Monday, July 30, 2007

الدفوع الشرعية عن المفتي و عطية

الدفوع الشرعية عن المفتي و عطية

هذا الموضوع مهدى إلى المجموعة الليبرالية

كان الشعور بالعار و الخجل هو سيد الموقف في أزمة الفتاوي الأخيرة ، و التي أثارتها فتاوي صادرة عن كبار المتخصصين في الشأن الإسلامي ، فإحداهما صدرت عن رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر و أفتى بها بناء على معرفته بالحديث و لأنها قامت على حديث صحيح ، و الأخرى صدرت عن مفتي الجمهورية ، و ليس بعد ذلك منصباً دينياً سوى السماء.

كشفت الأزمة عن مدى معرفة المسلمين بدينهم الذي له يتعصبون و من أجله يبذلون الغالي و النفيس ، فإذ بهم أشد الناس جهلاً به ، لأنهم تحولوا عن المعرفة المباشرة به و درسه أو الإطلاع عليه ، إلى معرفته معرفة شفاهية إذاعية تليفزيونية ، فإذا بهم يكتشفون في أيام معدودات مدى فقرهم المعرفي المدقع بدينهم ، فيثورون ثورة جهول غشوم على فتاوي تقوم على أصول إسلامية لا شك فيها .

المفزع أيضاً كان من حملة الأقلام من مثقفينا و مذيعينا الأشاوس ، فإذ بهم مشدوهون مدهشون دهشون يطالبون بالويل و الثبور و عظائم الأمور ضد الذين يفتون فيسيؤن للإسلام و للرسول ، فيكشفون المستور ، فيجب أن يظل المستور مستوراً ، و يكون التجريم من نصيب المتخصص العارف المتبحر في علمه الذي أصدر الفتوى ، لأن عامة المثقفين رأت في فتواه تجريحاً للإسلام و للرسول ، لأن العامة المثقفة فقط لم تكن تعلم. و عندما علمت رفضت و احتجت و أنكرت الحديثين و الحدثين التي قامت عليهما الفتوى ، و هما من صلب سيرة النبي و لهما رجع وصدى في قرآننا و تقوم عليهما أحكام في علوم الفقه ، و أجمعت عليهما كتب السير و الأخبار و التاريخ و التفاسير و الفقه ، و لا يخلو منهما فرع من تلك الفروع الإسلامية العريقة العتيدة.

أثبت الحدثان أن مثقفينا المسلمين لا يقرأون ، بل أنهم لا يقرأون أخص ما يخصهم ، تراثهم العزيز عليهم الذي ينافحون عنه ، آناء الليل و أطراف النهار ، فإذ بهم يعاركون من أجل شئ لا يعلمون عنه شيئا.

و كعادة مثقفينا مع المشاكل المتفجرة ، هو العمل على دفنها بسرعة لإهالة النسيان عليها ، و مع السرعة و على عادة إكرام الميت بسرعة دفنه لا يفكرون حتى في نزع فتيل المشكلة المتفجرة ، بل يتم دفنها كلغم موقوت ممكن أن يتفجر في أي لحظة. فتتم الضغوط الهائلة على الدكتور عزت عطية ليعلن خطأه و أسفه و اعتذراه و تراجعه عن فتواه ، مما انتهى به إلى مجلس تأديب مع إيقافه عن العمل ، بينما سحب المفتي الدكتور علي جمعه كتابه من الأسواق ، لكن دون أن يطاله هذا العزل لفارق المنصبين.

و بعد الدفن و التأبين و إنزال العقوبة بالأبرياء من علماء الإسلام ، عاد المسلمون سعداء كراماً بعد أن تخلصوا من العار ، بينما يعلمون يقيناً أنها مدونات مقدسة تدرس حتى الآن في معاهد الأزهر ، و ستظل موجودة لأنها ضمن تراث يرتبط ببعضه البعض و تنبني عليها أحكام و له أسباب موضوعية زمن الدعوة ، و كل ما تمكنوا من فعله هو إيقاف اللغط ، إسكات القول و السؤال ، و ترك كل شئ كما كان عليه قبل زوبعة الفتاوي.

تعالوا معي نعمل شيئاً آخر ، نعمل شيئاً لا يدفن التراث و لا ينفيه ، و أيضاً لا يخجل أو يستشعر العار منه ، تعالوا نقرأ الحقائق مجردة لنعمل فيها العقل فربما عثرنا على حل أكثر عائدية علينا بالطمأنينة و ليس بالعار، و باحترام التراث و ليس بدفنه ، و إعادة الحقوق إلى أصحابها ، و الطمأنينة للمسلمين.

ان الدكتور عزت عطية عندما أفتى برضاع الموظفة لزميل العمل ، مستنداً إلى السيدة عائشة التي أمرنا نبينا أن نأخذ نصف ديننا عنها ، كان مشغولاً بحل مشكلة لأهله و أحبابه من المسلمين و مهموماً بهم ، فهو رجل قد سلم بعدم إمكان عودة المرأة إلى البيت مرة أخرى ، و أن خروجها إلى العمل الوظيفي أصبح جزءاً من تركيب نظامنا الاجتماعي الحديث و هو موقف يحمد له مبدئياً.

كان مشغولاً بمسألة الحجاب الذي استحدث المتأسلمون فرضه على المسلمات رغم الثبوت الديني أنه كان شأناً خاصاً بنساء النبي و لا يطلب من المسلمة العادية سوى تغطية الجيب أي الثديين ، و رغم الثبوت الطبي القطعي العلمي بضررالحجاب على الدماغ و تأثيره على عمل هذا الدماغ ، و أذاه لفروة الرأس و ضرره الشديد و البالغ لشعر المرأة التي زينها الله به ، و أن هذا الشعر و الدماغ بحاجة إلى ضوء الله و هواءه و أشعته ، فقام يقدم للمسلمات حلاً من شريعتهم لتتمكن الموظفة من خلع الحجاب أمام زميل العمل دون حرج ، و أن يتبادلا الحديث لمصلحة العمل دون تحرج ، و ليتمكنا من الخلوة لضرورات قد يفرضها العمل دون حرج ديني أو ضرر بالسمعة.

الرجل صادق اليقين بإيمانه و دينه فيما فعل ، فقال ما قال ، و ما أراد إلا خيراً ، فلجأ إلى حديث رضاع الكبير ، الذي لم يكن حديثاً فقط ، بل حديث مصحوب بالتطبيق الفوري الناجح ، فقد لجأت سهلة بنت سهيل زوجة الصحابي الجليل أبي حذيفة إلى رسول الله (ص) ، تشكو له ما تجده في وجه زوجها أبي حذيفة من عدم الرضا وهو يرى ربيبه سالم قد كبر و أصبح رجلاً بالغاً ناضجاً يدخل على زوجته و يخرج ، فقال لها الرسول : “إذهبي فارضعيه ، قالت : كيف أرضعه و هو رجل كبير ، قال (ص): ألا أعلم أنه رجل كبير؟ إذهبي فارضعيه”. المهم أن سهلة صدعت بالأمر النبوي فأرضعت ربيبها سالم بعد بلوغه مبلغ الرجال خمس رضعات ، فما عادت ترى في وجه زوجها شيئاً يكدره من بعدها.

الأهم من ذلك أن السيدة عائشة أم المؤمنين تمسكت بهذا الحديث بعد وفاة النبي بل و طبقته و عملت به ، فقد كانت بحكم موقعها من الدعوة مرجعاً لسؤال المسلمين الدائم ، و حتى يكون السائل محرماً عليها فإنها كانت تأمر بنات أخيها و بنات أخوتها بإرضاع السائل أولاً ، ثم يلقاها و يطرح استفساراته و حواره معها من بعد أن يكون قد أصبح محرماً عليها بهذه الرضاعة.

الدكتور عطية يؤمن عن يقين بهذا الحديث و يصدق ذلك الحدث ، و أن هذا الإرضاع قد حول مشاعر الجميع (أبو حذيفة و سهيلة و سالم) إلى مشاعر راقية بعد الصدوع بالأمر النبوي ، انتفت منها جميع النوازع الغريزية ، بدليل ذلك الحديث ، و بدليل نتائج تطبيق الحديث. و من ثم قرر الرجل مساهمة منه في حل مشاكل مجتمعه المعاصر التي يسببها رجال الدين كفرض الحجاب و تحريم الخلوة ، بفتوى دينية يمكن بها التخفيف عن الناس ، و تحرير الرأس من الحجاب فترات مناسبة أمام زملاء العمل ، و ذلك بأن على كل موظف تفرض الظروف عليه الخلوة بموظفة أن يرضع منها خمس رضعات ، فتتحول الغرائز إلى لطائف سماوية و قطوف ربانية فلا يعود يفكر فيها كإمرأة إنما كشقيقة أو أم ، باختصار كأخت في الإسلام .

يقول الدكتور عطية مبرراً فتواه بعدة وجوه كلها سليمة شرعاً: “إن رسول الله هو الذي رخص في ذلك ،. . و في الأعمال الدينية يستشعر المؤمن عبوديته و خشوعه لله فتنمحي النواحي الشيطانية ، و إنه أحداً من دارس الحديث و أئمته لا يمكنه أن يشكك في أن حديث إرضاع الكبير حديث ثابت و صحيح. . و لو كان رضاع الكبير فيه أدنى شك لعاتب الله نبيه في تشريعه ، و لثار الصحابة جميعاً على عائشة“. و في توضيحه لطريقة رضاع الكبير و الغرض منه ، قال فضيلته : أن المرأة في العمل يمكنها أن تخلع الحجاب أو تكشف شعرها أمام من أرضعته ، و هذه هي الحكمة من إرضاع الكبير ، و أن الإرضاع يكون بالتقام الثدي مباشرة.

و يرد من رأى في فتواه مجافاه لزماننا و تقاليده و أعرافهبقوله : “إن أحكام الإسلام ترتبط بذات الإنسان عبر الأزمان و الأماكن ، و ذات الإنسان لم تتغير. . و من أرذل الرذائل استقباح أو النفور من أمر الرسول. . فالله أدرى بمصالح عباده”.

كانت تلك أقوال د. عزت عطية للعربية نت و الوطني اليوم ، و قد استمر مصراً على فتواه مدافعاً عنها فقال في النيل الثقافية : لو رضع كل الناس من بعضهم فهذا فائدة للإسلام ، لأن كل رجل سيحترم المرأة و لن يؤذيها. و بشأن من يقول أن هذا الحديث ينطبق على حادثة أبي حذيفة فقط ، فلماذا إذن استخدمته السيدة عائشة و لم يكن ذلك اجتهاداً منها ، لأن من يطبق النص لا يكون مجتهداً ، أما من يعارضه فليأت بالدليل. و يشير إلى أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر أخذت بذات الحديث “عندما بعثت ابن أخيها سالم بن عبد الله بن عمر ليرضع من أخت السيدة عائشة حتى يدخل عليها ، فرضع ثلاث مرات و تعبت و لم يتم خمس رضعات فلم تدخله السيدة عائشة”.

و في حوار أخير له مع الوطني اليوم قبل ارتداده على عقبيه ، قال ملخصا الموقف : “إن ما قلته و أقوله هنا فتوى أسأل عنها أمام الله ، و كنت أعني كل كلمة نطقت بها ، فأنا استاذ و رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين ، أى أنني عالم من علماء الدين و كلامي هو فتوى شرعية ، و من حقي كعالم دين أن أعلن رأيي في أي قضية بدون موافقة مجمع البحوث الإسلامية ، فأنا أرفض أي قيد على حرية الرأي ، و عدم الإقتناع عقلاً بحديث الرضاع لا يمنع ثبوته فهو حديث صحيح ، و الاعتراض عليه هو اعتراض على الرسول (ص) و تشكيك في السنة النبوية ، فرأت عائشة رضي الله عنها أن الخلوة ضرورة لتحصيل العلم و الفتوى ، و رأت أمهات المؤمنين أن الفتوى ليست ضرورية ، و أنا أرى رأي عائشة. . و الحكمة من طرح هذه القضايا في وسائل الإعلام هو فتح شهية الناس للبحث و الدراسة بحيث يرجع الناس إلى العلماء لفهم التفاصيل “.

كما تابعت الدكتور عزت عطية ، فقد تابعت أيضاً الردود الفقهية التي سيقت ضد فتواه ، و التي استندت بدورها إلى شواهد من الحديث الشريف ، فقد حشدوا في مواجهتة مجموعة أحاديث منها على سبيل المثال

· عن أم سلمة قالت : قال رسول الله (ص) : “لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء من الثدي و كان قبل الفطام” / رواه الترمذي حديث صحيح حسن ؛ أي لابد من وجود اللبن في الثدي المرضع كي تكون رضاعة محرمة و بشرط تمامها في الحولين.

· عن ابن مسعود : “لا رضاع إلا ما شد العظم و أنبت اللحم”

· و قول النبي : ” إنما الرضاعة من المجاعة “ ، أي أن الرضاعة التي تحرم هي ما كانت في فترة الطفولة حتى يكون اللبن سبباً في بناء لحم الطفل ، فتكون المرضعة قد أنبتت من لبنها لحم الطفل كالأم عندما نبت من رحمها ، فتكون المرضعة أماً بهذا المعنى.

· عن ابن عباس مرفوعاً : لا رضاع إلا في الحولين أى في السنتين الأولين/ رواه الدار قطني 4 / 1774 ، و نصب الراية 3 / 218 و كنز العمال 15678.

و رأت مجموع الردود أن هذا هو ما نص عليه القرآن و أوضحته السنة و عمل بها كل الصحابة ماعدا عائشة وحدها و ما ورد عنها .و تأكيداً لعدم ترتب التحريم على رضاع الكبير ، أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر يسأله عن رضاع الكبير فقال عبد الله بن عمر : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال : إني كانت لي وليدة (أمة / جارية) و كنت أطؤها ، فعمدت إمرأتي إليها فأرضعتها ، فدخلت عليها فقالت : دونك ، فقد و الله أرضعتها ، فقال عمر : أوجعها و أت جاريتك فإنما الرضاعة رضاعة الصغير.

و يردون فتوى عطية بالقول إنه لو جاز شرعاً رضاع الكبير لضاعت مصالح الناس ، و لفسدت العلاقات ، فهذه امرأة ترضع ضرتها لتحرمها على زوجها و تلك ترضع خطيبة ابنتها لكي لا يتزوجها ، و لم يقل بثبوت حرمة النكاح لرضاع الكبير إلا الظاهرية فقط. و كان الدكتور عطية قد استبق هذا الرد بتأكيده للوطني اليوم أن إرضاع الكبير لا يحرم النكاح أو الزواج ، أما إرضاع الصغير فهو الذي يحرم النكاح أي أن الرضاع المحرم حسبما أخبر النبي هو ما فتق الأمعاء و أشبع الجوع ، و ليس مجرد مص الثدي ، لأن إرضاع الكبير يعني مص الثدي سواء كانت المرأة ذات ولد ترضعه أو لم تكن ذات ولد و لا لبن.

و في حادثة سالم مولى أبي حذيفة قال القاضي عياض : “و لعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمس ثديها و لا التقت بشرتاهما” ، و من بين الرواه الذين لم يستسيغوا التقام الثدي ، ابن سعد الذي لم يبدأ روايته بافتراض (لعل) مثل القاضي عياض بل قال مباشرة : ” كانت سهلة تحلب له في مسعط / إناء / قدررضعه فيشربه سالم كل يوم حتى مضت خمسة أيام ، فكان بعد ذلك يدخل عليها و هي حاسر، رخصة من رسول الله / انظر شرح الزرقاني على الموطأ ج 3 ص 306 ، و هو ما استند إليه الذين ردوا فتوى الدكتور عطية بضرورة التقام الثدي بالشفتين ، و قد احتاط الدكتور عطية لمثل هذا الرد سلفاً ، فقال بالوطني اليوم : إن الوسائل الموصلة كالحلب في إناء ، فهو لأن بعض الناس تتحرج من أمر الرسول ، و الشرع ليس بذوق الناس ، و الدين ليس خاضعاً لرغبات الناس ، و إجازة العلماء الحلب في إناء نوع من الترفع و الادعاء احتياط في تفسير الحديث ، و لم يرد في الروايات.

و من ردوا عليه تعميمه للحالة على كل المسلمات بحسبانهم أن حالة سهلة بنت سهيل كانت حالة خاصة و رخصة خاصة بسالم وحده و سيدته سهلة بنت سهيل ؛ فقد رد عليها الدكتور عطية بفعل السيدة عائشة و قريباتها التي عممت الرخصة بما فعلت .

اللافت للنظر في هذه المعركة الفقهية بطولها ، ان الدكتور عزت عطية و أياً ممن ردوا عليه ، لم يشيروا إلى الأصل القرآني للموضوع كله ، و التي قام عليها عدد الرضعات للكبير ، و هو ما يرويه الإمام السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن) ، قالت عائشة : “كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله (ص) و هي ما يقرأ في القرآن” ، و يؤكد القول ذاته ابن الجوزي في كتابه (نواسخ القرآن) مضيفاً قول عائشة : “فلما اشتكى رسول الله تشاغلنا بأمره ، فأكلتها ربيبة لنا ، أى الشاة“. و قد أورده صحيح مسلم 2 / 1075 / 1452 و الترمذي في سننه 3 / 456 و الصنعاني في مصنفه 7 / 467 و 470 ، و يعقب النووي على قولها : “فتوفى رسول الله (ص) و هي فيما يقرأ بالقرآن ، معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً حتى أنه توفى (ص) و بعض الناس يقرأ خمس رضعات و يجعلها قرآناً متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده ، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك و أجمعوا على أن هذا لا يتلى ، و على هذا فلا يشكل أن يكون الداجن (أى الشاة) - لو ثبت – قد أكل تلك الصحيفة ، لأنها من القرآن المنسوخ تلاوته”.

و يرويها مسند أحمد 6 / 296 و ابن حزم في المحلى 11 / 235 و ابن ماجه في سننه 1 / 625 و الجامع لأحكام القرآن 14 / 113 كالآتي : ” عن عائشة : نزلت آية الرجم و رضاع الكبير عشر ، و كانت في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله (ص) تشاغلنا بموته ، فدخل داجن (شاه أو عنز) و أكلها “.

 

و قد حمل بعض الفقهاء ذلك النسخ على انه مما نسخت تلاوته و حكمه معاً فابطلوه ، لكن بعض الشافعية و الحنابلة حملوه على ما نسخت تلاوته دون حكمه مثل مثل الرجم ، فآية الرجم التي أكلتها الشاة مع آية رضاع الكبير غير موجودة بالقرآن فتم احتسابها مما نسخت تلاوته مع بقاء العمل بحكمها ، و لترافقها في الفقد من المصحف بأكل الشاة لها مع آية رضاع الكبير ، فإن العمل بحكم الرجم رغم عدم وجود الآية ، يلزم عنه العمل بحكم آية رضاع الكبير التي فقدت معها بدورها.

و الظاهر من حديث عائشة أن النسخ كان بعد وفاة النبي و لكنه أمر غير مقبول بإجماع ، لنص القرآن على أن الله لا ينسخ آية من آياته إلا و يأتي بأحسن منها أو مثلها : “و ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها”. لذلك ترك العمل بهذا الحديث مالك بن أنس و أحمد بن حنبل و أبو ثور و غيرهم (للمزيد انظر مشعل الآثار 3 / 6 : 8 و أصول السرخسي 2 / 78 و فتح المنان 223 : 230 و الفقه على المذاهب الأربعة 4 / 258 : 260).

ربما لو كان مسموحاً للدكتور عطية بالكلام الآن و هو خاضع لمجلس تأديب ، لربما رد عن نفسه الكثير ، لرد على قولهم بكون حديث رضاع الكبير حالة خاصة و رخصه لسالم و سهلة تحديداً دون غيرهم ، بكيف تكون حالة خاصة و فيها نص قرآني ، و ليس نصاً واحداً بل نص أول تم نسخه بنص تالي يجعل رضاع الكبير خمس مشبعات بدلاً من عشر ، و هو يشير إلى مدى اهتمام القرآن بالأمر ، و أن مجرد وروده عاماً مجرداً و رضاع الكبير عشراً يعني عموميته لا خصوصيته ، و إلا لخصص كما خصص لزيدبن حارثة فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها. وحتى مع تخصيص الآيات فإن الحكم كان عاما وتم إلغاء التبنى من الإسلام .

ربما لو كان مسموحاً له بالقول لقال إنه فيما أفتى ليس مجتهداً بل متبعاً ، و اتباعه هو لخير متبوع ، فهو إنما قال بما قالت و فعلت علناً السيدة عائشة التي هي مصدر نصف دين المسلمين. ربما قال أيضاً : إن الإسلام و نبيه و قرآنه و حديثه لم يأتو ليحلوا لصحابي مشكلة خاصة على انفراد ، أو لسألهم الدكتور عطية: فماذا عن قاعدة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ لماذا تصبح هذه الحالة خاصة بسالم و سهلة بنت سهيل دون بقية المسلمين مادامت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فإذا خرجتم على القاعدة فلتعلنوا ذلك واضحاً لأنها قاعدة دونها الكفر عند الفقهاء ، و حتى يتمكن غيركم من الخروج عليها في شئون أخرى تحكمون بها رقابنا ، دون أن تعرضونا للتكفير؟ أم أنكم تنكرون معلوماً من الدين بالضرورة؟ وهل من بين المعلوم بالضرورة من هو أقوى سنداً و شرعية من أمنا عائشة و هى من قال ، و هى من فهم ، و هى من وعى ، و هي من عاش الحادثة ، و هى من نأخذ عنها نصف إسلامنا ، و هي من طبق الحديث و الآيات المفقودة ، وهى من عمل بها في تفاصيل عديدة رصدتها لنا كتب السير و الأخبار الإسلامية.

ربما لو كان مسموحاً لعطية بالقول لسألهم: لماذا أخذت السيدة حفصة بنت عمر بذات الحديث ، و أرسلت ابن أخيها سالم بن عبد الله بن عمر ليرضع من أخت السيدة عائشة حتى يدخل عليها ، فرضع ثلاث مرات ، لكنها تعبت و لم تتمكن من المواصلة فرفضت السيدة عائشة دخوله عليها؟

ربما رد عطية على من يقولون (بربما) حلبت سهيلة لبنها لسالم في مسعط ، أن يثبتوا أن سهلة آنذاك كانت منجبة حديثاً لطفل في حال رضاعة حتى يتوفر لبن يصب في مسعط ، و هو ما لم يرد بالرواية و لا بالإشارة.

كما لم ترد أي إشارة لأي حادثة رضاع كبير توضح ماذاكانت المرضع ترضع طفلاً من الأصل و أن لديها وفرة من اللبن ، فالهدف إذن كان هو تماس الشفتين و الحلمة للمص فقط ، لكن المسألة هنا ستكون ما هى المدة اللازمة للإشباع و من سيشبع بالضبط؟ و طبيعة هذا الشبع ، ربما تفيدنا حادثة سالم الآخر بن أخي السيدة حفصة الذي ذهب يرضع من أخت السيدة عائشة ، فرضع منها ثلاث مرات و تعبت فلم يتمكن من استكمال الشرط الشرعي بخمس رضعات ، فيكون التعب هنا هو علامة الشبع المقصود ، فقد تعبت من إشباع مرات ثلاث و لم تستكمل الإشباع خمساً ، لذلك رفضت السيدة عائشة أن تلقاه.

لذلك فرق الحديث بين الرضاعة التي تحرم و هي من المجاعة أي بشرب اللبن الذي يفتق الأمعاء و قبل الفطام في الحولين الأولين ، و بين رضاعة الكبير التي ليس فيها شرب حليب حقيقي لذلك لا تؤدي إلى التحريم و لا تمنع الزواج لأنه لا يشرب حليباً يبني جسده فيصبح ولداً للمرضعه. و لو أراد النبي بالرضاع حلب اللبن في مسعط لقاله لسهلة بنت سهيلة بوضوح ، و لما استغربت هي و سألته : كيف أرضعه و هو رجل كبير؟ ، و هو استدراك كان كفيلاً باستدراك نبوي مماثل يشير إلى الصب في مسعط لأن سالم رجل كبير ، لكنه قال لها بتكرار آمر إذهبي فارضعيه ، و في رواية (فرَضّعيه) بفتح الراء و بتشديد الضاد. لتأكيد مقصده.

إذن و بوضوح كان الغرض هو تماس الرجل و المرأة تماساً شديداً يصل إلى حد مص الثدي ، لإزالة غربة البعاد و التخفي ، و قد لوحظ أنه في المصايف في بلادنا لا تلفت المرأة بالمايوه نظر الرجال لأنها أصبحت شيئاً اعتيادياً ، ناهيك عن وضعها في دول العالم الأخرى ، و من ثم تصبح المرأة بعد رضاع الكبير هي و الرجل كالشقيقين خاصة أنه أمر يتم عن معرفة من المحيط به و في العلن. أعتقد أن هذا ما راود خاطر الدكتور عطية و هو يلقي بفتواه كحجر ثقيل في مياهنا العفنة الآسنة ، عن إيمان و يقين أن الله سيلقي بألطافه السماوية عند طاعة النبي برضاع الكبير ، مما يحول الموظفين في بلادنا إلى أشقاء و شقيقات يعيشون حياة طبيعية في مجتمع متآلف متراحم يأمنون بعضهم بعضا دون خجل من الأخوة في العرفان بالله. رغم أنهن جميعاً كن سافرات قبل صحوتنا الإسلامية المباركة ، و كن يحظين باحترام و تقدير المجتمع كله دونما انتشار للرذيلة المستترة في نخاع المجتمع الحالي.

و لم يحتجن أيامها فتوى لخلع الحجاب ، بل كان خلع الحجاب إحدى علامات العزة الوطنية بالحرية و قرار اجتماعي عام بإعادة الاعتبار إلى نصف الأمة المشلول ، فكان علماً من معالم و مكاسب ثورة 1919 بل كان أهم هذه المكاسب.

إن ما أكتبه هنا لن يعجب الدكتور عزت عطية نفسه ، لكنى أطالبه فقط بأن يسمح لغيره بحرية الرأي و القول و هي الحرية التي أصر هو عليها و أعلنها ، و رفض بموجبها الرجوع بفتواه إلى مجمع البحوث الأزهري. و عندما أقدم دفوعي هنا أقدمها لوجه الحق و ليس لوجه شخص ، أقدمها لأني سأبني عليها الآن قولاً آخر هو الهدف و الغرض و المرتجى النهائي لما أكتب هنا.

الدكتور عزت عطية لا شك عميق الإيمان ، و أيضاً هو رجل مخلص لبني ملته يريد لهم الخير و التخفيف عنهم بعض أثقال وضعها على الناس زملاء له عمموا الحجاب و رفضوا تعميم رضاع الكبير ، فهم كل يوم في شأن!! يرخصون و يمنعون و يحللون بالمزاج ، لذلك لجأ الرجل إلى رضاع الكبير و اعتبره حالة عامة لا خاصة ، كما اعتبروا الحجاب حالة عامة رغم كونه كان مخصوصاً بأمهات المؤمنين وحدهم.

الرجل أعلن ما يعلم في مقدسه بغض النظر عمن سيرضى أو عمن سيغضب ، و بغض النظر عن ذائقتنا الأخلاقية اليوم لشئون الجنس ، لأنه على يقين من سلامة النتائج مادامت تنبني على مقدمات من حديث و قرآن و تجارب سابقة. و رغم ذلك تعرض الرجل لهبة من زملائه تندد به ، خاصة أن آية رضاع الكبير و آية رجم الزاني التي أكلتهما الشاه غير موجودتين بالقرآن العثماني ، و أن مصدر الروايتين السيدة عائشة ، و هى من أصر على عدم نسخ آية رضاع الكبير خمساً ، و عملت بها و بالحديث التي هي أيضاً من رواه. و يعلم جميع المهتمين بهذه المسألة أن غلاة الشيعة قد استثمروا ذلك للطعن في السيدة عائشة ، بكونها اخترعت الأمر اختراعاً ، بعد أن مات النبي و عمرها ثمان عشر عاماً مع منعها من الزواج بغيره بعد موته ، و قد وجدت في ذلك حلاً لمشكلتها الجنسية فهي إنسان كبقية البشر ، و هو قول مرذول مردود لأنه لم يثبت أنها أرضعت بنفسها أحداً في أي خبر في مكتبتنا التراثية الكبيرة. وسبق أن برأها القرآن الكريم من اتهامها بالفاحشة مع صفوان بن المعطل فى غزوة خيبر، فيما عرف بحديث الإفك ،واتهامها بذلك هو تزيد وإفك جديد .

على الجانب السني لخص صاحب المنار الموقف من أحاديث السيدة عائشة بهذا الشأن في قوله : “لو صح أن ذلك قرآناً لما بقى علمه خاصاً بعائشة ، بل كانت الروايات تكثر فيه ، و يعمل به جماهير الناس ، و يحكم به الخلفاء الراشدون ، و كل ذلك لم يكن ،. . و إن رد هذه الرواية عن عائشة لأهون من قبولها ، مع عدم عمل جمهور السلف و الخلف بها / تفسير المنار 4 / 472″.

خطأ الدكتورعزت هو التباس الشأن لديه في التحريم من عدمه لرضاع الكبير ، فلم يعد للإرضاع حكمه إذا كان لا يحرم الزواج ، و بينما هو يستند إلى السيدة عائشة ، فإن السيدة عائشة كانت تلجأ لإباحة الخلوة برضاع الكبير ، باعتبار أن هذا الأرضاع يحرم و يجعل من يلقاها ذي محرم .

أما الخطأ الأكبرفهوذلك النوع من الإيمان الذي يمنع أى ضوء آخر من الوصول للإنسان ، فيرى المعجزات قابلة للتحقيق ، و ان ما كان يحدث في مجتمع و زمان و مكان منذ ألف و أربعمائة سنة يمكن أن يحدث اليوم. فهو رجل نصي شديد النصية ، لذلك وصفه المشايخ المخالفون له بالظاهرية ، فهو يرى أن حفل مص عالمي للمسلمين كفيل بحل المشكلة الجنسية المستفحلة في بلادنا ، الرجل نصي إلى حد أنه في الحوار مع الوطني اليوم اعتبر تسجيل حالة الزنا بالفيديو لا تثبت الزنى ، فلابد من أربعة شهود من البنى آدمين يرون رؤى العين عضو الرجل كالميل وهو يدخل ويخرج في مكحلة المرأة. نصية الرجل و تصوره أن النص الديني يملك قدرات سحرية و يمكنه أن يكون فاعلاً في حياتنا اليوم هو تصور سحري يكفي بموجبه تغيير الواقع كما نريد ببعض الطقوس و التلاوات والأفعال. و هو في ذلك ليس فريداً فالمسلمون و مشايخهم يعتقدون حتى اليوم بأن صلاة الغيث تنزل المطر ، حتى اليوم لا يعترفون بكل التقدم الفلكي الهائل و يصومون على تفرق بين بلدانهم لإصرارهم على رؤية الهلال بالعين المجردة ، حتى اليوم يصرون على أن الطلاق يقع لفظاً .

ان الدكتور يتحدث عن رضاع الكبير في مجتمع كانت نساءه لا تتسرول و لا تعرف الأزرار لتداري صدرها فتسير به مفتوحاً على وجوه الرجال ، مجتمع كان ينكح الصغيرة دون حرج فقد تزوج النبي عائشة و عمرها تسع سنوات و عمره اثنين و خمسين ، بل كانوا يخطبون البنت في بطن أمها. مجتمع كان يتحدث عن النكاح (و هي كلمة تعني الفعل الجنسي الصريح بإطلاقه) دون جزع ، مجتمع يفاخذ الرضيعة ، مجتمع يتحدث فيه النساء و الرجال عن النكاح بألوانه و أشكاله دون ملامة ، مجتمع يحوز الرجل فيه على أربع زوجات و ما لا عدد له من الإماء و يضع الرجم عقوبة للزنى ، و لا يضع عقوبة للجنس المثلي أو إتيان دبر المرأة أو معاشرة الحيوان ، مجتمع قوانينه ثأرية و ليست إصلاحية فيقطع و يرجم و يجز الرقاب بشكل اعتيادي ، مجتمع سادة و عبيد ، حتى سادته درجات و بيوته أصناف باختصار كان مجتمعاً مختلفاً بالكلية حياة و عادات و تقاليد و نظم اجتماعية عن مجتمعنا اليوم .

إن خطأ الدكتور الحقيقي إذن هو اعتقاده في فكره صلاحية أي شئ إسلامي لكل زمان و مكان. و أن ما كان يؤتى بحلول زمن الصحابة يمكن بتكراره أن يؤدي لذات النتيجة اعتماداً على مبدأ السحر التشاكلي حيث ينتج الفعل الشبيه شبيهه المراد و المطلوب ، غير ملتفت بالمرة إلى ما حدث في الدنيا منذ كانت عائشة تأخذ برضاع الكبير. الرجل يتصور أيضاً أن كل الحلول لابد أن تكون من الإسلام و لا يتصور حلولاً مدنية أبداً ، لذلك يتطوع مشكوراً للبحث عن هذه الحلول في خفايا ديننا ليقدمها لنا في شكل فتاوي.

لو كان صالحاً لكل زمان و مكان فأين هم عبيدنا؟ و أين هن جوارينا و إمائنا؟ و أين هن السبايا؟ أين هي حقوق العرب الفاتحين من جزية و فيئ و خراج و أنتم تعلمون أننا و بلادنا معنا ، وقف على العرب الفاتحين بالقرار العمري الأشهر، أم أن ذلك ليس من شرعنا؟ لقد ظل الرق مشروعاً منذ زمن النبي و الصحابة الذين ماتوا جميعاً و عندهم عبيدهم و ملك يمينهم حتى 1964 عندما اضطرت السعودية لإعلان إلغائه تحت الضغط الأممي.

إذا كان صالحاً لكل زمان و مكان فإن فتوى الدكتور عطية تكون أوفق لو طلبت حل مشاكلنا الجنسية بإعادة أسواق العبيد و الجواري الحسان مرة أخرى. و ما أقوله هنا هو إسلام في إسلام و إيمان 100 % ، لا يستطيع أن يعترض عليه لا عطية و لا المفتي و لا شيخ الأزهر ، وليردونا بالبرهان إن استطاعوا.

على المسلمين أن يعلموا و هم يتمسكون بقاعدة الصلاحية التامة لكل زمان و مكان أنها تخلق إشكالاً عصي الحل بالمرة في تعاملهم مع زماننا و عصرنا ، في كل المجالات ، سياسة ، اقتصاد ، علوم ، قيم ، أسلوب حياة ، قانون ، علاقات اجتماعية و دولية. . إلخ. و أن الكثير مما نعتقده صالحاً لكل مكان و زمان يجب تركه لمكانه و زمانه.

إن في كل دين ما هو صالح لزمنه فقط ، و فيه ربما ما يصلح لأزمنة أخرى ، و فيه ما يصلح لمكانه فقط و مجتمعه وحده ، و فيه ربما ما يصلح لمجتمعات و أمكنة أخرى ، ولدى كل دين ما يخجل منه صاحبه اليوم و يستشعر العار ، فقط عندما يطلب له الصلاحية لكل زمان و مكان ، لكنه أبداً لن يستشعر هذا إذا ما ترك من دينه ما كان مرتبطاً بزمانه و مكانه لزمانه و مكانه ، ففي التوراة تجد خطابات جنسية صارخة و أحداث أكثر صراخاً تموج بصهيل الجنس (بتعبير التوراة / العهد القديم) و تكفي إطلالة على نشيد الإنشاد الذي لسليمان ، حتى تشعر بنشوة الإستمتاع إلى شعر أبي نواس الفاضح ، و النبي إبراهيم تزوج أخته سارة ، و النبي موسى تزوج عمته يوكابد ، و النبي لوط جامع إبنتيه فأنجب بني عمون و بني موآب ، و النبي داود جامع امرأة رئيس جنده أوريا الحيثي و أرسله للقتال مع مؤامرة بحيث يتم تركه للقتل في المعركة ليفوز بالنعجة المئة بعد أن أمتلك تسع و تسعين نعجة. و النبي سليمان كانت له سبعمائة جارية و ثلاثمائة زوجة ناهيك عن مغامراته مع ملكة سبأ ، و يهوذا نكح زوجة ابنه و حملت منه نسلاً سيأتي منه المسيح من بعد ، وهو المسيح الذي كان يعاشر العشارين و الخطاة والزناة ومن معجزاته تحويل جرار الماء إلى خمر لذة للشاربين.

إن الشعور بالعار سيتولد عندما نصر على أن بول الجمل أو الناقة فيه شفاء للناس ، في زمن أصبح يعلم فيه الطفل في مرحلة الإبتدائية أن هذا البول هو سموم يطرحها الجسم خارجه ، الشعور بالعار سيتولد عندما يفتي مفتي الجمهورية بأن بول الرسول علاج للأسقام ، و أن نخامته و بصاقه و عرقه يتداوى به ، و قد تتولد الحيرة لدى المسلم و هو يفاضل في العلاج بين بول الجمل و بول الرسول.

إن ما صدر من المفتي كان خبراً و ليس فتوى حتى يتراجع بدوره عنها و يسحب كتابه من الأسواق ، فليس بالإمكان الحصول على هذا البول لتنفيذ الفتوى لو كانت فتوى ، كان خبراً لا يخلو منه كتاب من كتب السير و الأخبار و الحديث الإسلامية ، فكان صحابة النبي يتقاتلون على بصاقه و نخامته صلى الله عليه و سلم ليدلكوا بها وجوههم ، و جلدهم ، ذلك كان زمانهم و هذا كان اعتقادهم ، و لو كان بول النبي غير بول بقية الناس لما تطهر النبي منه ، و لو كان النبي يعلم ذلك عن بوله يقيناً لما بخل عن توزيع بوله على المسلمين الذين فدوه بالروح و بالدم ، و لجاءت الأخبار تفيد بذلك ، لكن حادثة البول كانت حادثة واحدة حدثت كطرفة تاريخية ، فقد قام الرسول ليلاً لحاجته فبال في إناء بجواره ، فقامت أم أيمن (حاضنته) عطشى فشربت البول و قد حسبته ماء ، فلما أصبح الرسول و علم قال لها : “صحة يا أم أيمن ، لا يجفر بطنك بعدها أبداً”. ربما نصدق الحدث و ربما نصدق أن الرسول قال لها على سبيل المزاح و إذاهاباً لروعها “صحة يا أم أيمن” ، لكنا أبداً لا نستطيع أن نقبل استطراد الحديث “لا يجفر بطنك أبداً” لأنه لو كان ذلك حقاً ، لظل بول الرسول محفوظاً حتى اليوم نزيده كلما نقص لتتداوى به الأمة أبد الآبدين (مثلما يحدث فى ماء بئر زمزم!) ، و لكان إخفاء هذا الدواء الشافي عن الصحابة رغم علم النبي به نوع من البخل الذي لا يليق بالنبي الكريم ، لذلك و لا شك أن تلك كانت إضافة تقديسية من كاتب الحديث أو راويه مبالغة في تكريم الرسول إلى حد إهانته ، إنها مديح البداوة ، ألم يقل البدوي في شعره ماداحاً : أنت كالتيس في قراع الخطوب ، و كالكلب في الوفاء.

أن مثل هذا الحديث اليوم ، لهو حديث الأمم عندما تشيخ و يصيبها الخرف ، هو براز ونخام وبصاق وبول التخلف العقلي و الكساح الفكري و العته في الفهم و الضلال في الرأي و الخراب في الديار و الفساد في الضمائر .

إن ما صدر عن الدكتور عزت عطية و عن الدكتور على جمعة قد انبنى جميعه على أحداث حدثت زمن الدعوة وثقها تراثنا أيما توثيق ، فقط كان الخطأ في النظارة التي يلبسها أهل الدين في بلادنا. لكن المفزع حقاً لكل مسلم هو ما ترتب على ذلك من أحداث انتهت بتراجع كليهما عما قال و إخضاع الدكتور عزت عطية لمحاكمة تأديبية بعد إيقافه عن أداء عمله.

هنا الجريمة الحقيقية ، جريمة ارتكبها المجتمع علناً و هو راض قرير العين ، جريمة كذب و جريمة محاكمة باطلة خوف العار دون أن يخافوا ربهم و هم يظلمون ، و جريمة إنكار معلوم من الدين بالضرورة علناً بموافقة كل المسلمين.

أقرأوا معي بيان المجلس الأعلى للأزهر و هو أعلى جهة إدارية تابعة لمشيخة الأزهر في مصر ، بخصوص فتوى الدكتور عطية ، إذ يقول البيان : “إن ما جاء على لسان الدكتور عزت عطية يتنافى مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف ، و يخالف مبادئ التربية و الأخلاق ، و يسئ إلى الأزهر كمؤسسة إسلامية مرموقة”.

أيها الناس : إن الأزهر ينكر معلوماً من الدين بالضرورة علناً و دون أن يستحي أو بخجل!!

كان على البيان أن يميز بين مرجعية الفتوى من أحداث زمن الدعوة و بين الفتوى نفسها ليصفها بما يشاء من سخائم لكن البيان شمل كل قول عطية ، و هو إنكار علني لمعلوم من ديننا بالضرورة ، ضرورة اتفقت عليها صحاح المصادر جميعاً.

لذلك تجد فرقاً واضحاً بين هذا البيان ،و بين البيان الذي كتبه عطية يعلن تراجعه عن فتواه ، دون أن يتراجع لحظة عن إعلان مصادره ، فيقول : ” إن ما أثير من كلام حول موضوع إرضاع الكبير ، و ما صرحت به إنما كان نقلاً عن بعض الأئمة مثل ابن حزم و ابن تيمية و ابن القيم و الشوكانى و أمين خطاب و ما استخلصته من كلام بن حجر ، و مع هذا فالرأي عندي أن الرضاعة في الصغر التي يثبت بها التحريم كما قال الأئمة الأربعة ، و أن موضوع إرضاع الكبير كان واقعة خاصة لضرورة ، و ما أفتيت به كان مجرد اجتهاد. . و بناء على ما تدارسته مع إخواني العلماء ، فأنا أعتذر عما بدر مني قبل ذلك ، و أرجع عن هذا الرأي الذي يخالف الجمهور”.

و كيف لا يتراجع الرجل و هو يرى خمسين عضواً إخوانياً معظمهم أزاهرة بمجلس الشعب المصري و هم يعربون عن قلقهم من انتشار فتوى الدكتور عطية إعلامياً ، كيف لا يتراجع و هو يرى زميله الأزهري رئيس مجمع البحوث الأسبق و العضو الإخواني (السيد عسكر) يعلن باسمهم إخوان وأزاهرة أن فتوى الدكتور عطية خروج على إجماع علماء الأمة بل أنها تسهم في نشر الرذيلة بالمجتمع ، لسبب مبهر لأنه ليس من المعقول أن نتحدث عن رضاع الكبير في مجتمعنا الحديث”. ، كيف لا يتراجع و زميله عضو مجلس الشعب الشيخ ماهر عقل يعلن ان كشف المرأة ثديها لغير زوجها يعتبر كشفاً لعورة. كيف لا يتراجع و هو يرى كل الخطائين يرمونه بأحجار آثامهم ، كيف لا يتراجع و هو يرى سكاكين الفتاوي الأخرى تطارد فتواه ، و هم الزملاء الذين حبذوا تراجعه و حمدوه له ، فهذا الدكتور عبد المعطي البيومي يرى رجوعه كافياً (لا تعلم هل كان مطلوباً قص رقبته مثلاً ! ؟) و ان الرجوع للحق فضيلة ، و واجبنا أن نتعامل بالرحمة و الرفق معه ، و الدكتوره سعاد صالح قالت : “إن الخطأ في الفتوى شئ وارد ، و قد أخطأت في بعض الفتاوي و تراجعت عنها و ليس في هذا عيب ، لأن الخطأ الحقيقي هو الإصرار على الخطأ ، أما الرجوع و الإعتذار كما فعل الدكتور عزت فهذا أمر محمود”.

لا تفهم هنا هل ينكرون هؤلاء السادة الحديث الذي استند إليه عطية ؟ إذن ليعلنوا هذا بوضوح ، فإن كانوا لا ينكرون الحديث فلماذا يعاقبون عطية ؟ و لماذا يمتدحون رجوعه للحق ، و ما هو هذا الحق بالضبط ؟ نريد أن نفهم الحق المقصود هنا ، إن العقوبة تتضح دوافعها من تعقيب وزير الأوقاف الدكتور حمدي زقزوق على مفتي الجمهورية و بول الرسول إذ يقول : إن مثل هذه الفتوى و إن صحت لا يجوز ذكرها أو ترديدها؟ إنه مجرد الذكر و الترديد إذن ؟ إنها الطرمخة على المسلمين عن قصد مبيت من حماة الدين الرسميين وغير الرسميين حتى لا يعلموا من دينهم إلا المسموح به فقط.

و يتابع زقزوق قائلاً : “ليس كل ما هو موجود في الكتب التراثية القديمة صحيح و مسلم به ، و إنما لابد أن نعمل عقولنا فيما نقرأ. فقد نجد في هذه الكتب أشياء تخالف العقل الإنساني ، فلا يجب أن نقولها أو يذكرها أى داعية ، لأنها تسئ للرسول (ص)”. و هو ما يعني أن كثير من أحاديث الرسول أخفاها الفقهاء عن غالبية المسلمين و عامتهم عن قصد مبيت ، بل و ينصح زقزوق مشايخنا بذلك الخداع للمسلمين علناً ، و يستطرد يقول في بيان له بهذا الخصوص : “إن فوضى الفتاوي و عدم انسجامها مع العقل و الفطرة الإنسانية أكثر خطراً على الإسلام من خصومه” ، ووصف تلك الفتاوى بالإنحدار عن الفكر الديني ، و طلب بفكر يسمو بالمسلمين و لا يجرهم إلى التخلف و الجهل و منافاة قواعد الذوق العام ، و كان زقزوق قد خص المفتي بهجومه معتبراً فتواه إساءة واضحة للنبي صاحب الدعوة الذي كان نقياً في كل شئ و لا يقبل مطلقاً بهذه التخاريف. و تسائل : هل انتهت كل المشاكل في العالم الإسلامي و لم يعد غير فتاوي التبرك بشرب بول الرسول و إرضاع الكبير ؟

إن قسوة الدكتور زقزوق قد جاءت في حينها و هي مطلوبة بلا شك ، و حملته على المفتى على جمعة بالذات لها مبررها الواضح الفصيح ، فربما من كان يستحق العقوبة هو فضيلة المفتي بشكل خاص ، أولاً لإصراره على أن قوله فتوى ، و أنه لم يتراجع عن هذه الفتوى بل تمسك بها و دافع عنها وظهر على التليفزيون باكياً منتحباً في مشهد درامي زاد موقفه سوءاً ، و هو يؤكد ما جاء في كتابه : “أن نساء النبي و صحابته الكرام كانوا يتبركون ببوله و فضلاته ، يروون من خلالها عطشهم و يداوون أوجاعهم و أسقامهم” ، فهذا قول لم تقل به كتبنا التراثية ، فحادثة البول كانت حادثة واحدة مع حاضنة النبي أم أيمن ، و لم نجد غير ذلك مما يقول عن تبرك الصحابة ببوله و فضلاته يروون من خلالها عطشهم ، كما لو كان النبي يقف سبيلاً و الصحابة أمامه طابور يروون عطشهم ، إنها صورة غير جميلة بالمرة رسمها لنا خيال فضيلة المفتي وحده. و ما يجعل هذا الخيال الجامح وزراً كبيراً أنه ليس رجل دين عادي بل هو مفتي الديار المصرية بجلال قدرها عند المسلمين.

أما ابتدار الصحابة لبصاقه و نخامته فقد جاء في رواية سهيل بن عمرو مندوب قريش بعد ما رأى مكانة النبي وسط أصحابه في صلح الحديبية. و هو ما لا يتطلب فتوى لأننا لن نستطيع الحصول مثلهم على النخامة و البصاق ، و لا تشغلنا طريقتهم في التعبير عن حبهم لنبيهم و قائدهم ، فلكل زمن ذوقه ، و لكل شعب طريقته في التعبير عن عواطفه ، و تتعدد الطرق بين مختلف شعوب العالم حتى تأخذ أشكالاً غرائبية أحياناً و مضحكة أحياناً أخرى ، في عين غير أهلها. هذه كانت طريقتهم في بلادهم في زمانهم. لا هي فاسدة الذوق و لا هي جميلة المعنى و لا هى مقدسة المشهد ، هي طريقة تعبير تليق ببداوة العربي الذي كان بالأمس أدنى في درجة العيش و التحضر من إنسان الشجر الأول.

هنا نكون قد وصلنا إلى مناقشة مناط الموضوع الذي هو أجدى و أكثر احتراماً لدين المسلمين و لحياة المسلمين و معاشهم اليوم ، و ندخل إليه عبر الصوت الديني المعارض لفتاوي المفتي و عطية .

يلفت النظر بشدة في الاعتراضات التي سيقت ضد تلك الفتاوي تأكيدها على اختلاف مجتمعنا المعاصر عن مجتمع زمن النبوة بالجزيرة ، و عن اللجوء إلى العقل إذا ما تعارض معه النص.

السيد عسكر نيابة عن الإخوان بالمجلس قال : “ليس من المعقول أن نتحدث عن رضاع الكبير في مجتمعنا الحديث” ، بل و اللجوء إلى ذائقة الناس و قبولهم أو رفضهم استناداً إلى هذه الذائقة التي تختلف عن زمن النبوة ، فوزير الأوقاف زقزوق يركز على “منافاة تلك الفتاوي للذوق العام” و أنه “لابد أن نعمل عقولنا فيما نقرأ ، فقد نجد في هذه الكتب ما يخالف العقل الإنساني فلا يجب أن يقولها أو يذكرها أى داعية” بل أن “مثل هذه الفتوى إن صحت لا يجوز ذكرها أو ترديدها” احتراماً للذوق العام المعاصر و عقل الإنسان و طرائقة المعاصرة في التفكير .

و هو اعتراف واضح بأن في ديننا ما لم يعد متفقاً مع طرائقنا في التفكير و العيش و الذوق و الأخلاق و معنى الفضيلة و الرذيلة. لكن أن نسمع مثل هذه الردود كردود فقط على موقف بعينه ، بدون تفعيل الموقف من بقية شئون الدين ، حتى نترك ما كان مناسباً لزمانه ، و نعلن إيقاف العمل بأحكامه ، و بدون إعلان التخلي الواضح عن أحكام إسلامية كثيرة لم تعد توافق زماننا و دون إعلان أن في الدين ما هو غير صالح لزماننا ، فسيكون الجرم هنا جرماً في حق المجتمع و الحياة و المسلمين و الدين و المستقبل جميعاً ، لأن ما حدث يظهر للمسلمين كم يخدعهم رجال دينهم و كم يخفون عنهم من شئون دينهم فيظهرون لهم شيئاً و يبطنون شيئاً أخر ، مما يمثل خديعة لا تليق برجال دين ، و يؤدي بالمسلمين إلى الشك في دينهم.

ثم عليهم أن يحددوا معنى الفساد الأخلاقي عندهم ، و أن يجيبوا عن أسئلة إزاء فكرة صلاحية النص لكل زمان و مكان ، و ذلك من قبيل :

· هل إلغاء تجارة الرقيق و ركوب الجواري فساد أخلاقي؟

· هل إلغاء العقوبات البدنية كالجلد و القطع و الرجم فساد أخلاقي؟

· هل احترام قوانين جنيف و أبسطها و أولها إلغاء سبي النساء في الحروب فساد أخلاقي؟

· هل إلغاء الجزية عن أهل الكتب فساد أخلاقي؟

· هل كفالة حرية الاعتاد للناس فساد أخلاقي؟

· إن الإخوان المسلمين و الأزاهرة يحدثوننا برطانة غير مفهومة و شعارات لا يؤمنون بها ،

· فهم يتحدثون عن الشرف و لا يرون في هتك عرض غير المسلمين أي رذيلة ،

· و يتحدثون عن الحريات و لا يتنازلون عن فقه العبودية و السبي و الجواري ،

· و يتحدثون عن حقوق الإنسان و لا يعترفون لغيرهم بأي حقوق فغيرهم بلاد كفر و ديار حرب ،

· و يتحدثون عن المساواة و لا يقتلون مسلماً بذمياً و لا سيداً بعبد و لا رجل بإمرأة فالحر بالحر و العبد بالعبد و الأنثى بالأنثى ،

· و يتحدثون عن التسامح و يرون غيرهم كافرين يستحقون الذبح أو دفع الجزية عن يد و هم صاغرون.

· بينما فضائل الدنيا كلها عندهم رذائل من السينما للمسرح للموسيقى لبقية الفنون و السياحة أم الرذائل رغم ما تملك من حلول تامة المعاني لمشاكلنا الاقتصادية.

مطلوب من سادتنا الذين انتقدوا فتاوي المفتي و عطية أن يحددوا لنا أولاً بدقة ما يفهمونه من معاني الأخلاق و العقل و القيم كالعدل و المساواة و حقوق الإنسان و الحريات.

إن الفقه الذي يدرسه أبناؤنا في المدارس و علوم الحديث تؤكد إن الآبق من العبودية كافر ، و بذائقة اليوم نراه رجلاً عظيماً و ثائراً له كل الحقوق في حريته ، و يجب أن تقام له التماثيل في الميادين ، بينما فقهنا يعلم أولادنا و بناتنا أن ” الإباق يحرم شرعاً بالاتفاق ، وهو عيب في العبد ، و قد عده بن حجر الهيتمي و الذهبي من الكبائر ، وردت في النهي عنه أحاديث عدة منها ما رواه بن جرير البجلي عن النبي قال : أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم ، و اتفق الفقهاء على أن الآبق لا يزال مملوكاً لسيده ، فإذا قتل على وجه يستوجب الدية أو أتلف من بدنه ما يستوجب الأرش ، فديته و أرش الجناية عليه لسيده “. فقهنا يجعل منا طبقات أسوأ من نظام الطبقات الهندوكية ، فلدينا الأحرار و العبيد و الرجال و النساء و العرب و الموالى و الذميين و العرب و غير العرب و الهاشميين من العرب و غير الهاشميين و القرشيين و غير القرشيين ، و المصيبة أن لكل طبقة من هذه الطبقات حقوقاً و واجبات مقننة تختلف عن بقية الطبقات ، فما هي الحرية و المساواة بالضبط التي يحدثوننا عنها ، و هل ثمة تعريف واضح لها؟

اللافت للنظر بشدة هو الثناء الذي تلقاه عطية على تراجعه عن فتواه ،و تأكيد الدكتورة سعاد صالح أن الخطأ في الفتوى شئ وارد و أنها هي شخصياً كم أفتت فتاوي خاطئة ثم تراجعت عنها. و مثل الدكتورة سعاد كان المفتى قد شك في موت جذع المخ لإباحة نقل الأعضاء ثم عاد عن فتواه و قال أنها قضية طبية و ليست قضية دينية ، و أفتى بأن الرشوة حلال في الضرورات ثم تراجع عنها و حرمها ، و حرم تحنيط الميت ثم أحله لغير المسلمين كما لو كان غير المسلمين ينتظرون فتواه كبقية رعيته المطيعين الطيبين. و يسمون هذا بالرسوخ في العلم و أنهم هم أهل العلم الراسخون فيه.

بهذا الرسوخ في العلم سبق لجبهة علماء الأزهر أن أفتت بارتداد فرج فودة فقتلته الجماعات الإسلامية ، و هي الجماعات التي اكتشفت بالرسوخ في العلم أنها كانت على خطأ فعادت عن فتاواها القاتلة ، عبر سلسلة مراجعات تصحيحية دينية فقهية منشورة تؤكد بالرسوخ في العلم خطأ الرسوخ الأول ، لكن دون أن يعيدوا لنا فرج فودة برسوخهم الجديد و فتاواهم الجديدة ، و دون أن يعيدوا لمصر شهدائها الأبرار الذين قتلوا على يد هذه الجماعات الإرهابية. و لا أن يعيدوا لمصر اقتصادها الذي دمره الرسوخ في العلم ضد السياحة ، و لا أن يعيدوا الوطن للناس ، و لا أن يعيدوا له و للناس كرامتهم المهدورة بفتاوي الدم.

و إذا كانت الفتوى تشريع ، و إذا كانت دار الفتوى تحمل عنوان دار الفتوى و التشريع ،و إذا كان هذا التشريع يأخذ الصفة الدينية أى الأكثر ثباتاً و قدسية من تشريع المجلس النيابي ، فإن مبدأ الخطأ في الفتوى و العودة عنه لا يعود مميزاً للفتوى الدينية عن قرارات مجلس الشعب البشري ، و مادام الخطأ البشري موجوداً في كليهما ، أفلا يكون احترام الدين بإبعاده عن هذا الخطأ و إيقاف العمل بنظام الفتوى هو الأكثر جدوىو سلامة ، و ترك التشريع للبشر يخطئون به أو يصيبون بمجلسهم التشريعي الموقربعيداً عن الدين و احتراماً له ؟

في هذه الحال سيتوقف الأزدواج التشريعي الذي تعاني منه كثير من المحاكمات القانونية ، خاصة ما تعلق منها بالأحوال الشخصية. هذا ناهيك عن كون الفتوى تبدو كما لو كانت نقصاً في الإسلام جاء المفتون ليكملوه لربنا، و نحن نعتقد أن ديننا اكتمل بختام الوحي و أن نبينا لم يقصر في تبليغ كامل دعوته ، و أن ما تركه الوحي دون أن يقول فيه كلمته هو إرادة ربانية ، و ما كان ربك نسياً حتى يأتي الفقهاء ليحلوا في المساحة المتروكة لنا حرة و يصادرونها ، لصالح توجهات إنسانية بشرية قابلة للخطأ كما هي قابلة للغواية و الطمع و الشر البشري.

كان ربنا يعلم بكل ما حدث و يحدث منذ الدعوة و حتى اليوم و حتى قيام الساعة ، لكنه لم يحدثنا لإتخاذ موقف ديني من كل جديد و لا أشار إليه ، و لا عين أحداً من قبله ينوب عنه ليتخذ القرارت مع كل جديد ، لقد سكت الوحي عن هذه الشئون ليترك لنا حرية اختيار حياتنا و شرائعنا و سياسات حكمنا و طرائفنا في الحياة بما يناسب زمننا و أخلاق زمننا و قيم زماننا و ذوق زماننا ، عن رغبة من هذا الوحي و قصد ، و إن وجود نظام الفتوى برمته هو افتئات على هذه الرغبة الربانية و تعدي على ذلك القصد السماوي ، خاصة إذا تذكرنا أن الإسلام ليس فيه هيئة أكليروس و لا رجل دين و لا واسطة بين العبد و الرب ، و كانت تلك فرادة الإسلام بين الأديان في بكارته الأولى المميزة له ، لذلك أسمى نفسه دين الفطرة ، و دين الفطرة ليس بحاجة لمفتين و ديار فتوى ، بقدر ما هو بحاجة لمؤمن عزيز كريم يحب ربه بكرامة و دون وصاية من الأزهر أو دار الإفتاء.

تبقى كلمة أخيرة ، و هى من المعلوم من السياسة بالضرورة ، أنه لا توجد دولة أو حكومة بحاجة لهيئة فتوى دينية ، سوى تلك التي تريد تمرير قرارات ضد مصالح شعبها ، مما يجعلها بحاجة لفرمانات سماوية حتى يطيع الجميع دون مناقشة ، طاعة للدين ! !

أيها المسلمون : أعلنوا إيقاف العمل بنظام الفتوى

اكرم لكم … ولدينكم.

Posted by المجموعة الليبرالية in 22:00:00 | Permalink | Comments (5)

Saturday, July 21, 2007

الآن أو الطوفان

الآن أو الطوفان

إن العصبية هي أن يرى الرجل اشرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين.

أحمد بن الخطيب

أصبح “الإسلام المعدل المطلوب أمريكياً” عنوناً لمناقشات منوعة في الإعلام العربي والإسلامي والعالمي بعد ضربة الحادي عشر من سبتمبر 2001 وعزوم الولايات المتحدة الأمريكية على التدخل في ثقافات المسلمين ، ضمن حملتها الدولية المتوسعة على الإرهاب العالمي ، من أجل إعادة صياغة المفاهيم التي يسلك بموجبها المسلمون مع أنفسهم أو مع العالم. لضمان ما تراه استقراراً أمنياً لها ولنا وللعالم من وجهة نظرها ، بعد أن عاشت زمنها السابق وفق حسابات مصالحها ومصالح شعبها فقط ، فحالفت شرار الأرض كما هو حالها مع العنصرية الإسرائيلية ، وصادقت أعتى الأنظمة القمعية في دول العالم الثالث بغض النظر عن أحوال شعوبه. وأدامت سلطان هذه الأنظمة التي نشرت الفساد في مواطنها مع قهر العباد ، وشجعت عزل تلك الشعوب عن الحداثة وحجبتها عن التطور بتشجيع السلفيات المنوعة وهي الخط النظري الذي يجمع الشعوب مع سلاطينها استجابة لحميمية رغبة هذه الشعوب في عدم تسرب أي غريب إلى خصوصيتها الثقافية العزيزة عليها. بغرض إبقاء تلك الشعوب في حالة سكونية خارج حركة التاريخ المتسارعة مع الاعتماد على الأنظمة الحاكمة للحفاظ على المصالح الأمريكية في مناطقها ، وهو ما أدي إلى انتشار الجهالة المعممة الضامنة للاستبداد السياسي ، لكني زرع في الوقت نفسه حقداً حضارياً متنامياً في تلك المواطن ، خاصة مع مواقف الحليف الأمريكي من القضايا العزيزة على الشعوب.

مولت المخابرات الأمريكية الحركات السلفية الفكرية المسلحة ، وأقامت في العواصم الإسلامية المؤتمرات المغذية للخصوصية الثقافية كمؤتمرات ما يسمى بالعلوم الإسلامية. فكان أن أفرزت لها تلك المواطن إرهاباً دولياً عقرها في عقر دارها الذي تصورته آمناً من كل سوء ، مما وضعها للمرة الأولى أمام مسئولياتها كسيدة للعالم ، من أجل تجانس هذا العالم ثقافياً ، وربما سياسياً ، لتكون العولمة صادقة المعنى والمضمون ، وحفاظاً بالطبع على أمنها ومصالحها في المقام الأول.

وإزاء هذا الهول العظيم “الإسلام المعدل المطلوب أمريكياً” والذي ما خطر على قلب مسلم (وإن خطر لنا وكتبنا بشأنه وحذرنا على مدى العقد الماضي لإصلاح البيت من الداخل دون سامع ولا مجيب حتى أزفت الأزفة) ، يجدر وضع الأمر على مائدة بحث مكشوفة وعلنية في بيت أصحابه ، لمناقشته واتخاذ المناسب بشأنه بيد أصحابه ، للوصول إلى مشتركات بين المختلفات تؤدي إلى النتائج الأقرب إلى مصلحة الوطن والمواطن قبل أي أمر آخر.

وكان الأساس الذي سبق وطرحته ولم أسلم بسببه من الأذى (من محاكمات رسمية إلى محاكمات أمام أمن الدولة إلى إدانات أزهرية إلى تشنيع صحفي مصحوب بالتخوين الوطني والتكفير الديني) هو الذي ما زلت أصر عليه ، وهو

· وجوب إعادة النظر في مناهجنا سياسة أو تشريعاً أو اجتماعاً أو إعلاماً أو تعليماً ،

· والأهم في فهمنا للإسلام وطرق تدريسه وشروحاته وقواعد التعامل معه وبه من تشريع وتحليل وتحريم وقواعد فقهية بل وثوابت نظنها كذلك ، أو نريدها كذلك.

· وعلاقة هذا كله بالعصر الذي نعيشه باعتبار ذلك مطلباً وطنياً قبل أن يكون أمريكياً ، وأنه قد أصبح ملحاً وضرورياً لصلاح أحوالنا ،

وفي الوقت ذاته – ببعض الواقعية – توقياً لعصف الدولة العظمى الكبرى القادرة الغاضبة ومعها كل دول العالم تقريباً ، إزاء أوطان ضعيفة متهالكة لا تملك لنفسها رداً ولا دفعاً سوى استمطار اللعنات من رب السماء بالدعاء على الأمريكان آناء الليل وأطراف النهار ، وهو لم يغن عنا شيئاً حتى الآن ، ولأن أصحاب منهج الدعاء لم يحسموا لنا الموقف حتى الآن ويحددون لنا موعداً نهائياً لهذا التدخل الإلهي ، وحتى يحدث أو لا يحدث فلا سبيل إلا ما بأيدينا وما في مستطاعنا.

إن مخاطر عدم الوضوح وصراحة الطرح والمناقشة رهبة أو خوفاً ستكون نتائجها على الأجيال المقبلة هي الأوخم والأسوأ ، خاصة مع ما وصلت إليه أحوالنا النفسية والعقلية وأوهامنا الرافضة لأي تغير مهما حدث من كوارث ، غير عابئة بأي نتائج مهما تراكمت النوازل والمصائب والتراجعات ، ناهيك عن أولئك النفر المستفيد من استلقائنا الخامل خارج التاريخ نجتر أساطيرنا ، وهم نفر كثير وله نفير. وهي الأمور التي أدت بنا إلى عدم التحرك إلا إلى الخلف وإلى المزيد من الخسائر مطمئنين إلى حصوننا الكلامية و وعودنا العقدية منحدرين من منزلق إلى منحدر ، حتى أصبح من مواهبنا بين الشعوب اتخاذ القرار غير المناسب في التوقيت غير المناسب وأمست القضايا العربية بين قضايا العالمين هي النموذج الأمثل للخسائر الأمثل. وفضاً لمواجهة الذات بعورتنا ، وإيماناً بأننا شعوب مختارة بعناية فهي لا تخطئ ، وغيرنا هوا لمخطئ.

وعندما يصبح الأمر هو البقاء في ساحة الفعل التاريخي أو الخروج من التاريخ إلى الزوال الحتمي ، فإنه لا يبقى لدينا وقت للمراوغة اللغوية واستخدام الشراك اللفظية للتحايل على القول ، في ظل تحريمات سائدة ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا التعامل بالأساليب الملتبسة للإجابة عن الأسئلة المصيرية المطروحة علينا ، لملاحظة رأي عام غير سوى ولا رشيد ، أو توقياً لعصف سلطة سياسية أو غضب سلطة دينية.

وإذا كان النوم تقيلاً فإن الصحو سيحتاج إلى النهر الزجر وتشديد النكير ، لأن الهزيمة التاريخية المروعة التي نعيشها لا تتمثل فقط في الهزائم العسكرية أو التراجع الحضاري ، لكنها تكمن في كوننا لا نصدق أننا شعوب مهزومة على كل المستويات حتى النخاع ، ومتخلفة على كل الأصعدة ، وفي كوننا لا ندري لماذا هزمنا ولا كيف هزمنا ؟! لأننا لا نملك فضيلة المكاشفة والشفافية والصدق مع الناس ومع الذات ، وهي الآن أبرز الفضائل الكونية في الدنيا المتقدمة المتفوقة. علماً أن البداية الصحيحة والناجعة هي الاعتراف بالهزيمة المروعة وأن بدء العلاج يكون بقبول النقد والاتهام ، الذي ربما كان علقماً أو موجعاً أو يحتاج لجراحات كبرى ، لكنه ضروري بلا بديل آخر ، محاكمة للذات وفحصاً للمسلمات ، للوعي من خدر الغيبوبة ونقد ما نقدمها لقوى العنصرية الإسرائيلية أكثر من الاستمرار فيما نحن فيه من هلاوس ، ناهيك هن كون تلك الأسباب هي التي حالت بيننا وبين الوصل إلى لغة يفهمنا بها العالم ونفهمه ، هذا مع الأخذ بالحسبان أننا لا نفهم بعضنا بعضاً.

وجذر المشكلة يتموضع في نظرتنا لكل شأن من خلال الهويات (دينية ، قومية ، عرقية ، لغوية ، ثقافية ، إلخ) ، ومدى اتفاق الآخر معنا أو اختلافه ، وفقهاً وحسب شروطها. وتتحزم هذه الهويات جميعاً برباط الدين الإسلامي الذي لا نرى أمراً إلا من خلاله ، حتى اصطبغت به حياتنا حتى في تفاصيلها الدقيقة (كيف نأكل وماذا نقول عندما نشرب أو عندما تنتهي من هذا وذاك ، وبماذا ندعو ونستعيذ عند الغائط وعندما نتجشأ ، مع دعاء الركوب سواء كانت الركوبة حماراً أو طائرة لا فرق ، وبم نبدأ الجماع من أدعية وبم نحمد عند الانتهاء.إلخ) ، ثم نتعامل مع المختلف وفق رأي ديننا فيه وليس كما هو ، لذلك ننفيه ولا نعترف له بحق أن يكون مختلفاً عنا ، بحسبان ديننا مصدر كل حق وكل معرفة ممكنة ، وكل فضيلة كاملة ، ومن ليس تحت مظلته فاقد لكل هذا بالضرورة.

وبينما العالم لا يرانا إلا في تخلفنا المزري ، نطلب منه أن يتعامل معنا باعتبارنا أصحاب أرفع الأديان أو بالأحرى أصحها على الإطلاق ، وبحسباننا وارثي مجد حضارة كبيرة. بينما كل الأمم والشعوب أديانها ومآثرها وحضارتها السالفة ، ولا يعطيها ذلك مزية أو أفضلية على غيرها بالدين والمآثر السوالف ، إنما هي تصنع أفضليتها بتأمين حريات المواطنين وإحقاق حقوق البشر التي تصنع مناخاً يسمح بالتوسع المعرفي والابتكار والاختراع والمساهمة في المنجزات الإنسانية لاحتلال موقع كريم تحت الشمس. أما نحن فانشغلنا عن الهم المعرفي والإبداع ، قدر ما حكمتنا معرفتها مسبقاً في مقدسنا ، فم يتعشقنا هوى المعرفة والإبداع ، قدر ما حكمتنا النصوص والأصول والموروثات. ولم نضع ضمن أهدافنا السعي لمعرفة ما لم نكن نعرف ، قدر ما سددنا في إعادة إنتاج ما سبق وعرفنا ، لتبرير ثوابتنا وثباتنا عند نقطة زمنية تبعد إلى الوراء ما ينوف بقرون على عشرة قرون ، لذلك لم ننتج أي معرفة حية سواء حول النص أو الواقع ، وكيف ذلك وشاغلنا وهمنا يفصح عنه دعاؤنا المرعوب إلى رب السماء “اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا” (؟!!).. أليست تلك هي المصيبة عينها ؟!.

وكي نثبت جدارتنا في عالم يسجل كل ليلة آلاف الكشوف والاختراعات قام جهابذتنا اللواذع يشمرون عن هممهم لتعريفنا معلومة واحدة فيها الكفاية والغنى ، وهي إننا علماء الأكوان لآخر زمان. بالكشف في مأثورنا عن كل علم سبق اكتشافه. والصرعة الجديدة الآن هي ظاهرة الشيخ زغلول النجار الذي تعدى القرآن إلى الحديث النبوي يستكشف فيه آخر النظريات العلمية ، رغم ما في علوم الحديث من مآخذ على الحديث. ليس لفائدة البلاد والعباد بكشف ما لم يسبقنا إليه المتفوقون في السنة أو القرآن ، لكي ليثبت لنا صدق ما بيدنا من مقدسات وتقييمها بقيمة العلم الغربي الذي يكفرونه سلفاً. ويؤكد لنا عبر حلقات طوال أن الله قد أنزل الحديد من السماء إلى الأرض إنزالاً عملاً بظاهر الآيات ، وبعمليات حسابية حول عدد ذرات الحديد والألفاظ القرآنية بأساليب الحواة البهلوانية ، إثباتاً لجدارتنا بين الأمم ، بالخبئ داخل نصوصنا النظرية الذي كان ينتظر كل تلك القرون مجيء السيد زغلول ليكون بطل الكشف ونجم العلم درة الإيمان. بدلاً من أن يستخدم إجازته العلمية لدخول المختبر وتقديم ما يمكن أن يفيد به وطنه من هذا الحديد ، بغض النظر عن كونه قد هبط أم صعد أم قعد. خاصة أن النصوص الدينية ليس من وظائفها الدينية ليس من وظائفها إنجاز الكشوف والاختراعات والنظريات العلمية ، لأن زمنها وبيئتها لم تكن بعد مهيأة لهذه المعاني ، ولأن مثل هذه المنجزات تتم بجهد الإنسان وكده وراء المعرفة ولا يمطرها الله على أحبابه من السماء. ثم أن لها منهجاً يعتمد على الملاحظة والمشاهدة الحية والتجربة المخبرية ولا يحكم فيها إلا العقل الإنساني وحده ولا محل فيها لغير الإنسان والتذاكر باستذكار سالف العصر والآوان بعلماء كانوا فخر زمانهم في العصر الذهبي للإمبراطورية الإسلامية لا يصنع شيئاً في أي شيء ، ناهيك عن كون المنتج العلمي لهؤلاء لا علاقة له بدين الإسلام بل لمكان المسلمين في الشرق حينذاك ، ونماذج العلوم ومنجزات حضارات البلاد المفتوحة داخل الإمبراطورية الإسلامية ، فأثمرت علوماً ليس من العلم أن نصفها بأنها كانت علوماً إسلامية فليس للعلم دين ولا وطن.. كانت علوماً فقط.

وقبل زغلول كان أصحاب لعبة العلم ، والإيمان قد أرسلوا في عقول شبابنا خلطاً عظيماً بين مفهوم القدرة الإلهية وبين القدرات السحرية ، بمحاولاتهم تفسير كسر قوانين الطبيعة بالمعجزات في مأثورنا على ضوء ما انتهت إليه النظريات العلمية ، وهو ما كان كفيلاً بإسكات صوت العقل ، لأن قدرة الله تتجلى في ثبات قوانين الطبيعة وليس في كسرها ، ولأن من يزعم خرق هذا الثبات هو العقل السحري السابق للعقل الديني زمناً وكيفاً وفهماً. وهو ما يعني أنا انتكسناً إلى مراحل ما قبل ظهور الأديان.

لم يعد هناك فرق بين مشايخنا وعلمائنا وبين عوام الناس كانوا يخرجون عند تأخر فيضان النيل خارج أبواب قلعة محمد علي ، يتلون صحيح البخاري ويختمونه احتساباً لتأثير الكلام في قوانين الطبيعة و ما زلنا نتصور أن مجرد الكلام لا بد أن يؤثر حتى في كبرى قضايانا السياسية مع العالم. بينما الإسلام يعد أبرز الأديان التي حاربت السحر والسحرة ، ولا يرى أفاضلنا هؤلاء أي تناقض بين الموقف الإسلامي وبين ما يفعلون ، ولا يلتفتون إلى أن علوم الصواريخ والأجنة والهندسة الوراثية هي منجزات متراكمة لجهود إنسانية من كل ملة وموطن ، ولم يعرفونها من القرآن ، ولم يعلموا بوجودها خبيئة طي ألفاظ تحتاج من يؤملها ويسقط عليها ممكناته المعرفية التي تعلمها من زمنه ، فهي في النهاية ممكنات المفسر وزمنه وليست أبعد من ذلك.

ولا شك أن إخيولتنا التي تركبنا وتصور لنا أننا قد حققنا في ماضينا كل ما حققته البشرية من تقدم هائل كما ونوعاً في حاضرها ، تعمل على تخليق مستمر للعامل القديم الجديد في تخلفنا ، بالركون إلى وهمنا فلا نرى ما نحن فيه حاضراً ولا ماضينا ، وهو ما يؤدي إلى عدم بذل أي محاولة للانتفاع بما لدى المتقدمين من فلسفات ونظر ومناهج أدت إلى تقدمهم ، وظلت اجتهاداتنا محصورة في كيفية الحفاظ على ما نحن فيه حرصاً على أصالتنا ، وهو حاضر موحش أصبح رميماً منذ أزمان.

آخر إنجازات شبابنا المهاجر الذي عاش ثقافة البلدان الحرة ، هو ما يسمونه بالإعجاز الرقمي (الديجيتال) للقرآن في الكمبيوتر ، ذلك الجهاز الذي لم يساهم فيه عباقرتنا بأي شيء من التيار الكهربائي (الذي سيدخل صاحبه جهنم لأن اسمه إديسون وليس أحمد أو علي) وانتهاء بالصنيع والبرمجة. لكن نصيبنا فيه أو قل مصيبتنا هي اجتراح المعجزات السحرية من خلاله ، بينما اختراعه أصحابه لتسهيل تخزين وتسريع المعلومة وسيولتها وتحليلها وتركيبها وتصنيفها.. إلخ.

من الأمثلة الفواضح لهؤلاء الأفذاذ ما نشرته صحيفة العالم اليوم في يناير 2002 ، وكيف أمكن لعلمائنا أخيراً إعلان العالم بمكتشفاتهم باستخدام كمبيوتر علاء الدين السحري ، ومعرفة أن الآية (110) في سورة التوبة وترتيبها (9) بين سور القرآن ، قد تنبأت بتحريق الأمريكان داخل الأبراج جزاء وفاقاً لما قدمت أيديهم ، ويحيوطننا علماً نافعاً مفاده أن عدد كلمات سورة التوبة (بعد إسقاط أحرف الجر لنطقت بالمعجزة وهي(11 9 2001) يوم ضرب أشاوسنا مركز التجارة العالمي بنيويورك. والآية المقصودة تقول : “لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عزيز حكيم” وفي أسباب النزول نعلم أنها قيلت في شأن بعض الصحابة الذين بنوا مسجداً بغير رضا النبي فأسماه مسجد ضرار وأمر الصحابه بهدمه وتحريقه فوق رؤوس المجتمعين فيه ، ولأن الأمريكان مثل أصحاب مسجد ضرار (لا تعرف كيف؟) فقد استحقوا الموت حرقا داخل بنيانهم كأصحابهم الذين بنوا مسجد ضرار. ويبدو أن جهابذة بحور علمنا الديجيتال لم يعلموا أن الرقيم الذي اعتمدوه للآيات وترتيب السور لا علاقة له بالشأن الإلهي ولا بصلب الآيات ولا تاريخيتها ، لأن عملية الجمع والترقيم والتبويب والترتيب كانت كلها بشرية من الألف إلى الياء. اللهم إلا إذا نسبنا المعجزة إلى اللجنة التي شكلها الخليفة عثمان برئاسة زيد بن ثابت لتدوين القرآن وترتيبه في مجمع واحد ومدد يا زيد (!).. والأهم في تلك الأمثلة هو إقرارانا بالعجز عن الفعل الإنساني المبدع المنتج. فقط حضارتهم يقومون بتأكيد صدق مقدسنا ، مما يعني شكهم العميق والمسبق في هذا الصدق ، وإلا ما بذلوا وراءه جهداً بلا طائل سوى التباهي بما لم ننجز وما لم نبدع. هو إقرار فصيح عن استخدام العقل في إنجاز مبدع خلاق ، لأن المبتدعات في بلادنا أو المكروهات ، ولأنه لا مجال لعلم لم يعلمه ربنا وكفانا بذلك احتساباً.

وهكذا نروح ونجيء لتأكيد أنه لا تحديد خارج ما علمه رنا وأسلافنا من الأصحاب والشراح والفقهاء من موتى التاريخ ، غير مدركين إن إنجاز المجتمعات القديمة لا بد أن يكون متخلفاً بالضرورة عما أنجزته عجلة التطور في المجتمعات الحديثة ، وأن من يقول بغير ذلك هو معتوه كبير. غير عابئين بأوضاع التاريخ وشروط سيره وتعاقب أطواره ، ولا مكترثين بالتمييز بين الصور البسيطة للأفكار التي أنتجها الأسلاف وتمت صياغتها في عموميات وبين الصور المعاصرة المعقدة والمركبة من متراكمات وتفاصيل تند عن الحصر في جمل مأثورة ، ولا قادرين على التمييز بين النصائح الدينية الأخلاقية المرسلة التي لم تجد طريقها إلى إصلاح الواقع في زمانها وبين الصبغ القانونية الحديثة التي تناسب تعقيدات مجتمعنا الحديث.

وهكذا تعززن نظرتنا للغرب بكراهية أصيلة فينا له منذ الاستعمار التقليدي حتى الآن ، وزكاها الخطاب القومي للعسكر المحلي عند استيلائه على السلطة في بلادنا ، حتى أمست كراهية أمريكا على وجه الخصوص هي مقياس وطنية المواطن ، وهي كراهية يفخر عناترنا بإعلانها بسفور مدهش ، فهذا الصحفي يدعى (زياد أبو غنيمة) يعقب على ضرب أمريكا في قناة الجزيرة بقوله : “إننا نكره أمريكا ونكره أصدقاء أمريكا.. ونعمل على محاربة أمريكا ، وهذا أمر لا نستحي منه ولا نخجل منه في 11 12 ” ولا نفهم سر اختيار أبو غنيمة أكبر قوة في العالم ليعلن الحرب عليها.. ولا تعقيب !!.

إن ما يجب أن نلتفت إليه ونحن في نشوة الكراهية التفريق بين هذه الكراهية وبين مناهجهم في التفوق ، رغم أني لا أظن شعباً لديه مبرر للكراهية أكثر من الشعب الياباني الوحيد في العالم الذي تعرضت مدنه لتجربة الإبادة النووية على يد الأمريكان. ومع ذلك فإن الشعب الياباني تبنى المنظومة الفكرية للغرب المنتصر ، لإدراكه أنها كانت عامل انتصاره ، ولا أحد يماري في أن أهل اليابان قد فازوا بها فوزاً عظيماً ، وفزنا نحن فقط بالكراهية إضافة إلى أصالتنا. التخلف.

ويختصر الكاتب الإسلامي الأستاذ (غازي القصيبي) موقفنا من الغرب في قوله : “بوسعنا أن نبغض الحياة الغربية أو نحبها ، لكن ليس بوسعنا أن نزعم أننا نستطيع العيش بدون منجزاتها. فإما أن نتابعهم أو نبقى متخلفين عن ركب المدنية. وقد علمتنا حرب حزيران 1967 أن ثمن التخلف قد يكون كرامتنا وأراضينا واستقلالنا السياسي من هنا وهناك ص(23)”.

و نظراً لما يسره المنتج التكنولوجي الغربي و إبداعاته من راحة ورفاة وعلاج وسعادة لبني الإنسان ، فقد علينا منتجه التقني في كل مناحي حياتنا ، لكننا رفضنا الأهم ، منهجه الذي أدى به إلى هذا الإنتاج والإبداع الهائل والرفيع حرصاً على تخلفنا أن تصيبه جرثومة الغير بالتلوث.

رفضنا الأساس التحتي لحضارته المتمثلة في حريات مدنية فردانية كاملة ، كانت هي ما أفرز تفوقه لا لشيء إلا أن مبادئ الحريات عنده لا تصلح في بلادنا على إطلاقها. فماذا – مثلاً:

ماذا سنفعل بمساواة الجنسين في الحقوق؟

و كيف سنسمح بحرية الاعتقاد مع مبدأ قتل المرتد؟

أو كيف سنسمح بحرية النقد أن تطال ما نظنه ثوابت غير قابلة حتى للفحص؟..

و إن حدثتهم عن ثقافة الغرب المتقدم كمطلب للتقدم أجابوك بأنه الغزو الثقافي ، فثقافة التقدم مرفوضة لأنها تمارس علينا عمليات غزو.. أن تصبح المعرفة محايدة يمكن أخذها والاستفادة منها دون أن ندفع المليارات.. هذا الغزو (؟!!).. ولا يلتفت الصناديد الواقفون لمواجهة هذا الغزو صفاً مرصوصاً للحفاظ علينا حفرية حية لكائنات انقرض مثلها.. لا يلتفتون إلى كون موقفهم هو اعتراف للثقافة المرفوضة بأنها الأقوى ، رغم كل التطبيل والتزمير لثقافتنا الفريدة في العالمين. وأحياناً لا يفهمها البعض لإصرارنا على ثقافة لا تستطيع مواجهة الجديد بقواها الذاتية ولا أن تفرض ذاتها على ثقافة الآخرين وتغزوهم كما يغزونا (إذ جاز استخدام هذا المصطلح الأبله)؟.

ولأننا على يقين من وهننا الثقافي أمام الثقافات العصرية في الغرب ، نضع للثقافات الأخرى مناطق حظر استيراد جمركية نفتش فيها العقول عن أي مهربات ثقافية ونحاكمها وندينها.. والحل لدينا لما آل إليه حالنا هو الانتظار ، لأننا سنسود الدنيا بالتأكيد بحسباننا خير أمة أخرجت لناس ، ليس بعملنا وإنجازنا ولكن لأن الغرب المتقدم سينهار (أنظر غاية أماني الكراهية لدينا.. أن ينهار التقدم؟!) وسوف ينهار في فلسفة فلاسفتنا بسبب تخمته المادية ، فهذا الدكتور عماد الدين خليل أستاذ التاريخ بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة دبي يحيطنا علماً نافعاً يقول : “إن الحضارة الغربية بتجاوزها للقيم ذات العمق الروحي الوجداني الإنساني الخلقي الديني. ستؤول إلى نوع من التفكك والعجز والشلل الجزيرة 16 12 2001″ ومن ثم تعقب الدكتورة الجامعية (؟!) نوره السعد على ما قام به تنظيم القاعدة في أمريكا بقولها : “إن الإسلام هو الوحدانية التي يحتاجها العالم المعاصر ليتخلص من متاهات الحضارة المادية المعاصرة التي لا بد لو استمرت أن تنتهي بالإنسان إلى الضياع. وكان لا بد من هذه المواجهة.. الآن بدأت الصحوة الحقيقية الجزيرة في 3 12 2001″. و هو الوهم المريض الذي تكذبه كل الظواهر الحادثة والتي تشير إلى أن كل من يتعامى عنها هو بلا شك يعاني من خلل عقلي ولأنهم كمن يرفض الاعتراف بشروق الشمس أنها لم تشرق على قريته.

باختصار اخترنا التخلف حرصاً على الموروث وعلى الأخلاق الحميدة وعلى الشرف الذي لا بد كي يسلم من الأذى أن يراق على جوانبه الدم ، فهم يلعنون توجسهم من أساليب الحضارة الحديثة لأنها حضارة مادية شريرة ، هي انحرا ف وضلال وفجور ، مع تفاؤلهم الشرير الذي يتمنى أن تقتلها حضاراتها المادية وعطشها الروحي حتى يعلو الإسلام دون تعب أو مشقة أو علم ولا هم يحزنون ، ويظل التمني مجرد نبوءة كاذبة لأن حضارة الغرب تملك كل عناصر الاستقرار والقوة أهمها ذلك الذي لا نفهمه : قدرتها على نقد نفسها باستمرار وفي سياق أحاديثنا عن الشرف والأخلاق نتغافل عن المستور في سلوكياتنا غير العلنية وأننا أكثر مادية من أهل الغرب وأوغل في الحسية. وأننا ننفق الأموال في أدنى أنواع المتع المادية واللذات الجنسية منذ فجر إمبراطوريتنا تحت مظلة الشرعية الدينية العلنية وتغص به مأثورتنا التاريخية.

ويبدو أن تشديدنا على الفارق الأخلاقي يعود إلى عدم إمتلاكنا ما نتميز به من فعل أفضل أو إنتاج أو علم ، لذلك نلجأ إلى العامل الوحيد المحايد الرجراج الذي لا يمكن تحديد مقاييسه وضبطها لأنه معياري قيمي تتوقف مقاييسه على وجهة نظر كل مجتمع حسب ظروفه وثقافته ودرجة تطوره أو اختلافه عن المجتمعات الأخرى.

لو راجعنا الأمر على أصوله لوجدنا الرقي الخلقي والمسئولية عن الفعل وهي الجانب الأهم في فلسفة الأخلاق والتي تبني على الاختبار الحر ، تترافق مع التقدم لا مع التخلف والتقييد والتحريم والمنع ، وهو ما يعني تفوق المتفوقين حتى فيما نريد سلبه منهم تميزاً وترفعاً. خاصة أن الدنيا تعرفنا بخصائصنا التاريخية وعلاقتنا بالمال والسلطة والجنس ، هذه الشهوات الثلاثة التي حارب المسلمون بعضهم بسببها عبر التاريخ ، وعن الهاجس الجنسي وهو الكامن وراء كل نقد للغرب ، فحدث عنه في بلادنا وتاريخنا ولا حرج ، فقد أباحت الشريعة لذكورنا مساحات اللذة على مصراعيها من بعد الزوجات الأربع ملك اليمين والتسري والاستمتاع بأي عدد ، وأقمنا من قبل إمبراطورية للمال والجواري وسخرنا المساحة الروحية التي نزعمها لتحقيق شهواتنا الدنيوية وإكسابها الرضى القديسي. هذا ناهيك عن كون المبادئ الأخلاقية المطلقة غير الموجودة بالمطلق لا عندنا ولا عند غيرنا إلا في سجلات النظرية ، ولأن هذه السجلات لم تضع لها القواعد إلا لأن البشر يخالفونها ، وكل أبن آدم خطاء.

وإضافة للعامل الأخلاقي كأساس لنبوءة دمار المتفوقين حتى يتخلفوا مثلنا ، يتحدث مفكرونا عن أسباب أخرى ليقينهم ، فالدكتور خليل المشار إليه آنفاً ، يشرح لنا هذه العوامل والأسباب بما لديه من أثقال علم على كاهله يحملها أسفاراً فيقول : “هذه حدسي يبني النتائج على أسابها ومقدماتها في الفعل التاريخي. فهل شهد التاريخ البشري نظاماً يقوم على القطبية الأحادية؟.. وفي المنظور القرآني عندنا : ولو شاء ربك جعل الناس أمه واحدة” فحدس الرجل ينبني على أن التاريخ لم يشهد العالم محكوماً بقوة كبرى واحدة (وهو أستاذ التاريخ؟!) ، ومع هذا فإن مؤرخنا أسكت الله حساً يصبح مع القطبية الأحادية الواحدة المسيطرة على العالم إذا كانت إسلامية وهمية لفظية طقسية نرجسية سحرية تنضح في قوله المتسائل : “إلى متى تظل العقول الوضيئة (؟!!!) والأيدي المتوضئة والحضارة الظاهرة النبيلة التي تليق بإنسانية الإنسان.. منسحبة من العالم ؟.. إننا الأمة الوحيدة التي تحمل القدرة على إعادة التوازن لعالم أنحرف به المسار ومال بثقله وبعينه العوراء الواحدة ، كالمسيخ الدجال باتجاه كل ما هو مادي في هذه الحياة.. ورغم أننا أمة مهزومة لا تملك الحضارة ولا حتى كياناً سياسياً يؤهلها لأن تقف في مواجهة الآخر بخطاب أشد قوة وأكثر إحكاماً ـ فإن في هذا الدين من القدرة ما يجعله يخترق كل التحديات. لأن كل المذاهب والنظريات والأديان المحرفة وصلت إلى طريق مسدود.. لذلك يسكون المستقبل لهذا الدين بالتأكيد.. بقوة هذه العقدة وقدرتها على الإقناع وقدرتها على اختراق عقل الآخر بغض النظر عن مستواه الحضاري”. مؤرخنا مشغول ليس بالإنسان لكن بالدين الذي له رب يرعاه ، كذلك عامة المثقفين في بلادنا ، أما السبب الأهم لسيادة الإسلام المقبلة فهو ما أورده القمني زياد أبو غنيمة وهو يقول : “وتندخر آيات القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي تطمئننا بل تبشرنا بأن المستقبل للإسلام مهما كثر أعداؤه”.

ويرى حامل الأسفار من جانبه أن الإسلام عندما يسود بعد انهيار الغرب لن يقبل الشراكة في حكم العالم من أي قطب ثان ، ناقضاً بذلك استنتاجاته ونظريته في عدم سلامة عالم يقوم على القطبية الأحادية ، فيقول دون أن يشعر بأي صدع مخي عمن يطلبون إسلاماً مشاركاً قوياً وسط القوى العالمية : في تحليلات هؤلاء يدخل الإسلام مشاركاً في المصير.. ليس مزيجاً للآخرين ولا محتكراً.. هذا منظور الغربيين ، أما منظورنا نحن الذين نتعامل مع النبض القرآني فإن العقيدة الأعلى الأقوى الأكثر مصداقية هي التي ستحكم في نهاية الأمر”. أما لماذا نحن بوجه خاص دون البشرية المؤهلون لسيادة العالم وقيادته في قطبية واحدة ، فهو ما يفسره لنا الدكتور أحمد التويجري صاحب المناصب في السعودية العربية بقوله : “هذه الأمة أقل الأمم تطرفاً وأكثر الأمم تأصيلاً للاعتدال والوسطية.. ولا يمكن أن توضع في مصاف الآخرين الجزيرة في 3 12 2001″ ، وهو ما يعني ببساطة أننا كالرجل الأبيض عنصري النزعات الذي يعتبر لون جلده مبرراً كافياً وشرعياً لسيادته وتفوقه.

بهذا ، ولهذا ، فضلنا أن نظل عالة عل من نكره ، وأن نكون في حال تبعيه له ، ننتظر دوماً سبقه الكشفي والإبداعي لنستفيد منه بعده ، بدلاً من أن نقف مع الدنيا عند مستوى المنجزات على قدم وساق ، بتبريرات من رجال الدين في بلادنا هي الأكثر إدهاشاً ، لذا غير مطلوب من المسلمين بذل الجهد والعنت والمشقة وسهر الليالي طلباً للعلى ، وغير مطلوب منا إثارة مشاكل لا داعي لها حول الحريات والديمقراطيات اللازمة لفرز مناخ علمي ، لأن ربنا قد أعفانا من هذا وسخر لنا أهل الغرب كما سخر لنا بهيمة الأنعام من البغال والحمير لنركبها وزينة ، هم يكدون ويخترعون ونحن نستهلك على الجاهز ، بعد أن منحنا الله المال بلا مشقة متفجراً تحت أقدامنا في شكل حيض جيولوجي اسمه النفط ، حتى لا نكد أو نتعب فنحن أحباب الله المدللين ، هذا موجز ما قال المرحوم الشعراوي يوماً في حلقاته التلفازية ، رحم الله الشعراوي وتجاوز عن سيئاته.

هذا بينما وقف المرحوم الصادق النيهوم يصرخ في البيداء يقول : “إن العرب في لغتهم الشرعية لا يعترفون بقدسية الوطن ، ولا يموتون طائعين في سبيله ، بل يموتون في سبيل الله ، وهي فكرة مختلة جداً ، لأنها قد تعني أن يرفع المواطن سلاحه باسم الشرع في وجه ما يدعي بوطنه المقدس. وكلمة دولة تعني أن تكون للدولة حدود وتكون لها هوية ونشيد قومي وعلة مرفوع فوق سارية.. ما عدا الدول العربية التي ترتفع فيها أصوات المؤذنين معلنة ولاءها لدولة خفية لا تعترف بحدود أو نشيد قومي أو قيادة”.. رحم الله النيهوم وأكثر من أمثاله.

هذه فقط بداية الكلام.. وتبقى تفاصيل.. سنقولها إن ظل مسموحاً لنا بالقول ، أو إلى حين إخراس الصوت ، أو إلى أقرب الأجلين

أدب ونقد – إبريل 2002 (العدد 200)

Posted by المجموعة الليبرالية in 22:00:00 | Permalink | Comments (1) »

Friday, July 6, 2007

مكانة الحجاب بين فضائل العرب

مكانة الحجاب بين فضائل العرب

لن أنشغل في هذا المدخل بموضوع الحجاب بالذات ، بقدر ما سأمهد لمناقشة الموضوع بتحديد المعاني و المفاهيم ، مع فرش الأرضية التاريخية تمهيداً و تأسيساً حتى نستطيع أن نميز في التعامل مع قضية الحجاب بين الخيطين الأبيض و الأسود.

و لنتفق بداية حول معاني ما يطرح من ألفاظ حول هذه القضية ، و لنبدأ بمعنى الفضيلة كقيمة معيارية لسلوك المسلم الأخلاقي ، إذ يضع مشايخنا الحجاب كفرض ديني ، و الفرض حسب الفهم الإسلامي يقف علي الدرجات العليا علي سلم القيم و السلوكيات التى تميز المسلم بالفضيلة و الشرف ، و هي التي تميزه عن بقية بني الإنسان من مختلف الملل و النحل ؛ في كافة أنحاء المعمورة.

إذن لنتفق مبدئياً حول معني الفضيلة كقيمة أخلاقية معيارية لقياس السلوك ، فالمعلوم في الفرع الفلسفي المعروف بعلم الأخلاق ، أنه ليس لفرد أن يحدد السلوك الفاضل ليفرزه عن السلوك الرذيل غير الفاضل و الشرير بالضرورة ، مهما بلغت مكانة هذا الفرد. إنما المجتمع هو الذي يضع التعريفات و المواصفات و التفاصيل و يفرز بين نوعي السلوك ، لأنه لو كان ذلك بيد الفرد ، فإن الفرد لا يريد أى قيود علي سلوكه ، و لا يشتهي سوى إنطلاق رغباته و شهواته التي تحقق سعادته الشخصية بإشباع هذه الرغبات ، بغض النظر عن غيره من أفراد جماعته أو مجتمعه ، و مدى ما يحصل لهم من ضرر إزاء تحصيله لأغراضه وحده دون عنهم. لذلك فإن الجماعة هي التي تبحث عن تحديدات السلوك بغرض النفع العام للجماعة كلها و دون أن تصاب بالضرر و مع ما يتفق و ظروفها و بيئتها و جغرافيتها ، بغرض أساسي ، هو البقاء و عدم الفناء ، أو عدم الذوبان في جماعات أخرى لها نظم و تعريفات أخرى مختلفة لقيمتي الفضيلة و الرذيلة.

و عندما تضع الجماعة فضائلها المرغوبة لديها ، فإنها تلزم الفرد بالتنازل عن بعض رغباته مقابل قبول الجماعة لعضويته فيها ورضاها عنه.

و من هنا فإن الفرد الذي يريد رضا جماعته ، عليه أن يشتري ودها بالتنازل عن بعض رغباته و أن يلتزم بتعريف الجماعة للفضيلة و توصيفها للسلوك الفاضل ، وذلك مقابل نياشين شرف تضعها الجماعة علي صدره ، فيقال عن فلان رجل أمين أو رجل صادق ، و عن فلانة بإنها امرأة طيبة أو زوجة صالحة. و الفرد بذلك لا يتقاضي عما تنازل عنه و خسره مالاً أو عقاراً لأن الفضيلة شأن معنوي لذلك يكون مقابلها بالضرورة شأناً معنوياً غير مادي ، فتعطي الفرد السمعة الحسنة و التي قدرتها الجماعة منازل و مراتب إجتماعية لإشباع غروره و من ثم شعوره بالسعادة ، وعليه ترتقي مراتب الفرد الإجتماعية بمدى إلتزامه بفضائل مجتمعه و ترّفعه عن الصغائر المرذولة.

و بإختلاف ظروف الجغرافيا بين بلاد الوفرة الخصيبة و بلاد الندرة الجافة الفقيرة ، و بين بلاد السواحل و بلاد العمق القاري ، يختلف أيضاً التاريخ ، فتختلف المصالح المرجوة بين بيئة و أخرى و قدرها و زخمها ، كما تختلف المعاني الإنسانية للشهامة و المروءة و الفضيلة و الرذيلة و الخير و الشر باختلاف تلك الظروف المجتمعية الإقتصادية الجغرافية ، و من ثم يتم تعريف أى قيم و كل القيم بأنها معيارية أى أداة قياس للسلوك تختلف من مواطن لآخر و من زمن لآخر ، و إن صلح بعضها في مكان أو زمان بعينه ، فإنه يكون خراباً عاجلاً في زمان و مكان آخرين.

نضرب لذلك مثلاً من المجتمع العربي في جزيرة العرب إبان العصرين الجاهلي الأول و الجاهلي الثاني أو الآخر ، قبل الإسلام. فنجد العربي في جاهليته الثانية و قد دارت محاور حياته كلها حول التجارة ، حتي قيل في المثل السائر في الدنيا (أن كل عربي تاجر). و كانت التجارة في جزيرة العرب بداية لتحول عظيم بالمجتمع عن سابق نمطه الجاهلي الأول ، نمط القبيلة المتنقلة وراء الكلأ و عيون الماء ، التي كانت تعيش عالة علي الطبيعة لا تنتج إنما تسعي وراء منتج الطبيعة النادر و الشحيح في الصحارى ، لتشرب مائه و تتغذي علي عطائه نباتاً أو بروتيناً حيوانياً يأتيها ناتجاً طبيعياً من تلاقح قطعانها. و في مثل هذه البيئة حيث النادر الشحيح من الخيرات الطبيعية ، عاش المجتمع العربي في جاهليته الأولى صراعاً قبلياً دائباً لا يهدأ و لا يتوقف على الخيرات الضنينة ، حتى كان العربي يذبح العربي من أجل حفنة تمرات أو إزار أو درع أو سيف أو سكين أو قوس ، أو من أجل حيازة موطن الماء ،

كان الصراع الاجتماعي إذاك صراع حياة أو موت ، فهو صراع صفري يفوز أحدها و يخسر الآخر حياته و ممتلكاته لصالح المنتصر ، و في مجتمع كهذا لا يكون ثمة معنى للحديث عن الفضائل كالأمانة و النخوة و المروءة و الشرف ، لأن مثل هذه المعاني لابد أن تفضي بصاحبها إلي الفناء جوعاً و عطشاً بالضرورة ، أو التحول إلي العبودية لقبائل أخرى منتصرة.

أما كيف انتقل هذا المجتمع البدائي الهمجي من جاهليته الأولى إلى جاهليته الثانية أو الأخيرة ، فهو ما يمكن قراءته من قراءة تاريخ العالم في ذلك الزمان ، و ما كان من تأثير لأحداث العالم علي جزيرة العرب ، حتى نقلتها من عصر إلى عصر و من توحش إلى بشرية و من زمن السعي وراء الثمار و الماء و الصيد إلى زمن الإستقرار و إنشاء المدن و العمل بالتجارة ، بل و القيام بعبء تجارة عالم ذلك الزمان ، حتى أصبح العرب بفضل تلك الأحداث الدولية هم وسطاء ثم أصحاب تجارة العالم القديم كله شرقاً و غرباً ، شمالاً و جنوباً.

خلال القرن الخامس الميلادي كانت تجرى تحولات هائلة عالمياً و محلياً ، فقد دخلت إمبراطوريتا الفرس و الروم حرباً طالت في زمناً حتى أصبحت سبعينية ، و طاردت كلاهما الأخرى في مستعمرات كل منها و في كل خرم في العالم القديم ، حتى قطعا مسار طرق التجارة بين كليهما قطعاً تاماً ، مما أدى إلي كارثة إقتصادية عالمية ناتجة عن خنق طرق تجارة العالم.

و لعل أهم السلع التى عز شأنها سلعة كانت مطلباً للقتال العسكري ، هي طيوب الهند و أفريقيا التى كانت هى مصادر علم الصيدلة ، و العلاج للجرحي و غيرهم من مصابين بالأمراض. و لم يبق آمناً من بين طرق التجارة الدولية غير طريق الصحارى الكبرى بجزيرة العرب و هو المار بمكة ، و هو الطريق الوحيد الذى لم يرغب فيه لا الفرس و لا الروم ، و تصادف أن أهم البضائع التى كانت ترد لهذا الطريق هو الطيوب الهندية التى كانت تصل من الهند و أفريقيا إلى موانئ اليمن .

من ثم تهيأت الفرصة السياسية الدولية والإقتصادية لتحول مجتمعي عظيم في جزيرالعرب ، التى تحول عربها عن أكل بعضهم بعضاً للقيام في البداية بالتجارات الصغيرة التى جعلت عرب الجزيرة يقومون من بعد بعبء تجارة العالم مع نمو الثروات الخيالي الذي وصلنا بعض من خبره مع أسماء تجار بلغت ثرواتهم ثروات الأكاسرة و الأباطرة ، كما كان مثلاً شأن أبي أحيحة الأموي. و حمل العرب بضائع الصين و الهند وأفريقيا من شواطئ اليمن إلى بلاد الإمبراطوريات في رحلة الصيف ، و حملوا بضائع الإمبراطوريات عوداً إلى موانئ اليمن في رحلة الشتاء.

و قاد هذا التحول المجتمعي العظيم المتسارع مع تسارع الأحداث العالمية الضخمة و الهائلة ، قبيلة قريش التي سكنت على منتصف الطريق التجاري المار بمكة ، و استقرت فيها و تحولت بها من مجرد استراحة جرداء إلى مدينة عامرة كبيرة ، تنيخ بها القوافل التجارية التجارية للراحة بضعة أيام قبل أن تتابع رحلتها الشمالية الشامية. حيث كان التجار يجدون كل مطالبهم من خيام فندقية إلي ملاه ليلية و مراقص و خمارات ، إضافة إلى ما يلزم من أرباب قبائل جزيرة العرب كلهم ، إستضافت لهم نماذج منحوتة في فناء كعبتها حتى بلغ عددها بعدد أيام السنة ، فيأتي العربي التاجر ليلهو و يعبد و يستريح أياماً جميلة يستمع فيها إلى شعر عكاظ و يبيع فيها و يشتري من سوق بدر ، ثم يضع أسهمه في القافلة الكبرى السنوية في رحلة الشتاء والصيف ، بينما يتم حفظ التجارة في رعاية الرب الأكبر للتجار ، رب السماء ، الأمين الحافظ للتجارات ، الكريم مع عباده ، فكانوا يودعونها الكعبة كمخزن في حراسة الله و هو الإله الأعظم من كل الأرباب صاحبة التماثيل ، لأن تلك إنما كانت شفاء لهم عند رب السماء كي يستجيب لهم و يبارك لهم في تجاراتهم ، و من ثم أصبحت مكة حينذاك مثل لاس فيجاس و سان فرانسيسكو اليوم ، مرتعاً لكل التجارات و النزوات التى تمثلت أول تجارات في العالم ، التجارة بالجنس والعبيد ما بين صويحبات الرايات الحمرإلى أسواق العبيد الكبرى.

و حتى تشتري قريش أمن تجارتها الدولية ، فقد أشركت القبائل العربية الأخرى في تجارتها بنسب تعود علي أصحابها بقدر ما دفعوا في قوافلها. و منحت آخرين جعالات لوقوفهم علي الطريق التجاري الطويل ، لتجعلهم حراساً للقوافل بدلاً من نهبها ، حرصاً علي استمرار سيولة الطريق كضامن لحياة عربية أفضل ، و إدراك من العربي ثاقب ، بعد تجارب أكتشف معها أنها أفضل طريقة للحفاظ علي أمن هذا الطريق من كل سؤ. لأنه الطريق العالمي الوحيد ؛ وان إستمرار سيولة و أمن هذا الطريق سيكون ضامناً لعدم احتلاله من قبل إحدى الأمبراطويتين ، لأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوا فيها وسلبوا التجار مكاسبهم و فرضوا عليهم الضرائب الباهظة ، و جعلوهم أذلة ، و كان العرب في غنى عن كل هذا ، و أكثر غنى بما حققوا من مكاسب قامت كلها على معاني و كلمة و فضيلة (الأمانة) ، فكان كل تاجر حريصاً على أن يعرفه الآخر بأنه (الصادق الأمين) ، و ثابروا في هذا الشأن ، لأن الصادق الأمين كان الناس يسلمونه تجاراتهم فيأخذ نسباً أعظم من قرنائه نظير الإشراف علي قوافل التجارات ًو ثمناً لوعثاء الطريق و مشقته. و هكذا كان للمتغير الدولي دوره في ظهور فضائل محلية من نوع جديد لم تكن معروفة و لا حتى مفهومة من قبل زمن الجاهلية الأولى ، كالوفاء بالعهد ، لأن التجارات عهود شفاهية أو مكتوبة ، يكفي نقض بعضها حتى لا يثق الناس في مواثيقها كلها ، فتخسر و تبور ، لذلك كان عربي العصر الجاهلي الثاني حريصاً علي الوفاء بالعهد الذي كان تطبيقه والإلتزام به ، حافظاً للمال المتداول بين أيدي كثيرة و قبائل عديدة ، و ضماناً لحقوق المساهمين قبائل وأفراد و حراس في قوافل التجارة الدولية. و هي فضائل لم يعرفها العصر الجاهلي الأول ، هذا ناهيك عن فضائل متلازمة مثل كرم الضيافة حتى لا يهلك حاملوا التجارات في فيافي الصحارى ، لطوارئ الرياح ومشاكل المرض سواء للبشر أو للجمال فيجدوا في القبائل المتبدية مراكز للراحة و الإستشفاء ، و لأن العائد يعود بفوائده علي الكل ، فكان للكريم علي الطريق اُعطيات تقتطع من عائد القافلة كلها بعد عودتها سالمة آمنة ، رداً للكرم بكرم أعظم يحقق لصاحبه العائد المادي و التكريم المعنوي لفضله وكرمه ، و رد من الجماعة للجانب المادي بالمادي مع تكريم صاحبه و إشهار شأنه بفضيلة الكرم ، و بلغنا من بينهم حاتم الطائي بكرمه الأسطوري و هاشم جد النبي الذي كان يهشم الثريد لقومه أزمان المجاعات لذلك لقبه العرب هاشماً بينما أسمه الأصلي هو عمرو.

و قد كان النبي يذكر قريشا مقرونة بالأمانة دوماً ، و من حديثه لأبي قتادة إبان حرب النبي مع قريش قوله: ” يا أبا قتادة إن قريشا أهل أمانة من بغاهم أكبه الله على فيه ” . السيرة الحلبية ج 2 ص 525.

المهم مع هذه التحولات في الجزيرة بدء ظهور الشعور القومي نتيجة إلتقاء العرب في الأسواق ، ثم تقارب لغاهم المختلفة للتفاهم ، حتى صاروا يتفاهمون بلغة العاصمة التجارية مكة لغة قريش ، فكان إن بزغ شعور قومي يدفع العرب لإختيار أنفسهم شعباً واحداً له لغة واحدة و أب واحد هو يعرب بن عدنان ، الذى يعود لإسماعيل بن إبراهيم الخليل ، تقارباً مع التوراة و تأثراً بيهود الجزيرة و أساطيرهم عن آباء البشر الأولين.

هنا بدأ حلم العرب في توحد قبائلهم في دولة. بعد أن شعرت بالتآزر بعد أن كانت تأكل بعضها بعضاً في معادلة صفرية مستمرة. و من كان يكسر هذه الفضائل المستحدثة كانت قبائلهم ترفضهم و تلفظهم خارجها بلا حماية و لا رعاية في مجتمع بلا شرطة و لا قانون ، و النسب للقبيلة هو دعامة للفرد في مواجهة غوائل المجتمع البدوي ، و قد شكل هؤلاء الملفوظون من قبائلهم من اشتهروا بلقب الذؤبان و أحياناً الصعاليك ، و هم من مرق علي قيم مجتمعهم غير معترف بها و لا بفضائل جماعته ، و عادة ما شكل هؤلاء خطراً مستمراً على التجارات جاءت به حكايات القوافل ، كفرز موضوعي ضروري بحسبانه تمرداً يتبنى مبادئ مخالفة ، و ما خالف فضيلة المجتمع فهو رذيلة ، مقابل الفرز الأعظم للفضائل الكبرى الخادمة لمصالح الجماعة و كبار التجار و ذوي الوجاهة مثل الوفاء بالعهد و الأمانة و الكرم.

عندما ظهر الإسلام عاد بالعرب إلى زمن الغزو و الأسر و السبي ، و السلب و النهب (من قتل قتيلاً فله سلبه ، ومن أسر أسيراً فهو له - حديث نبوي ضمن شريعة الحرب) ، و هو أخشى ما كان يخشونه العرب على تجارتهم ، خاصة عندما هاجر النبي و أصحابه إلى يثرب حيث عنق الطريق التجاري الدولي ، و أخذوا يقطعون الطريق علي قوافل قريش التجارية في حصار إقتصادي يطلب تركيعها للنظام الجديد و الدولة الجديدة الطالعة على صفحة الزمان في جزيرة العرب. و هو ما جاء أول ما جاء على لسان النبي ينادي اتباعه قبل الغزوات و السرايا و الفتوح ، و قد تم تجنيدهم و تجييشهم و تدريبهم شهوراً سابقة في يثرب للقيام بمهامهم التى ألقاها التاريخ علي عاتقهم ، فقاموا يغيرون تاريخ العالم. يقول النبي :”أحلت لنا الغنائم و لم تحل لأحد من قبلنا ، و ذلك أن الله رأى عجزنا و ضعفنا فوهبها لنا ، الثعلبي /العرائس / المكتبة الثقافية / بيروت ، ص 249“.

مصحوباً بالآيات القرأنية تضع قواعد نوزيع الغنيمة بعد إنتصار الغزو “و اعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه و للرسول و لذوي القربي و اليتامى و المسكين و ابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله و ما أنزلنا علي عبدنا يوم التقى الجمعان و الله على كل شئ قدير ، .. فكلوا مما غنمتم طيباً حلال و اتقوا الله إن الله غفور رحيم ، 41 ، 66 / الأنفال”.

بمقاييس فضائلنا المعاصرة لن يكون مفهوماً كيف يكون القتل و الغنم حلالاً طيباً؟ و قد يقف العقل حائراً يحاول أن يفهم و لإيمانه تثبيتاً. و بمقاييس مواد معاهدة جينيف لابد أن تجفو الروح السلب و القتل و الغنائم ، لكن الإسلام كان يعلم ما هو فاعل ، كان هو الأعلم بزمانه و ظروفه ، و إن العربي لا يخضع لعربي إلا إذا كان ذا شأن عظيم كالنبوة المصحوبة بالقوة ، فهذه القبائل لا توحدها و تضمها تحت سلطان دولة يثرب المدينة إلا القوة القاهرة لأنفة البدوي التى تجعلة يرفض الخضوع لسلطان من غير سلطان قبيلته .

هذا بالتحديد ما جعل قريشا سيدة عالم التجارة تجزع علي تجارتها التي ستؤدي إلى خراب الجزيرة كلها ، فكان قطع المسلمين لطريق التجارات و الإستيلاء علي ما فيها و قتل حراسها و مرشديها يعني كساد التجارة و بوارها. و هو ما يمثله قولهم: ” لتقطعن عنا الاسواق فتهلكن التجارة ، و ليذهب ما كنا نصيب فيها من المرافق / سيرة ابن هشام في الروض الأنف للسهيلي 4 / 186 “. أو ما عبر عنه لسان صفوان بن أمية يردد لسان حال قريش و هى تقول: “ إن محمدا و اصحابه قد عوروا علينا متجرنا ، فما ندري ماذا نصنع بأصحابه و هم لا يبرحون الساحل؟ و أهل الساحل قد وادعوا محمداً (أى دخلوا في حلفه و سلطانه) ، و إن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموال ، فلم يكن لنا من بقاء ، و إنما حياتنا على التجارة إلى الشام في الصيف ، و إلى اليمن في الشتاء / أبكار السقاف / نحو آفاق أوسع / الأنجلو / القاهرة ، ج2 ، 1458″.

لذلك طمأنهم الإسلام وأعطاهم برهاناً على مكاسبهم المقبلة ، بما كسبه جنوده من الغزو و السلب و النهب الحلال ، أحل من لبن الأم و برضي و مباركة و مشاركة سماوية بالملأ الأعلى الذين نزلوا يحاربون مع المسلمين لتأكيد هذة الحلالية ، مع برهان آخر بعدة غزوات علي بلاد الروم كراً و فراً و استقطاع أرض بقبائلها من الرومان لتخضع لسلطة يثرب مثل وادي القرى و تيماء ، موجها نظر العرب إلى حيث كنوز العالم ، فكان البديل بالغزوالخارجى هو الأعلى و الأكثر عائدية ، ناهيك عن كون المحارب لو مات لدخل جنة عرضها السماوات و الأرض. كان البديل للتجارة هو فتح الباب لغزو دول الحضارات المحيطة حيث الثروات الهائلة و كنوز الأباطرة و الأكاسرة و الأمراء الدوليين و سادة العالم القديم. و تطميناً بعبارات مباشرة يقول القرآن مخاطباً قريشا و العرب: ” و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء الله و الله عليم حكيم / 28 / التوبة “. و يشرح ابن هاشم مصدر هذا الفضل الذي سيغنيهم بقوله: ” يغنيكم الله من فضله أى من وجه غير ذلك .. قاتلوا الذين لا يؤمنون بالكتاب و اليوم الأخر من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، أى ففي هذا عوض عما تخوفتم من قطع الأسواق ، فعوضهم الله بما قطع عنهم بأعناق أهل الكتاب من الجزية / المسعودي / مروج الذهب 2/ 57 “.

عاد المجتمع العربى فى جزيرتة إلى فضائله القديمة التى كانت قد أصبحت في العهد الجاهلي الأخير رذائل منبوذة من المجتمع ، نتيجة الطارئ الجديد الإسلامي ، و لكنها لبست ثوباُ جديداً أكثر تماسكاً و قوة ، ثوب الدين الواحد الجامع ، في شكل أوامرو نواه و حدود و جزاء و عقاب دنيوي و أخروي ، و هو ما مهد فيما بعد لإكتشاف التشريع القانوني الذي لم يعرفه العرب من قبل ، إلا في شكل مواضعات اجتماعية فاضلة و غير فاضلة.

و المعنى في كل ما سلف أن الفضيلة معنى يتطور و يتغير بتطور الزمن و تغيرظروف المجتمع محلياً نتيجة إرتباطه بالمجتمع الإنساني و ما يحدث علي سطحه من أحداث تاريخية. و لا توجد فضيلة ثابتة تناسب كل المجتمعات ، فما هو فضيلة في زمن ، قد يكون أشر الرذائل في زمن أخر داخل نفس المجتمع ، و ما هو رذيلة في مجتمع قد يكون فضيلة كبري في مجتمع آخر ، كذلك تتغير دلالات الفضيلة بتغير الزمن و متطلباته.

أضرب هنا مثلاً آخر من تاريخنا العربي: عن زياد بن جزء الزبيدي قال في فتوح مصر: ” لما فتحنا باب إليون (بابليون) تدنيا قرى الريف فيما بيننا و بين الأسكندرية قرية قرية ، حتى وصلنا إلي بلهيب ، قرية من قرى الريف يقال لها الريش و قد بلغت سبايانا المدينة و مكة و اليمن. أرسل صاحب الأسكندرية إلى عمرو بن العاص: إني كنت أدفع الجزية إلى من هو أبغض إلى منكم معشر العرب ، للفرس و الروم. فإن إحببت أن أعطيك الجزية علي أن ترد علينا ما إصبتم من سبايا أرضي فعلت. فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمربن الخطاب فأجابه: أما بعد ، فإني قد جائني كتابك تذكر أن صاحب الأسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن نرد عليه ما أصبتم من سبايا أراضيه ، و لعمري لجزية قائمة لنا ، و لمن بعدنا من المسلمين أحب إليّ .. أما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة و اليمن ، فإنا لا نقدر علي ردهم ، و لا نحب أن نصالحه على أمر لا نفي له به / الطبرى / ج 2 / أحداث سنة 20 / دار الكتب العلمية / ص 512 ، 522″.

هنا لابد أن نلحظ بشدة استمرار فضيلة الوفاء بالعهد و الحرص عليها في الزمن الإسلامي ، متوارثة من زمن الجاهلية الثاني الذي تنتسب إليه أعظم مكارم العرب و فضائلهم في الأمثال و القصص التي وصلتنا عنهم. و قد حرص الخليفة عمر علي العمل بهذه الفضيلة و خشي معاهدة صاحب الأسكندرية على شرط و عهد أن يعيد إليه بموجبه نساء و حريم بلاده المسبيات ، فهو مما لا سبيل إليه ، فلن يعيد أحد في مكة أو المدينة أو اليمن ما وصله من حريم مصر و أخذه نصيباً و فيئا حسبما كان يوزع عمر الفئ و الجزية علي العرب ، كل حسب رتبته الإجتماعية و نسبه بين العرب ،

1. ففرض أولاً لهاشم ،

2. ثم لأصحاب بدر ،

3. ثم للسابقين ،

4. ثم للمهاجرين ،

5. ثم للأنصار ،

6. ثم لباقي قبائل العرب.

رفض الخليفة هذا الشرط المعاهد للصلح لأن إستعادة النساء اللاتي تم توزيعهن متعة للعرب مسألة شديدة الصعوبة ، و هو ما يعني مخالفة الوفاء بالعهد كفضيلة راسخة منذ العصر الجاهلي الثاني صانع المكرمات ، بينما لم يلحظ الخليفة بالمرة أن سبي النساء يخالف فضيلة إجتماعية متفق عليها بين دول العالم القديم إسمها الحفاظ علي العرض من الهتك. الأمر ببساطة دون محاولة تغليف أو تجميل للتاريخ ، أن هتك عرض العدو لم يكن رذيلة في القانون الأخلاقي الإسلامي ، و إذا كان الزمن قد تغير و أصبحت مشاعرنا اليوم لا تقبل سبي النساء و نكاحهن ، فإن زمنهم كان سبي و هتك العرض علامة رجولة و فحولة و قوة و بطولة ، ناهيك عن كون ركوب السبايا كان إعلان نصر و فوز لله و جنوده المسلمين ، فكان كل قائد فاتح يتغنى بعدد ما سبي من نساء بلاد الحضارات ليوزعوا علي عرب الجزيرة و يباع الفائض في أسواق النخاسة. كان ذلك علامة نصر بغض النظر عن الوسائل و علاقتها بسلم القيم.

كان السبي هو ضريبة الهزيمة على من لا يستجيب لأحد المطالب الثلاثة: الإسلام ، أو الجزية ، أو الحرب ، و ما يتبع الحرب للمهزوم من تحوله من إنسان حر إلى عبد مملوك هو و ما يملك من مال أو عقار أو بهائم أو نساء ، حسب قانون الحرب الإسلامي. كانت تلك هي ضريبة المعادلة الصفرية ، و قد أدت شريعة الحرب الإسلامية إلى تقيق مرادها ، فكثيراً ما دفعت إلى إستسلام بلاد عظمى للإمبراطورية الطالعة دون استمرار المقاومة ، لما شهدوه يحدث لبلادهم ونساءهم وأطفالهم ، وعندما اكتشفوا أن عند العرب قانون يقول إن ما أخذه العرب عنوة هو ملك لمن أخذه ، و هو غير ما يؤخذ بالاستسلام بعهود تعفي المهزوم من العبودية المباشرة ليدفع ضريبة الرؤوس جزية و هو صاغر. ما يذكرنا بما حدث منذ قريب في هجرة فلسطينية واسعة إلى خارج فلسطين بعد عدة غزوات قامت بها العصابات الإسرائيلية الأورجون و اشتيرن و غيرها على دير ياسين و قبية و كفر قاسم فكان أن ترك الناس كل ما يملكون و هربوا بجلودهم .

و ما بين اليوم و الأمس أربعة عشر قرون ، و مع ذلك سمح الظرف العالمي بإستعادة مبدأ كان مطلوباً في زمنه و إنتهى زمنه وأصبح قيمة مرفوضة ، إستعاده الظرف العالمي من مكمنه في سلة مهملات و قمامة التاريخ ، ليقيم الإسرائيليون لهم دولة بغض النظر عن الوسائل بمقاييس اليوم ، لأن الرذيلة لابد في السياق الموضوعي للأحداث أن تتحول إلى فضيلة يتم تغليفها بكونها إستعاده لأرضهم من العربي المحتل ، و إنها حالة دفاع وطني مستمر ضد محيط متوحش يتنمر لها حسبما يقولون إن صدقا أو كذبا.

المعادلة الصفرية كانت تحافظ علي حياة البعض بعد أن يتم قتل البعض و يأخذوا ما لديهم لإستمرار المحافظة علي حياة البعض ، و قد إستدعى ظرف العالم و تكوين إسرائيل إستدعاء تلك الفضيلة القديمة بمبرر إقامة دولة إسرائيل المباركة من الرب و حتمية قيامها حتى يصدق الواقع مع نبؤات الكتاب المقدس. لتكتسب المعادلة الصفرية قداسة ورعاية إلهية مباشرة لتصبح أعلى من الفضيلة ، لكونها مقدسة.

هنا لابد أن يطرأ سؤال يطرح نفسه بلا تردد: إذا كان الإسلام قد أجاز وطء المسبيات و نكاحهن بلا عدد ، و شراء الإماء لنكاحهن بلا عدد ، و أعطى الزوج بالإضافة إلى حريمه أربع زوجات حرائر ، و كلهن (إماء و زوجات) حلال أحل من لبن الأم ، و الزوجات هن من ينجبن الأبناء الصرحاء الأحرار بالدم ، أما لو أنجبت الجارية فيتم إعطائها لقب فيه شبه إعتراف و عدم إعتراف هو (أم ولد) فتقف فى مرتبة بين الأمة و بين الحرة. فإذا كان للرجل كل هذا الحشد من النساء في آن واحد

فما هو المقصود بالزني كرذيلة في الإسلام؟

و ما معني هتك العرض؟

و هل يمكن تصور كل هذه الأجساد في حضن رجل فرد و يفكر في الزنى؟ و لماذا؟

و هو لابد أن يستدعي السؤال بالنتيجة: و هل كان ذلك متوفراً لكل إنسان في دولة الإسلام منذ زمن النبي و حتى إنتهاء دولة الخلافة العثمانية؟ هذا ما يحاول أن يوعز لنا به أنصار الدولة الإسلامية من الإخوان وأنصارهم ، فيحكون لنا عن إزدهار زمن الخلافة الراشدة لإنها كانت تطبق الشريعة حتى كانوا يشترون الجارية بوزنها ذهباُ ، دون أن يشعروا بأي مشكلة مع كون هذه الجارية كانت حرة في بلادها قبل أن تخطف لتباع ، و أن نهر الأموال الذي فاض علي العرب لم يكن لتمسكهم بتطبيق الشريعة ، و لكن لأنهم سلبوا البلاد المفتوحة و هتكوا عرضها و سلبوها كنوزها و خيرها و حلبوها حلباً.

لدينا في كتب الفقه الإسلامي تفاصيل طويلة تجعل من عارفها يعرف كيف كان الرجل يفضل أن يشتري جارية لو كان له مال ، علي أن يتزوج لما في الزواج من أعباء ، و يقول الفخر الرازي بشأن اقتناء الإماء “و لعمري أنهن أقل تبعة ، و أخف مؤنة من المهائر (أى الحائر المدفوع لهن المهر) ، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت ، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهم أم لم تعزل”.

و بهذه الكتب تفاصيل لنكاح السراري و الإماء في أبواب طوال تحدد الفارق بين نكاح الحرة و نكاح الأمة ، و مكان الحرة القانوني و مكان الأمة و تراتبهما الطبقي و ما يترتب علي ذلك في الواقع من حيث الحق و الواجب ، و أبحاث حول جواز نكاح الإبن لجارية / أَمة أبيه من عدمه ، و حد الزنى العقابي على الحرة الذي يختلف عن عقاب الأمة الزانية ، فالأمة الزانية عقابها التقريع و التخوبف و ربما الضرب و إن كررت فعلها يبيعها صاحبها في السوق و لو بخردلة. أما الحرة فعقابها القتل رجماً للثيب و الجلد للبكر.

كذلك هناك بحوث حول ملابس الحرة و ملابس الأمة ، إذ لم يكن الرجل يعتبر أن الأمة ذات شرف فهي أقل من كونها شئ ، لذلك كانت الإماء تتبرجن و تتزينن ، وفي الجاهلية الثانية كانوا يتاجرون بالإماء دعارة مقابل المال في مكة حتى جاء الإسلام و أنكر هذا الفعل و حرمه و جرمه.

أما الحرة فلابد لها من ملابس خاصة واضحة تميزها بشكل قاطع بعلامات تقول أنها حرة ، و أن يكون ذلك الملبس بقصد الإعلان ، لذلك كان الرجل العادي في السوق يستطيع أن يميز بين الأمة و بين الحرة ، و أنه ربما حاول التحرش بالأمة ، لكنه أبداً لا يتحرش بالحرة ، لذلك ازداد الإسلام تمييزاً لنسائه الأحرار عن نسائه الإماء بالخمار ، فأمر بقوله: “و ليضربن بخمورهن علي جيوبهن 31 / النور“. و يشرح الشيخ يوسف قرضاوي معنى الأية بقوله: “إن أوامر الإسلام كانت بمخالفة المشركين و المجوس كأوامرللنبي ، و أن القرطبي فسر فقال: إن النساء زمن النبي كن يغطين رؤوسهن بالأخمرة و يسدلنها علي الظهر فيبقى النحر مكشوفاً ، فأمر بإسدال الخمر علي الجيب أى الصدر ، و كان غطاء رأس كالرجال ، كجزء من طبيعة البيئة لإتقاء الشمس الحارقة: قل يا أيها النبي لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين / 59 / الأحزاب ، و سبب نزولها أن عادة الأعراب التبرز في الصحراء و ليس داخل البيوت ، فكان بعض الفجار يتعرضن للمؤمنات مظنة أنهن جواري غير عفيفات ، فجأت الآية لتميزلباساً للحرائر المؤمنات ، و كان عمر يضرب الجارية إذا تحجبت محافظةً علي تميز الحرة بزيها ، و في زمننا لا توجد جواري ، و الكنف داخل البيوت ، و انتفي شرط إدناء الجلابيب للتميز بين الحرة و الأمة / حلقة الظاهريون الجدد / قناة الجزيرة “.

مما سبق عرضه نفهم أن ملابس نساء الجاهلية كانت شديدة البساطة ، فهى قطعة قماش تشق من وسطها بفتحة مناسبة تسمح بدخول الرأس ثم تخاط من الجانبين ، فيظل الشق مفتوحاً لعدم معرفتهم بعد بنظام السوستة ، أو الأزرار التي ما كانت تجمع شقاً بحجم الرأس فوق الثديين علي بعضه البعض ، و ما كان لديهم معرفة بشأن الحياكة الأكثر تعقيداً و تخصصاً في بلدان الحضارات و أزيائها ، لذلك يقول القرضاوي: “كانت المرأة في الجاهلية تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شئ / نفس الحلقة“. و كانت الحرة تلبس خماراً علي رأسها و هو من تخمر الرأس أى تغطيتها حماية للشعر من أتربة الصحاري و حرها ومنعاً لإصابته أيضاً بالحشرات لندرة الماء ، لذلك تسمى المشروبات الكحولية خمراً لأنها تخمر العقل أى تغطيه فلا يعود يميز ، و كان للخمار طرفان يلقيان خلف الرأس فيغطيان الفتحة الموجودة بالقفا أعلى الظهر ، فطلبت الآيات منهمن جعل طرف من طرفي الخمار يغطي فوق الثديين في الجلباب المفتوح و هي المنطقة التي كان العرب يعرفونها باسم الجيب ، و يغطي الطرف الآخرالقفا. و أن يصبح الخمار دالاً علي الحرة المسلمة و مميزاً لها عن عن الإماء حتى أن عمر بن الخطاب ضرب أمة تداري ثدييها بالخمار فأمرها بخلعه وتعرية ثدييها علي الفور.

لم ينسانا السؤال إبان الشرح فهو مازال يلح طالباً إجابة: إذا كان للرجل أربع نسوة و عشرات أومئات الجواري فلماذا يزني؟ و لا ينى المنطق يشعرنا بمدى حيرته إزاء هذا التساهل الشديد في حشد هائل للنسوة في بيت واحد لرجل واحد ، مع تشديد عقوبة الزنى و تغليظها علي الزناة ، فهي أشد الحدود و أفظعها للحس الإنساني و أشد حدود الإسلام غلظة و فظاظة ، فهى تحمل إلى جوار العقوبة هدف إطالة زمن معاناة الجاني و عذابه ، كانت الرجم حياً حتى الموت ، مع إشراك المجتمع في تطبيق العقوبة العلنية في حالة تنفيس بدائي من ذوي الخطايا ، ليرموا علي المحكوم خطاياهم مع كل حجر راجم.

و كان ذو المجاسد عامر بن جشم قبل الإسلام ، و غيره من كبار القوم و وعليتهم ، قد شرعوا للعرب ما أخذ به الإسلام من بعد ، و ذلك مثل حد الزنى الذي أخذه ذو المجاسد نقلاً عن حدود توراة يهود الجزيرة ، ومثل تجريمة وأد القبائل الفقيرة للأطفال وبخاصة البنات ، فأسماة العرب: محيى الموؤدات ..

إن تفحص تلك الخريطة المجتمعية يعني أن نتذكر أن مجتع بدو الجزيرة ، كان مجتمع ندرة شحيح ، يستولي فيه القادرون علي الخيرات بالغزو و السبي و الشراء ، و أن المرأة كانت سلعة ضمن تلك الخيرات ، فتكون النتيجة مع قدرة حيازة نساء أربع و مالاً عدد له من إماء ، أنه لن يتبقى لبقية الرجال فائض من النساء ، و هؤلاء عادة هم غير القادرين و الفقراء المعوزين.

و للحفاظ علي ثروة الأغنياء من الحريم تم اشتراع هذا الحد القاسي منتقلاً من اليهودية إلى عرب الجاهليتين ثم إلى الإسلام ، لأن رذيلة الزنى كان إحتمال وقوعها أكثر من بقية الرذائل كالسرقة مثلاً ، فالشئ المسروق لا إرادة له ، أما المرأة فإنها عندما تريد الزنى فإنها تتحرك و تسعى و تفكر و تحيك ظروف الواقع لتصل إلى سارقها أو بالأحرى إلى سارق مالكها. و مع حيازة قلة من الرجال لمعظم النساء لجأ العرب الفقراء إلى المثلية و إتيان الحيوانات الأليفة ، بل و تأليف حيوانات كالقردة و تدجينها لما في العلاقة الجنسية معها بما يشبه حال الإنسان. كتعويض للفقراء عن نساء لا يحصلون عليهم إزاء مزايدة الأغنياء عليهم في المهور و القدرة الشرائية.

و ظل هذا النوع من الجنس غير السوي مستمراً حتى زمن ظهور الإسلام بل و حتى زمن وضع علوم الأصول و الفقه ، و قال الفقه قوله فيه ، بل تطرق إلى تفاصيله و ما يترتب عليه كشأن اعتيادي معلوم و علاقته ببيقية الفروض الإسلامية ، فتحدث مثلاً عن جماع القرود و الحيوانات كمفسدات للصوم: “و لو أدخل حشفته أو قدرها من مقطوعها في فرج و لو أولج حيوان قرد أو غيره في آدمي و لا حشفة له فهو يعتبر إيلاج لكل الذكر / أنظر كتاب الإقناع المقرر علي طلبة الأزهر ص 90 ج 1″.

و قد استثمر الإسلام هذا الوضع الإجتماعي فأقر العود لنظام الغزو و الغنم و السبي الذي كان قائماً في الجاهلية الأولى ، كمحفز لغير القادرين للدخول في الإسلام و الانخراط في جيوشه للحصول علي الغنائم و السبايا والحصول علي الإشباع الجنسي ، و كان هذا الدافع الجنسي المتغول لدي الفقراء المغتلمين حافزاً يفسر بشديد الوضوح سر الاستماتة البطولية لجيوش المسلمين في القتال و انتصارهم رغم قلة عددها قياساً علي العدو ، في كثير من معارك التاريخ الفاصلة. و من ثم كان تشريع السبي و نكاح السبايا ضرورة عسكرية موضوعية لتحقيق الانتصارات و الفتوحات الإسلامية. كان تشريعاً يليق بزمانه ، لكنه أبداً لا يليق بزمننا ، فليس صحيحاً بالمطلق أن شريعتنا صالحة لكل زمان و مكان ، فهو وهم يجب أن نتخلص منه حتى نستطيع ابتداع ما يصالحنا مع زماننا ، زماننا الذي ألغى كل هذه الألوان من الجنس الإغتصابي و اعتبرها جرائم عظمى ، و لم يبق سوى علي العلاقة القائمة على القبول و التراضي بين الطرفين كسبيل وحيد لمشروعية العلاقة.

و كانت البداية من زمن الخديوي إسماعيل في معاهدة مع إنجلترا علي منع بيع و شراء الرقيق السوداني ، و إبراهام لنكولن الذي أصر علي تحرير الرقيق حتى دخلت الولايات المتحدة أفظع حرب في تاريخها (الأهلية الأمريكية) و بعدها تم اعتبار الرق وصمة عار في تاريخ البشرية الشرير.

استمر الفقه الإسلامي في تحريم الزنى حتى لو تمت العلاقة بالتراضى و القبول من الطرفين ، لأنه اعتداء على فرج يملكه آخر ، هو اعتداء علي الملكية ، فالمرأة لا تملك نفسها و من ثم لا تملك جسدها لتمنحه أو تمنعه ، فالمرأة لابد أن تكون مملوكة لرجل ، لأبيها أو لزوجها أو لأخيها او حتى لابنها. و ذلك حفاظاً على حقوق المالكين الذين كانوا في زمن الفتوحات هم العرب وحدهم فلا أحد يملك شيئاً و لا حتى نفسه إذا كان ضمن المفتوحين ، مما أنشأ أزمات جنسية في معظم الإمبراطورية العربية ، كذلك استمر حد الزنى قائماً و مستمراً للترويع و التخويف و الترهيب ، بينما استشرت ألوان الجنس اللاسوي كالمثلية و الجماع مع البهائم و الحيوانات المستأنسة لتفريغ طاقاتهم الجنسية ، و هى أنواع من الجنس لم تضع له علوم الفقه حدوداً مقررة واضحة متفق عليها بل هى تكاد تكون بلا حدود ، كلون من السماح الغير معلن.

ورغم كل متغيرات العالم الحديث و المعاصر الذي جرم الرق و السبي أو اعتبار المرأة من الأشياء المملوكة ، و ألغى التعدد و جرم هتك العرض و صنفه ضمن أبشع الجرائم (الإغتصاب). فإن فقهاء الإسلام عند موقفهم لا يريمون حراكاً و لا تغييراً و لا تبديلاً ، رغم أن الفضيلة و الرذيلة بنت زمانها و ظروفها و مجتمعها الذي أفرزها و توافق عليها ، و الزمن كله غير الزمن و الناس غير الناس ، مما يلزم معه التواضع على دلالات جديدة لمعنى الزنى عندما يكون جريمة وفق مقتضيات عصرنا ، و هو ما يعني التخلي عن فضائل الأمس التي هى بلا منازع رذائل اليوم ، فلا شئ صالح لكل زمان و مكان.

ففي زماننا و في بلادنا و نتيجة ضيق ذات اليد لملايين المسلمين أفرز الواقع زواج المسيار و العرفي و المؤقت و المتعة و الوهبة و الغفلة ، تحايلاً علي تشريع جمده الفقهاء عند القرن الرابع الهجري ، حتى قالوا: لم يترك السلف شيئاً للخلف ليجتهدوا فيه! و لا تجد البنت أو الشاب حرجاً علي أنفسهم أو علي إسلامهم و يقينهم بدينهم و هما يمارسون تلك الزيجات ، إن المجتمع يجد حلوله رغم أنف أفراد من الفقهاء يريدون تثبيت الزمان.

و ضمن هذا الثبات عند عشرة قرون مضت اضطر الفقهاء للسكوت و ليس التنازل عن حق ملكية الرقبة و معاشرة الإماء نتيجة التوافق الدولي علي تجريم الرق و الاغتصاب ، فحرمته السعودية في الستينات بعد طول إمتناع و تبعتها موريتانيا في الثمانيات ، يقفون عند زمن المسلمة الحرة الشريفة الملزمة بلباس يناسب ظروف بيئتها يخمر فجوة الثديين ، ليجعلوا منه ما أسموه حجاباً لأن المقصود لم يكن تغطية الرأس ، لأن غطاء الرأس كان قائماً بالفعل حرصاً على الدماغ من الحرارة و الآفات و القذارة. و اليوم عندنا السوستة و الحمد لله ، و مع إلغاء الرق تحولت الصفات التى كانت للجواري إلى بنات غير المسلمين بإطلاق فهن كالجواري لا يلزمهن حجاب لأنهن لسن من الأحرار ، لأنهن سيكونن يوماً جواري للمسلمين لأن فريضة الجهاد لا تتوقف مادام هناك فرد واحد في العالم لم يسلم بعد ، رتبتهم هي رتبة الإماء فغير المسلمة غير حرة و بالتالي غير شريفة بالضرورة حسب الموروث العربي ، و هي تحت طائلة السبي في أى وقت يتمكن فيه المسلمون من إخضاع الأرض كلها لدين الله الذي لا يقبل بغيره ديناً الإسلام.

لذلك لابد أن تتميز الحرة اليوم (و هي المسلمة وحدها) كما كانت تتميز زمن الدعوة ، بضرب الخمر لكنهم يأخذون الخمر كله ، ما علي الجيب و ما علي الرأس و يخترعون له اسماً جديداً هو الحجاب ، و هو شأن لم يفرضه القرأن علي نساء المسلمين و لا أشار إليه و لا شرعه و لا قننه ، و حتى لو كان فرضاً كما يقولون فهو لتغطية الجيب و لم يتحدث عن الرأس ، فالخمر كان علي الرأس كعادة بيئية صحراوية من الأصل.

و العادة قد نأخذ بها أو لا نأخذ بها ، و لا ترقى مطلقاً لدرجة الفرض. لقد اخترع الإسلاميون لمسلمات زمننا شيئاً ليس في دينهم إسمه الحجاب ، فقط من أجل إثبات وجودهم مع الإصرارعلى طاعة المسلمين لأوامرهم بحسبانهم ممثلي الله قي الأرض ، لتأكيد السيادة و السيطرة على المجتمع ، ومن أجل تمييز المسلمة و فرزها عن غير المسلمة حتى (يعرفن فلا يؤذين) . و المعني أنه يتم التسليم بأن غير المتحجبة هى العرضة للأذى دون وضع قانون يمنع عنها هذا الأذى فهي غير حرة. لذلك وحسب الخبرة المصرية اليوم فإن غير المحجبة في شوارع قاهرة القرن الحادي و العشرين هي الأكثر تعرضاً للأذى من مسلمي الوطن الملتزمين بالتدين.

و قد إخترعوا الحجاب تأسيساً على حديث النبي “خالفوهم ما استطعتم” فإذا تميزوا هم بإطلاق الشعور نخالفهم بالحجاب ، و إذا إلتزموا هم بالتقدم تميزنا نحن بالتخلف ، و إذا تميزوا هم بالعلم تميزنا نحن بالجهل ، و إذا تميزوا بالقوة تميزنا بالضعف ، وإذا تميزوا باللطف والوداعة تميزنا بالصرامة والجهامة ، و إذا تميزوا بالجمال تميزنا بالقبح ، وللة فى خلقة شئون.

كان الحجاب شأناً خاصاً بنساء النبي و هو غير الخمار الذي بغطي الثديين ، و تحجيب المرأة بالمعنى و الصورة التي نراها متفشية اليوم ، هو احد أساليب عزلها عن الرجال ، في مجتمع أصبح فيه مستحيلاً الفصل بين الرجال و الناس و رغم ذلك فإن بعضهم يصر على تفعيل هذا الفصل ، و يجدون من يستمع لهذا القرار المشيخى و ينفذه ، كالحال في قاعات الدراسة الجامعية و كثير من وظائف القطاعين العام و الخاص.

نستمع هنا إلي مرجعية الإخوان المسلمين و كل التيارات الإسلامية حتى الإرهابية منها ، الدكتور يوسف قرضاوي ، و ما قال بهذا الشأن .. يقول قرضاوي: “فكانت النساء يحضرن دروس العلم مع الرجال عند النبي ، و يسألن عن أمور دينهن ، مما قد يستحي منه الكثيرات اليوم ، حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار ، أنهن لم يمنعهن الحياء من ان يتفقهن في الدين ، فطالما سألن عن الجنابة و الاحتلام و الاغتسال و الحيض و الاستحاضة و نحوها ، و لم يشبع ذلك نهمهن لمزاحمة الرجال / مكتبة وهبة / القاهرة / 2001 ص 370″.

إن قرضاوي لا يجد باساً في الإختلاط بين الذكر و الأنثى ، لكن فقط مع الشيخ ، الذي هو وارث الفُتيا ، و الحال محل الرسول لتفقيه المسلمين في شئون دينهم ، لذلك يشجع قرضاوي المسلمات علي سؤال المشايخ دون حياء في الجنابة و الاحتلام و الاغتسال و الحيض و الاستحاضة ، لكنه يمنع الاختلاط البرئ بين أبناء الجامعة الواحدة و الصف الواحد و تحدثهم في جدول مندليف أو نسبية آينشتين وليس فى الاحتلام والاستحاضة ، دون أن يعمم ذلك المنع على الاختلاط الذي كان حادثاً زمن النبي ، و الذي كان حالة عامة و ليس حالة خاصة تسأل فيها نساؤنا المشايخ عن الاستمناء و الاستحلام ، عن شئون الفرج و النكاح فقط.

لم يكن إختلاطاً فقط بل اختلاط لمتبرجات مع رجال غرباء ، كانت سبيعة بنت حارث الأسلمية زوجة لسعد بن خوله العامري ، و كان ممن شهد موقعة بدر و غفر الله له ولأصحابه من أهل بدر ما تقدم من ذنبهم و ما تاخر ، و توفى عنها زوجها في حجة الوداع ، فما أن طهرت من نفاسها حتى بادرت بالتبرج و التجمل و التزين و خرجت تمشي بين الرجال طلباً للزواج ، فتقدم لها أبو السنابل بن يعك ، و كهل ، وشاب ، فاختارت الشاب / رواه البخاري و مسلم.

و كانت النساء محل تطلع من الرجال لمعرفة جمالهن وكان جمال نساء القبيلة محل تفاخر بين قبائل العرب ، “من رواية عن يحي بن عبد الله بن الحارث قال: لما دخل رسول الله (ص) مكة يوم الفتح ، قال سعد بن عبادة: ما رأينا من نساء قريش ما يذكر عنهن من جمال؟ فقال النبي (ص): هل رأيت بنات أبي أمية بن المغيرة؟ هل رأيت تربة؟ هل رأيت هندا؟ إنك رأيتهن و قد أُصبن بآبائهن”. أى أنك رأيتهن و هن غير متجملات و لا متبرجات حيث كن في حال حداد على آبائهن الذين قتلهم جيش النبي. لذلك لم ترهن في وضع يبرز مواطن جمال بنات قريش. مع الملاحظة أن هندا إحدى اللأئي ضرب بهن النبي المثل لجمال القرشيات ، هي هند بنت أمية زوج النبي نفسه و المعروفة بأم سلمة.

كان التبرج لإظهار الجمال ليس هو المفهوم من تبرج الجاهلية الأولى المنصوح بعدم لجؤ المرأة المؤمنة إليه ، كان التبرج المسموح ، كن يضعن الحمرة بسحق الأحجار الحمراء و عملها كمسحوق يشبه بودرة تجميل اليوم ، و قد جملت أم السيدة عائشة بنتها بهذه الحمرة ليلة دخل بها الرسول.

المسألة كانت تغطية الثديين ليس إلا ، لكن أن تلبس المرأة اللافت للنظر و المبرز للجمال فلم يكن شيئاً محرماً ، لأن هذه هي طبيعة المرأة التي فطرها الله عليها ، و لن تر لخلقة الله تبديلاً. كانت الأقراط الكبيرة و الطويلة المطعمة من إكسسوارات التجميل اللافتة للنظرمن زينة الصحابيات ، و هو ما يأتينا ذكره في خبر أم هانئ بنت عم النبي التي تبرجت بمثل هذا القرط و قامت تسير بين الرجال مستعرضة جمالها ، فتحركت غيرة عمر فقال لها: “إن محمدا لا يغني عنك شيئا”. فغضب النبي ليس لتبرج أم هانئ مطلقاً ، و لا حتى أشار حتى إليه ، كل ما أغضبه أن يقول عمر أن شفاعة محمد لا تلحق أهل بيته. “رواه الطبراني”.

مرة أخرى نؤكد أنه لم يكن زمن النبي شيئ اسمه الحجاب كما هو مقرر اليوم ، و لم يكن هناك فصل بين الرجال و النساء ، و حديث ما اجتمع رجل و أمرأة إلا و كان الشيطان ثالثهما لا يلتقي بالمرة مع واقع المجتمع في الزمن النبوي ، مما يشير إلي تهافته ، و إنه من الموضوعات بعد ذلك بزمان طويل ، أما واقع زمان الدعوة يحكيه لنا الجاحظ فيقول: “فلم يزل الرجال يتحدثون إلي النساء في الجاهلية و الإسلام ، حتى ضرب الحجاب علي نساء النبي خاصة ، ثم كانت الشرائف (أى الشريفات بمعنى طبقى) من النساء يقعدن للرجال للحديث ، ولم يكن النظر من بعضهم إلى بعض عاراً في الجاهلية و لا حراماً في الإسلام”.

و عن خوات بن جبير قال: “خرجت مع النبي في غزوة فخرجت من خبائي فإذا بنسوة حولي ، فلبست حله ثم انتهيت فجعلت أتحدث معهن ، فجاء النبي (ص) فقال: يا جبير ما يجلسك هنا؟ قلت: يا رسول الله بعيري قد شرد ، فكان رسول الله (ص) يمازحه كلما التقاه: ما فعل بعيرك يا خوات ؟!” .

و مثل أم هانئ من بين الشرائف (اى الشريفات أى من عليه المجتمع) كانت الصحابية عائشة بنت طلحة ، التى دافعت عن حقوقها ، و رفضت أن يفرض عليها أحد أمراً لم يفرضه القرآن ، و من ذلك رفضها أى لون من الحجب و التحجب ، و كانت شئونها الجنسية تحكي وتذاع علي الملأ في نوادر و طرائف يسمر عليها المسلمون في سهرهم المتواد و المتراحم ، دون أن تشعربنت طلحة بأى تحرج بل كانت تفخر به. فقد كان لديها يوماً صحابية تزورها ، و إذ بزوج عائشة يدخل متعجلاً فتنهض إليه عائشة و تدخل معه داخلا ، وتسمع الضيفة أصوات المتعة الجنسية لعائشة بنت طلحة ، حتى خرجت إليها ترفض عرقاً ، فسألتها الضيفة مستنكرة: أو تفعل الحرة ذلك؟ فردت عليها: “إن الخيل العتاق تشرب بالصفير” ، فشبهت نفسها بالخيول الأصيلة التى تصدر مثل هذه الأصوات صفيراً في مثل هذا الموقف ، كانت عائشة تعلن فخرها بمتعتها ، دونما أن ينزعج أحد من الصحابة. و من حكايات بنت طلحة المشهورة أنها مرة كانت تحت زوجها في السرير فنخرت نخرة تفرقت منها مائة من أبل الصدقة هلعاً و لم تجتمع منذها حتي اليوم. و عندما أراد زوجها أبو مصعب عتابها علي تبرجها الشديد قالت له: “أن الله سبحانه و تعالى وسمني بمسيم الجمال فأحببت أن يراه الناس ، فيعرفوا فضلي عليهم ، فما كنت لأستره / الأغاني ج 9 38″.

أن زمن النبي ليس بالصورة التي يفهمها المسلمون البسطاء مأخوذة من فيلم ظهور الإسلام و فجر الإسلام او الشيماء ، و يدعمها مشايخنا في وعظهم و فتاواهم ، و هم من أشرف على وضع اللمسات النهائية لصورة المجتمع الإسلامي الأول في تلك الأفلام.

لم يكن مجتمع زمن الدعوة كما يقدمونه للمسلمين جيلاً من الملائكة ، بل كان مجتمعاً طبيعياً يعيش فية الصحابة كما يعيش البشر ، و يعرف ان للمرأة أن تتجمل فقد خلقت بذلك غريزياً ، و لم يكن امراً ممجوجاً ولا محرماً. كذلك لم يمنع او يحرم لقاء الرجال بالنساء ، بل هو لم يحرم الغزل بينهما لأنه الرسالة الأولى للتواصل الإنساني بينهما ، يروي البخاري عن عبد الله بن عباس أن أخية الفضل كان رديف رسول الله (ص) فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل بن العباس ينظر إليها و تنظر إليه ، فجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. و لنلاحظ أن هذا الغزل بين صحابي و صحابية كان في حضرة سيد الخلق الذي أينما كان حاضراً كانت السماء حاضرة ، و في أقدس الأماكن و أقدس الأزمان ، في حجة الوداع.

ولم ينزعج رسول الله (ص) ، ولم ينهرهما ، بل كان فقط يصرف وجه ابن عمه الفضل بأنامله الشريفة ليناً و لطفاً و تقديراً منه لفطرة الله التى خلقنا عليها ، ولم يصرف وجة الخثعمية عن التملى من الفضل. وإما لم تكن هذه الخثعمية لا مخمرة ولا منقبة ولا محجبة حتى بدت مفاتنها للشاب ، أو كانت مخمرة و محجبة و مع ذلك فإن الخمار لم يستطع أن يمنع نداء الطبيعة و لم يردع الفضل عن الغزل في حضور رسول السماء و الزمن القدسي كله.

و لم يمنع الحجاب (إن كان قد حدث و هو غير صحيح) المرأة من التطلع و المغازلة ، فإن لها عيون ترى وآذان تسمع ، و في زمن الخليفة عمر اشتهر نصر بن الحجاج السلمي بجماله الأخاذ حتى فتن نساء المدينة ، و أصبح مثل كازانوفا تطلبه النساء و يقلن فيه الشعر الماجن ، الذي نختصره هنا في معناه لشدة مجونه ، فهذه صحابية تدعو ربها أن يصلها بنصر بن الحجاج ليطفئ نارها وشوقها ولوعتها ، و أخرى تنادي: من لي بإبن الحجاج ولو ليلة واحدة ، و هو ما أضطر الخليفة عمر رأفة بالأزواج من الصحابة إلي إبعاد نصر إلي بلاد الشام.

يقولون اليوم أن اختراعهم المسمى الحجاب هو عفة وطهارة ، و حتى تعرف المسلمة فلا تؤذى ، أى يحميها من التحرش أو ربما الاغتصاب ، هذا رغم أن كل الميزات التي ميزت بها حرائر الزمن النبوي أنفسهن بإدناء الجلاليب و تخمير الثدي إضافة لعادة تخمير الرأس ، فإن ذلك لم يمنع تعرضهن ليس فقط للإيذاء ، بل للإغتصاب. عن أسباط بن نصر عن سماك بن وائل عن أبيه ، زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح و هي تعمد إلى المسجد ، فإستغاثت برجل مر عليها و فر صاحبها (أى الذى وفع عليها) فأدركوا الذي استغاثت به. و هو يقول لها: أنا الذي أغثتك ….إلخ / أورده البهيقي في السنن الصغرى. و في خلافة عمر “حدثنا الحسين بن عبد الملك بن مسيرة عن النزال بن سيده قال: بينما نحن بمنى مع عمر رضي الله عنه إذ امرأة ضخمة على حمار تبكي كاد الناس يقتلونها من الزحمة عليها و هم يقولون لها: زنيت .. زنيت ، فلما انتهوا إلي عمرقال ما شأنك؟ فقالت كنت امرأة ثقيلة الرأس و كان الله يرزقني من صلاة الليل ، فصليت ثم نمت ، و الله ما أيقظني إلا رجل قد ركبني ثم نظرت إليه معقباً ما أدري من هو من خلق الله. (كتاب الخراج أبو يوسف 165 المطبعة السلفية / مصر).

بل و كان في الزمن النبوي من الصحابيات من هى متزوجة لكنها عاشقة رجال “عن عكرمة عن بن عباس قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: أن امرأتي لا تمنع يد لامس ، قال: غربها ، قال: أخاف أن تتبعها نفسي (أى أنه يحبها بشدة) ، فقال له النبي (ص): فاستمتع بها “.

المشكلة في مثل هذه الشهادات التي نقدمها هنا لنعلم هل كان هناك حجاب؟ و هل منع الحجاب نداء الطبيعة؟ زمن وجود النبي بنفسه بين المسلمين و في حضرة أبواب السماء المفتوحة و في أقدس الأماكن؟

المشكلة ان مسلم اليوم لا تقبل نفسه و روحه و ربما عقله بمثل هذه الشهادات لأن وعاظنا صوروا له الزمن النبوي كما لو كان زمناً ملائكياً روحياً لا مجال فيه للخطأ ، كي يلقوا فيه بكل جديدهم اليوم و يستمدوا منه ما يدعم مخترعاتهم اليوم كالحجاب ليلبس قدسية ذلك الزمان ، لأنهم لا يتلقون وحياً لكنهم يريدون لكلامهم القدسية و هم يستمدونه من زمن الدعوة ، لذلك جرى تقديس ذلك الزمن ليعطي فتاوي مشايخنا و قولهم قدسية الوحي ولا يعرجوا أبداً لمثل هذه الأحداث بل و يخفونها عن المسلمين عمداً و قصداً و رغبة منهم عن سبق إصرار و ترصد ، كي يصنعوا المسلم الذي يريدون: الممتثل المطيع الذي لا يعرف سوى قول آمين.

ربما يأتي مسلم اليوم و هو يقرأ هذه الشهادات ليلقي بنفوره على كاتب هذه الدراسة هنا و ليس على من دون الحدث و لا على من صنع الحدث و لا على المجتمع الذي حدث فيه الحدث ، لأن مشايخنا يصوغون له إسلاماً غير ما كان في زمن النبوة الشريفة ، حتى يلتقي مع ما يريدون الوصول إليه ، و هو الإمساك بدماغ المجتمع كله و إجباره علي الطاعة و التسليم بفروض لم تكن موجودة كالحجاب ، و هو ما يعني أنهم جعلوا المسلمين أكثر طاعة لهم من الطاعة لدينهم و لزمنه القدسي ، حتى فرضوا على أنفسهم بأوامر مشايخ اخر الزمان ما لم يفرضه الزمن القدسي.

و بإيعاز مستمر من فقهاء زماننا ، تصور المسلمون أن ما يسمى بالحجاب فريضة إسلامية من الفرائض العظمى ، حتى أنهم يخرجون في المظاهرات الصاخبة للاحتجاج على أى حديث معلن لا يقول بأن الحجاب فريضة ، كما لو أن هؤلاء المتظاهرين جميعا قد درسوا الأمر و عاينوه في مصادره الإسلامية المعاينة النافية للجهالة ، واقتنعوا بأن الحجاب فرض ، فقاموا يرجمون من قال بغير ذلك. المسلم لا يعلم من شئون دينه ما يجعله يفرز الأحاديث الضعاف من الصحاح المسندات من الأحاد ، و يسلم فوراً بالحديث المنسوب لنبينا أنه قال لأسماء بنت أبي بكر: إذا بلغت المرأة المحيض لا يظهر منها إلا هذا و هذا ، و أشار إلى كفيه و وجهه. بينما لا تجد في القرآن ولا في تاريخ الراشدين الذين عملوا بسنة رسول الله و بالقرآن و شريعته ، ولا في واقعهم العلمي ، ما يشير إلى هذا المعنى الفاصل القاطع ، و لم يكن معروفاً لديهم ولا معمولاً به عند السلف ، بل ستجد ما هو عكس هذا الفرض الوهمي الذي يقصد إقصاء المرأة و ترصدها.

بل و يبالغ المسلمون اليوم في عزل المرأة عن المجتمع ، فقاموا يخترعون إضافة إلى اختراع (الحجاب) اختراعاً آخر يزري بمخترعه هو(النقاب).

الذي يغطي كل الوجه ولا يترك سوى العينين ، أو ثقباً واحداً لعين واحدة ، و هو النقاب الذي كانت ترتديه المعلمة المسلمة الفرنسية وصاحبة القضية المشهورة التي رفعتها كي تدخل علي تلاميذها الصغار بنقاب له عين واحدة ، مما قد يرعب هؤلاء الأطفال. ثم هناك نقاب لا يسمح حتى بثقوب ولا للعين الواحدة ، وهو ما أوجز الشيخ الدكتورأحمد صبحي منصور بشأنه ، فاعتبره نوعاً من الاستعلاء علي المسلمين ، و أنه إعلان تميز ، بل هو استعلاء على شرع الله و مزايدة علي الله نفسه ، و ان النقاب إذ يعطي المرأة فرصة التطلع إلي الآخرين و فرزهم واقتحامهم بعيونها ، فإنها بنقابها تمنع عنهم ذات الحق.

و هو ذات الحق الذي تم إعطاؤه للمصليات في المسجد خلف الرجال ، لهذا رفض الشيخ يوسف قرضاوي إمامة المرأة للصلاة بقوله معللاً: “لأن الرجل المصلي قد يسرح فكره .. ما أجمل قوامها .. ما أجمل جسدها .. فالإسلام دين واقعي ينظر للإنسان كإنسان تحركه غرائزه ، لذلك منع الإسلام أن تؤم المرأة الرجال ، فهى ستسجد امام الرجل بجسمها / حلقة الأهلية السياسية للمرأة / الجزيرة”.

و يستطرد الشيخ شارحاً “في مسجد النبي كان النساء خلف الرجال و لم يكن بينهم أى حاجز ، (اليوم يقيمون الحواجز في المساجد مزايدة علي النبي) .. و كان معروفاً أن العرب يلبسون إزاراً و رداء و كثير منهم لا يلبس السراويل ، و لذلك قال النبي للنساء: لا تعجلن برفع رؤوسكن / نفس الحلقة”.

و الإزارأوالرداء هوقطعة قماش تلف علي الوسط الأسفل للرجل ، و كانوا لا يلبسون السراويل ، و هو ما يعني بروز الأعضاء التناسلية للخلف عند السجود مما يسمح للنساء بالتطلع إليها ، لذلك أمرهن النبي ألا يعجلن برفع رؤوسهن ، و ينتظرن الرجال حتى يقومون من السجدة فيقمن بعدهم. “قال الواقدي عن ثعلبة بن أبي مالك قال: تزوج رسول الله (ص) امرأة من بني عامر ، فكان إذا خرج اطلعت علي أهل المسجد ، فأخبرته زوجاته بذلك ، فقال: إنكن تبغين عليها ، فقلن: نريكها و هى تتطلع ، فلما رآها فارقها ، قال الكلبي: كانت عند رسول الله العالية بنت ظبيان بن عمر بن عوف بن كلاب ، فمكثت عنده ما شاء الله ثم فارقها بسبب التطلع”.

المقصود أنه أياً كان الوضع ، حجاباً أم خماراً أم نقاباً ، أو أن يكون أمام أو خلف في الصلاة التي هي وقت القداسة ، أو في المسجد الذي هو قدس أقداس الإسلام ، أو في حضور النبي بشخصه و كرامته ، و مع كل الحرص علي عدم التطلع فقد حدث التطلع و من زوجة سيد المرسلين نفسه ، و لم يعاقبها بشئ عظيم ، فقط فارقها ، لأنه يعلم أنه مع كل الحرص فإن نداء الطبيعة عند البعض أكثر استصراخاً ، و أنه شأن غريزي لا يمكن اقتلاعه .

في بلاد المسلمين ، و في الأسواق و في الحروب بل و في الحكم كانت المرأة حاضرة إلى جوار الرجل في حوار خلاق مستمر ، و عندما أقعدها الفقهاء في البيت مع بدء عصورنا المظلمة وتخلينا عن أنوارنا بل و قبرنا لها مع من قبرنا من معتزلة و جهمية و مرجئة و متصوفة و متشيعة … إلخ. كان الواقع ينطق بموقف القرآن الذي كان حاسماً قاطعاً بصمته في مناطق كثيرة تركها ولم يتدخل فيها ، لنضع نحن لأنفسنا ما يناسبنا من قواعد و نظم وقوانين ، فسطا عليها الفقهاء و صادروا مناطقنا التى تركها اللة لنا حرة مباحة ، ليطلقوا من خلالها علي المؤمنين فتاواهم وفروض مزعومة علي المسلمين و المسلمات لم تكن في أصل المراد الإلهي القرآني و لا بالإشارة و لا التلميح. و كم سطا مشايخنا علي مساحاتنا الحرة التي تركها لنا رب السماء ليحاصروها بحديث مخترع هنا و سنة تنسخ القرآن هناك ، فيرتكبون و هم يفعلون عظائم الكبائر في حق ديننا و دنيانا ، و يستمر المسلمون يسمعون لهم و يتبعونهم إلى حتفهم بظلفهم ، بدلاً من أن يحاكمونهم بعدالة صادقة شفافة عما إرتكبوه في حقنا حتى بقينا هنا في قاع الأمم المتخلفة ، بينما أهل الطاغوت هناك ، حيث الصحة و السعادة و المرح و الإنتاج و الإنجاز و الإبداع و النظافة و الفن و الجمال و الإبتكار و الإكتشاف ، مما يدفع إلي التساؤل عن حقيقة علاقتنا بالرب و هل نحن بالفعل خير أمةً أخرجت للناس؟

و هل يرعى الرب أمته التى أختارها؟ الواقع يقول العكس ، إنه يرعى شعوباً أخرى لا تدين بالإسلام و لا تعرفه ، و كشف لهم عن كنوز علمه دون المسلمين ، فلابد أن يكون السؤال هو: لماذا؟ .. لماذا ….هو السؤال الذي يجب أن يطرحه المسلم على نفسه و ليس على ربه !!

و قد أعفانا الشيخ قرضاوي من مهمة مدى وجوب بقية الزي العربي للمرأة اليوم ، و شرح الشيخ أن المؤمنات كن يذهبن إلى التبرز في الصحراء لأنهم لم يعرفوا الكنف / دورات المياه. و كان يتبع النساء الشباب الذي لا يجد نساء لعله يصيب من إحداهن وطره ، لذلك تم نصح المسلمات بإطالة الجلباب حتى إذا ذهبت تتبرز تفرشه حولها دون الحاجة إلى رفعه فلا يظهر منها شئ حتى تقضي حاجتها ، و بعضهن كن يتسرولن ، لذلك كان النبي (ص) يقول: ” اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي / الشيخ خليل عبد الكريم / الشدو 399 / 400 “.

و أفاد الشيخ قرضاوي في تفسيره أن تلك ملابس كانت تناسب زمانها لا زماننا حيث لم يعد عندنا جواري ، و أصبحت الكنف داخل البيوت ، فانتفى شرط إدناء الجلاليب للتميز بين الحرة والأمة ، كذلك أكد على الظرفية البيئية للخمار و هى غير موجودة اليوم. إذن عندنما تغيرت الظروف فإن مجتمع العر ب تغير متحركاً و أنشأ فضائله التى تلائم مطالبه فتغير من جاهلية أولى بدائية وحشية إلى قمة الفضائل في الجاهلية الثانية ، لكن لتفرض ظروف الواقع متطلباتها فتتم العودة من الزمن الإسلامي إلى فضائل الجاهلية الأولى ، و رغم ذلك يعجز المسلمون المعاصرون عن إنتاج فضائل جديدة تناسبهم للتعامل مع عصرهم و تنهض بمجتماعتهم كما فعل هؤلاء الأسلاف على ثلاث مراحل سريعة التتابع مفضلين الإستمرار تحت مظلة فضائل القرن السابع الميلادي و ما قبله في الجاهلية الأولى ، فتضيع منهم البوصلة فيتجهوا بعكس اتجاه التاريخ ، و يرددون فضائل قديمة انتهي مفعولها و زمن العمل بها ، فتأخذهم معها إلى مرحلة أدنى مما حققه الإنسان اليوم ، و بدلا من أن ينشئوا فضائل تناسبهم يستوردون فضائلهم من زمن الجاهلية الأولى و من القرن السابع الميلادي. فيفجرون ويقتلون و يذبحون و يهزوا العالم بغزوتي واشنطن و نيويورك المباركتين. كان الغزو زمن الدعوة رغم عودته لقيم عصر أسبق ، قيمة و فضيلة ضرورية لتوحيد العرب ليشكلوا قوة قوية ضاربة ، كي يخرجوا من جزيرتهم ليملأوا الفراغ العالمي الناشئ عن تهاوي قوة الفرس و الروم بعد حربهم السبعينية ، و ليستعمروا البلاد المحيطة بجزيرتهم بالقوة المسلحة ، حتى أنشأوا إمبراطورية عظمى. لكن أن يتمسك مسلموا اليوم بفضيلة الجهاد فهو الأمر غير المفهوم مع معادلة القوة و الضعف حيث نحن فيها الطرف الأضعف. حتى أن استعادة مفهوم الجهاد اليوم هو أبلغ تعبير عن هذا الضعف ، إذ أصبح إرهاباً ، و الإرهاب عبر التاريخ هو سلاح الطرف الضعيف دوماً .

لأننا نتصور القوة كما تصورها بدو الجزيرة زمن الفتوحات ، هى قوة القهر و الغلبة لأخذ ما بيد الغير و فرض سيادتنا عليه ، بينما القوة في زماننا تلازمها مجموعة محبوكة من العناصر الإقتصادية و السياسية و المجتمعية ترفع هذه القوة لتعبر عنها ، لذلك فالتصور بأنه بالإرهاب سنحتل العالم كما حدث زمن الفتوح ، لهو تصور شديد البدائية و السذاجة و السطحية.

المسلمون يتمسكون بفضائل انقضى زمنها و لم تعد ذات معنى حتى أنها أصبحت تضر و لا تنفع ، و يلّبس عليهم مشايخهم تلك الفضائل كما في القول بفرض جديد هو الحجاب ، الذى اخترعوه اختراعاً بعد المزج بين نصين قرآنين ، واحد يتكلم عن تخمير الصدرويخص كل المسلمات ، و آخر يتكلم فقط عن زوجات النبي وحدهن فيخصهن بساتر يحجبهن إذا تحدثوا مع الصحابة لأنهن لسن كغيرهن من النساء. و يصرون علي اختراعهم و هذا و يعلونه كفضيلة تصل إلى درجة الفرض.

هذا علما أن الخمار نفسه كان فيه شئ من المغالاة ، لأن الثديين في جزيرة العرب لم يكونا محل اشتهاء ، بقدر ما كانا شيئاً وظيفياً مهمته الإرضاع ، بدليل حديث السيدة عائشة الذي تمسكت به حول رضاع الكبير عشراً ، و كانت تطلب من قريباتها إرضاع من أراد استفتائها في شأن دينه من الرجال. لكننا نسلم بالخمار كتوجيه سماوي لا يمكن الاعتراض عليه.

و لتتميز المسلمة عن غير المسلمة نسمع أن الحجاب هو مقابل العري و التهتك في بلاد الغرب لتمييز المسلمة عن غير المسلمة ، لذلك تم الربط بين عدم التحجب إن أرادته مسلمة وبين العرى و التهتك ، لذلك كان شعار (الحجاب عفة و طهارة). لكن ما يرد هذا المعنى و يبطله بالمرة هو أن العري الكامل و التام زمن الصحابة الراشدين لم يكن يستدعي أية عقوبة ، وهو ما توضحه حادثة المغيرة بن شعبة مع أم جميل ، و التى شهدها أربعة عدول من الصحابة شهادة واضحة ، وأن كلاهما كان عرياناً كما ولدته أمه ، وقد شهد ثلاثة منهم أمام الخليفة عمر أنهم رأوا الفعل كاملاً بفخذي أم جميل مرفوعين كأذني حمار وأن المغيرة كان يستبطنها (أى بطنه فوق بطنها) ، و أن خصيتيه كانتا تتأرجحان جيئة و ذهاباً بين فخذي أم جميل ، بما لازم ذلك من شهق و زفر ، و رفع و خفض ، بل أنهم رأوه يدخل عضوه فيها و يخرجه كما الميل في المكلحة. لكن الشهادة لم تكتمل لأن الشاهد الرابع زياد بن أبيه أقر بكل تلك التفاصيل لكنه لم يتمكن من رؤية عملية الإدخال و الإخراج كالميل في المكحلة ، فحكم الخليفة عمر ببطلان الدعوى و أقام حد القذف على الشهود الثلاثة ، بينما لم يتم استدعاء أم جميل بالمرة كطرف في الجريمة ، و لم تتم عقوبة المغيرة و لا أم جميل بسبب عريهما ووجودهما على سرير واحد فى خلوة بيت مغلق عليهما مع شهق و زفر و رفع و خفض و ساقين كأذني حمار و خصيتين تتأرجحان لكن دون دخول الميل إلي المكحلة. و لا نفهم هنا سر انزعاج مشايخنا من ملابس نساء الغرب حتى دمغوهن بالعري و الفساد و التهتك دون أن يتيقنوا من دخول الميل فى المكحلة هناك ، أليس دمغهم بالعري هو ضرب من قذف المحصنات يستحق الحد الذي أقامه عمر على الشهود الثلاثة بالجلد؟.

يصر سادتنا الكهنة على اختراعهم العجيب (الحجاب) و يصرون على فضيلة تحجيب المرأة دون أن يطلبوا معها بقية فضائل العرب الرواسخ ،

فهم لم يطلبوا حتى الآن فضيلة إعادة هتك العرض للمسيبات ،

ولا فضيلة نكاح الإماء بعد شرائهن من من الأسواق ،

بل و لا حتى طلبوا إقامة أسواق البيع الحلال للرقيق أبيضاً أ و سودانياً (زنجياً) بحسبانهم البنية التحتية لإقا مة تلك الفضائل في المجتمع .

ولا حتى احتجوا على إلغاء العقوبات البدني كالجلد والقطع والرجم ،

و هو ما يعني أنهم ينتقون من دينهم (لو كان الحجاب ديناً و هو غير ذلك) ، فيختارون ما يريدون من هذا الدين دون فضائل أخرى !! و كأنهم يدينون فضيلة هتك العرض أو كأنهم يستحون منها أو كأنهم قد اختاروا اختيار عالمنا المعاصر فتركوا الرق و السبي و هتك العرض والعفوبات البدنية لزمانهم و ذوق زمانهم و ظروف زمانهم. و إلا فعليهم مواجهة تهمة تحمل كل مسوغاتها القانونية التشريعية هى مخالفة بمعلوم من الدين بالضرورة ، أما إن ارادوا الانتقاء و الإختيار و الفرز من هذا التراث ، فعليهم إسقاط ما يسمونه عقوبة مخالفة معلوم من الدين بالضرورة ، و إعطاء حق الإنتقاء لغيرهم أيضاً.

إن حد الزنا قد وضعت له شروطه الصعبة التي وضعت له خصيصاً دون بقية الحدود ، و هو وجود أربعة شهود عدول يرونه كالميل في المكحلة ، بحسب تفاسير الكبار من لوامع الفقه ، لأنه أشد الحدود و أكثرها قسوة و فظاظة ، كما لو كان يريد أن يجعل إثبات واقعة الزنا أمراً مستحيلاً.

و قد أفزعت هذه الشروط صحابة النبي و خاصة الغيورين منهم ، الذين إن وجدوا رجالاً يعتلون نسائهم و ذهبوا يبحثون عن شهود عدول ، يكون الجاني و الجانية قد قضيا وطرهما و استمتعا بالحرام ثم يفلتا من العقوبة. فإذا رماهما الزوج بالزنى دون تلك البينة المستحيلة أقيم عليه حد عقابي هو حد قذف المحصنات. و قد أرقت تلك المشكلة كبار الصحابة ، يقول سعد بن عبادة الأنصاري: “والله يا رسول الله إني أعلم أنها (الآية) حق و أنها من عند الله ، لكني تعجبت لو وجدت لكاعاً (زوجتة) قد تفخذها رجل .. لم يكن لي أن أهيجه و لا أحركه حتى آتى بأربعة شهداء ، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته ، فما لبثوا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً ، فرأى بعينه و سمع بإذنه فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله فقال: إني جئت أصلي عشياً فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني و سمعت بأذني ، فكره رسول ما جاء به و اشتد عليه (أسباب النزول للواحدي ص212 و 213 و أورده بن عبد البرفي الأستيعاب مجلد 4 ص 1042).

أنصاري آخر هو عويمر بن أبيض العجلاني دخل بيته فوجد رجلاً ممطياً زوجته ، و بقية الخبر أن الزنى قد تأكد ليس بأربعة شهود حسب كتاب الله ، و لكن الزانيتين انجبتا ولدين كل منهما هو الأشبه بالمتهم بالزنى. و لم يكن ذلك دليلاً فهو ليس بأحد القرائن و الشروط الواردة لإقامة حد الزني. هو ما يعني أنه رغم أنهم صحابة و صويحبات رسول الله و أنهم عاشوا الزمن القدسي و في أطهر البقع علي الأرض ، و رغم أن الشريعة قائمة و مطبقة بتمامها و كمالها تطبيقاً ليس له شبيه قبله و لا بعده ، و مع ذلك و رغم كل ذلك ، فإن هذا لم يمنع من الفعل الذي يخشاه مشايخ أيامنا و يطلبون له الحجاب كما لو كان الحجاب أكرم من وجود سيد المرسلين بنفسه أو كما لو أن الحجاب سيمنع ما لم يتمكن نبي الأمة من منعه زمن تطبيق الشريعة.

بل أن مدينة رسول الله كانت تعاني من مشكلة جنسية مستفحلة زمن النبي ، عندما كان ينتهز الرجال القاعدون بالمدينة فرصة خروج الأزواج في جيش النبي للغزو ، ليعتلوا نساءهم في حالة مستحرة منتشرة ، مما كان يهدد الجيش الغازي بتقاعس الرجال عن الخروج ، و البقاء حماية لملكياتهم من فروج النساء ، و لم يجد النبي حلاً للمشكلتين يمكن أن يرضي الناس ، فوضع للمشكلة الأولي حلاً هو الملاعنة ، أى أن من يرى زوجته مركوبة لرجل فعليهماأن يتلاعنا ، وسيصيب اللة الجانى من بعد ذلك بلعنتة ، و كان التلاعن يتم في حضرة النبي كأفضل شاهد عدل (أخرجه البخاري و مسلم في الصحيحين و مالك في الموطأ). أما حل المشكلة الثانية التي عرفها التاريخ الإسلامي بمشكلة (المغيبات) أى من غاب عنها زوجها ، فقد لعن الرسول بنفسه من يفعلها و دعى عليه دعاء حارقاً مع التهديد بأن من سيقع بيده من (نبيب التيس) ، و هى الصفة التي أطلقها علي من يزني بالمغيبات ، فإنه سينكل به نيابة عن الزوج المثلوم في شرفه. فهل ما يقوله لنا مشايخنا عن الحجاب ، سيحجب عن بلادنا و بنات المسلمين فعل الطبيعة و نداء الغريزة ، بما لم يحدث ولا حتى زمن النبي ذاته و بمعرفته و بحضوره و بحضور السماء و الوحي و الصحابة و أمهات المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهيراً ؟!

و إذا كان التزين (التبرج) أو العري عندهم مصيبة أخلاقية تستحق العقوبة ، فماذا عن كل تلك الأحداث الجسام زمن الدعوة؟

و إذا كان العري محرماً فهل كان يجرؤ الخليفة عمربن الخطاب على كشف ملابس أم كلثوم بنت الإمام على ابن عم االنبي و بنت فاطمة بنت النبي و شقيقة الحسن و الحسين ليرى مدى حسن ساقيها عندما أراد خطبتها؟ و لشدة ما اعجبته أمهرها أربعين ألف درهم (المغني لابن قدامه مج 8 ص 63) في الوقت الذي كان الخليفة نفسه يشجب ظاهرة المغالاة في المهور ، و لم يكن عمر قد تزوجها بعد عندما وضع يده على ساقيها إنما هو كان بعد يخطبها ، فلا عقد قد تم عقدة ، و لا شاهدان ، ولا إشهار ، فقد أرسلها الإمام علي إليه ليراها الخليفة عن كثب و هو يخطبهما (رواه أيضاً بن عساكر عن عمر و كذلك الطبراني) ، فهل يجوز أن نطرح السؤال الذي طرحه الشيخ خليل عبد الكريم رحمة الله ونور لة قبرة في هذا الموضوع: “هل يجوز للخاطب اليوم حسب الشرع الذي حمله محمد إلي الناس أن يكشف ساقي مخطوبته و يعاينهما؟ و هل يمكن لأى خاطب أن يقتدي بعمر في ذلك باعتباره من النجوم الذين إذا اقتدى بهم المسلم اهتدى؟ / كتابه مجتمع يثرب ص 60: 64″.

لم يبق من مسألة الحجاب سوى كونه تمييزاً للمسلمين عن غيرهم ، و حتى هذه الحجة الواهنة أعفانا من مناقشتها مرجعيتهم الشيخ قرضاوي بقوله: “إن الإسلام يريد للمسلم أن يكون متميزاً في مظهره .. إنما المخالفة في المظهر ، ليست من أساسيات الدين / الجزيرة / حلقة الظاهريون الجدد”.

و إعمالاً لذلك فإن الدافع النفسي لتنفيذ الأمر بالمخالفة في المظهر ، هو مخالفة عن الدول المتقدمة لإبراز وجودنا بغض النظر عن تقدمنا من تخلفنا ، و الإصرار على هذا الشئ المسمى بالحجاب هو فقط للإعلان بالتميز ، هو أداة إعلان تؤكد للعالم وجود المسلمين في الدنيا ، في عالم لا يرى وجوداً لغير المنتجين المنجزين المكتشفين المخترعين ، لذلك نعلم أنه لا يرانا لأننا لا في العير ولا في النفير ، لذلك نقحم على عيونه رؤية حجابنا و تميزنا بمظهرنا باللحي و الجلابيب القصار ، نريده أن يرانا بتميز مظهري ليس من أساس الدين كما قال شيخهم. و رغم ذلك ذهب شيخهم هذا إلي حد رفع دعوى ضد حكومة فرنسا لمنعها الحجاب في مدارسها. المهم أننا لا نعلم أننا لا نوجد إلا بالقدر الذي يسمح به المتفوق لنا فيه بالوجود و بالظهور فهم من يمتلكون أدوات و آليات و أجهزة الظهور و الوجود.

إذن لم يكن هناك حجاب بالمعنى المفهوم اليوم ، و كان ضرب الخمار على الجيب و إطالة الثوب لدواعي أمنية فرضتها ظروف هذا المجتمع حيث لا شرطة و لا قانون ، و عندما تتجول اليوم داخل جامعة القاهرة ، أو داخل المترو اليوم ستجد أكثر الإعلانات وضوحاً و تكراراً و هو أن الحجاب عفة و طهارة ، و هو إعلان بغض النظر عن عمدة لإهانة غير المحجبات و إتهامهن بعدم العفة و الطهارة ، فإنه إعلان يؤذي الإسلام نفسه في أمهات المؤمنين ، لأنهن وحدهن من ضرب عليهن الحجاب دون نساء العالمين وهن بنص الآيات لسن كغيرهن من النساء ، فهل كان ضرب الحجاب عليهن لأنهن كن غير عفيفات و لا طاهرات و هن سيدات الدنيا و الآخرة؟ إنهم وهم بسبيل حجب العقل في بلادنا لا يتورعون عن التمادي بعد اختراع ما يسمى بالحجاب ، إلى إهانة أمهات المؤمنين بشعارهم الإعلاني الذي هو بكل المقاييس خطيئة حقيقية من العيار الثقيل. و لا حل معها سوى الاعتراف أن الحجاب لم يقصد به حماية الأخلاق و لا طلب الفضيلة ، فلا يعقل أن تكون نساء النبي أمهات المؤمنين غير فاضلات حتى يجبرهن النص القرآني على التزام الفضيلة بالحجاب ، و هن الفاضلات القانتات العابدات المؤمنات أمهات كل المسلمين بما في الأمومة من كل معانى الطهارة و السمو.

فإذا انتهينا إلى أن الحجاب كما هو معلن عنه اليوم لم يكن شيئاً معلوماً في ديننا و لا في تاريخ الدعوة و الراشدين ، و إذا كان المطلوب من المرأة تخمير صدرها فالسوستة و الأزار تقوم مقام ذلك اليوم ، و لم يكن المطلوب تخمير الرأس بحسبانها عادة قديمة لم يقل فيها الإسلام رأيه ، و كما أن الزمن قد جعل المسلم يتخلى عن العمامة و كانت العمائم هى تيجان العرب ، كعادة لم تعد مطلوبة ، فهو ذاته ما ينطبق على تخمير الشعر و الرأس بالنسبة للمرأة كعادة انتهى زمنها و بيئتها ، ناهيك عن كون الحجاب و اللحية لا يغيران القلب و لا يطهران الروح ، فإذا كان الدين غايتهم فليحدثونا عما يطرق الروح و يلمس القلب و يطهر النفس و يأخذ بيد المسلمين نحو الحضارة بدلاً مما يرزحون تحته من تخلف مقيت.

إن مشايخ اليوم يفرضون على المسلمات شيئاً مزوراً اسمه الحجاب و يضعونه ضمن فروض الدين و هى الزيادة في الدين التى يتم بها تعريف البدعة المكروهة. و حتى لو ذهبنا مذهب مشايخنا بالفرض الجدلي ، نجد أنهم يفرضون على مجتمعنا فضيله. (إن كانت كذلك) تم وضعها لزمن غير زماننا و لبشر يختلفون عنا و لمجتمع مباين بالمرة لمجتمعنا بالكلية ، و في ظروف غير ظروفنا ، و مكان لا علاقة لنا به في عاداته و تقاليده و نظمه من قريب أو بعيد ، إلا في كونه مكاناً توجد فيه مقدساتنا الجغرافية ليس أكثر.

إذن ، و إعمالاً لما سلف ، تصبح المهمة الأهم هى تحصين ديننا عن الانتهازية لكل من أراد مصلحة أو صراعاً سياسياً ، ليستخدم ديننا فى تحقيق مآربه التى عادة ما تكون بعيدة عن الدين و أغراضه و مراميه ، بل ربما تكون ضد مصالح بني الله في الأرض من مواطنين بسطاء و يتم تجييشهم ضد مصالحهم بل و ضد مقاصد دينهم بدينهم نفسه. عن طريق المحترفين و الوسطاء الأنتهازيين الذين لا يرعون لديننا حقه من احترام و توقير.

و من أوليات هذا التحصين لديننا من اللعب به ، إبعاده عن مزالق الصراع السياسي و آلياته التي لا تحترم أى فضائل ، إنما فقط تحترم المصالح التي هى محل الصراع الحقيقي ، و ضمن هذا التحصين يجب أن نعترف جميعاً أن الفضائل هى منتج الجماعة ، و أنها منتج بشري متطورة متغيرة بتطور الزمان و تغير المكان ، و أنها منتج بشري و ليست منتجاً إلهياً ، لأنها لو كانت ذات منشأ إلهي ، لمنحها الله لعباده كجزء من خلقتهم الغريزية ، و إما أن الله قد أهمل خليقته فخلقها منزعة الفضائل ليبلونا و يختبرنا ، و في هذه الحال لن يبقى معنى لتعبير القرآن (و لقد كرمنا بني آدم) ، كذلك لا يمكن تصور أن الله خلق بني آدم و نسى مسألة الفضائل و لم يتذكرها إلا عند إرساله آخر أنبيائه ، (و ما كان ربك نسيا).

هذا بينما الفضيلة منتج إجتماعي ينشأ في المجتمع كنتيجة لقصور هيمنة السلطات على كامل سلوك الأفراد سراً و علانية ، خفاء و جهراً. فإن أمكنها السيطرة على السلوك غير المرغوب العلني و ردعه و عقابه بقوانين الجماعة ، فإن ما يتم فعله في الخفاء هو الأكثر وقوعاً و الأكثر ضرراً لسريته ، و مع ذلك لا يستتبع ذلك العقوبة المادية القانونية لعدم توفر الأدلة. لهذا قامت الجماعة تصنع لها رادع يتم تكوينه في الطفولة مع الأسرة ، حيث يبدأ الضمير في التكوين و التشكل وفق ما تراه الجماعة سلوكاً فاضلاً أو رذيلاًو يصبح الضمير المتشكل وفق رغبات الجماعة هو سلطة ردع داخلي معنوية تسير جنباً إلى جنب مع سلطة الردع السلطوي المادي.

و هذا الرادع المعنوي سيقوم من بعد بتمييز الفضائل وفرزها عن الرذائل حسبما عرفها المجتمع ووضع لها مواصفاتها ، و يصبح الضمير هو سلطة الجماعة الداخلية كضابط لسلوك الأفراد بما يوافق مطالب المجتمع ، ليصبح (ملتزماً) أدبياً و معنوياً بدستور خفي ينوب عن المجتمع يتم زرعه في الطفل منذ مولده لصالح المجموع.

و يترتب على هذا أن نفهم أن القواعد الأخلاقية التى تميز الفضيلة عن الرذيلة كانت سابقة للدين في الوجود ، لأنها نشات مع أول تشكيلات إجتماعية بشرية في أبسط صورها. و إذا كانت الشرطة هى من يقوم بمراقبة السلوك العلنى للأفراد ، فإن من سيقوم بمراقبة الضمير لضمان عدم انحرافه لابد أن يكون بدوره شيئاً خفياً كالضمير و من نوعه اللاحسي. و من ثم قامت الجماعات تنسب ما تواضعت عليه من أخلاقيات تحقق مصالحها ، إلى أربابها الخفية و التي أهم ما بها هو حماية المجتمع بحماية الفضيلة. فراعي الأخلاق يحب أن يكون من غير طينة المادة ، يجب ألا يكون ملموساً محسوساً ، يجب أن يكون بغير شبيه أو مثيل ، ليقوم الخيال البشري بمحاولة تصوره كقوة عظمى يمكنها معرفة ما بداخل الصدور و لا يمكن لأى صورة لهذه القوة أن تتطابق مع صورتها المتخيلة لدى فرد آخر ، لعدم وجود أى معطيات مادية تساعد على تكوين الصورة المتخيلة ، لهذا تكون هذه القوة الخفية هى المجهول ، و لذلك كان مذهب الفيلسوف عمانويل كانط أن وجود الله كفرض نسلم به كضرورة ، لأن الله هو الضامن للنظام الأخلاقي ، و هذا النظام الأخلاقي هو الدال عليه. هذا بينما بشرت السنوات الأخيرة في عمر الإنسانية بظهور فضائل إنسانية عامة لا تنشغل بثواب أو عقاب ، إنما هي فضائل نفعلها لذاتها و لجمالها و لخيريتها مع أى إنسان بغض النظر عن لونه أو دينه أو جنسه ، فضائل لا تريد مقابلاً سوى وجه الإنسان الكريم. كناتج ضروري لتواصل العالم حتي أصبح قرية واحدة فاحتاجت عقداً أخلاقياً جديداً يتناسب مع ما وصلت إليه مادياً و علمياً.

زمان عندما كنا نحن السادة ، كنا نفرض على غير المسلمين الغيار و المخالفة في الملبس كي نفرزهم عن المسلمين ، و عندما سقطت سيادتنا و لم يعد بيدنا قدرة إلباس العالم كله ملابس نميزه بها عن المسلمين ، فقد قررنا من جانبنا التميز بملبس خاص بنا استدعيناه من عمق الماضي لا هو حجاب كحجاب نساء النبي و لا هو خمار كخمار الصحابيات ، هو شئ اخترعناه بخلطة هجينة بين شأنين لا يلتقان ، نحن نريد المخالفة في المظهر لإثبات أننا موجودون و أ ننا متميزون ليس بقدرمساهمتنا في حضارة الإنسان و لكن بالحجاب. هذا ناهيك عن الجانب النفسي الذي يشعر بالفراغ و اليتم العالمي ، بحيث يشعرون عندما يرون زيهم المتشابه أنهم قوة و هم كثر و أنهم ليسوا وحدهم ، و كرمز لكل الفضائل العربية المتعلقة بالشرف و الطهارة السلوكية ، بغض النظر عن الواقع العملي لهذا الشرف و تلك الطهارة.

إن مشايخنا و دكاترة أزهرنا و جامعاتنا تركوا تفسير الطبري و النسفي و ابن كثير و الرازي و الزمخشري و غيرهم من أعمدة التاريخ الإسلامي بعد ظهور العلم الحديث ، و اضطروا إلى محاولة إعادة تفسير نصوص الدين بما يلائم المكتشفات الجديدة ، مما يعني أن القديم قد أثبت فشله اليوم ، فلماذا يصرون على قديم الخمار الذي كان مجرد زي له ظرفه البيئي ، و لا يبحثون عن جديد يتناسب مع وضع المرأة في عالم اليوم حتى يجعلوا من الإسلام ديناً عالمياً حقاً يقبله الجميع و يناسب الجميع .

سألوا الشاعر الحطينة و هو في نزع الموت في العقد الثاني للهجرة: ما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدى مثل حظ الذكر. قالوا له: ليس هكذا قضى الله ، فقال: و لكني هكذا قضيت. أن حكومتنا بجلال قدرها و مجلس شعبها الموقر لم يستطيعوا أن يقولوا و لو مرة واحدة يتيمة في وجه سلطان المشايخ و الأخوان “و لكني هكذا قضيت” كما قال الحطيئة . و في شأن أهون بكثير من الميراث ، هو في شأن قطعة قماش مخترعة و لا أصل لها في دين المسلمين.

الإسماعيليون و الموحدون و القرامطة رفضوا تعدد الزوجات و جعلوا الزواج الأحادي هو الشرع الإسلامي السليم ، و نحن نضرب بموقف وزير الثقافة حائط الحريات ، و نفتي جميعاً بالحجاب كفرض ، فنكذب على الله و على أنفسنا و على المسلمين البسطاء الطيبين ، في تجارة سياسية منكرة كثيراً ما افترت على ديننا الجميل الواقعى الأكثر اعترافا بحاجة الأنسان ، الذى هو يسر وليس عسراً.

عندما تتحول فضائلنا و قيم ديننا إلى مظهر مادي يتمثل في لحية أو جلباب قصير أو حجاب أو خمار أو نقاب ، يكون المسلم قد تحول عن الإيمان الصادق إلى الإعلان المنافق ، الإعلان عن نفسه أو عن نفسها كأرقى من بقية المجتمع ، طالبة من المجتمع الإعتراف بطهارتها و نقاوتها و عفتها و شرفها بسبب هذه القطعة من القماش. و هو حسبما يرى علم النفس لون من الآليات الدفاعية عندما تكون الحقيقة الباطنة غير الإعلان ، فلا أحد يدفع عن نفسه جريمة طوال الوقت دون أن يسأله أحد عن جرمة ، فإن فعل فسيكون مرتكباً للجريمة أو مشتهياً لها لدرجة تحققها الداخلي.

عندما تتحول الفضيلة عن جانبها الداخلي المعنوي السري اللاحسي لتلبس الأزياء و موضات و إعلانات محال الأزياء المحجبة ، عندما تصبح الفضيلة مظهراً دون مخبر ، كما حدث في بلادنا مع عودة القادمين من بلاد بن عبد الوهاب. أصبح المعلن فضيلة محجبة و ملتحية و أصبح السر هو مساحة كل مباح ، و تمت إباحة الجرم مادام يحدث في الخفاء عملاُ بالأحاديث: “إذا بليتم فاستتروا” ، “لا تجهروا بمعصية” “من ستر مؤمناً في الدنيا ستره الله يوم القيامة”.

و لأن العمود الأساسي في المبدأ السني الحنبلي هو “أنه لا يدخل ابن آدم الجنة بعمله” إنما يدخلها بأداء الطقوس و الالتزام بالمظاهر التعبدية و برحمة ربك ، في حديث منسوب لنبي الإسلام؟ أى بأداء المظهر بغض النظر عن عفن المخبر ، و الكل يعلم بما يحدث في السر ، و الكل يتجاهل أنه يعلم ، المهم أن تمارس لعبة الإخفاء فلا تقع في جرم مشهود ، فيذبحك الآخرون ممن أتقنوا فنون لعبة الخفاء.

و عندما يصبح الالتزام الأخلاقي في بلاد المسلمين وسيلة تجارة و كسب مادي بأن تشتري لسيارتك من “قطع غيار الإسلام” و تأكل في “مطعم الرحمن” و تنتمي إلي ” حزب الله ” و تشرب “مكة كولا ملتزما” ، بإعلانات لا تستحي لا من الدين و لا حتى من رب الدين. و عندما يصبح الدين في السياسة أو في التجارة ، فإن الفضيلة تكون قد ماتت و تعفنت و يكون الضمير قد أصبح جيفة ، و يكون رب الدين نفسه كحامي للأخلاق و دال عليها ، قد سئم ما وصلت إليه أحوال عباده ، فتركهم حتى يلقوا مصير أمم سادت ثم بادت.

إن مشايخنا و إخواننا الأخوان و أذرعهم الضاربة و هم يمارسون السياسة و يضعون الكرسي الأعظم في الوطن كهدف إسترتيجي ، يلعبون بديننا ، و يضيفون إلى دين الله ما لم يكن فيه فيبتدعون بدعاً هى المكروهة بنص الحديث ، لأن البدعة المكروهة هى الإضافة إلى الدين و الزيادة فيه ، و يفرضونها فرضاً على المسلمين لإثبات أن المسلمين قد أصبحوا أكثر طاعة للمشايخ من طاعتهم لله ، إنهم كما طالبوا محاكمة المفكرين بتهمة إزدراء الأديان ، فإننا نطالب السادة الكبار في هذا الوطن بإعلان بقرار بتنفيذ فوري يلغي الحجاب ، و يحاكم من ابتدعه في ديننا بتهمة إزدراء الإسلام ، و إن أردنا حقاً صيانة ديننا و دنيانا فيجب عدم أخذ هذه الدعوة باستخفاف ، بل ربما أرجوأن تؤخذ مأخذ الجد ، و ساعتها يمكن لنا أن نأمل بأننا سوف نخرج من الثقب الأسود الذي التهمنا ، و أننا سوف نتمكن من اللحاق بآخر قافلة مغادرة نحو النور.

Posted by المجموعة الليبرالية in 22:00:00 | Permalink | Comments (12)

Sunday, July 1, 2007

الدولة الوهم

الدولة الوهم

 

يورد بن عبد ربه في عقده الفريد (ج 2 ص 84) نص رسالة نبي الإسلام إلى وائل بن حجر الحضرمي كبير أقيال حضرموت ، خاطبهم فيها بلغتهم الشديدة الخصوصية ، و التي لم تتأثر كثيراً بلغة قريش لبعدها المكاني و لتراثها القديم الخاص ، تقول الرسالة النبوية :

“من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة (أى أصحاب الممالك المستقرة) ، و الأرواع (أى حسان الوجوه) المشابيب (أى السادة) من أهل حضرموت ، بإقامة الصلاة و إيتاه الزكاة ، في التيعة (التيعة تشكل عدد 40 من الشياه) ، لا مقورة الألياط و لا ضناك (المقورة هي مسترضية الجلد ، و الألياط هي عيدان العظم ، أى لا يكون جلدها مسترخياً لاصقاً بعظمها / و المعنى كثير اللحم) . و انطوا (أعطوا) التيجة (أى الوسط) و التيمة (الداجنة) ، لاخلاط و لا وراط و لا شغار ، و من أجبي فقد أربي (أى أن بيع المحصول قبل نضوجه ربا) ، و كل مسكر حرام”.

كانت هذه رسالة النبي لأهل حضرموت يدعوهم فيها إلى اعتناق دعوته و الاعتراف بسيادته بإرسال ضريبة المال إلى العاصمة يثرب . و شرحت أهم اهتمامات الدين الجديد فبدأت بالأهم ثم المهم ، بدأت بالصلاة ، ثم توقفت مع الزكاة طويلاً شارحة مفصلة المطلوب من ضريبة المال ، ثم بيان حرمة الربا و الخمر في جملتين لاغير .

الملحوظة الأهم أن الرسالة لم تطلب من أقيال حضرموت و اليمن الخضوع السياسي ، لأن النبي كان نبياً لا مقيماً لدول و حكومات ، الرسالة طلبت الخضوع الديني دون أن تتدخل في الشكل السياسي و الإداري القائم في بلادهم. بل مع اعتراف لتلك البلاد بالاستقلال السياسي و استمرار هذا الاستقرار باعتراف الرسالة لأقيالها العباهلة الأرواع المشايب ، و هو تكرار و ترداد لمعاني السيادة و البروزو القيادة مصحوبة باحترام واضح ، و لم يأخذ عليهم شيئاً في طريقة عيشهم و لا نظام حكمهم بل اعترف لهم به و كرمه بالمديح.

كتاب آخر ضمن رسائله إلى ملوك و حكام عالم زمانه يدعوهم فيها إلى الإسلام ، كان كتاب النبي إلى قيصر الروم ، و هو كما أورد نصه الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه (محمد) ص 308 ، يقول نصاً :

“بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، إسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين (رعيته) . يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ، ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا ، و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا : إشهدوا بأنا مسلمون”.

و الملاحظات هنا تقفو بعضها بعضا ، فالنبي خاطب هرقل معظماً له بوصفه (عظيم الروم) ، و لم يقل عن نفسه أنه عظيم العرب ، لأن النبي كان نبياً لا ملكاً ، هرقل رجل دولة و سياسة تجوز له مثل تلك الألقاب التفخيمية . و لأن النبي ما كان منشغلاً بالأمر كرجل سياسة مثل هرقل ، إنما كان منشغلاً بتبليغ ما أمره الله بتبليغه ليس أكثر و لا أقل و دونما تفريط أو إفراط ، فإن النبي لم يطلب من قيصر التبعية السياسية و لا تغيير أنظمة الحكم الرومانية السياسية أو الإقتصادية أو الإدارية إلى نظام حكم إسلامي ، لعدم وجود هذا النظام ، فلم تكن الدولة و أنظمة الحكم ضمن اهتمامات الإسلام و نبيه ، كل ما طلبه هو ما كلفه ربه به ، الدعوة إلى الإسلام . فقط!

لم يقل لهرقل (القرآن دستورنا) لأن الروم هم أعرف الناس بالدساتير ، و كان لهم دستورهم و قانونهم الديموقراطي قبل ظهور الإسلام بألف عام ، و لأنهم في هذه الحال كانوا سيطلبون الإطلاع على هذا الدستور الجديد ليقارنوه بدستورهم و يفيدوا منه إن تيسر ذلك ، كما سبق و أفادوا من اليونان بإرسال البعثات لدراسة التجربة اليونانية السياسية و القانونية لإتمام كتابة دستورهم . هذا بينما القرآن نفسه لم يكن قد اكتمل بعد عند إرسال تلك الرسائل ، و كان مفرقاً في صدور الصحابة و على العظم و اللخاف و العسيب و الرق و الأحجار.

لو كان الدين مرتبطاً بالدولة و سياستها ، لطلبت الرسالة من عظيم الروم تغيير دينه و تغيير نظامه السياسي و دولته . و هو ما لم تطلبه الرسالة النبوية و لا حتى نوهت عنه . الرسالة لم تقل لهم اكسروا الصليب و اقتلوا الخنزير ، طالبته بالإسلام فقط ، لأن النبي كان يعلم أن الدين شأن و الدولة و سياساتها شأن آخر ، و لم يعلن الإسلام للناس يوماً أنه دين و دولة ، لأنها لم تكن تكليفاً إسلامياً من السماء ، و لأنها لو كانت كذلك ما قصر نبينا في دعوته و لأعلنها واضحة صريحة صدعاً لأمر ربه.

لو كان شأن الدولة هو المطلوب إسلامياً ، ما رفض النبي صيغة الملك التي عرضتها عليه قريش ، بل أن الواضح في القرآن هو رفضه لصيغة الملك كشكل من أشكال السيادة على الدولة، فقال : “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة” ، فالصيغة الملكية تطلب خضوع المواطنين الكامل ، و هو ما ترفضه و تأباه أنفة البدوي الحر في صحرائه ، لذلك لم ينضم بدو الجزيرة تحت حكم مركزي إلا زمن النبي وحده في شكل تجمع قبلي يمثل مرحلة انتقالية من القبيلة إلى الدولة ، و لم يستمر هذا الطور طويلاً فتفكك التجمع القبلي و النبي على فراش الموت في شكل نزعات استقلالية مرتدة . و طال هذا الطور القبلي حتى أقام ابن سعود بحلفه مع ابن عبد الوهاب شبه دولة ، ولازالت القبيلة فيها سيدة الموقف ، يحفظون إلى اليوم أنسابهم و ولاءهم القبلي دون بقية أمم العالم ، فلو سألت سعودياً عن قبليته لأجابك بسلسلة نسل و نسب طويلة ، و لو سألت ذات السؤال لأمريكي أو فرنسي لما فهم قصدك ، و لو فهم لاعتبرك مجنوناً.

في القرآن الكريم نجده يحدثنا في سورة الكهف عن ذي القرنين / الإسكندر المقدوني بن فيليب ، و لا شك أن الله كان يعلم أن الإسكندر هو تربية الفيلسوف أرسطو تلميذ الفيلسوف أفلاطون ، و مع ذلك لم يندد بالفلسفة و لا بأرسطو و لا بالسياسة الأرسطية و لا بالجمهورية الأفلاطونية ، لأن شأن السياسة كان خارج اهتمامات الدعوة .

 كان الجدير بالتنويه هنا هو لو كانت الدولة شأناً دينياً ، لكان واجباً أن يعقد القرآن المقارنات بين دولته و الدول العظمى في زمنه كما في مصر و روما و أثينا و فارس و غيرها ، كما قارن بين دينه و بقية الأديان الكبرى في زمنه ليبين فضله و تميزه عن بقية الأديان .

و في سورة سبأ يحكي القرآن كيف أرسل النبي سليمان سفيره (الهدهد) إلى مملكة سبأ التي كانت تتعبد للشمس من دون الله ، و حمّله للملكة رسالة تدعوها للإيمان ، و قد عرضت الرسالة على ملئها أى شيوخ قومها و وزرائها و أهل الخبرة و الدراية ، في دراسة ديموقراطية للموقف ، و مع ذلك لم يعب القرآن على سبأ نظامها الحاكم و لا ديموقراطتيها البدائية و لا طالبها بتفكيك ملئها ، كل ما طالبها به هو الإسلام .

كان محمد داعياً لدينه لا لدولة الإسلام ، و وفقاً لرغبات السماء ، التي لم يكن من بينها التسلط السياسي و ضم البلدان تحت سلطان العرب .

و إذا كانت الدولة هدفاً لدين الإسلام ، فإن ذلك يدفع إلى التساؤل: لقد كان النبي موجوداً و مدعوماً من السماء رباً و ملائكة و مع ذلك لم يتمكن من إقامة هذه الدولة . . . فلماذا؟

لسبب شديد البساطة هو أن الدولة لم تكن ضمن جدول اهتمامات الإسلام ، و لو كانت كذلك لتحققت على يد نبيه كأعظم دولة خالدة على الأرض ، و لم تنتظر الإخوان المسلمين ليقيموها لنا ، و لا انتظرت دستورنا ليقرر أننا دولة إسلامية ، زيادة في دين الله ، و مزايدة عليه ، و على ربه ، و على نبيه.

 

Posted by المجموعة الليبرالية in 10:50:50 | Permalink | No Comments »