Tuesday, 20 February, 2007

يـــا لقـــسوتــك يا وطــــن

يـــا لقـــسوتــك يا وطــــن

العزيز الأستاذ صلاح عيسى

رئيس تحرير صحيفة القاهرة

تحية محبة وإحترام مصحوبة بالإمتنان لشخصك ولأسرة تحرير (القاهرة) لموقفكم المحترم و العادل من قضيتى وبعد ،

هذا الموضوع هو أول موضوع أنشرة بعد إنقطاع دام مايزيد عن العام بشهور عن النشر ، مع قرارى المصيرى بالعودة إلى أحبائى وناسى ، ألتمس فيهم الدفء الإنسانى والدعم المعنوى ، لأن قرائى هم أهلى الحقيقيون ، وبينهم أشعر أن للحياة معنى وقيمة وهدف ، وأنها لذلك تستحق أن تعاش.ولعل الدافع الأهم لهذة العودة هو الأحداث التى تجرى هذة الأيام فى بلادى ، وما تتعرض لة مدنية الدولة من ضغوط خبيثة وخطرة ، وخاصة بعد صدورقانون الأحزاب الجديد ,وما يزعمة تيار الإسلام السياسى حول دولة مدنية بمرجعية إسلامية. ولأنى حتى تاريخة لم أسمع أو أقرأ ردودا متماسكة على هذة المزاعم. ومن موقع تخصصى ، والواجب المفروض على كمواطن ، كان لابد من كسر حالة الصمت التى فرضها على الإرهاب المتأسلم ، للمشاركة بما علمنية وطنى وأهلى فى هذا الوطن ، فهو جهد منهم وإليهم أحاول بة المساهمة فى رد هجمة الخراب الآتى باسم دين جميل وعظيم وبريء مما يأفكون ، هذا إضافة إلى دوافع أخرى يفصح عنها هذا الموضوع ، لم تترك لى فرصة الاستمرار فى الصمت الجبرى.

ولأنى ربما أكلفك بهذا الموضوع فوق ما تطيق ، وأن للنشر فى بلادى حسابات وأسقف حمراء عديدة ، فــقــد قررت نشرة على الشبكة الدولية للمعلومات.

أهدية اليك ، وكذلك للشيخ المثقف والنبيل عبد الله بن زايد صاحب الأيادى البيضاء ، وإلى الدكتور عبد المطلب الهونى الذى كان عوناً وقت شدة كدأبة المعلوم ، وإلى الدكتور ثروت باسيلى الذى كان أخاً صادق الأخوة فى عمق المحنة ، وإلى المقاتلة الجسور فريدة النـــــقاش ، وصديقى الأنسان حلمى النمنم ، وللصديق الكاتب المبدع أسامة أنور عكاشة ، وللأستاذ كمال غبريال وقلمة الصادق الصاعق ، والصديق النبيل و الكاتب النادر محمد البدرى ، و لسعيد الكحل وقلمة الرقيق كحد الشفرة ، و أيمن السميرى وحسم بلاغتة المبلٌَغة ، و سعد صلاح خالص الذى أبكانى بمرثيتة (ترجل الفارس وترك الحصان وحيدا) ، و ليثال اليفن صادق الكلمة والقلم والقلب ، إضافة إلى حشد من الأسماء الكبيرة و المحترمة : الدكتور أحمد البغدادى ، وعباس بيضون ، وعبد الرحمن الراشد ، وسامى البــحيرى ، وعامر الأمير ، وعلى البغلى ، وأحمدالعويــس ، وجاسم المــطير ، وعادل حزين ، وكاظم حبيب ، ونــــورة المسلم ، ولـــطيفة الشعلان ، وإبراهيم الجندى ، وحسن محمد اسماعيل ، وجورجيس كوليزادة ، ولكل الكتاب الأحرار الذين تفهمــوا محنتى ، إضافة إلى أسماء أخرى كثيرة ومحترمة بالمئات ، أكثر مما تسمح به ذاكرتى العجوز ، هم نجوم سمائنا وشموس مستقبلنا ، أرجوهم الصفح والغفران إن لم أشر إليهم إسماً إسماً ، فلهم منى عظيم الإمتنان والتقدير ، وخاصة كتاب الشـــبكة الدولية للمعلومات ، الذين كانوا خير الأقلام وأكثرها طهراً ، فى زمن أصبحت فيه الوطنية خيانة ، و الطهارة جريمة.

بعد تردد دام الشهور المنصرمة ، كان أمامى عدة خيارات ، كان أحلاها مراً:

الخيار الأول والمتاح هو أن اظل قابعاً فى بيتى صامتا أتابع الأحداث تجرى من حولى وانا بلا حول ولا قوة ، أبتلع لسانى الأخرس ويحترق قلبى مع كل حـــدث ، لأنى لا أستطيع أن أصل بكلمتى إلى الناس والتى ربما كان فيها نفعا ولو ضئيلا ، ويملأ الكلام حلقى فيخنقنى ، ويزدحم صدرى بقهر مكتوم ، فلا أجد إلا عالم المكتئبين أجوس فيه دون هدف ولا معنى لأى شىء ، لا هو زمان ، ولا هو مــكان ، لا هو موت ، ولا هو حياه ، هو عالم من فضاء لا نهائى بلا ملامح ولا معالم.

الخيار الثانى هو أن أرتكب الحماقة وأمسك بالفكرة والقلم فى تحد يائس ، وكثيراً ما فعلت ودوما ما كان عيالى يمزقون ما أكتب ، أو يخفونه أولاً بأول ، لنعيــش أياماً من المناوشات والجدل ، فأنــا لهم الأب والأم والعــم والـخال والـصديـق والحبيب ، وهم سر إحتمالى الحياة حتى اليوم ، فهم من زان حياتى المضطربة وجعل لها مــعنى ، وعادة ما كان قرارهــم هو النافذ إزاء ما يتعلق بشئون الأسرة المصيرية ، وإحتراماً للمبدأ كنت أحترم الإجــماع حتى لو خالف تقديراتى وخبرتى.

من المفارقات فى أمــرى مع تهديدى بالقتل ، هو أن دافعى لكــتابة بيان التوقف عن النشر الذى طلبه الإنذار القاتل ، لم يــكن هو الخوف من الموت. وهنا لا أدعى بطولة كاذبة لأن الخوف غريزة إنسانية طبيعية ، بل لأن فى المسألة جانباً شخصياً. فأنا أمــوت كل يوم عدة مرات وأذهــب فى غيبوبات تامة نتيجة خــطأ جراحى فى جـذع المخ ، وهناك كنت أذوق طعم الموت الــصادق فعرفته عن معاشرة ومباشرة وملامسة ، وكان أهم ما خرجت به من تــجربة الموت الــمستمر ، نتيجة اعتبرتها مـــعلومة هامة فى تجربتنا الوجودية ، و هى أن المــوت ليس فيه أى نوع من الألم ولا الشعور ، وليس هناك أى عوالم للعفاريت أو السعالى او الثعابين أو الغيلان أو الملائكة أو الجن ، بل هو إنتهاء للشعور بكل الآلام فى راحة أزعم أنــها جميلة وهادئة..وكثيراً ما تمنيت ألا أعود ، لكنى فى كل مرة كنت أعود وأعلم أنى ما زلت حياً عندما أبدأ الشعور بآلام جسدى المعتل. وفى جلساتى مع أصدقائى كنت أحيطهم علماً بهذه المعرفة النافعة والهامة والمبهجة أيضاً ، خاصة أن هذه المعرفة نتيجة لتجربة حقيقية نادرة فى نوعها ، أمارسها كل يوم مرات وأعــود لأرويها لأصدقائى ، فى خلاصة هى: أن الموت لم يعد مخيفاً ، وهذا كان غاية ما يشغلنى ويشغلهم فيه كظاهرة لم تعد مجهولة.

هذا ناهيك عن كونى لم أدرب نفسى على حمل البندقية ولا الخنجر ، فلا هى أدواتى ولا هى معركتى ، فهذه أدوات موت بينما صنعتى وحرفتى هى الحيا ة ، فدربت نفسى على حمل القلم وصناعة الفكرة حباً فى وطنى وناسى كــهدف تكتيكى واستراتيجى أوحد ، بغض النظر عمن سيرضى أو عمن سيغضب أو عمن يمدح أو عمن يذم. إن السلاح صنع لكى يقتل أما القلم فقد صنع لكى يخلق ويحيي ، بمساعدة العقل المنجز ، ليصوغ فكرة معادلات أو قوانين أو أفكار أو كلـــمات أو إكتشافات أو إختراعات ، من أجل سعادة الإنسان. فإن كانت المعركة بين القلم والرشاش فما أبأسها معركة وما أخسرها موقعة ، وما أسوأه مجتمع يقبل بها ويشرعها ، وعندما يكون عجز الحجة وضعف البرهان والشعور بالـــعار دافعاً للــرد بالقتل ، فما أبأسها شريعة وما أضعفها وسيلة تشرع مثل هذا القانون الخسيس.

بينما عندما يكون الصراع بالكلمة مقابل الكلمة ، والبرهان أمام الحجة ، والدليل إزاء القرائن ، يصبح الصراع صحياً حضارياً منتجاً ، وأنا لمثل هذا الصراع يا سيدى ، سواء نجحت أم أخفقت ، المهم أن تحدث نتيجة فى النهاية يمكنها أن تفعل فى الواقع لترتقى به خطوة... الصراع بهذا المعنى يحل المشاكل ولا يعقدها ، يعرضها على الناس ولا يفرضها ، يـــضع حلولاً عديدة تترك للناس فرصة المفاضلة والتمييز للإختيار بين البدائل ، ويفتح المسا حة لكل الفرص والأفـــكار لتتنافس ليأخذ منها المجتمع ما يراه فى صالحه ، فيهزموا ويُهزمون ، بدلاً من أن يقتلوا ويُقتلون ، ولا يبقى لرأى قداسة ولا عصمة ، لأن ما يمكث فى الأرض هو ماينفع الناس.

أعود بك يا صديقى الإنسان إلى تلك الأيام منذ عام ، وقبلها بحوالى سبعة أشهر ، كانت قد بدأ ت تصلنى الرســالة اليومية لقاعدة أنصار الرافدين ، ثم بدأت الرسائل تأخذ عناوينا خارجية تحمل لوناً من التهديد المبطن والتحقير ، من قبيل (إستمع إلى سيدك أبو مصعب الزرقاوى) وبداخل الرسالة نص خطاب للزرقاوى ، أو مثل (نصيحة لوجه الله) وتحمل نصائح بالتراجع عما أكتب ومناقشة لما أكتب من وجهة نظر إسلامية شديدة التعصب والأنغلاق والفجاجة ، إلى أن أتت رسالة تحمل عنوان (عقبالك) وبالداخل نص بيان قتل إيهاب الشريف سفير مصر بالعراق ، وكل الرسائل كانت بشعار و(بادج) قاعدة أنصارالرافدين ، ومع فتح الرسالة تستمع لأنشودة صوتيه إسلامية جهادية ملازمة لكل رسالة ، وبــــــعدها وصلتنى الرسالة القاتلة ، ولكن بتوقيع (جماعة الجهاد مصر).

وتوقفت الرسائل جميعاً بعد ذلك ، حتى أعلنت بيان توقفى عن النشر ، لتصلنى رسالة أخرى تحمل الغفران وقبول التوبة ، موقعة بدورها من جماعة الجهاد مصر ، وتوقف كل شئ بعدها. ومن ثم كان لابد أن أربط هذه السلسلة جميعها ببعضها ، وأن من أرسل الرسائل السابقة كلها من الـعراق ، على إرتباط وثــيــق وتفاهم وعلم متبادل مع من أرسل رسالة التهديد ورسالة الغفران بتوقيع جماعة الجهاد مصر ، وأنه من الغباء الفصل بين رسائل انصار قاعدة الرافدين وبين رسائل الجهاد مصر. ومنذ شهور أعلن الرجل الثانى فى القاعدة ( أيمن الظواهرى ) اندماجا علنيا للجماعة الأسلامية بمصر ، ولجماعة الجهاد المصرى ، بالقاعدة ، وبينما أعلنت الجماعة الأسلامية إن صدقا او كذبا عدم موافقتها على بيان الظواهرى ، فإن جماعة الجهاد المصرية لم تصدر أى تكذيب حتى الآن.

إشترط الإنذار التهديدى بقتلى خلال أسبوع من وصوله ، إن لم أنشر بيان توبة بمجلة روزاليوسف تحديداً ، والتى كنت أنشر بها دراساتى أو كما قالوا (كفرياتى) ، (وأسميته فى حينه: بيان توقف عن الكتابة والنشر لأنى لازعمت أنى سأتوقف عن التفكير ولا أنى سأتخلى عن مبادئى ، أعلنت فقط توقفى عن النشر تحت وطأة التهديد بالقتل ، ورددت خلف البيان مطالبه ، مع توضيح أن هذا الترديد هو خضوع قهرى لا إرادى). وللصدف غير السعيدة أنه قبل ذلك بأسبوعين كنت قد توقفت عن الكتابة لتلك المجلة ، بعد أن أحيل رئيس التحرير الأستاذ محمد عبد المنعم للتقاعد ، واستلم محله الشخص الذى كان رقيباً على مقالاتى. وكثيراً ما تدخل هذا الشخص بجـهل أحـمق وحـمق أخـرق فى مناطـق لا يعرفها ولا يفهمها ، مما أثار مشاكل مستمرة بينى وبين المجلة ، كانت تصل احيانا إلى حد توقفى عن الكتابة لها شهوراً ، ليتلفن لى رئيس التحرير مرة أخرى ويعد بعدم التدخل ، وهكذا دواليك.. حتى وصل السيد الرقيب إلى سدة رئاسة التحرير ، وما كان ممكناً أن أكتب للمجلة بعد ذلك. وبعد أسبوعين من التوقف جاءت الرسالة المنذرة بالقتل تطلب نشر بيان التوبة بالمجلة المذكورة. وهو ما أضطرنى إلى الخضوع راغماً للأتصال برئيس التحرير الجديد (الرقيب سابقاً) وكذلك السيد رئيس مجلس الإدارة الذى كان صديقا ذات يوم للأسف ، لمحاولة الوصول إلى تفاهم وإتفاق بين كافة الأطراف ، بما يضمن حمايتى بشكل لائق ومناسب ، سواء كنت سأنشر عندهم أم عند غيرهم. لكن السادة الذين أصبحوا كباراً فجأة لم يغفروا لى شكواي لرئيس التحرير الأسبق مرات من تدخل الرقيب ، كما لم يغفروا لى توقفى عن الكتابة لهم بعد أن وصلوا إلى سدة حكم المجلة.. فلم يرد على أحد منهم بالمرة. فا تصلت بالدكتور وســــيم السيسى وهو صديق وكاتب بنفس المجلة ، بإعتباره رجلاً وسطياً ودبلوماسياً ، ليتحدث معهم لنتقابل لنتفاهم. ويبدو أن الرجل قد عجز عن فعل شئ ، وكنت قد أرسلت لهم الإنذار ، وصيغة لبيان توبة لعله يحفزهم ، ولكن دون جدوى.

تكتمت الأمر عن أسرتى ، وبالطبع أبلغت الأمن العام وأمن دولة المكان الذى أقيم به ، وأرسلت رسالة بالفاكس إلى اللواء حمدى عبد الكريم مساعد وزير الداخلية موضحاً كل الملابسات.. وذلك فى شكل بيان توقف عن النشر أستثير فيه النصرة ، تنطق كل كلمة فية بطلب نجدة رسمى ، حتى لا أضطر لنشرة ومن ثم التوقف بعدها. كنت أنتظر نصرة حقيقية واضحة تشعرنى أن الاستمرار فى المواجهة ممكن إذا أمكن تقليل نسبة المخاطرة ، وهو ذات البيان الذي نشرته من بعد على الصحف. و كان رد الجميع كان هو الصمت التام ، عدا زيادة نفر من خفر الحراسة الريفيين ، الذين لا يعلمون عنى سوى أنى رجل كافر وعميل لإسرائيل وأمريكا. بل أن تليفونات كل هؤلاء السادة أغلقت وخرجت من الخدمة. كانوا يشعروننى عن عمد وعن قصد بالتجاهل والإهمال التام. كان الكل يدفعنى دفعاً للإستجابة لتهديد الاستتابة ، بينما الأيام تمضى وانقضاء يوم المهلة يأتى محمولاً.. لا أعلم على قنابل أم سيوف.

منذ أبلغت مكتب أمن الدولة حيث أقيم بالرسالة التى حملت عنوان (عقبالك) كان قد انقضى يومان ، ووصل البيان الثانى القاتل ، إتصلت بذات المكتب ليرد على بيه آخر من بهوات أمن الدولة ، فأخبرته بوصول بــــيان جديد منذ دقائــق ، وقلت له: "أدخل النت بسرعة على الإميل الخاص بى" ، وكنت قد أعطيت كلمة السر لهم قبلها بيومين ، لكن لأكتشف أن هذا البيه لا يعرف ما أبلغت به زميله البيه الأول منذ يومين بالمرة. قال: "أنا مش فلان بيه إللى إنت كلـــمته لأنه فى أجازة". أعطيت البيه الثانى كلمة السر مرة أخرى ورجوته الدخول على بريدى سريعاً فكان رده المبهر الصادق: "أصل أحنا هنا ما عندناش نت"؟! (ولا تفهم هنا لماذا أخذ فلان بية الأولانى كلمة السر: تهدئة لخاطرى أم هى لامبالاة تامة؟). قلت: "يا سيدى أبلغ لاظوغلى وهم يتصرفوا". قال: "طيب قبل ما أبلغ أرسل لى صورا من تلك الرسائل على ورق لأطلع عليها". أجبته بالإيجاب وطالبته بإرسال مندوب عنه إلى بيتى ليتسلمها ، فكان رده المبهر: "طيب ملينى عنوانك "؟! سادتنا البهوات بأمن الدولة بعد كل ما حدث يريدون عنوانى؟! هذا بينما كانت "روز اليوســـف" تنزل على النت قبل صدور العدد الورقى ، وبها موضوع يؤكد أن كل ما حدث هو فبركة مخترعة من جانبى. ولتأكـــــيد أنها فــبركة استشهدوا بإثنين من أهل الخــبرة والمعرفة ، ليس من بهوات بوليس مصر ، ولا من خبراء الإنترنت ، ولــكن من خبراء الجماعات الإرهابية ، منتصر الزيات محامى الإرهاب المعروف ، وكمال حبيب المحكوم بقضايا إجرام إرهابى عشر سنين ، و سبق له الــحبس فى عمليات إرهابية ضد الوطن ، وسبق لى أن هــزمته شر هــزيمة ، أو بالأحرى سحقتة سحقا فى برنامج الإتجاه المعاكس بقناة الجزيرة.

هنا أدركت حــجم ودلالة المــثل القائل: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". بعد سبع ساعات رفعت المجـلة من على النت فضيحتها المؤسفة المخجلة ، لكن بعد ان سجلتها عندى وقرأها الناس ، ولكـن فى الأسبوع التالى تم تخــصيص الغـــلاف وكلمة رئيس التحرير ورفاقه أعضاء جماعة "إذا لم تستح" تحت عنوان كبير هو "فيلم سيد القمنى". لتأكيد أنى أفعل كل هذا بقصد الشهرة!! وأنه لا إرهاب هناك ولا هم يحزنون ، وأن جماعة الجهاد قد تم القضاء عليها فى مصر منذ زمان ولا وجود لها. وأعادوا الإستشهاد على ذلك كمال حبيب المدان بالقيام بأعمال إجرامية إرهابية ، وبمحامي الإرهابيين منتصر الزيات ، بينما يعلم رئيس تحرير المجلة (الرقيب سابقاً) ، أنى لست بحاجة لهذه الشهرة ، فالحمد لله كتاباتى معلومة لدى قرائى الموافقين والمعارضين بجديتها ورصانتها ، واحترامها لذاتها وللناس ، ولمصالح الناس وللوطن ، ومستقبل الوطن ، ولم أسع يوماً لأكون رئيس تحرير لأى شئ ، ولم أطلب يوماً عضوية فى أى جهة ، لا أهلية ولا حكومية ولا حزبية ولا حتى فكرت بتسجيل نفسى باتحاد كتاب مصر ، مُصراً على حرية قلمى من أى قيود أو ضغوط ، مكتفياً بسعادتى بين أولادى.

المضحك المبكى أنى بأعمل شهرة لنفسى وأنا مقبل على الصمت والتوقف عن الكتابة والنشر ، يعنى شهرة للاشيئ؟! شهرة للصمت؟! نكتة سوداء قبيحة تليق بمن أطلقها ، وبمن كررها وظل يكررها ممن يزعم الليبرالية و الذى ينــصب نفسة مشيخة اللــيبراليين الـــعرب ، دون أن يشعر لحظة بفداحة ما يرتكب على كل المستويات ، بما فيها الأخلاقي وهو مناط اعتزازنا نحن الليبراليين.

ولد القلق فى الليلة الرابعة على تبليغ جهات الأمن ، والتى يجب أن تسألوها ماذا فعلت أكثر من زيادة خفير تم سحبه بعدها بأيام؟ ولماذا لم يقابلنى منهم أحد إلا بعد مرور أكثر من شهر ، ودون أى نتيجة ترتبت على هذا اللقاء ، رغم قسمهم المغلظ بأنهم سيقبضون على الإرهابيين خلال أيام. و فى الليلة الرابعة السوداء جمعت عيالى حولى وصارحتهم بالموقف وأطلعتهم على ما جاء على بريدى الإلكترونى ، وموقف مجلة "روز اليوسف" ، وموقف الأمن. لحظة الرهبة ولدت فى تلك الساعة.... كم كان هلع أطفالى وذعرهم وما رأيته فى عيونهم الغا ئمة وراء الدموع ، والزائــغة هلعاً على أبيهم ولـــــهفاً عليه... سجـــدوا على الأرض يقـــبلون أقدامى ، يستصرخوننى أن أفــعل المطلوب منى ، وأنشــر البيــان الذى أرسـلته لروز اليــوسف ولم تنشره ، ضربوا رؤوسهم بالأرض وبالـــحوائط حتى أدموها ، وأنا متــردد ما بين إشفاقى عليهم وبين خطورة مثل ذلك القرار. هنا وفى حالة إفاقة عصبية هستيرية إتهمتنى طفلتى (نفرتى( بالأنانية و "أنى عايز أجيب أجوان فى الإسلاميين" بغض النظر عن حياتى التى هى عمود أسرتى.

حاولت أن أشرح ان الموضوع أكبر من أسرة وإنها ليست أجوانا إنما قضايا مصيرية ، لأنها قضية الناس فى هذا الوطن ، وأنى لن أتراجع فى نهاية عمرى. قالت (سلوى): وما أشد قسوتها عندما قالت ، وهى من كانت الحضن الحنون فى الشدائد: "هوة احنا مش من الناس فى هذا الوطن؟ ما نشبهش الاقباط فى أبحاثك؟ هوة احنا مش من جنس المرأة إللى بتعتبرها قضية ليك؟ ما نصلحش قضية ليك بالمرة؟ هوة انت مش شايفنا خالص؟ كل ما تتكلم تقول فلذات أكبادى!! هل هذة الطفلة الصغيرة إللى لسة محتاجة لرعاية الأب ما تصلحش قضية ليك؟" ثم كانت حجتهم البالغة عندما عادت إيزيس للماضى القريب تذكرنى بما حدث لعمو فرج (تقصد فرج فودة) ، و ما حدث لزوجته وإبنه احمد اللذين أصابهما الجنون بعد فقد رب الأسرة ، وبعد ما واجهوه من قسوة البشر؟ وولدة الأكبر ياسر الذى لم يحتمل موقف المجتمع منة ومن أبيه فاختار أن يلحق به؟ وكانت الحجة قاطعة فى الموقف وراجحة أمام أى قضية ، وولد الخوف..... ساعتها. خوف أن أفجع عيالى فى أبيهم ، كما حدث للحبيب الغائب الــحاضر دائماً وأبداَ ، عطر السيرة ، الصديق الجميل ، الإنسان الشفاف كأطفال الملائكة... ( فرج فودة ) ، ولأسرته المحترمة والجميلة التى دمرها موت عائلها ثم تكفل المجتمع (ويا لقسوتك يا وطن) بالإجهاز عليها من بعده. بينما أقسمت إيزيس أننى عندما أنزل القبر فستكون بصحبتى ، أما الأهم ، فكان تصورى ماذا سيحدث لهم من بعدى فى هكذا وطن وبين هكذا بشر حتى لو قرروا ان يعيشوا بعد مقتل ابيهم؟.

وما لم يلحــظه رجال الأمن ، أو تجاهلوه ، أنه بعد نشرى بيان التوقف عن النشر انفجرت شرم الشيخ ، ببيان من جــماعة الجـهاد المصرية تعلن مسؤليتها عن الحدث ، وهى الجماعة التى أنكرت روز اليوسف ومحامى الإرهاب الإرهابى منتصر الزيات وزميله الإرهابى كمال حبيب وجودها فى مصر بالمطلق. (علما أن المحكوم بالأرهاب كمال حبيب هو عضو مؤسس فى تلك الجماعة). والسؤال الأخطر هنا هو: هل كان ممكناً أن تنفجر شرم الشيخ ، وبعدها مدينة دهب ، وبعدها العريش ، لو تم الربط بين رسائل الجهاد التى وصلتنى من مصر وبين رسائل القاعدة القادمة من العراق؟ ولماذا لم يتم أخذ الأمر بجدية؟ ويوم كتبت فى روز اليوسف قبل كل هذا بشهور يوم تفجيرات طابا ، موضوعاً بعنوان (إنها مصرنا يا كــلاب جـــهنم) ، حذرت أن الجهاد الذى أعلن مسؤولــيته عن ضرب طابـــا هو حقيقة ، رغم إنــكار الجميع أن يكون موجوداً ، ومع إصرارا الداخلية عل أنها قد قضت عليه بالتمام والكمال. وقلت: إن هذا الجهاد هو ذات الجهاد القديم أيقــظته مغامرات القاعدة ، وأنة قد أصبح فرعا للقاعدة فى مصر أو حليفا محليا لها ، هذا بينما كان الرقيب وزملاؤه من أعضاء جماعة (إذا لم تستح) يؤكدون وفى نفس العدد ، أن الجهاد قد قضى عليه فى مصر مع إنكار تام أن يكون فى مصر أى خلايا قاعدية. رغم مايـــحدث من تفجيرات متتالية تحصد الأبرياء حصداً. ولمزيد من الإنكار تحولت الداخلية إلى إتهام بدو سيناء على التعميم ، ممـــا يشير إلى إتهام جزء كامل وعزيز من شعب مصر بالعمالة. ولمزيد من التأكيد شنت الداخلية حملات واسعة مهينه على بدو سيناء المهمشين أصلاً ، والمهملين طوال الوقت ، لتأكيد نظرية أن الجهاد إنتهى بمصر ، وأن من يقوم بهذه الأفعال هم بدو سيناء على المشاع.

ثم كان الخيار الثالث هو الهجرة ، والتى تيسرت لى فوراً لعدة بلدان بعروض كريمة سخية ، سعى فيها قراء لا أعرفهم بأريحية كانت البلسم المداوى لجراحى ، وهم من يستحقون هنا إمتنانى العظيم وتقديرى لما سعوا فيه ، وجهدوا عليه جهداً مــخلصاً وكبيراً ومـــحترماً.

لكن مسأ لة خروجى من مصر مهاجراً ، كان يقف دونها ارتباط من نوع خاص بينى وبين مصر ، وحالة عشق كانت تتسبب فى إصابتى بما يسمى (هوم سيكنس) فى حال سفرى لبضعة ايام ، رغم كل ما فيها من بؤس وكـوارث متلاحـقة تقع على رأس أمثالى تحديدا. بل ان المعاناة اليومية كانت دوما هى القوة الدافعة لعملى وهى المفجرة لطاقاتى ، وليس معنى ان نعانى ان نترك الوطن ونهاجر عملا بالنصيحة: ألم تجدوا ارض الله واسعة فتهاجروا فيها ، فالمعاناة أدعى للتشبث بالوطن والعمل على تغييرة من اجل رفع المعاناة فيه عن المواطنين وليس الهرب منة الى ارض اللة الواسعة ، حيث ستكون الكتابة فى الأرض الواسعة رفاهاً وترفا لا تعيش الواقع فى موطنها ولا تنفعل به. هذا اضافة الى الجانب الشخصى وهو حالتى الصحية والتى لا تحتمل أن أعيش وحـــدى وأرعى نفسى بنفسى ، مع ما ينتابنى من غيبوبات تؤدى أحياناً إلى سقوطى متهاويا ، مما كسر أضلاعى ومزق كتفى عدة مرات ، ومن ثم كانت فكرة الهجرة هى الفكرة المستبعدة من البداية.

واستمر وجع عيالى لما كانوا يقرأونه منشوراً عن أبيهم ، حتى وصلوا للتساؤل عن مدى إستحقاق هكذا وطن لكل هذا العذاب؟ وأخذوا يفقدون الثقة بوطنهم وبأى قضية تعلموها ، مع الهجوم المريض من الكتاب المحسوبين على الليبراليـــة ، بعدما توقفت عن الكتابة. ورغم ذلك فإنى تركت كتبى تباع بالأسواق ولم أسحبها من الموزع أو الناشر ، وهى تباع حتى اليوم. وكذلك لم أمنع أى جهة ناشرة سواء شرعية بالإتفاق مع المؤلف ، أو غير شرعية بالسطو على أعمال المــؤلف ، سواء ورقية أو الكترونية ، من نشر دراساتى وكتبى ، ولا حتى احتججت على ذلك.

ثم جاءت أخر المواجع من سعادة المستشار ، وكم كنـت مزكـيا لهذا الرجل فيما كنت أكتب تزكيه للمبدأ ، حتى لو سقط صريع نزوات لا تعنينى. إنتـــــهـز سعادتة زفة مولد تجريس (القمنى) وصمته عن الكلام والكتابة ، ليتهمنى غمزٍاً بالتجارة ، ولمزاً بالأكل على كل الموائد ، إضافة بالطبع إلى جبنى العلنى وفزعى من التهديد ، مٌضيفا أنة هو الأسد الهصور الذى لا يهاب ، بينما صراخه وعويله على حرسه يمــــلأ الآفاق. المصيبة فى قولة: إنى رغم فزعى فأنا طالب شهرة؟!! فكيف يلتقيان؟ يعنى أنا من فبرك الحكاية طلبا للشهرة ، ثم فزعت خوفا من التهديد الذى كتبته بنفسى لنفسى!! هو نفس ما قال شيخ الليبراليين !! رحم اللة الشيخ الحقيقى لليبراليين العرب (فرج فودة) الذى عمد مشيختة بدمه ، وهو دم لو تعلمون كم هو عظيم ونظيف ، ولم نعهد عنه أبداً إلا الوقوف بعقله وروحه وقلبه مع أنصار الحريات فى ما كانوا يتعرضون لة من محن ، لذلك هو دوما طيب الذكر بيننا جميعا.

لقد كان كلام المستشار بالذات هو الصدمة الموجعة لعيالى لكثرة ما زكيته لهم ، كـــما سبق وزكيت شيخ الليبراليين (كما يحب أن يوصف) ومدحتة على قناة "الحرة" وأثنيت علية ثناء حاراً. فــكان جــزائى مـنة سلسلة من المقالات كان أولها كما تذكرون (سيد القمنى: بئس المفكر الجبان انت). رغم ان بيوت سادتى هؤلاء كلها من زجاج او هما بالأحرى رجال من زجاج. وكان المفترض أن اخذ منهما ثأرى هنا ، لكنى لا أريد مزيداً من الثغرات بالبيت الليبرالى ، وحتى لا أنصرف عن الجهد الحقيقى إلى معارك جانبية ، قد تشفى منهم صدرى ، لكنها لن تعود سوى بالمضرة على القضية الأسمى.

وبعد الترهيب ، أبداً لم أخضــع للإغواء والترغيب ، ذلك الترغيب الذى بدأه الشـــيخ الدكتور عبد الــصبور شــاهيـن بالتليفزيون علناً فى دعوة مفتوحة ، لتسخير قلمى الذى أثنى عليه ، من أجل الدعوة الإسلامية ، حتى أكسب سعادة الدارين ، سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. ومثلاً لسعادة الدنيا قال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ، وهى عبارة للنبى قالـــــــها لعمرو بن العاص الذى تأخر إسلامه حتى بدأت بوادر فتح مكة ، فذهب للنبى يقول إنه إنما جاء مؤمنا وليس طامعاً فى مال أو مغــنم. فأرسله النبى فى غزوة وقال له: "اذهب فازغب لك زغبة من المال ، نعم المــال الصالح للـرجل الصالح". كانت دعوة الشيخ عبد الصبور رشوة علنية فصيحة ، لأزغب لى زغبة من المال أحقق بها سعادة الدنيا ، ببلهنية العـيش الطرى وطراوة العيش الهنى ، ومن بعدها سعادة الآخرة فى جنة عرضها السماوات والأرض ، وأكون قد كســبت بذلــك سعـــادة الدارين. وبعد الشيخ عبد الصبور تتالت الدعوات الســخية من كـــافة الأطراف الإسلامية ، تعد بدورها بســعادة الدارين. وهنا أيضا لا تفهم كيف أمكن لهذة العقول على كثرتها أن تتصور توقفى عن النشر تحت الإرهاب العلنى هو انتقال إلى الجهة الأخرى؟!!!!! ورغم عروض زغب المال الصالح لأكون رجلاً صالحاً ، فإنى فضلت أن أكون كما أحببت وكما اخترت لنفسى ، وأن أشتغل عند نفسى فقط كما كنت دوماً ، ................. لكن ما حدث بعد ذلك كان هو الأسوأ!!.

فى مغامرة تصورت أنى سأزيــد بها دخلى ببعض المــال الحلال دونما غزو ولا زغب ، قمت بوضــع كل ما أملك فى طبـاعة كل أعمالى السابقة ، وسلمتها للسيد خالد زغلول صاحب دار مصر المحروسة ، كأمانة توزيع بوكالة تعاقدية نظير أجر. كما تعاقدت معه على نشر ثلاث كتب لى ، ثم جاءت الأحداث و الإنذار والتوقف عن الكتابة ، ليستثمر زغلول الموقف لعــــمل دعاية رخيصة لداره ولنفسه ، فى ظل سكوتى ورفضى أى لقاء صحفى أو تليفزيونى. وظل يقابل كل من يطلب كـلامى ليقول هو ما يريد بابتذال أساء لى أكثر ، ولم أتمكن من إيقافه حتى حقق مراده. وبعدها بدأت الدفعات المالية المتفق عليها تتبــاعد وتقل حتى توقفت تماماً ، وهى دفعات من حقى فى الكتب الثلاث التى نشرها لى ، ولم تكتمل حقوقى فيها ولم يـــزل لى فى ذمته مستحقات لم يسددها بعد. أما ما دفعت فيه كل ما أملك أنا وعيالى وسلمته له لتوزيعه ، فلم يصلنى منه مليـــم واحد. وفى رحلة استجداء بائسة تعسة سعيت فيها مرات ومرات وراء عشرات الأماكن التى يتواجد فيها ، ليهرب مرة ، ويلقانى مرة لكن دفتر شيكاته مش معاه ، إلــى أن أنـذرنــى هــو بالتوقف عن مطاردته حيث لم تعد لى بعد أى حيثيه استند إليها للضغط عليه ، وأنه راجل مسنود وأقاربه فى سلك النيابه وأمن الدولة ، وأنى ما ليش عنده ولا مليم ، وأعلى ما فى خيلى أركبه ، ولما لم يكن عندى خيل لأركب أوطاها ناهيك عن أعلاها ، فقد رفعت علية قضية خيانة امانة بمحكمة عابدين برقم5249 ودعوى مطالبة عن مستحقاتى عن عقود نشر 3 كتب برقم 6604 ، ومن يعلم شؤون التقاضى فى مصر ، وما تحتاجه من صرف غير رشيد من محامين وخبراء ورسوم وعمر مديد ، يعلم حجم مصيبتى الكارثية.

وهكذا توقف أولاً دخلى من الكتابة فى الدوريات داخل مصر وخارجها بعد بيان التوبة ، ثم توقف دخلى من مؤلفاتى بعد أن اســتولى عليه خالد زغلــول صاحب مصر المحروسة ، حتى أشرفت على هلاك أنا وعيالى ، و لــم يبق سوى أن أفكر جديا فى البقاء بأمريكا كمهاجر ، بغض النظر عما يمكن أن أعانى فى مشارف الستين بأمراض عضال...... ومن الإنذار القــاتل ، إلى شــيخ الليبراليين ، إلى الأسد الهصور ، إلى مصر المحروسة..... كانت رحلة مفكر مصرى أراد لنفسه الإستقلال ليقول كلمته حرة من أى ضغوط ، فكانت محطاتها... من الــذ ل... إ لى الحــا جة............ إلى الــــــهوان.. فإلـــــيــــك يـــــــا وطنـــــــــــى................................................... الـــمــُشـــتـــكــــــــى ، إليك شرفى المغدور بادعاءات رخيصة ممن كنت أزكيهم وأحتسبهم العون و الملاذ عند الشدائد ، إليك يا وطنى أرفع الشكوى لمعاناة عيالى فى رحلة عذاب طويلة دونما ذنب لهم سوى أنى أبوهم.

إليك يا تـــــرا ب مــــــــــصـــــر............ أشــــــــــــكـــــــــوك ، إليك أيــــها الطــــاهــــــر .........................أرفــع عذاباتى وذلــى وضعــفى وهــوانى عــليك ،

10/7/ 2006

شيكاجو - أمريكا

بعد قضاء حوالى الشهرين فى أمريكا مع تجربة هى بحد ذاتها محنة لا يعرفها أويكابدها إلا عشاق الوطن ، مع ما كان متوقعا سلفا من عدم احتمال جسدى العليل للعيش وحيدا ، قررت العودة الى بلادى ، مع قرار مغامر وربما كان انتحاريا ، بالعودة الى الكتابة والنشر والمشاركة فى قضايا بلادى من داخل بلادى ، لأنى مع التوقف عن العمل ازداد انهيار صحتى بتسارع أعلى.

قلت فى بيان التوقف عن النشر أن هذا التوقف سيكون بالنسبة لى موتا بطيئاً فإذ به يأتى سريعا ، وأدركت أنى أموت اختناقا ، أموت موتا فطيساً ورديئاً. وعقدت لأسرتى اجتماعا شرحت فية حالى الذى كانوا يرونه بأعينهم ، مع طرح رغبتى المصيرية بالعودة للكتابة والنشر للمناقشة. واستمر النقاش والأخذ والرد شهوراً أخرى حتى تمت الاستجابة لمطلبى مع تردد وتحفظات قائمة حتى يوم نشر هذا الموضوع.

وهنا لا بد من قول واضح وصريح فى بيان للناس وهو: أنى أعلق دمى برقبة الحكومة المصرية التى عليها أن توفر لى ولأولادى حماية مناسبة كالتى توفرها للسادة من كبار المتنفذين ، الذين يتقاضون رواتبهم من جيبى ومن قوت أولادى ضرائب ، دونما سبب واحد واضح لتلك الحراسات الكبيرة والمهيبة التى تسبق مواكبهم وتلحقها. بينما شخصى الضعيف هو من أعطى هذا الوطن ما يعلم وما تعلم رخيصا بلا ثمن سوى الوله به ، وبالحب وحده ، ودون أن اكلفه شيئا سوى أن أعيش فية كريما ما أمكن ، و دون مكرمة منانة من أحد ، وأن يتوسدنى ثراه الطاهر بعد مماتى ليضم عظامى إلى جوار رفاة أبى وأجدادى ، ........ لا أن يضعوا لى حراسة شكلية من الحرس الريفيين شبة الأميين ، الكارهين ، كما هو حادث. والمطلب الملح الآن هو أن يعلن المسؤولون الأمنيون تكفلهم بتوفير هذة الحماية المحترفة المدربة الكفوءة بشكل فصيح وعلنى وواضح بلا إلتباس ، مع إعلان مسؤليتهم الكاملة عن حياتى حتى يقضى الله أمره. وهى الخطوات التى لو تمت مبكرا ما اضررت لما حدث ، وهوالأشرف لى ولبلادى ولهم ، من أن أعيش فى كنف وحراسة بلاد أخرى لمجرد أنها تعرف قيمة الإنسان. فهلا عرفت يا وطنى قيمة الإنسان؟ وهلا رفقت يا وطن لعاشق يهيم بك متيما؟ أم ستظل طارداً لمحبيك قاسيا لا ترحم؟

بهذا الموضوع وبمجرد نشره أكون قد رفضت التهديد الإرهابى وأكون قد ألقيته فى وجه مرسليه مصحوبا بالاشمئزاز والتقزز بل والقرف ، مع التحدى أن يكونوا على قدر ما أســوق بوجـوهـهم من منـطق واضح إن كانـوا أهلا لهذا ، وأكون قد شرعت قلمى فى

مواجهة فقهاء الظلام مرة أخرى. وإن كان من الموت بد فإنى أعلق دمى برقبة الحكومة المصرية كلها ، وبرقبة وزارة الداخلية خاصة ، ثم برقبتك أنت أيها المعشوق الأجمل.... برقبتك يا أجمل الأمكنة بين كل الأمكنة...

يا وطـــــن....

القاهرة - مصر المحروسة أبداً

30 / 12 / 2006

elqemany@yahoo.com

----------------------------------------------------------------------------

Posted by المجموعة الليبرالية at 12:50:26 | Permanent Link | Comments (8) |

Thursday, 15 February, 2007

فوضى الولاءات

فوضى الولاءات

خلال أسبوع واحد شهدت مصر مواقف وأحداثاً ترتبط جميعاً برابط موضوعي واحـد تـقف وراءه منظومـة فكرية واحـدة وإن اختلفت الطرق فيها إلى الهدف المتفق عليه.

في سابقة خطيرة تطوع فضيلة المفتي الشيخ علي جمعة ليفتي بوجوب دفع المسيحيين المصريين من غير الأرثوذكس الجزية ، وأن الجزية مبدأ إسلامي لا يمكن التنازل عنه. وهو الكلام أو الفتوى التي سبقته إليها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بلسان مرشدها الأسبق مصطفى مشهور ، وحينها هبت مصر بكل أطيافها تستهجن وترفض وتدين تلك الفتوى التي اتهم الإخوان حينها بسببها بمحاولة تمزيق مصر بين طوائف مواطنيها. لكن القائل هذه المرة هو مفتي الديار المصرية وليس قولاً فلوتاً لجماعة محظورة.

وفي السادس من أكتوبر تعرضت ورشة عمل يقيمها مركز ابن خلدون تحت عنوان "الإسلام والإصلاح" لعملية بلطجة إسلامية قام فيها البلطجية بتكسير القاعة وإقامة الصلاة الجامعة فيها. النكاية ليست في هذا المناخ الذي يذكرنا بمناخ الثمانينيات أيام ترعرع الإرهاب في مصر ، إنما فيما تلا ذلك عندما طالب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور سيد طنطاوي بضرورة إيقاف مؤتمرات هذا المركز العلمي المدني والتصدي له ولغيره من مراكز المجتمع المدني:"لأن هذه المراكز لها دور تخريبي في المجتمع المصري" ، ووصفهم جميعاً بأنهم من "الخارجين".

وفى السابع من أكتوبر عادت رياح الإرهاب العاتية لتدمر وتقتل في طابا في كارثة دموية ستحتاج زمناً حتى تلتئم بعدها جراح السياحة في مصر كلها ، بينما انتهت كل البحوث إلى أن السياحة يجب أن تكون المصدر الأول للدخل للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة على مستوى الفرد ومستوى الدولة. وأخيراً ونتمنى أن يكون آخراً تم رفع دعوى حسبة ضد الكاتب القدير أسامة أنورعكاشة بادعاء تجاوزه حدود الأدب في وصف الصحابي عمرو بن العاص.

قراءة هذه الأحداث المتتالية تشير إلى خلل في الولاءات.

فقد نفهم تطرف الإخوان عندما يطالبون إخواننا في الوطن بالجزية ، ولكن ما ليس مفهوماً بالمرة أن يصدر ذلك عن مفتي البلاد ، عندما يترك موقع الولاء للوطن ، ذلك الوطن الذي وضعه في هذا المكان الرفيع ، لنجده يعمل بقاعدة الولاء والبراء فيوالي المسلم ويتبرأ من غيره ويطالب المصري المسيحي بدفع الجزية ، لينتقل من موقعه في الحكومة المصرية إلى جوار الجماعة المحظورة جنباً إلى جنب ، بدلاً من السكن في قلوب مواطنيه مسلمين ومسيحيين لأن الولاء الذي عمل به مولانا هو ولاء لجماعة إسلامية كبرى لا تعرف معنى الوطن وقدسية المواطنة.

وقد نتقبل على مضض ما قام به بلطجية التطرف بتدميرهم ورشة عمل مركز ابن خلدون في انتظار القصاص ، لأنه هكذا كانوا وهكذا عادوا وهكذا اعتدنا منهم ، لكن غير مقبول لا بمضض ولا بغيره ولا مفهوم ولا مبرر أن يهاجم شيخ الأزهر منتدى فكرياً ضم أسماء لوامع في عالم البحث العلمي وكلهم مسلمون وكلهم اجتمعوا من أجل المسلمين ، لأن رأياً هنا أو قولاً هناك استجد على قائمة الممنوعات الأزهرية.

لقد شن شيخنا حملته في وقت وظرف محلي وعالمي يطالب بالإصلاح وبإطلاق حرية المناقشة والرأي والقول ، لنصنع بأيدينا تغييرنا المأمول قبل أن يأتي المارينز ليصلحوه لنا بطريقتهم. إنها مرة أخرى حالة اختلال الولاءات ، ما بين وطن يحتاج قطعاً لإصلاح عبر مشوار طويل ، وبين الولاء لخطوط حمراء صنعها فقهاء من بني الإنسان اكتسبت بالتقادم قدسية الدين وأصبح ممنوعاً الاقتراب منها ، وهي الخطوط الحمراء التي كانت سبب نكباتنا بعدم الحراك أو التغيير بأوامرها الصوارم عبر تاريخنا الطويل غير الجميل.

وفيما كان أسامة أنور عكاشة بين أمرين: أمر الوطن وأمر عمرو بن العاص كفاتح للوطن ، فقد اختار عكاشة الوطن ، وهو الأمر المنتظر منه ككاتب عبقرى ومفكر وطني.

والأمر الطبيعي المفهوم أن يكون الولاء للوطن ، لكن بعض المصريين يختل عندهم الولاء ولا يستطيعون تسمية الأحداث بأسمائها التاريخية ، ويمجدون الغازي ويكفرون أهل البلاد المفتوحة التي كانت في رأيهم جاهلية وثنية أو مسيحية ، لا فرق عندهم ، فيطلبون محاكمة عكاشة وليس محاكمة الغازي التاريخي. المصيبة ليست في مصر وحدها ، لأن اختلال الولاءات أصبح سمة المسلمين ، حتى الذين يعيشون في بلاد الحريات في الغرب يعملون ويأكلون ويطببون ويتمتعون ويكنزون الذهب والفضة ، ويدينون بالولاء لفتاوى عابرة للقارات وليس لقوانين أوطان فتحت لهم صدرها بدلاً من أوطانهم الطاردة.

وبينما مصر تلملم كرامتها بعد ضرب طابا ، وبعد أن أعلنت مصر أنها نموذج يحتذى في القضاء على الإرهاب أكثر من مرة في فخر واعتزاز ، فقد انكسر الفخر والاعتزاز عندما دوى الانفجار ، وعندها خرج علينا المناضل المتأسلم مجدي أحمد حسين في جريدة "الشعب" في 8/10/2004 يهلل منادياً في عنوان كبير "الله أكبر مصر تتحرك أخيراً وتنتقم لشهداء الانتفاضة".

هل الولاء هنا لمصر؟

أم لفلسطين من وجهة نظر عروبية أم للعروبة؟

أم لفلسطين كمقر للمسجد الأقصى من وجهة نظر إسلامية؟

أم لإسلام بعينه يرى نفسه الصواب ويقتل ضمن ما يقتل من أجانب ، مواطنين مسلمين مؤمنين لكنه لا يراهم كذلك ؟

أم هو ولاء للقاعدة؟

أم هو فكر يجمع الجميع؟

وهل طابا إلا صدى تأييد بلاد العرب أوطاني لقاعدة العراق؟

ومن قبله قاعدة طالبان؟

وهل هي إلا عمل مشروع بعد أن شرع لهم المفتون والمشايخ بأنهم المجاهدون؟

ومع أية إجابة يجب أن يتم تحديد الولاء؟.

(الاتحاد الإماراتية )

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:11:27 | Permanent Link | Comments (0) |

Sunday, 11 February, 2007

حوار مع سامح سامي

الدين أداة يصوغها الناس وفق أغراضهم

لم و لن أكون عضواً في أي تنظيم

حوار مع سامح سامي

لا اعرف لماذا أتذكر كلمات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:

"إنني أعرف نصيبي ، سوف يرتبط اسمي ذات يوم بشئ هائل مرعب ، بأزمة لم تعرف الأرض نظيرا لها ، بقرار حاسم ومضاد لكل ما آمن به الناس حتى الآن ولكل ما تطلّبوه وما قدّسوه.. سوف يرتبط بقلب جميع القيم". وهذه هي الصيغة التي وضعتها لفصل تعيشه البشرية في أقصي درجات تأملها لذاتها. وهو الفصل الذي تحول في كياني إلى لحم وروح.."

حين يأتي إلى ذهني اسم الدكتور سيد القمني فهو يذكرني بنيتشه مع الاختلاف ، الزماني والمكاني ، بينهما. وهل لان الدكتور سيد القمني يذكرني بفكر نيتشه- مع مراعاة الفروق بينهما والاتجاهات- في قلب جميع القيم المطلقة المتوارثة ويعيد قراءتها مرة أخرى ولا يتراجع- وهذا سبب معاركه الفكرية التي تتحول لعداء شديد تكفيري- عن إصدار حكم بوقفها وتغييرها بل ونصفها... لا اعرف فالدكتور سيد القمني مفكر "استثنائي" جاء وعاش بيننا ونحن لا نعلم قيمته الآن!. كنت أتمنى أن أتحدث إليه في ظروف ملائمة لحالته الصحية وظروفه المرضية.

*"إن مشروعه الفكري خارج الاجتهاد؛ لأنه يطعن في صحيح الثوابت والعقائد التي تجمع الأمة مما يستفز مشاعر المسلمين. وأن هذا الاستفزاز يحدث في مناخ عالمي يتخذ من الإسلام عدواً" هذا كلام الدكتور محمد عمارة عنك... تعليقك؟

**إن مثل هؤلاء السادة الذين يمثلهم الدكتور محمد عمارة يفترضون أن مفاهيمهم للمفردات والمعاني هي المفاهيم الواضحات التي يتفق حولها مختلف الفرقاء. متصورين سامحهم الله أن طريقتهم في التفكير هي الطريقة المعيارية للجميع. وكان بإمكاننا أن نقبل طريقتهم كمعيار لكنهم للأسف لا ينطلقون من كون مفاهيمهم هي المعيار بحسبانها قد تم التوافق على مقاصدها بين الجميع عبر جدل حضاري طويل. لكن لأنها مفاهيمهم وكفى بذلك سببا لصلاحيتها المعيارية ، مع الأسباب المضمرة لصحتها المستندة إلى الإسلام بحجة الدفاع عنه ضد أعدائه ، فتكسب المفاهيم شرفين: شرف الدفاع عن الدين ، وشرف أنها مستمدة من هذا الدين. كما لو كان من المتفق عليه انه كي يكون المفهوم معياريا فيجب أن يستند إلى الدين أو تكون مهمته صياغة مفردات دفاعية عن الدين ، بينما المفاهيم والمفردات والمقاصد التي يستخدمونها ليست معيارية بإطلاق ، ونموذجها الواضح أمامنا في كلام الدكتور عمارة.

فهو يرى أن مشروعي الفكري خارج الاجتهاد ، متصورا أن الجميع قد اتفق على أن الاجتهاد مشروط بالشروط التي كبلته بنهاية القرن الرابع الهجري ، فتحول الاجتهاد إلى إعادة تفسير المفسًّر وحرث المحروث طوال عصور خضعت لهذه الشروط الفقهية اللاإلهية أو اللاقدسية. واكتسبت القدسية عبر حلف الفقيه والسلطات ، وما يملكه هذا الحلف من قدرات السلطة وتوجيه العقل الجمعي. بينما الاجتهاد المطلوب اليوم يجب أن يبدأ من تكسير شروط إجتهاد كانت تلائم زمنها وعصرها ، وأصبحت اليوم قيودَ على العقل الإسلامي أودت به إلى ما هو فيه الآن.

وهكذا يبدأ الأستاذ بمفهوم يحمل عنده معنىً وعند غيره معنىً آخر ليلزم الجميع بمفهومه كما لو كان هو المعيار والمقياس لكل الأفكار والاستنتاجات الممكنة.

أما لماذا هو خارج الاجتهاد؟ فالإجابة بدورها إجابة اتهامية ومراوغة في آن معاً. ولا ترد على شيء ولا تفند شيئاً ولا تقدم حجة أمام حجة ، فالتهمة الجاهزة التي ألجمت الجميع عبر العصور يجب أن تكون فعّالة اليوم. ومن غير الواضح لسيادته أن التهمة ليست حجة إنما هي إرهاب فصيح صريح.. ألا تراه يقول:" إنه يطعن في صحيح الثوابت والعقائد"؟!

كما لوكان الطعن هدفاً في حد ذاته فيما أقدّمه للناس ، وهي تهمة ارفضها تماماً ؛ لاني احترم كل الأديان وأوقع على حق كل صاحب اعتقاد ، أو كل من لا يعتقد ، في حقه فيما يراه ويطمئن إليه ضميره ، وانه ليس مهمتي"الطعن"؛ لان هذا الطعن لابد أن يكون له هدفه... و إلا لماذا الطعن في دين المسلمين؟

إذاً ، لابد أن وراء الطعن ما وراءه ، حلف المؤامرة التاريخية ضد الإسلام والمسلمين. وبالطبع سيكون العبد الفقير إلى الله أحد أيدي المؤامرة الخفية.. و إلا لماذا الطعن إذاً؟

ويعلم كل قارئ لأعمالي مدى الحرص على التوثيق الأكاديمي التمامي وعدم الانتقاء لإثبات أو نفي ما أرى ، لكنهم جميعا يرون أن كشف السلبيات وتعرية الأخطاء هو هذا الطعن المقصود.

ولا يذكرون من قال:"رحم الله امرئ اهدى إليّ عيوبي".

إن الدكتور عمارة ورفاقه يضعون قاعدة غريبة ، وهي أن أي نقد اليوم لأوضاع الأمة أو تاريخها أو منهجها في التفكير ، يساهم في تعريتها أو فضحها أمام أعدائها وهي ضعيفة مهانة ، لذلك فإن أي لون من كشف السلبيات يصب مباشرة في خانة التعاون مع أعداء الأمة. ولما كان لكل أمة أعداؤها عبر العصور الماضية والآتية ، وان الظروف ستصنع لكل أمة عدوا كل يوم ، فيبدو انه قد كتب علينا السكوت وعدم نقد أي أوضاع أو أفكار خاطئة لإصلاح شأن الأمة خوفا من أن يرى الآخرون عورة الأمة وهي مخصية.. بينما الكل يعلم أنها مخصية دون أن يرفع أحد ثيابها.

إن الدكتور عمارة ليس فريدا هنا ، بل هي جوقة كاملة تقف هذا الموقف:"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ، انظر معي قول المفكر المستنير( حسبما يشار إليه) الأستاذ فهمي هويدي يقول:" عندما يكون الوطن جريحا والأمة مهزومة فإن تشتيت الجهد في الصراعات الداخلية الفكرية أو العراقية أو الطائفية لا يمكن أن يوصف إلا بأنه خيانة للأمة وجناية على الوطن والأمة " كتابه المفترون ؟؟؟ ص 115. هو نفس كلام الدكتور عمارة: "إن مشروعه الفكري خارج الاجتهاد ، لأنه يطعن في صحيح الثوابت والعقائد التي تجمع الأمة مما يستفز مشاعر المسلمين وان هذا الاستفزاز يحدث في مناخ عالمي يتخذ من الإسلام عدوا".

انظر كم المغالطات هنا:

أولا ما هو صحيح ثوابت الأمة؟

ثانيا ما معني "صحيح" هنا ، وكيف نتأكد انه صحيح ، ثم

ثالثا هل يستطيع الدكتور عمارة أن يقول لنا ما هي ثوابت الشيعة والسنة والجَهمية والمُرجئة والمعتزلة والاشاعرة ؟!.

يلقون الكلام متصورين أنهم يقولون كلاما مفهوماً متعارفاً عليه ، رغم أن ما يلقونه مجرد اصطلاحات مخترَعة لا تدل على شيء بقدر ما هي حامل للتحريض والإرهاب فقط ليس إلا.

مع الثوابت ممنوع الاقتراب أو التصوير ، وكل واحد وثوابته بين هذه الفرق المتفرقة ، وفي أي محاولة تفكير ستخرق أو تطعن ثوابت الأمة عند هذا الفريق أو ذاك ، لذلك يستحسن عدم التفكير أصلا.

والمضحك قوله إني أهدف من هذا الطعن في الثوابت إلى تفريق الأمة المجتمعة المتحدة المتوحدة في وجه ما يغلبها غلاب؟. إن قليل من الصدق مع النفس في مثل هذه المواقف يصلح العقل ولغة هذا العقل.

ثم يلقي بمفرداته المفترض عنده أنها من البديهيات. "في مناخ عالمي يتخذ من الإسلام عدوا". وهي بدورها من أوهام الدكتور عمارة ؛ لأننا نحن من يتخذ العالم كله عدواً بطريقتنا في فهم الإسلام منذ فجره وحتى الآن ، ودفعنا العالم الحر ليستفرغ طاقاته التي كانت مصدر إبداعاته العلمية والحضارية والحقوقية في الدفاع عن نفسه ضد إرهابنا. إنه عقل لا يرى سوى نفسه وسوى مفاهيمه داخل كهفه.

* وقال الكاتب فهمي هويدي:"إن هذا الكلام لا يقال على الملأ ، لأن إشراك العامة في مثل هذه الأمور يثير الفتن"... تعليقك؟.

** لقد قال الأستاذ فهمي هذه الجملة ضمن مقال تحريضي مرعب كتبه بلغة أبي حمزة المصري وايمن الظواهري. اتهم فيه كتابي "الحزب الهاشمي" بأنه أسوأ مما كتب سلمان رشدي ضد الإسلام ، وانه كما قامت الأمة المسلمة ضد رشدي فعليها بقيادة الغيورين من أهل الهمة أن تقوم ضدي. وكان هذا الكلام في زمنه شديد الخطورة. و من اللطيف أن موضوع الأستاذ فهمي لا تجد فيه ما يشير إلى عثوره على استشهاد بمصدر ضعيف أو خلل في الأمانة العلمية. كل ما فعله هو فضح ما رآه هجوما على الإسلام من وجهة نظره مع تحبيشها بدفع وحث للقتل بلغة تحريضية كتبها المفكر الإسلامي المستنير. أما الألطف فهي عبارته التي جئتني بها من هذا الموضوع ، و فيها اعتراف ضمني بان ما طرحته يستحق الطرح لكن ليس على العامة الذين في نظره يثيرون الفتن... وهذا الكلام لا تعليق عليه.

*هل الوحدة التي تعيشها متفردا في منزلك ومنعزلاً عن الناس ، أثرت عليك وأعمالك ؟

** الحقيقة لو كان المرض رجلا لأكلت كبده. وهو ما ألزمني الفراش ، ومعه أصبحت الحياة لا تطاق. لولا تواصلي مع الناس ومع أحبائي ، ومع من يكرهون ما أكتب عبر ما أكتب ، لما كان هناك أي معنى لمعاشرة الألم بلا توقف. وبالطبع أثرت هذا العزلة على مشاريع كبيرة بيدي لا اعلم متى أنجزها ، لكنها لم تؤثر على قضيتي لحظة ، لأنها سر استمراري في الحياة.

*هل فشل وتعثر الأفكار القومية مثل الناصرية يجعلك تتحول إلى فكر أخر ؟ فمثلاً هزيمة 1967 جعلتك تتحول من الطرح القومي إلى الفكر الليبرالي ؟

** ماذا تريد مني؟ قاعدة "يحيا الثبات على المبدأ"؟

لقد ثبتنا يا أستاذ أكثر مما ينبغي ، فكانت كوارثنا أكثر مما ينبغي! وماذا بعد احتلال أرض الوطن ليعيد الجميع النظر في قناعاتهم؟

لكي أحيطك علما أني لم أكن حينذاك بهذا الذكاء بحكم المرحلة السِنّيّة. وقد ظللت من أبناء الفكر القومي بعدها فترة طويلة رغم الهزيمة؛ لأني كنت مصدقا على المستوي السياسي بضرورة الخلاص بالفكر القومي ، بينما بدأت قناعاتي ، لأسس المشروع القومي ، نفسه تهتز مع تتابع الكوارث وانكشاف حقائق وأسرار هذا المشروع. فإذا به مِسخ منخور من داخله ، تسلّط على رقاب الناس باسم قضايا الأمة ، وأضاع في سبيلها كرامة الإنسان وقيم الحريات حتى أسقطه ضعفه بعد أن أصبح نظاما بلا شعب أو بالأحرى شعوباً مخطوفة في طائرة استولت عليها أنظمة. في حالة هبوط اضطراري دون ارض واضحة. وعندما عجّل صدام حسين بالضربة القاضية باحتلال الكويت ، كان من الذكاء أن ألتَفِتَ إلى ما أحمل من إرثٍ بغيض. فكان بحثي عن كرامة الإنسان قد سما فوق فكرة الوطن الواحد والوطن القوي والأمة الجبارة وحلم السيادة وزهو الانتصارات.

ومع الليبرالية لابد أن نعترف أنها أفضل النظم اليوم التي تحمي هذه الكرامة الإنسانية وترعاها. واعتقد انه يوم يوجد في بلادنا الإنسان الكريم ، سيوجد الوطن العزيز القوي.

* كنت دائما تزهو وتفخر انك أنجزت ما أنجزت دون الانتماء إلى أي حزب أو هيئة أو مؤسسة أهلية أو حكومية ودون أي مساعدة من أحد وفي ظروف صحية قاسية وظروف معيشية اقسى.. فلماذا الآن انضمامك إلى "حزب مصر الأم"؟.

** أنا لم انضم لحزب مصر الأم ولا غيره ولا أنوي الانضمام إلى أي حزب أو جماعة بل أني حتى لست عضواً في إتحاد الكتاب المصري ، لأضمن استقلالية كلمتي دون أي ضغوط أو أي مراعاة لأي خواطر أو لسياسة أي حزب أو لعدم خسارة منصب أو دخل. فحريتي ككاتب هي بيت قدسيّ الخاص الذي لا يدخله أحد سواي. لكني كنت صديقا لحزب التجمع الوطني المصري ، ولم أزل صديقا له ، واعتبر نفسي صديقا لحزب مصر الأم ، لكني لم ولن أكون عضواً في أي تنظيم كان. وهذا قرار اتخذته مبكرا وحرصت عليه رغم كل الإغراءات الممكنة المطروحة.

* هل الممارسات الدينية وراء التخلف الاجتماعي ، فاني أرى أن الممارسات الدينية والعقائد وراء ما نحن عليه الآن ؟.

** كل زمن وله ممارساته ، فكان الرقص وضرب الأرض ومخاطبة السماء وسكب بعض الماء على الأرض في زمن السحر تحفيزاً للطبيعة لتجود بمطرها على أساس أن الشبيه ينتج الشبيه. ثم كانت صلاة الاستسقاء في زمن الدين كممارسة شبه سحرية لكنها ارتقت من طلب الأرواح إلى طلب إله واحد. وقد تجاوز العالم المرحلتين.

ويعيش الآن مرحلة الممارسة وفق المنهج العلمي وأهدافه ونتائجه مع الاحتفاظ بالدين كمطمئن نفسي في زمن تطور مادي هادر كاد أن يفكك كل الإنجازات الإنسانية السابقة في التراحم الاجتماعي. وبذلك فانه قد يحدث تخلّف في أحد جوانب القيم الاجتماعية ليس بسبب الدين بل بسبب التطور العلمي الجارف المفاجئ. ومن ثم فالممارسات الدينية في حد ذاتها لا تكون عامل تقدم أو عامل تخلف إلا بنتائجها الملموسة في الواقع. ولا يجب حصر الدين هنا وحده كسبب إنما بحسبانه أداة في يد بشر يصوغونه وفق أغراضهم التي قد تؤدي إلى التخلف أو التقدم.

وإذا كنت تقصد الإسلام تحديداً ، فاني أقول لك انه بحالته الراهنة ، وبما يحمله من قواعد فقهية بل واعتقادية ، هو عامل تخلف عظيم بل أنه القاطرة التي تحملها إلى الخروج ليس من التاريخ فقط ، بل ربما من الوجود ذاته.

Posted by المجموعة الليبرالية at 09:37:38 | Permanent Link | Comments (3) |

Saturday, 10 February, 2007

مسيلمة الكذاب بعد التحسينات

مسيلمة الكذاب بعد التحسينات !!

في عام الوفود شاهدت العرب بأعينها ما حققته النبوة من سيادة لقريش على العرب ، ورأت أهل الدعوة ورفاقها الأوائل في العيش الخشن الشظف من قبل ، ثم شاهدتهم عام الوفود بعد سلسلة حروب دولة المدينة لإخضاع العرب ، وهم في حال غير الحال بعد أن جاءتهم الغنائم والسبايا والفيء والعبيد والثراء بالسلطان على العرب ، أو جاءهم السلطان بها. ضمن هذه الوفود كان وفد بني حنيفة ، وبينهم سيد فيهم يدعى مسيلمة يسترونه بالبرود مكرمة لشأنه ، ولا يسجل التاريخ على وجه الدقة ماذا حدث في هذا اللقاء مع النبي ، وتختلف كتبنا التراثية في رواياتها حول لقاء مسيلمة للنبي من عدمه ، فمنها ما تقول إن بني حنيفة التقوه وكان فيهم مسيلمة ، ومنها ما تقول أن بعضهم التقاه بينما ظل مسيلمة في رحالهم. لكن مسيلمة هذا سيبصح شأنه شأناً ، فما أن عاد إلى اليمامة حتى أعلن في بني حنيفة أنه نبي مثل محمد يوحى إليه ، وأنه قد "أشرك معه في الأمر" والأمر أي السيادة "من الإمارة" ، وأرسل إلى النبي محمد (ص) رسالة بهذا المعنى تنتهي بجملة واضحة المعالم والبيان ، إذ يقول بعد الإعلام بشراكته في النبوة ، وفي الأمر ، بشراكة ثالثة هي الهدف وهي الأهم ترد ضمن مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والراشدي ص 305 "رسالة مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك ، أما بعد فإني قد أشركت معك في الأمر ، وأن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون ، والسلام عليك ". وفي رواية " ولكن قريشاً لا ينصفون " ، وفي رواية "لا يعدلون".

وكان رد النبي محمد بليغاً فصيحاً واضحاً في صرامة هادئاً في قوة ، إذ كتب له يقول :

"بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإن الأرض للة يورثها من يشاء من عبادة ، والعاقبة للمتقين".

ولم يكتف النبي محمد بهذا الرد الذي يحيل الموقف لمن سيمكنه حسم المعركة العسكرية لصالحه ، وهو من سيكون الصادق نبوة وملكاً ، فأرسل إلى اليمامة صحابي اختاره لهذه المهمة العسكرية الدقيقة هو (نهار بن الرحال بن عنفوة) لينسل إلى من بقى على إسلامه باليمامة ليشدد من أزرهم وعزائمهم ، وأن يشغب بهم على مسيلمة ، وأن يعيد بهم من اتبع مسيلمة إلى الإسلام.

وكان نهار بن عنفوة قد هاجر من مكة إلى يثرب راغباً في رسول الله ، وقرأ القرآن وتفقه في الدين ، وكان ذكياً حاد البصيرة ، ولهذه الصفات اختاره النبي لهذه المهمة الصعبة. لكن (بن عنفوة) كان فتنة على بني حنيفة أعظم من فتنة مسيلمة نفسه ، فما انـّسل إلى هناك حتى رأى سواد بني حنيفة يتبعون مسيلمة ويوقرونه ويقدسونه ، وقارن بين القوة العسكرية في اليمامة والقوة العسكرية في المدينة ، أقوى جيش عرفته الجزيرة هو جيش المسلمين الذي فتح مكة كان عشرة آلاف ، وتبعه جيش المسلمين أيضاً في وقعة هوازن وكانوا ثنتا عشر ألف ، أما مسيلمة فقد جمع جيش في سنتين فقط اكثر من ستين ألف محارب ، بينما مكث محمد ثلاث وعشرين سنة حتى تمكن من تكوين جيش قوامه ثنتا عشرالفا ، وما أن استكشف ابن عنفوة اليمامة حتى ذهب إلى مسيلمة يعلن له وللمؤمنين به أنه جاء يعلن شهادته لمسيلمة بالرسالة والنبوة ، وأن محمداً قد اعترف له أن مسيلمة قد اشرك معه في الأمر وفي الرسالة.

تقول الروايات أن الناس اقبلوا حينذاك على (بن عنفوة) الذي أصبح المسئول الديني والمستشار الخاص لمسيلمة ، يحمل كل أسرار المسلمين معه إلى جيش اليمامة الجرار ، لقد قرر (بن عنفوة) أن ينتصر بمسيلمة وبجيشه وبما لديه من معلومات استخبارية مباشرة ، طامعاً في أموال بعيدة يعد بها محمد المسلمين قائلاً : "و الذي نفسي بيده لتملكن كنوز كسرى وقيصر".

هو حلم التاريخ عندما تنهار الأمم فتتفكك كالروم والفرس وتنهكها الحروب لتترك في المكان منخفضاً في ضغط القوة يحتاج لرفع قوي يملأه ، وكان العرب يعرفون ذلك ، ولذلك توجهت الجيوش الإسلامية نحو الشمال الرومي تخضع وادي القرى وما حوله وتأخذ جزيته مخصومة من دخل الروم ، كان المشهد واضحاً لابن عنفوة ، فترك نبي الأمة وهو الصحابي المختار ليلحق بعدو الإسلام ، ليحقق لنفسه هناك مكانه دنيوية لكنها أيضاً روحية. هذا رغم اختيار النبي له لاشك كان بوحي فالسـُنة يقدسون كل فعل وقول نبوي لأنه ما كان ينطق عن الهوى ، فاختاره الله ونبيه ، لكنة خدع الله ونبيه.

في عامين فقط تمكن مسيلمة من حيازة القبول وهو الكذاب لدى ستين ألف محارب إضافة لغير المحاربين من أسرهم ، وكان مطلبه واضحاً بلا تخابث ولا لف ولا مداورة : "نصف الأرض". تمكن في سنتين من خداع هذه الأعداد الغفيرة وكلهم يؤمن برسالته ، ليأخذوا من قريش نصف الأرض.

ومات نبي الإسلام وقد ظهر في الجزيرة من المتنبئين طليحة الأسدي وسجاح والأسود العنسي وبالطبع مسيلمة ، وتفشى أمرهم وانتشر مما قاد خليفته أبي بكر إلى خوض حروب طويلة وعسيرة ، خاصة أنه كان يحارب على جبهة أخرى من امتنعوا عن أداء الزكاة ليثرب حرباً طاحنة ضروس.

لم تكن تلك المشكلة الحقيقية رغم شدة خطورتها على الدولة الطالعة ، إنما كانت المشكلة التي حلت بالجميع هي ماذا يفعلون بعد موت نبيهم وقائدهم وقاضيهم الذي كان على اتصال بالسماء يأتي بتوجيهاتها للمسلمين في كل شأن ، ولم يأت النبي بما عنده ولا أجاب بعقله وفكره إنما عندما كان يـُسأل كان ينتظر الوحي يحمل إليه الإجابة. وفجأة تجد الأمة نفسها في حال فطام قهري من توجيهات السماء وإشرافها.

و قد تمكن أبو بكر ببراعة وإتقان من حسم كثير من القضايا كانت تستدعي نبي الأمة وهو غير موجود ، فأوجده أبو بكر ، أحياه بإحياء حديثه ، وانتهى الصراع على الرئاسة بحديث "الخلافة في قريش" وهو حديث لم يروه سوى أبو بكر. ومثل حديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ، ليحسم الموقف من البيت النبوي ، في شأن يخص ميراث فاطمة بنت النبي ، فأعلم النبي أبا بكر ولم يعلم إبنته. كانت الأمور بحاجة إلى مثل هذا الحسم لتخليق رتبة تقف بين رتبة النبوة ورتبة المؤمن العادي ، تتقدس قراراتها وفعالها ، وهو ما فعلته الفرق الإسلامية كل لأهلها.

فللشيعة بشر مقدسين وكذلك للسـُنة ، وإن قدس السـُنة الصحابة بلا استثناء بينما مايز الشيعة في مساحة القدسية عند كل منهم.

المهم أن الصحابة وبخاصة الخلفاء الأربعة الأول قد تقدست فعالهم ، لأن الدولة في نشأتها كانت مقدسة على يد نبي مقدس ، استقت حكمتها وشريعتها ومواقفها الدبلوماسية والعسكرية من قرارات السماء التي كانت تصلهم عبر النبى بانتظام ، وبإختفائه وحتى يحظى أي قانون جديد بالشرعية كان لابد أن يكون القانون صادراً عن جهة مقدسة يتقدس بسببها. و من ثم تحولت قرارات الخلفاء التي أقاموها على أساس مصالح دنيوية وخطط عسكرية وأحياناً مصالح شخصية بحت ، تحولت إلى مقررات مقدسة ، فوقف الإمام في مرتبة وسطى يمكن بها أن يكون نصف نبي.

فلم تعرف الدولة الناشئة معنى المؤسسات ولم تر ضرورة لإقامتها ، فلا هيئة يمكنها أن تشرع ولا هيئة محاسبية سليمة ولا إدارات ترتب الأعمال الدولية حسب التخصصات ، كانت الدنيا سهلة بسيطة في عالم البداوة ، فإن اتسعت رقعة الدولة احتاجت شيئاً غير سلامة الضمير وغير بركة الصحابة ، لهذا سقطت دولة الراشدين لولا معاوية الأموي الذي استلم الشام منظماً مرتباً في هيئات ومؤسسات تعمل منذ مئات السنين ، فعلق عليه اليافطة الإسلامية بدلاً من الرومية.

وعندما قرر معاوية تكليف من ينوب عنه في إمامة الصلاة كان قد قرر فصل الدين عن السياسة ، لكن ليتضخم شأن أنصاف الأنبياء وينمو مع حاجة السلطة الجديدة لشرعيتها الدينية ، بإختراع الحديث ، وبإختراع الفتوى ، ليبصحوا بالنسبة للسلطة وتصبح السـُلطة بالنسبة إ