم بكل الرسل هو شرط أول للإيمان الإسلامي وإعلان الاعتراف بكل الرسل في القسم أهم وأشمل من إعلان الاعتراف بنبي الإسلام وحده ، وهو ما يعني أنهم جعلوها "ورسوله" لمجرد النكاية وحتى لو خالفت عقيدة إسلامية أساسية .

والغريب المدهش أن نسمع الدكتور حمدي السيد يقول إن نص القسم متفق عليه بين الدول العربية ما عدا حكاية رسوله ورسله وإنه تم استبعاد قسم أبقراط لما فيه من إشارات وثنية ، وهو ما يجعلنا نتساءل : هل قسم ابقراط في العالم كله يعني وثنية هذا العالم؟ أو الاعتراف بوثنية اليونان؟ أم أنه قسم رمزي نستمده من الطب الأول ومن أبي الطب لأن له علاقة أكيدة بموضوعه وهو الطب وبتاريخه وهو تاريخ الطب كما لم تعد تماثيل الفراعنة أصناما ، بل رمز على ثقافة وزمن ، ومن هنا أبدى الدكتور عماد فريد دهشته وهو المسلم من إيراد رسوله أو رسله في القسم اصلا لأنها مخالفة تماما لقواعد العلم والطب ، إن لدنيا بين أطباء مصر من لم يزل يحترم العلم حقا.

ها هم إخواننا وما يريدون في مبادرتهم وها هم عندما يدخلون مكانا كنقابة الأطباء مثلا أو الصحفيين مثلا ويريدون منا أن نصدق شيئا بين مجموع النقائض التي طرحوها في المبادرة أو أن نثق في إخلاصهم للديمقراطية وفي حق الديانات الأخرى الذي أعلنوه ونرى ما نرى في آخر نتائج دخولهم مكانا .. القسم الإسلامي للطبيب .

بالمناسبة رأى الدكتور عصام العريان في برنامج دريم المذكور أن مبادرة الإخوان هي برنامج الإخوان السياسي والاقتصادي والاجتماعي وأنه برنامج إصلاح شامل؟!

أبناء مصر .. هذا برنامج الإخوان الشامل تطارحنا حوله عبر حلقات ثلاث فما رأيكم؟ هل نتركهم يسرقون منا الوطن بعد أن سرقوا منا الإسلام؟ .

روزاليوسف 15/5/2004 العدد 3962

Posted by المجموعة الليبرالية at 13:04:32 | Permanent Link | Comments (0) |

Thursday, 14 September, 2006

ما قبل التمكين

ما قبل التمكين

في موضوع بعنوان "موقف التيار الجهادي السلفي من لإخوان المسلمين" يفصح صاحبه (كمال حبيب / تيار جهادي) عن تحالف التيار الجهادي "الاصطلاح الرمزي للإسلام الدموي" والإخوان وكل اصحاب المشاريع الإسلامية على تنوعها ، باعتبار ذلك هو مخطط تكتيكي مرحلي لما قبل التمكين" حتى حدوث هذا التمكين "لأن الحالة الإسلامية مرحلة ما قبل التمكين أو الاستضعاف هي أكبر من قدرة جماعة واحدة مهما كان تاريخها وامكانياتها ورسوخها في الدعوة / من الملفات الخاصة بالجزيرة نت" ، وأن هذا التحالف لابد أن يفصح عن نفسه خاصة في مرحلة ما بعد طالبان ، وذلك لأن "المواجهة القادمة والجارية مع العالم الإسلامي هي مواجهة دينية ثقافية حضارية بالمفهوم الشامل .. وذلك لأن القوى الغاشمة تفرض على العالم الإسلامي الخضوع للتوافق مع الحداثة في مسألتين هما قبول العلمانية وقبلو التسامح الديني ، ويتأتى هذا عن طريق تحديث الإسلام وبناء الإسلام الليبرالي / مقال بالساخر/ نت"

و يتوافق هنا ممثل التيار الجهادي مع رفاق الحلف الإخواني لإثبات إيمانهم بالمبدأ الديمقراطي لكن من خلال الشريعة ، إذ يقول : "وأنا مع تقديم الشريعة على كل القيم الأخرى بما فيها الحرية .. وإن مشكلة العالم الإسلامي والعربي أنه انتزع منه حقه في اختيار الاطار المرجعي الذي يحكمه ، وعلى مر التاريخ نجد أنه متى كانت المرجعية الحاكمة هي الشريعة كانت الحرية سائدة ، ولن ينصلح ما نحن فيه إلا بإقامة الشريعة فليس هناك تعارض بين الشريعة والحرية ، لأن الحرية حق للمسلم في اختيار ما يريد ولكن في إطار المرجعيات ..

إن أي حضارة لها قيمة عليا ، فالحضارة الغربية قيمتها العليا هي الحرية ، والاشتراكية قيمتها العليا هي المساواة ، والإسلامية قيمتها العليا هي الشريعة / حوار مع إسلام أون لاين /نت" .

وعلى هذا الكلام ملحوظات :

أولا : إنه يكرر ويعيد المقامات الغنائية الحديثة للإخوان حول الإيمان بالديمقراطية بدلا من الفكر الإنقلابي الدموي ولكن من خلال الشريعة ، تأكيدا على خصوصية الشرق الإسلامي إزاء المفهوم الإنساني العالمي لمعنى الديمقراطية. و ذلك للإعلان عن فرصة يقدمون فيها هذا التنازل بالمشاركة في ديمقراطية تناسب ثقافتنا ، و أن هذا ما يجب أن تفهمه أمريكا ، وهي أنهم قادرون على تقديم الإصلاح المطلوب دون حدوث مشاكل مجتمعية ، وبما يحقق الأهداف الأمريكية في ظل الخصوصية لأنهم الأمناء على هذه الخصوصية والمعبرون عن الضمير الإسلامي الذي هو ضمير الأمة . وهو ما يلتقي مع رؤية الاستراتيجي الأمريكي (هانتنجنون) في خصوصية الشرق الإسلامي وإمكانية تحقيق المصالح الأمريكية في ظل هذه الخصوصية. و بهذا السبيل وجد الدكتور سعد الدين إبراهيم في الطرح الإخواني طرحا جديرا بالنظر والاعتبار بما يحقق الإصلاح المطلوب. رغم أنه رجل المجتمع المدني ويعلم بحكم خبرته العلمية على الأقل أن ما يطرحه الإخوان وإخوانهم فيما يكتبون ويعلنون ويفعلون هو في النهاية القضاء المبرم على هذا المجتمع المدني .

ثانيا : إن المرحلة الحالية (مرحلة ما قبل التمكين) أي مرحلة الإعداد للاستيلاء النهائي على البلاد والعباد ، تتضمن تحالفا تحتيا بين جميع التنظيمات الإسلامية ، يقوم كل فريق بدور مرسوم ، فالجناح العسكري يكيل الضربات في كل اتجاه في العالم لإثبات أن الإرهاب لن يمكن التغلب عليه إلا بالمفاوضات السياسية والرضوخ لمطالب التنظيمات الإسلامية ، حيث يمكن للجناح السياسي الممثل في الإخوان العقلاء الطيبين القيام بمهمة إنهاء الإرهاب وحكم الشعوب الإسلامية بالحرية والديمقراطية والشريعة الإسلامية ويتمتعون بالرخاء ويأكلون الفالوذج أو المهلبية ويعيش الجميع في تبات ونبات ويخلفوا صبيان وبنات.

ثالثا : إذا جاز للمصالح الأمريكية هضم هذه الصيغة لحل مشاكلها مع الإرهاب ، وإذا كان من بين أبناء الوطن من تم مسح وعيهم لقبول ديمقراطية الفالوذج وسيف مسرور ، فإن أغلبية الناس في بلادنا لم يعد من الممكن خداعها بحكاية الحريات في إطار المرجعيات الإخوانية ، بعدما عانوا من الإرهاب في مصادر عيشهم وأقواتهم وشاهدوا بأعينهم جرائم غريبة على تاريخ المصريين ، وتقززت مشاعرهم لدماء الأبرياء في مشاهد لن ننساها أبدا ولن نغفرها أبدا لأنها تندرج تحت عنوان الجريمة المنظمة / المافيا ، حتى لو تسربلت بثيات الواعظين .

رابعا : وهو الملحظ الأهم في الموضوع كله .. ويتلخص في سؤال من بسائط الأسئلة هو : ما داموا قد قرروا القبول بالمبدأ الديمقراطي فأين برنامجهم المفترض طرحه على المواطنين؟ لقد قال رجلهم العصبي الدكتور عصام العريان في قناة دريم إن المبادرة الإخوانية التي أعلنها الشيخ عاكف في نقابة الصحفيين هي برنامج الإخوان الشامل من أجل الإصلاح الشامل ، وقد سبق وتدارسنا هذه المبادرة عبر الأعداد الماضية ولم نجد فيها أي سمة من سمات البرامج الحزبية الواضحة ، بقدر ما رأينا خلطة عجيبة من شتى المتناقضات التي لا تفصح عن إصلاح بقدر ما هي برنامج للخراب الشامل ، ومصر والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فيها ما يكفيها .

ولأننا نعلم أنه عندما تكون المرجعية هي الدين فإن المستجيل نفسه هو الاتفاق على برنامج أرضي بشروط برنامج سماوي ، حيث يختلف الإيمان من مؤمن لمؤمن ، ويختلف الفهم من فريق إلى فريق وهو تاريخ الفكر الإسلامي الواضح عبر العصور ، لأن الدين والإيمان هم مساحة ضمير خاص لا فعل يتطابق حوله الجميع ، حيث لا مقاييس معيارية محددة في الفهم والاستنتاج يتفق حولها المؤمنون دون تدخل العامل البشري الذي يصبح في هذه الحالة فهما بشريا ورؤية لفريق واحد يتم فرضه على بقية الفرقاء. ولما كان جميع المؤمنين يرون أنهم على ذات الدرجة من اليقين على اختلاف . فسيصبح مستحيلا نفضيل فهم على فهم وإيمان على إيمان.

أن نظرة خاطفة على تاريخ المسلمين منذ فجر تاريخهم يوضح الاعتقاد ذاته كما هو واضح اليوم بين الفريقين الأعظم بين المسلمين : السنة و الشيعة.

لكن دعونا نعط الفرصة للنوايا الحسنة ، رغم أن تاريخ الإخوان ليس فيه حسنة واحدة ، لنهيب بهم كقيادة سياسية لفرق الإسلام السياسي أن يتفقوا فيما بينهم على برنامج واضح دقيق مفصل صريح لا تحتمل عبارته لبسا ، ويخلو من العبارات الاعتراضية مع كل طرح حول الحريات الديمقراطية من قبيل "في ضوء ثوابت الأمة" أو في "إطار المرجعيات الإسلامية" لأنهم عندما يمارسون السياسة فيجب أن يعاملونا بلغة الأرض لا بلغة السماء ، فالسياسة شأن أرضي لا شأن سماوي ، وأن يتوقفوا عن مخاطبتنا بالنصوص المقدسة فهي نصوصنا جميعا ونعرفها جميعا ونحفظها جميعا. خاصة أن هذه النصوص ليست منتجهم بل هي منتج سماوي. وفي مساحة الحوار السياسي يقدم كل فريق منتجه ، لا أن نخاطبهم خطابا بشريا فيردوا علينا بالآيات التي تحددت ملكيتها لله وحده ، ونصبح في حوار طرشان أو صدام بيننا نحن البشر وبين الله ممثلا في الإخوان وفي النهاية فإن الذي سيحكمهم البشر وليس الله .

وحتى لا نضعهم في وضع تعجيزي رفقا بهم وهم من لم يرفقوا بأحد ، فإننا نطمع فيما هو أدنى بكثير من برنامج واضح المعالم دقيق العبارات ، نطمع في اتفاقهم على الحد الأدنى حول المفاهيم الضرورية لأي طرح سياسي ليعلنوا علينا هذا الاتفاق .. إن استطاعوا فليقولوا لنا ما ينتهون إليه حول البنود التالية :

1 - في المجال الاقتصادي :

يفترض في عالم اليوم أن كل الدول حتى التي تزعم اسلامية شرائعها أن تخضع لقوانين السوق العالمية لكي تصبح عضوا فاعلا فيه. فهل سيقبل سادتنا عند التمكين الاندماج في هذا النظام بقواعده وشروطه العالمية؟ أم سيطبقون قواعد ما يسمونه الاقتصاد الإسلامي في مجالات لا يتطابق معها بحال كمجال البنوك والاستثمار والتنمية وهي ألف باء النظام الاقتصادي وهو حسب منطقهم نظام ربوي مرفوض اسلاميا كما اكدوا في مبادرتهم ..فما هو الحل؟

هل لن نقبل الاقتراض من صندوق النقد أو البنك الدولي؟

هل سنقاطع كل الدول التي لا تعمل بنظامنا الإسلامي؟

هل سنفرض على المستثمر الأجنبي أن يشهر إسلامه أولا في دار الافتاء؟

أم سنطلب منه قبول لوائحنا التنظيمية الإسلامية الاقتصادية؟

ثم ما هو نظامهم البديل للضريبة العامة على الدخول أو ضرائب المبيعات؟

أم تراهم سيعودون الى نظام بيت المال وجباية الخراج والزكاة ؟

وهل سيقبلون نقل السلع بالبدع المستحدثة كالطائرات مثلا ، أم يجب العودة إلى قوافل البعير؟ جلبا لمزيد من البركة في المال.

يرد بعضهم هنا بمدى ما حققه المجتمع الإسلامي من رفاهية في ظل الامبراطورية الإسلامية بفضل نظام الزكاة في مغالطة لا تليق بتلامذة الابتدائي (انظر بهذا الشان سيدنا قرضاوي). حيث لم يكن لتلك الرفاهية علاقة بالزكاة ، ناهيك عن كون حالة العز والرفاهية التي يزعمون أن المجتمعات الإسلامية تمتعت بها في مجدها بفضل نظامنا الاقتصادي الفريد ، لم يعشها سوى السادة العرب الحاكمين بأمر الله وبطانتهم ومن لحق بحزبهم خادما ونصيرا من أبناء البلاد المفتوحة التي نهبت ثرواتها و "هلكت فصالها" بتعبير عمرو بن العاص ، حتى كانت الجارية (وهى طبعا من بنات البلاد المفتوحة) ، تباع بوزنها ذهبا في زمن عثمان بن عفان في جزيرة العرب العجفاء ، حيث كان هناك من يشتري وهناك من يباع في سوق النخاسة ، بعد أن تدفقت غنائم البلاد المفتوحة على الجفاة العراة

ومن وجهة نظر من كان هذا العز؟ الذي يحال إلى بركة الاقتصاد الإسلامي وزكاته ، بينما كان في حقيقته دمارا للبلاد وسلبا للثروات لقيام ذلك المجتمع المرفه والاقتصاد القوي في عاصمة الخلافة وحدها ، وهو أسلوب التنمية الوحيد الذي عرفته دول الإسلام . وهو أسلوب التنمية الاقتصادية المرجو عند الإخوان كما سيتضح الآن في البند التالي .


2 - في مجال السياسة الخارجية
:

ما هو معيار الإخوان الذي ستتحدد في إطاره علاقتنا الدولية؟

هل سيكون المعيار هو مصالح الوطن وأمنه القومي؟ أم مصالح المسلمين في البوسنة وبلاد الأفغان والشيشان وبلاد تركب الأفيال بغض النظر عن عن مصالح الوطن ، وما قد يجره مثل هذا التدخل في بلاد العالم على أمننا القومي؟

أم سيكون المعيار هو تفعيل قواعد الدين بغض النظر عن النتائج؟

أي هل سنتعامل مع العالم غير المسلم وفق ما يسمونه "عقيدة الولاء والبراء

أم أنهم يرون أن الله قد أمر المسلمين بتنفيذ أمرين أساسيين هما : نشر كلمة الله في الأرض حتى تخضع لها كل البشرية بالموعظة الحسنة إن كان ممكنا ، وإلا بالقتال حتى يظهر دين الله على سواه.

والأمر الثاني هو تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد الإسلام والبلاد المفتوحة وإخضاع العالم لها او بتعبير شهيدهم (سيد قطب) : "لا حاكمية إلا الله ولا شريعة إلا منه / المعالم 29" أو بتعبير شهيدهم المؤسس "جسن البنا" : "إن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصايا النبيلة .. وقد أمر المسلمين أن يعمموا الدعوة بين الناس بالحجة والبرهان فإن أبوا وتمردوا فبالسيف والسنان / مجموعة الرسائل 117".

وعليه فإن العالم من وجهة نظر الإخوان ينقسم إلى قسمين : دار السلام وهي ديار الإسلام ، ودار الحرب حيث يحارب المسلمون حتى يتسلطن الإسلام.

أو بقول حسن البنا : "إن المسلمين يدعون الناس إلى إحدى ثلاث : الإسلام أو الجزية أو القتال / الرسائل 43" وفي حال البلاغ الشهير "إسلم تسلم" إلى ملوك العالم ، فإن المواطنين يحملون نتائج رفض ملوكهم للإسلام وما يستتبع ذلك من قتل ونهب وسبي واستعباد وهتك للأعراض "يسمى اليوم تطهير عرقي" . وبهذا الفهم الإخواني دافع "بن لادن" عن قتل تياره الجهادي لألوف الأبرياء في أبراج التجارة بأنهم غير أبرياء لأنهم يدفعون الضرائب للدولة الأمريكية لذلك هم مسئولون تماما كالدولة. كذلك رأي الأخوانى العريق قرضاوي وجوب قتل أطفال الإسرائيليين لأنهم عندما يكبروا سيصبحون جنودا لأن مجتمع إسرائيل كله عسكر بمن فيهم القعيد والمريض والشيخ الفاني. وإعمالا لذلك فإن الدعوة الإسلامية تظل فكرة نظرية يهلك بسببها من لا يعلمون عنها شيئا.

هذا ناهيك عن كونه لا يوجد في الدنيا شعب يرضى مختارا أن يذل عنقه لشعب غريب أو أن يدفع الجزية وهو صاغر. ولا يبقى سوى الخيار الواقعي وهو الحرب ضد البشرية وقتل الكفار المقاتلين فيما يقول ابن تيمية (السياسة الشرعية 124) مع قتل من يعين على الحرب لا على السلام ، أما من لم يحارب أو يعين فأمرهم متروك للإمام إن شاء ذبحا وإن شاء استعبادا وإن شاء دفعوا الجزية وإن شاء عفى.

وفي هذا الموقف من دول العالم في العلاقات الدولية عند الإخوان لابد أن تحدث التنمية المرتقبة للاقتصاد الإسلامي وحرية التملك الفردي المكفولة بما "ينشأ عن ملكية السلب وهو كل ما مع القتيل المشرك الذي يقتله المسلم / سيد قطب / العدالة الاجتماعية / 128" وإن هذه التنمية الاقتصادية الفريدة التي يتحول فيها المسلمون إلى آفات كالجراد ، هي الحلال البين الذي لا شبهة فيه للحرام ، مما يجعل المجتمع الإسلامي يعيش عيشة راضية في رفاهية الحلال الزلال بتأكيد شهيدهم "إن نصوص الإسلام تبيح للفاتحين أن يستأثروا بكامل ما يملكه المحاربون الذي يأبون الإسلام والجزية ويقاتلون المسلمين / العدالة الاجتماعية / 198".

ولمزيد من التنمية الاقتصادية يستحب الاستيلاء على أموال الذين لم يقاتلوا بدورهم بحيث لا يصبح هنا فرق بين من قاتل ومن لم يقاتل ، وهذا اللون من النهب يسمى (الفئ) والذي يعود على المسلمين بالخير العظيم ، ومعناه ما أفاءه الله على المسلمين أي رده إليهم من الكفار ، لأنه نظريا كان في الأصل والصواب ملكا للمسلمين ، ويشرح ابن تيمية هذه الفزورة بقوله : "إن الأصل أن الله خلق الأموال إعانة على عبادته ، والكافرون به أباح الله أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأباح أموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته ، فأصبحت حقا لعباده المؤمنين كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه / السياسة الشرعية/40" .

فهل ستظل هذه قواعد الإخوان فيما يعرضونه علينا وعلى الأمريكان؟ (هل تسمعي يا أمريكا .. آلووووه ه ه )؟ وهل ستكون لتعهداتنا الدولية عبر حكوماتنا المتعاقبة نصيب في ظل هذا الفهم لعلاقتنا بالعالم؟ وهل سيجيبنا إخواننا الإخوان بجواب واضح قبل أن يحدثونا عن دورهم في العملية الديمقراطية ويجأرون للعالم الحر بما وقع عليهم من ظلم فادح !!

2 – في مجال التعليم :

هل سيقبلون بتدريس ما انتهى إليه العلم الحديث من حقائق أصبحت بديهيات حتى لو تعارضت مع نصوصنا الدينية؟

وهل سيبيحون أسلوب التعليم الحديث القائم على المنهج العلمي وحده في التفكير دون إحالة كل قضية إلى "ما شاء الله" وإلى "سبحان الله" وربطها بثوابتنا؟

أم سنكتفي كما كنا وحتى الآن بالتعليم التلقيني واختبار الذاكرة الحافظة لا الملكات والابداع؟ من باب الحفاظ على ثوابت الأمة حتى أصبحنا ثوابت بلا أمة!

وهل ستكون جامعاتنا محرابا مقدسا للعلم وحده دون تدخل لأي سلطان غير قوانين العلم ومنهجه ، أم ستخضع لرأي الدين ورقابة رجاله المحترفين في مساحات لا علم لهم بها ولا قبل لهم بها؟

وهل سنؤسلم العلوم بما فيها العلوم الإنسانية كالاجتماع والاقتصاد والسياسة أم سندرسها كما يدرسها خلق الله في البلاد المحترمة المنتجة المتفوقة؟

أم سنحول معاهدنا التعليمية إلى أوكار لتخريج الإرهابيين كما هو حادث بالفعل في معظمها ، لتحقيق أهداف الأمة العليا باخضاع العالم الجاهل لسيادتنا العالمة؟

وهو هدف في ضوء أوضاعنا إزاء العالم لا يبدو مبشرا سوى بالخراب التام والموت الزؤام .