الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية
الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية
تأملات فلسفية في "الجين الإلهي" و "نظرية داروين"
· النظريات متغيرة وغير ثابتة وما كان لنبي أن يتبنى نظرية علمية تخالف معتقدات عصره
· الإنسانية تضع مفاهيمها للكون وفق مراحل تطورها ووفق المعلومات المتوافرة في زمانها
تابعت باهتمام ، اهتمام مجلتنا روزاليوسف بملفين كبيرين استغرقا أعداداً ومازالا فيما يبدو . الملف الأول كان حول ما تمت تسميته : اكتشاف وجود (جين إلهي) يدفع الإنسان داخلياً لمعرفة الله ، على يد السيد (دين هارد) .
والملف الثاني حول نظرية النشوء والارتقاء أو ما بدأته الأستاذة منة بكر بعنوانها "في أمريكا .. التمرد على نظرية داروين" ، وقد شارك في الملفين صحفيون وعلماء متخصصون وعلماء مستشيخون و شيوخ متعالمون ، في مساحة حرة ومحترمة أبرزت حواراً جميلاً قد يكون بعضه هزيلاً وبعضه قوياً ، لكنها في مجموعها شكلت سيمفونية متناغمة لمختلف الآراء من مختلف التوجهات ، وهو الأمر المحمود لهذه المجلة والتوجه المشكور للتدريب على قبول ومناقشة مختلف الآراء والتعرف عليها وإعلانها ، في قضايا ربما تشغلنا أكثر مما شغلت أي آخر في الأرض ، لتماسها مع الإيمان والتدين وهو أكثر ما يشغلنا بين كل الأمم . لكني لم ألحظ الجانب الفلسفي مطروحاً في كل ما دار من حوارات ، ولا ما يبنيه هذا الجانب من أسئلة كثيرة يمكن أن تثري هذا الحوار وتغنيه وهو ما سأحاول طرحه هنا . ولنبدأ بالجين VHAT2 أو الجين الإلهي .
أول استنتاج نستنتجه من اهتمام السيد دين هارد بالبحث عن جين إلهي في البشر ، فبحث مثل هذا لا يشغل الملحدين ولا يهمهم في شيء . لكن يظل كلام دين المطلق غير المحدد ، لأنه عند التحديد فإن كلامه يمكن استثماره إسلامياً للدعاية والدعوة إلى الفطرة الحنى فيه ، لكنه لن ينقذ مستر هارد من السعير مهما بحث ونقب لأنه لم يكتشف أن هذا الجين قد تحددت مواصفاته في الإسلام تحديداً دون بقية الأديان ، وشكل الإيمان ، خاصة مع أسلمة جميع الأنبياء من آدم حتى محمد وشهادتهم المعلنة بذلك في كتاب الله .
فمالنا ومال دين هارد ؟ وما لشيوخنا بالحديث في الجينات والبحوث النصرانية ؟
تعالوا نستنتج ما يترتب على الإقرار بفرضية وجود الجين الإلهي
أولاً لابد أن نقر أن الإيمان أو الكفر يأتي من داخل خلايانا ، وهو ما يعني أن معدم هذا الجين لن ينفع معه وعظ الواعظين شيوخاً أو احباراً أو قساوسة ، فهو كالرجل العنين لا تجدي معه محاولات كل عاهرات الدنيا لأن جينه الجنسي معطل .
إذن فهذا ما يلتقي مع القرارات القرآنية التي كانت تؤكد للنبي أنه سواء أنذرهم أم لم ينذرهم فلن يؤمنوا، لأن الله قد ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم الأكنة التي ربما كانت هي ذلك الجين المفقود .
المعنى أن فاقد الجين
الإلهي عاجز بالفطرة عن التعرف على الله والإيمان ، وهنا تحمل الفطرة دلالة جديدة هي عكس ما يفهمه منها المسلمون ، ومن ثم عليهم المزيد من تحديد المفاهيم ، و لابد سيترتب على التسليم بهذا الجين التساؤل عن جدوى إرسال الأنبياء والرسل وعن وظيفة الدعاية ومبرراتها ، سيكون كل هذا بلا معنى لأن الإنسان يعرف ربه بالفطرة ، ولأن إنساناً آخر لن يعرفه بالفطرة ، وبشهادة القرآن أيضاً (بختم الأكنة على العقول والقلوب) ، لن يعرفه مهما أرسلت السماء من رسل ، بعد أن تحدد مسبقاً وبالميلاد من سيكون المؤمن ومن سيكون الكافر .
و وفق اعتقاد المؤمن أن غير المؤمن لا أخلاقي وشيطان في شكل إنسان ، وهو اعتقاد يساوي اعتقاد السكران أنه أكثر صحوا من الصاحي ، فإن الاعتراف بوجود الجين الإلهي يعني أن الناس إما شياطين وإما ملائكة ، ولا علاج لأحدهما ليصبح كالآخر . ومن ثم على كل رجال الدين الاستقالة وإحالتهم إلى الاستيداع ، لأنهم في النهاية وبعد الآكل مريئاً والشرب هنيئاً لن يصنعوا في الواقع شيئاً حقيقياً . هذا رغم تصورهم أنهم من الصنف المقدس بالميلاد الجيني الإلهي ، وهو ما حرم منه أناس آخرون بلا ذنب جنوه ، بالميلاد ، مثل المغضوب عليهم ، ومثل الضالين.
وستتداعى التساؤلات تأخذ بعضها برقاب بعض : لماذا إذن تقاتل السلف الصالح حول ما اعتقد كل فريق منهم أنه صحيح الدين ، كالحرب الفلسفية والدموية حول هل صفات الله في القرآن كاليد والعين والسمع حقيقية أم لا . إن إكتشاف هذا الجين يدفع إلى اكتشاف الأسباب الحقيقية وراء هذا القتال بين مؤمنين بالجين وبالرسالة أيضاً الي دعمت الجين بأصول العبادة ، ووجود صاحب الدعوة بينهم ، وعند التدقيق سيكتشف المسلم أنها كانت مصالح دنيوية وصدمات سياسية ومكاسب ومغانم مادية ، وهو ما سبق وناقشه صاحب هذا القلم مناقشة أصولية في أعماله المنشورة ، وأنه لا الجين و لا الدين كانا طرفا في الصراع حقيقة ، إنما كان هناك الإنسان العاري إلا من مصالحه ، لأنه إذا كان الجين فاعلا وجالا على الله وأوامره فكيف له ألا يصيب ، عبر تاريخ البشرية والتي كانت تتخذ شكل المهابدة أي الإبادة الجماعية في معادلة صفرية دائمة عبر التاريخ الأسود للمتدينين .. لماذا ؟
وهل وجود الجين مع عدم تحديده كان هو السبب الحقيقي في هذا السجل الدموي للمتدينين؟ أم أن الجين الإلهي مثله مثل أي جين آخر معرض للعطب حتى عند القديسين والصحابة ، نماذج التقوى ، دون ذنب حقيقي سوى عطب يصيبهم كما يصيب أي بشر كان في الدنيا ؟
ثم ماذا عن فرعون المذكور في القرآن الذي قال لرعيته "أنا ربكم الأعلى"؟ ما كان جينه بالتحديد؟
الرجل هنا يعرف الألوهية ومعناها ، فهو غير ملحد وليس بكافر لأنه يعترف بأنه لابد من وجود إله ، لكن الجين الإلهي الدال على إله السماء لم يفعل فعله ، ولم يتعرف الفرعون عليه (بلغة الكمبيوتر) ، ولأنه لابد من وجود إله فقد عين نفسه إلهاً؟
أم أنه كان لديه جين غير ما لدى بقية الناس ؟
ثم تبقى أسئلة من لون آخر ، فالمعلوم أن الكائن الحي يحمل الجينات الدافعة للتزاوج والتناسل بالغريزة الجنسية ، وذلك لحفظ النوع ، فما هي أهمية وجود جين إلهي ، فانعدام الإيمان لا يقضي على النوع بهذا المعنى .
الغريب أن مشايخنا قاموا بهمة وأدلوا بدلوهم في الموضوع رغم علمنا أنه لو كان لأجدادنا مليارات الجينات الإلهية وقرر مشايخنا تكفيره فلن تشفع له جيناته الإلهية ، لماذا يدلون بقولهم في شأن محكم معروف لديهم مسبقا إزاء أي مخالف ؟
فيستدلون بفطنتهم من الكلام .. مجرد الكلام القابل للنقاش ، على الكفر والخروج على الله ما لهم ومال معامل دين هارد وأبحاثه ؟ إن من يطلب الدين يغار عليه ويعمل على رفعة أصحابه بفك الحصار عن عقولهم وحرياتهم لينطلقوا نحو العلم والرفعة ، حتى لو استدعى الأمر أن يضحي هؤلاء الغيورون على الدين بمكاسبهم وبلهنتهم ونعيمهم (واللهم نعم حسدا) وأن يضحوا بفكرهم الرافض للنهضة والتطور ويستريحوا .
ومسألة الجين الإلهي عند المسلم ستلتقي مع الحديث القدسي "كنت وحيدا في الأزل فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فبي عرفوني" ، أو كما قال ، لكن ماذا عن عابد أوزيريس في مصر القديمة ، وماذا عن عابد عشتار في الرافدين القديم ، وماذا عن عابد أدونيس في الشام القديمة ، وهل ترتبط المعرفة الإله بوجود العابد الحامل لهذه المعرفة الفطرية ؟
أي أن وجود الإله معرفيا مشروط بوجود العابد المفطور على هذه المعرفة ، وبدونه يصبح الإله مجهولاً أو بمعنى آخر غير موجود في أي وعي .. ومن ثم لابد أن يقول العابد أنا موجود فعشتار موجودة ، أو أنا موجود فأوزوريرس موجود ، وأيا كان صاحب القول ، الذي هو الشطر الأول من العبارة ، وهو اليوم غير موجود ، فقد سقط الشطر الثاني بالتبعية ، وهو ما يعني أن وجود الشطر الثاني قائم على وجود الشطر الأول ، فاختفاء الأصل يتبعه اختفاء الظل ، واختفاء الشكل يتبعه اختفاء الصورة ، واختفاء الجذر بتبعه اختفاء الشجرة ، واختفاء الشمس يتبعه اختفاء النهار ، أي أن الأنا هو الباقي ، هو الصانع والمنتجات متعددة ، والخالق باق والمخلوقات إلى الزوال ، وهكذا زالت أرباب كانت تخلق حسب الطلب وطبقاً لشكل البيئة وظروفها المجتمعية ليظهر منتج جديد بمواصفات جديدة أكثر ملاءمة للتطور الجديد . وهو ما ينهي لنا ملف الجين الإلهي بينما الأسئلة بينما الأسئلة في أوراقه بلا إجابة شافية .
ونأتي لملف نظرية النشوء والارتقاء باسم نظرية داروين ، حيث قام ملف روزا على التمرد على نظرية داروين في أمريكا ، و هو في النهاية محاولة من المتدينين الأمريكيين لوضع النظرية الدينية في المقررات المدرسية إلى جوار نظرية داروين وترك الطلبة يختارون. وإذا كان هذا صحيحاً فهو بداية تحقيق نبوءة الإسلاميين بقرب انهيار أمريكا ، لذلك لا يمكن أخذ الكلام على علاته ، ولا أصدر عليه حكماً في جملته ، بقدر ما أستنتج أن الديمقراطية الأمريكية تطرفت لدرجة سمحت لبعض المتدينين من محاولة إعادة التدريس الديني إلى جوار العلم في المدارس ، وأنها ظاهرة ربما كانت لها أسبابها ، لكنها إلى زوال سريع ، كما هو واضح من التراجع إلى فكرة الدمج بين النظرية الدينية في الخلق والنظرية العلمية في التطور بنظرية "التصميم العاقل" التي بدورها لم تحظ بأي تأييد علمي حتى الآن.
ولا بأس مما قال د. حسن عطية في درس جديد من دروس العلم والإيمان ، لأنه في النهاية ينحو بنية صادقة إلى حث الإيمان إيجابيا نحو العلم واحترامه عبر احترام الدين. وأيضاً لا بأس مما قاله صديقي الدكتور محمد شحرور وتخريجاته الجديدة المتميزة ، وهو أيضاً لون من محاولة التطويع الإيجابي لإيمان المسلم بالدين ، كي لا يجد على نفسه حرجاً في الأخذ بنظرية النشوء والارتقاء . بدفع الناس عبر تلوين التحريم ببهجة الحلال برؤية أخرى جديدة .
وللدخول في صلب حكاية الخلق والتكوين دينياً أو النشوء والارتقاء علمياً ، أن الأولى تعمد إلى نظرية الخلق المباشر ، فكما للصنعة صانع ، فللكون الحي بحسبانة صنعه لابد من صانع خالق مباشر ، بينما تعمد نظرية النشوء والارتقاء إلى القول بتطور حيوي عبر ملايين السنين انتهى بتطور جميع الكائنات من أصول أولى مجهرية إلى ما هي عليه الآن.
والمعلوم لدى أهل الأنثروبولجيا والميثولوجيا وعلماء الأركيولوجيا والتاريخ مجتمعين أن نظرية خلق الإنسان من طين أحمر لازب حمأ وتشكيله تشكيلاً فنياً بواسطة إله نفخ فيه نسمة الحياة ، كانت نظرية أولى قديمة قدم البشرية ، و لدى كل شعوب الأرض من المصريين الذين قالوا أن الإله خنوم قد صنع البشر على دولاب الصلصال الفخاري ، إلى البابليين إلى الآشوريين إلى الإغريق إلى تاهيتي إلى سكان استراليا البدائيين الآن ، حتى إن قصة خلق حواء من ضلع آدم مدونة قبل ظهور الأديان السماوية جميعاً في بابل القديمة في قصة تمت إعادة صياغتها أكثر من مرة تحكي خلق السماوات والأرض والكائنات الحية والإنسان ، تعرف باسم (إينوما إيليش) وترجمتها (في العلى عندما) وهي الأصل الأصيل الذي نسخت منه التوراة قصة تكوينها نسخاً (أنظر تفصيل ذلك في كتابنا قصة الخلق ، أو منابع صفر التكوين) .
والإسلام بدوره يأخذ بنظرية الخلق المباشر ، لكنه فيما يبدو سيخالف هنا ما قاله الدكتوران حسن عطية ومحمد شحرور ، ولا يحكي عن تطور الإنسان عن البشر أو العكس ، إنما هو قادر على تبديل الخلقة مباشرة ، مما يدعم الأصل المعتاد في فهم الخلق المباشر ، فالدين شأن والعلم شأن سادتي الأكارم ، و ليس بالضرورة أن يمر الإيمان بالعلم عبر الإيمان بالدين ، والإصرار على ذلك هو سر كارثتنا الأزلية وخيباتنا غير القابلة للمنافسة ، لننظر إذن في ضوء محاولة تفسير القرآن لصالح العلم في ضوء قول الله في القرآن : "فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين/ 65 / البقرة" ، وكذلك "فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين/ 65 / البقرة" هنا عملية تحويل مباشر وفوري في الخلقة والخلق ، لم تعتمد التطور منهجاً لها ، لأن أهل ذلك الزمان ما كانوا يعرفون التطور ، وقد جاء الإسلام ليخاطبهم بلسانهم وعلى قدر عقولهم ، لقد جاء ليقول لهم ما يعلمون مسبقاً من أديان ومعارف متواترة . وكان طبيعياً أن يخاطبهم حسب إدراكهم الذي هو أقل بألف وأربعمائة عام من إدراكنا ، وتحسب العام الأخير فيها بما يعادل ما أنجزته الإنسانية كلها عبر تاريخها منذ وجدت على الأرض.
وما كان ليحدثهم بلسان نظرية التطور لأنه لم يكن لديهم مختبرات ولا ميكروسكوبات إلكترونية ولا مناهج علمية في البحث والتفكير ولا مراكز علمية متخصصة تصرف في بحوثها المليارات . لقد كان بإمكان الإنسان أن يتصور إمكانية تحول البشر إلى كائنات أدنى عقابا لهم على الآثام والجرائم كالقردة والخنازير لأنه الأرقى والأكثر وعيا منها ، لذلك ما كان ممكنا نظريا لصالح التفوق الإنساني أن يكون الإنسان متطورا أو ممسوخا عن كائنات أدنى رتبة .
إن كل نبي خاطب إجيال زمانه حسب زمانه وقدر فهم زمانه ، وهذه الأجيال من ناتج أجيال سابقة أكثر بربرية وهمجية ، ورثت عنها ضمن ما ورثت بعض ثقافاتها ومعارفها البدائية الأولى . ولم يكن باستطاعة أي نبي أن ينكر معارفهم عن التكوين والخلق وإلا طالبوه بالبديل الأصوب والأقرب للفهم .
لقد مرت الإنسانية وهي تضع مفاهيمها للكون من حولها بمراحل ، وكانت قبل الأديان الثلاثة في مرحلة تعددية للآلهة ، وأيضاً لها رؤيتها للخلق والتكوين المباشر لأنها تفهم أبعد من هذا ، وهو ما نسميه اليوم أساطير ، وكلمة أساطير تتضمن الخيال والوهم السحري غير المترابط أو غير المعقول أو غير المترابط أو غير المعقول أو غير المرتبط فيه السبب بنتيجته ، فيصبح المرض سببه شيطان وليس لفيروس ما وتصبح الكوارث سببها غضب الآلهة ، وليس أسباباً موضوعية في تكوين الأرض وطبيعتها ، لذلك نرى تفكيرهم أسطورياً من منظور زماننا ، لكنهم صاغوا مفاهيمهم للكون بلغة تعبيرية خاصة قد تبدو لغير المتخصص كلاماً لا معنى له ، لكنه بربطه بزمانه ومناهج زمانة في الفهم والتفكير ، تكتشف أن هذه الأساطير تسجيل لأحداث حقيقية حدثت وأيضاً تسجيل لمفاهيم وطرق لمعرفة ما حولهم وقوانين ناسبت زمانهم.
وقريباً سيأتي الزمان المتطور بقوة نحو فيزياء كونية جديدة وسيحتاج إلى عقل جديد وقوانين جديدة وإدراك جديد ، يوم تنتقل عبر الزمن لتقابل ذاتك أو يوم نكتشف ما في الطرف الآخر من الثقوب السوداء الكونية ، أو كيف أمكن اليوم إطلاق جسيم بسرعة أكثر من سرعة الضوء ثلاثمائة مرة ، حتى إنه وصل جهاز الاستقبال قبل أن ينطلق ويختفي من مكانة الأول، نحن مقبلون على تحول هائل جديد يحتاج فهما جديداً يصبح معه فهم زماننا بالنسبة للآتي ضمن مرحلة الأساطير.
ونحن على أبواب هذا التحول الكوني ، الذي سيأخذ بشرا نحو مستقبل غير مفهوم لنا الآن ، ويترك بشراً لا يفهمون حتى ما يحدث الآن ، ترى كيف سيكون الفرق ، وساعتها هل سنكون كلنا بنى آدم أو كلنا أناسا أو ناسا او بشرا أو غيره مما طرحه الدكاترة.
من عجائب الدهور أنه في هذه المرحلة الفارقة تجد على الأرض بين الأناس بشرا بقوا من تلك العصور القديمة ، من بدايات البشرية ، حفريات حية تفكر بعقلية زمن الأساطير الماضي ، وهؤلاء هم نحن أهل الشرق المسلم سادتي.
ومن ثم نسجل الملاحظات هنا ، وهي أن قناعة الإنسان البدائي بنظرية الخلق المباشر لم تتضارب مع الأديان ، فأقرتها كل الأديان سماوية وغير سماوية وأسطورية ، لأنه ما كان ممكنا لأي نبي أن يحدث قومه حينذاك عن قصة التطور والارتقاء ، وما يتطلبه ذلك من حديث عن الجينات والخلايا وأنواع التكاثر والاستنساخ والكيمياء العضوية ، فإن أحدا ساعتها لن يفهم لأنه ذلك خارج مخزونه ومدركاته المعرفية ، بل إن بيننا حتى الآن أناسا لا تستطيع استيعاب نظرية التطور وفهمها فهما دقيقا لا يشغل الدين في شيء ولا يشغله الدين في شيء ، وعدم قدرتنا على استيعاب النظرية تعود إلى أن منطقنا في مرحلة أسبق من الزمن الحالي وهو ما لا يعني كذب النظرية بقدر ما يعني رفضنا لها لعدم قدرتنا على فهمها.
وحتى لو فكرنا بمنطق تلك الأزمان اليوم فلابد أن ننتهي للاعتراف بالعلم ونظرياته ، ففي أوروبا أنكروا قدرة الله على دفع الآرض للدوران حول الشمس ، حتى عادت الكنيسة في العقد الماضي إلى التراجع عن خطئها التاريخي واعتذرت لجاليليو لأنهم آمنوا ببعض قدرته واستكثروا عليه بعضها ، على تشغيل وإدارة ما أنتجه ، ونحن نكرر نفس الخطأ اليوم ، نعترف لله بقدرته على إحياء كل تلك الأحياء ثم تتكر عليه القدرة على تطوير وترقية ذلك الخلق ، خاصة إذا كان بإمكانه تغيير الصورة الآدمية إلى قرد ،فإن بإمكانه أيضا القيام بالعكس.
ولو تركنا الأمر مهملاً محرماً تدريسه في الأزهر ، فكأننا نقول إن داروين فقط هو الذي يطور الكون ويدفعه للترقي لمجرد أنه أدرك هذه القدرة الإلهية ومهد لكل العلماء الأفذاذ من بعدة للتحكم في الأجيال بهندسة الوراثة لإنتاج أجيال حية محسنة واستخدامها لمطاردة الأمراض ، بهذا المنطق يمكن القول أن الكفر البين هو الكفر بقدرة رب الإسلام على خلق ما يدير به أكوانه من قواعد وقوانين. وإن جهل السلف الصالح بالجراثيم والميكروبات لا يعني أنها ليست من خلق الله ، وقولنا اليوم بوجودها لا يعني أننا قد كفرنا بالله ، وأن عدم ورود أي ذكر لها في الكتب السماوية لا يعني أنها خرافة ، وأن الإقرار بوجودها لا يعني الكفر ، بل ربما كان الكفر هو إنكارها.
و ثمة سؤال أخير لازال يضرب أخماسه في أسداسه :
ماذا لو كان عصرنا الذي نعيش بكل إمكانياته قد تقدم زمانه فجاء في القرن العاشر قبل الميلاد.
فهل كانت الكتب السماوية ستتغاضى عن ذكر مكتشفات زمانها ونظرياته وعلومه؟
هل كانت ستنكر وجود المجرات وعجم وجود سماء كما نفهم نحن؟
هل كانت ستنكر أن نجوم السماء ليست مصابيح زينة إنما هي شموس عظيمة الأجرام؟
هل كانت ستنكر أن الأمراض تسببها الفيروسات والبكتيريا والجراثيم والخلل في الخلايا ؟
هل كان يمكن لنبي أن يمرض ولا يذهب إلى الطبيب؟
وهل كان سيتنكر لأطفال الأنابيب لو احتاجها؟
وهل كان سينكر معرفة كل شئون الجنين وهو في بطن أمه؟
وهل كان سينكر التليفزيون والطائرات والمحمول والإنترنت والأسلحة النووية؟
هل كان سينكر النشوء والارتقاء الذي تقوم عليه علوم البيولوجيا والاستنساخ؟
فلماذا والحال كذلك لا نتوقف عن تبرير العلم أو تحليله استنادا للدين؟
ولماذا لا ننتهي إلى أن هذا شأن قلبي تؤمن به على علاته أو لا تؤمن ، وأن العلم شأن عقلي مخبري لا علاقة له بالقلب ولا بالإيمان ؟
وأن الإيمانلا علاقة له بتقدم أو تخلف إنما هو شأن شخصي ضميري والتخلف فيه مرجعه إلى الله ، أما العلم فهو موضوع التقدم وموضوع الأمة كلها وليس شأنا شخصيا ولا يحتاج لمن يبرره ويحسن وجهه وإلا كانت مصيبتنا في عقلنا قد أصبحت هي كبرى مصائبنا .
روزاليوسف 8/1/2005
يعتبر الإمام أبو حامد الغزالي مرجعية كبرى بهذا الصدد ، لأنه في "فضائح الباطنية /2" ينادي المسلمين بقبول حقيقة الإختلاف ، ليس لأن الله قد جعل هذا الخلاف بين الناس والأمم تقديرا إلهيا وضعه في صنعته وفي خلقه ، وحكما قضى به من الأزل بنصوص قرآنية وأن هذا الإختلاف بين البشر لم يستطع حتى الأنبياء رفعه ، ويذهب الغزالي إلى أن الاختلاف في الأمة رحمة بها كما قال كثير من الفقهاء . لكن الغزالي يصر رغم ذلك على أن يقيم نفسه مقام الله مفضلا نصه – الغزالي – على النص الإلهي ، فيؤكد أن حق الإختلاف هذا غير جائز على الإطلاق في الأمور الاعتقادية؟ و هو ذات ما عبرت عنه مبادرة الإخوان في بنود تؤكد حق الاختلاف حسب المبدأ الديمقراطي الرفيع ، وتسحبه في الوقت نفسه من المواطنين لأن الهدف النهائي للإخوان هو إقامة الدولة الواحدية المصمته التي لا تعترف بالتعدد إنما هي تلغيه بفرض وجهة نظر على وجهات نظر الأخرى بحسبان وجهة النظر المفروضة وجهة نظر ربنا لا وجهة نظر الإخوان. ولا تفهم كيف يحيلون هذا التناقض إلى أللة ببساطة عجيبة ، خاصة أن فرض طرف على بقية أطراف المجتمع كفيل بتفكيك اجتماعي بالضرورة ، بينما التعدد والاختلاف على التعادل بحقوق وواجبات مقننة يرضي بها الجميع ، هو باب التنافس المبدع الخلاق وتعدد الطرق إلى المعرفة دينا أو سياسة أو اقتصادا أو علما ، وهو في الوقت ذاته قرار إلهي بالاختلاف بشري؟!
و في حال كوننا من أهل الديمقراطية كحل خلاصي ، فلابد هنا أن نضع تشاريعنا حسب ظروف حياتنا ومستجداتها وهو حق المواطن الطبيعي في النظام الديمقراطي لأنه العارف بمصالحه . وأن نعترف أن الشريعة الإسلامية كان لها ظرفها التاريخي المرتبط بزمان الدعوة ومكانها وشكل المجتمع والسياسة حينذاك ، وألا ننسى أن الإسلام كان يقيم لشراذم قبائل بدو الجزيرة دولة مركزية احتاجت لشرائع تناسب قبائلها وجغرافيتها ومطالبها وأهدافها ومنطق زمانها ، وألا ننسى أن وطننا مصر قد سبق الدعوة حضاريا بألوف السنين وله ظروف تختلف بالكلية عن ظروف الجزيرة وتختلف حاليا عن القديم في مجمله. ومع هذه المعاني اللازمة للقائل بالديمقراطية "كما قالت المبادرة" فإن حكيمهم القانوني عبد القادر عودة كان يعلن تكفير "كل من قال إن الشريعة كلها أو بعضها ليست احكاما دائمة وأن بعضها أو كلها كان موقوتا بزمنه ، أو قال إن أحكام الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر ، وأن غيرها من أحكام وقوانين وضعية خير منها / التشريع الجنائي في الإسلام /2/708" .
وأنهم يقيمون من تفسيراتهم وطريقتهم في فهم الإسلام نصا بديلا عن النص الإصلي ، يغتصبون فيه المعاني لصالح أهدافهم وأغراضهم بعدوان سافر على الله وكلامه ، للعدوان بهما على حقوق الناس ، وطريقتهم المعلومة هي جعل الدين أيديولوجية كاملة لجماعة طائفية يتحول فيها الانتماء عن الوطن إلى الانتماء لجماعة المسلمين لتكريس الوطن لجماعة المسلمين لتكريس الوطن الجماعة لا الوطن الأرض ، وهو ما سمح عبر التاريخ بخيانات كبرى للناس والأوطان مادام الحاكم القادم من خارج البلاد مسلما سواء كان شركسيا أم البانيا أم هو من الديلم أم من العثمانلية .
في موضوع بعنوان "موقف التيار الجهادي السلفي من لإخوان المسلمين" يفصح صاحبه (كمال حبيب / تيار جهادي) عن تحالف التيار الجهادي "الاصطلاح الرمزي للإسلام الدموي" والإخوان وكل اصحاب المشاريع الإسلامية على تنوعها ، باعتبار ذلك هو مخطط تكتيكي مرحلي لما قبل التمكين" حتى حدوث هذا التمكين "لأن الحالة الإسلامية مرحلة ما قبل التمكين أو الاستضعاف هي أكبر من قدرة جماعة واحدة مهما كان تاريخها وامكانياتها ورسوخها في الدعوة / من الملفات الخاصة بالجزيرة نت" ، وأن هذا التحالف لابد أن يفصح عن نفسه خاصة في مرحلة ما بعد طالبان ، وذلك لأن "المواجهة القادمة والجارية مع العالم الإسلامي هي مواجهة دينية ثقافية حضارية بالمفهوم الشامل .. وذلك لأن القوى الغاشمة تفرض على العالم الإسلامي الخضوع للتوافق مع الحداثة في مسألتين هما قبول العلمانية وقبلو التسامح الديني ، ويتأتى هذا عن طريق تحديث الإسلام وبناء الإسلام الليبرالي / مقال بالساخر/ نت"
أولا : إنه يكرر ويعيد المقامات الغنائية الحديثة للإخوان حول الإيمان بالديمقراطية بدلا من الفكر الإنقلابي الدموي ولكن من خلال الشريعة ، تأكيدا على خصوصية الشرق الإسلامي إزاء المفهوم الإنساني العالمي لمعنى الديمقراطية. و ذلك للإعلان عن فرصة يقدمون فيها هذا التنازل بالمشاركة في ديمقراطية تناسب ثقافتنا ، و أن هذا ما يجب أن تفهمه أمريكا ، وهي أنهم قادرون على تقديم الإصلاح المطلوب دون حدوث مشاكل مجتمعية ، وبما يحقق الأهداف الأمريكية في ظل الخصوصية لأنهم الأمناء على هذه الخصوصية والمعبرون عن الضمير الإسلامي الذي هو ضمير الأمة . وهو ما يلتقي مع رؤية الاستراتيجي الأمريكي (هانتنجنون) في خصوصية الشرق الإسلامي وإمكانية تحقيق المصالح الأمريكية في ظل هذه الخصوصية. و بهذا السبيل وجد الدكتور سعد الدين إبراهيم في الطرح الإخواني طرحا جديرا بالنظر والاعتبار بما يحقق الإصلاح المطلوب. رغم أنه رجل المجتمع المدني ويعلم بحكم خبرته العلمية على الأقل أن ما يطرحه الإخوان وإخوانهم فيما يكتبون ويعلنون ويفعلون هو في النهاية القضاء المبرم على هذا المجتمع المدني .
لكن دعونا نعط الفرصة للنوايا الحسنة ، رغم أن تاريخ الإخوان ليس فيه حسنة واحدة ، لنهيب بهم كقيادة سياسية لفرق الإسلام السياسي أن يتفقوا فيما بينهم على برنامج واضح دقيق مفصل صريح لا تحتمل عبارته لبسا ، ويخلو من العبارات الاعتراضية مع كل طرح حول الحريات الديمقراطية من قبيل "في ضوء ثوابت الأمة" أو في "إطار المرجعيات الإسلامية" لأنهم عندما يمارسون السياسة فيجب أن يعاملونا بلغة الأرض لا بلغة السماء ، فالسياسة شأن أرضي لا شأن سماوي ، وأن يتوقفوا عن مخاطبتنا بالنصوص المقدسة فهي نصوصنا جميعا ونعرفها جميعا ونحفظها جميعا. خاصة أن هذه النصوص ليست منتجهم بل هي منتج سماوي. وفي مساحة الحوار السياسي يقدم كل فريق منتجه ، لا أن نخاطبهم خطابا بشريا فيردوا علينا بالآيات التي تحددت ملكيتها لله وحده ، ونصبح في حوار طرشان أو صدام بيننا نحن البشر وبين الله ممثلا في الإخوان وفي النهاية فإن الذي سيحكمهم البشر وليس الله .
يرد بعضهم هنا بمدى ما حققه المجتمع الإسلامي من رفاهية في ظل الامبراطورية الإسلامية بفضل نظام الزكاة في مغالطة لا تليق بتلامذة الابتدائي (انظر بهذا الشان سيدنا قرضاوي). حيث لم يكن لتلك الرفاهية علاقة بالزكاة ، ناهيك عن كون حالة العز والرفاهية التي يزعمون أن المجتمعات الإسلامية تمتعت بها في مجدها بفضل نظامنا الاقتصادي الفريد ، لم يعشها سوى السادة العرب الحاكمين بأمر الله وبطانتهم ومن لحق بحزبهم خادما ونصيرا من أبناء البلاد المفتوحة التي نهبت ثرواتها و "هلكت فصالها" بتعبير عمرو بن العاص ، حتى كانت الجارية (وهى طبعا من بنات البلاد المفتوحة) ، تباع بوزنها ذهبا في زمن عثمان بن عفان في جزيرة العرب العجفاء ، حيث كان هناك من يشتري وهناك من يباع في سوق النخاسة ، بعد أن تدفقت غنائم البلاد المفتوحة على الجفاة العراة