Friday, 01 June, 2007

حكومة المتطرفين الخفية

حكومة المتطرفين الخفية

هناك في مصر شيء ثمين لا نعرف هل هو الهرم أم هو النيل أم هو التاريخ أم هو اسم مصر يلقي في الروع مهابة التقديس والإجلال في البلاد المتقدمة الحرة ، لكنه لشديد الغرابة يلقي في الروح العربية الكأبة وربما الكراهية التي تنضح في قنوات الخليج الذي لم يحسم أمره حتى الآن : هل هو عربي أم هو فارسي؟

متناسين فضل مصر وفي أحلك ظروفها وكيف قدمت بنيها شهداء على مذبح العروبة ، فكانت حصناً كف إسرائيل عن التهام بلاد العرب جميعاً رغم معاناتها ومعاناة شعبها عقوداً تنوء بها الجبال الرواسي ، وهو ذات القدر الذي اختارته للدفاع عن الأمة فدفعت فاتورة الغزو الصليبي ، ودفعت فاتورة الغزو التتري وإعادته من حيث جاء كافة شره عن العالم أجمع ، ثم كان لها فضل كتابة الفصول الأولى في التنوير العربي ، وفتح أول نوافذ النهضة الموءودة بانقلاب 1952 العروبي .

منذ فتح مصر دفعت مصر فواتير غير مستحقة عليها للعربان وعواصم الخلافة المتعاقبة ، ثم وفي التاريخ المعاصر دفعت من دماء أولادها عشرات الألوف ولاء للأخوة المغدورة لأن هابيل ظل يثبت كل يوم أنه راع بدوي يكره قابيل لأنه ينتج ويعرق ويزرع ويبني .

ثم دفعت مصر فواتير الفكر الإسلامي المراوغ المدمر القادم مع رياح العائدين من الخليج في العباءة الوهابية ، حتى خسرت مزيدا من الشهداء في حربها مع الإرهاب ، ومزيدا من الدمار الاقتصادي مع كل ضربة إرهابية ، فخسرت مداخليها التنموية التي كانت مرجوة بالسياحة ، وحتى المداخيل التي كان بإمكانها كفالة الاستقرار والعيش الكريم لكل مواطن ، لأن مصر تملك وحدها دون العالمين أكبر منجم كنوز أثري وأعظم مجمع للآثار في العالم كله ، فهي تملك ثروة لا تنفد ، فقط تحتاج إلى الاستقرار والأمان لصناعة سياحة متقدمة تكفي أبناء الوطن ما هم فيه من عوز.

لماذا دفعنا كل هذه الفواتير ؟ وماذا جنت مصر منها؟ ومع دفع القواتير من دمنا كانت أسعار البترول ترتفع عند إخواننا فيتعالى البنيان بالثروات الخيالية وجيرانهم الذين قدموا أبناؤهم لتتراكم هذه الثروات على مرمى حجر منهم .. ويحدثوننا عن العروبة والوحدة الإسلامية ؟!

لقد دفعت مصر فواتير أدت إلى تخلفها ، لأنها عندما دفعت ، دفعت أيضاً من مساحة الهيبة المفترضة للدولة ، ، فعاد الغازي الفاتح في أشكال أمراء للجماعات ومرشدين ودعاة ، ليفتحوا سلة علاء الدين وما فيها من ماض اندثر ومات وتعفن ، ليستولوا على ما يمكن الاستيلاء عليه من سيادة الدولة . مما أدى لردة ثقافية وطائفية انتكس فيها المصري عن الولاء لوطنه الذي اعطاه مجده وكان هو صانعه على التبادل ، إلى الولاء لوطن معنوي ديني لا علاقة له بأرضه الأم الجليلة ، ومنذها ونحن من منحدر إلى منزلق الى هاوية بلا قرار .

لكن الصورة لا يجب أن تكون شديدة القتامة ، لأن في بلادنا لازال المصري المرتبط بالأرض وإنتاجها يعلو عنده الحس الوطني واضحاً ، فيرى ما حدث في طابا جريمة كبرى في حق الوطن ، ويستهجن فعل الدمار والموت لأنه لا يتفق وفطرته المصرية ، لذلك يحاول أن يتبرأ من فعل كهذا ، ولا يرى أبداً أن بإمكان أي مصري أن يقوم بفعل كهذا ، لأنه يثق في إخلاص المصري لوطنه ، ولا يتصور مصريا قادرا على الإقدام على هذه الجريمة المزدوجة ، لأنها ضد الإنسانية ، ولأنها ضد الوطن ، ولأنه حتى لو فعل ذلك ، فإنه لا يصبح مصريا .. هكذا كان القانون منذ الفراعين .

وهذا المصري البسيط الطيب ، يجد نفسه من يتبنى هذا الفكر البسيط ويعبر عنه في كتابات بسيطة لها مدخل واحد ومخرج واحد ، فهو أيضاً يحب دينه ، ويحب أبناء طائفته من مسلمين مصريين وغير مصريين ، ومن ثم يقوم بإسقاط الشر على رمز الشر المتفق عليه كحامل لتعليق كل المصائب : إسرائيل ، وببساطة تتم تبرئة المحبوب الإسلامي ، وتبرئة المصريين ، وتبرئة النا س الطيبة المتطهرة من الشر بلفظه عنها ولو اعتسافاً .

هذا موقف متكرر ومعتاد لا يحتاج تعقيبا لشدة وضوحه ووضوح اغراضه التي هي في النهاية غسل اليد من فعل مشين ، ولو لم تكن إسرائيل موجودة بالجوار لاخترعوها لتحمل اوزار هذا اللون ، هو غسل وبغرض النظافة من فعل لم يشتركوا فيه ، لكن هناك غسلاً آخر لا يبتغي النظافة بقدر ما هو مسح للخنجر من دماء اليوم وتلميعا ، من أجل دماء الغد ، هناك من يغسل والدماء تتقاطر من سطور مقالاته ، وتلمح وراء كل سطر رشاشاً وخلف كل فقرة تلمح الخناجر والسيوف .

هؤلاء يعرفون أن من ضرب طابا هو القاعدة أو فرخا من فروخها ، وهم أيضا يعلمون أن الضربة قصدت أحد أعمدة السياحة في مصر ، وهم أيضا يعرفون أن السياحة في كل الدراسات هي الحل الأكيد كمدخل أول وعامل تنموي متصاعد لحل مشاكلنا الاقتصادية ، ويعلمون أيضاً أن السياحة صناعة تتطلب كفالة كل الأمان والراحة للزبون لتلبية كل طلباته لا خضوعه لطلباتنا وقيمنا ومعاييرنا .

المهم أنه موقف صريح أكثر تعقيداً من الموقف البسيط سالف الذكر، لأنه لا يتبرأ من الفعل ولا يجزع من الحدث ولا ينسبه لإسرائيل لأنه منح حق الفخر لمن لا يستحق ، بل ولا يستنكر الفعل من باب الوطنية ، بل إنه على العكس تماماً ، يدافع عن الجريمة في كبرى صحفنا الأهرام في صفحته الأسبوعية ، إنه الموقف الذي يمثله الشيخ فهمي هويدي إذ يقول : "إن جميع ملابسات الحادث تشير إلى أن الإسرائيلييين هم المستهدفون وليس الأقتصاد المصري"؟!

إذن يا أهلي وناسي يقول لنا هويدي أن الهدف هو الإسرائيليون ، وعلينا في هذه الحال أن نتخلى عن قيمنا في تراثنا المصري الإنساني الرفيع لنرى في قتل المدنيين الإسرائيليين هدفاً نبيلاً شريفاً كما لو كنا في حال حرب يقودها هويدي وإخوانه .

حتى ولو أخذ هذا الهدف النبيل في طريقه الاقتصاد المصري نحو الخراب ، فسيكون الاقتصاد المصري إن شاء الله شهيداً في جنة الخلد ، قياسا على فتوى قرضاوي الديمقراطي أنه لو حدث ومات في العمليات الإرهابية مسلمون فإنهم سيدخلون الجنة شهداء ، دون أن نستأذنهم إن كانوا يحبون أن يكونوا شهداء من عدمه ، ودون أن نسأل أسرهم وأطفالهم وأحلامهم المقبورة عن مدى رغبتهم في إرسال ولدهم او رجلهم إلى الجنة .

وهكذا عرف سيدنا هويدي نية الإرهاب وأنه لا يقصد مصر بأذى ولا اقتصادها عمداً، إنما هو يقصد الإسرائيليين . ولا بأس عند صديقه قرضاوي إن تمزقت اشلاء بنينا ليس بيد الإسرائيليين ، ولكن بيد المسلمين ، ولا بأس إن ذهبت كرامة مصر وسيادتها على أرضها – مع التفجير القذر – التي انتهكها الإرهابيون دون استئذاننا على الأقل لنبحث مدى ضرر الضربة على اقتصادنا وأن نسأل من يريد الشهادة ممن لا يريد ، حتى نضعه هناك على سبيل الاحتياط لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب .

وهكذا يشرع الشيخ هويدي ضرب مصر مادام الهدف النهائي هو تمزيق أشلاء الشيوخ والأطفال والشباب اللاهي من إسرائيل ، ويشرع قرضاوي أمام الموظفين المصريين والعمال أبواب الجنة بعد أن يستشهدوا رغم أنوفهم ، ولا نعلم مصير باقي الجنسيات الذين ماتوا في الحادث ، هل سيبقون في الأعراف ، أما سيذهبون إلى الجحيم فوراً بحسبانهم غير مسلمين .. وقضايا عديدة تافهة يثيرها السدنة غباراً في وجوهنا .

هل من الممكن أن يكتب مصري شيئا كهذا رغم أنه يدين بمنصبه وعيشه وما هو فيه من بلهنية الجاه والنعمة والنعيم لوطنه مصر ؟ يشرع ضرب وطنه انتقاما لطفلين فلسطينيين استدعاهم ليبكي عليهم في مقاله ليبرر بهم ضرب مصر ، دون أن يذرف دمعة واحدة بين كلماته تشير إلى وجيعته على مصري مكافح من أجل لقمة العيش ، انتزعه الموت في طابا من أسرته وأولاده .

مع تبرير آخر أكثر صدمة إذ يقول : "إن إسرائيل هي التي بادرت بانتهاك قواعد اللعبة حينما بادرت باغتيال عضو حماس عز الدين خليل في دمشق ، الأمر الذي يثير سؤالاً هو : إذا كانت إسرائيل قد فعلتها في دمشق ، فلماذا نستغرب أن يرد عليها في طابا "؟!

إن الشيخ هويدي يريدنا أن ندفع فاتورة ما يحدث في دمشق ، وفاتورة ما حدث في فلسطين ، بعد أن سددنا للمجموعة العربية استحقاقات نقبض عليها أبد الدهر ، إن الشيخ هويدي يشرع حق ضرب طابا في مصر ردا على اغتيال الشيخ خليل في دمشق ؟! لأي انتماء يدين هذا الموقف بالولاء ؟ هذا الموقف الذي لا يرى بأسا في فتح مصر ساحة معارك للهاب والداب وكلاب جهنم ، لتخليص ثاراتها على ردم من عمارنا وسيادتنا وكرامتنا ودمائنا وهيبة بلادنا ؟

يبدو لي أن الشيخ هويدي مصاب بما يمكن أن نسميه "الخلل في الولاء" وهو مرض معد بشدة بل يصيب مخترعه ومكتشفه أول ما يصيب ، فيبدو هويدي غير معنى إلا بالولاء لسلطة لا يشغلها الوطن ، بقدر ما يشغلها التبعية لهذه السلطة والعمالة لها وتكريسها في الأذهان ، إزاء معنى السلطات المعلوم في دولتنا الحديثة . إنها سلطة تغطي المنطقة وتربط بين ما حدث في دمشق وما يحدث في مصر ، باعتبارها ساحة واحدة لتمارس فيها هذه السلطة العربدة كيفما شاءت . ألا ترونه يقول إن إسرائيل هي التي بادرت بقتل خليل ، لذلك لا بأس وفق ثقافة هذه السلطة ان يأتوا ليقتلونا هنا ، وهذه بتلك ، لذلك من المفيد هنا إلقاء الضوء على هذه السلطة غير الخفية ، التي تسحب الولاء عن الوطن ، لنحاول تحديد ولاء الشيخ هويدي وأمثالة ، حتى يستبين لنا الخط الأسود من الخط الأكثر سواداً .

كعادته في الاستثمار يستغل هويدي حماقة إعلامنا التي أعيت من يداويها ، والذي بدلآً من أن يبرز حجم الكارثة ، ويجعل من المكان احتفالية دولية للحزن والعزاء ، واحتفالية مصرية بإعادة التعمير والبناء بمشاركة وطنية ودولية بطوابع بريدية (مثلاً) مرفوعة الثمن ،للمساهمة تذكر الناس بالإرهاب وكوارثه وإصرار الشعوب على الحياء والبناء ، وبدلا من أن يبرز الناس في الداخل كم أثر هذا الحدث على مصادر رزقهم ودخل وطنهم ، نجد صحيفة قومية كبرى (الأهرام ) في 10 / 10 / 2004 تبشرنا بأن ضربة طابا قد انعشت السياحة والحمد لله وأن السياح القادمون للموت أفواجاً ، وهنا يقتضي هويدي الفريسة الغبية السهلة ليبني عليها تساؤله : "فلماذا إذن يصر البعض على أن الهدف هو ضرب مصر باستقرارها واعتدالها واقتصادها؟" .

وهكذا في حوار كاذب مع إعلام هو الأكذب نصبح نحن واقتصادنا وكرامتنا وسيادتنا على ارضنا بل وأرضنا نفسها معنا مجرد "البعض" ، اعتمادا على إعلام يصر أن يعطي تمام الجندية اليومي : كله تمام يا فندم . لأن هويدي عالم خبير بسياسة إعلامنا فهو علم فيه ، ومع هذا العلم يستثمر الموقف بكل خبث طوية ليبرر تفجير البشر والوطن بجرة قلم .

وينقل لنا عن كاتب بوكالة نوفوستي الروسية "إن الأعمال الإرهابية التي شهدتها طابا في مصر مرتبطة بممارسات إسرائيل الأخيرة في قطاع غزة وبأعمال أمريكا في العراق" .

هويدي يسافر بين الأقوال باحثا عن مرجعية فيجدها عند "ناعومكين " المعلوم الشأن بحسبانه مصدراً معتمداً يركن إليه ، ليذهب إلى النتيجة وهي وجوب فتح بلادنا بكل رضا ساحة لكلاب جهنم تدمر وتقتل وندفع نحن الفواتير .

وهناك رؤية أخرى تبز الجميع في صدمتها ، رؤية ترى أن ما حدث في طابا يجب أن يجلب لنا السعادة والفرح لما حققناه ، فهذا الشيخ مجدي أحمد حسين يهلل في عدد 8/10/2004 في صحيفة الشعب الإليكترونية ، معلنا بكل صرامة بدء الحرب على إسرائيل منادياً : "الله أكبر ، مصر تتحرك أخيراً وتنتقم لشهداء الانتفاضة" .

لم أفهم الشيخ مجدي وكيف تم الانتقام ؟

وهل الانتقام للفلسطينيين بموت العباد وخراب الديار ؟ ولماذا ينتقم المصريون للفلسطينيين داخل بلادنا ؟ ولماذا يموت المصريون انتقاماً للفلسطينيين ؟

وبحسبان الشيخ مجدي عضواً في الخط النظري للسلطة الخفية ، فقد أصدر قراراً بإلغاء معاهدة كامب ديفيد التي عقدتها الحكومة الشرعية ، فيقول : إن الفاعلين في طابا "اختاروا ذكرى حرب أكتوبر ليؤكدوا أن حرب أكتوبر ليست آخر الحروب" . ألا ترون ...؟ هذا إعلان حرب صادر عن سلطة تسرى مع الفتوى بين المسلمين ؟

والسؤال الذي عادة ما يتبادر إلى الذهن هو لماذا لا يلبس هويدي ومجدي وقرضاوي الديمقراطي وغيرهم ، من دعاة الشبق إلى الموت والحرب ، أحزمة ناسفة ويذهبون إلى إسرائيل أو إلى العراق ، أو إلى حيث ألقت ، ليكونوا قدوة لشباب الأمة وتأكيداً لهم على أن في الجنة ما هو أعظم من قصورهم التي يعيشون فيها في الدنيا الفانية ؟ لقد سأل سائل قرضاوي بالفعل الأسبوع الماضي مثل هذا السؤال على قناة الجزيرة ، فأجاب فضيلته قائلاً : "يعني علشان أمريكا تقتلنا كلنا ، دفعة واحدة ، تقتل شيوخ وآئمة الأمة"!!

إن قرضاوي الديمقراطي يرى نفسه نوعاً أعلى درجة منا ، فهو والسدنة من رفاقه في الاشتغال بالدين على الناس ، هم نوع مميز لأنهم قادة لا يدخلون تلك المغامرات ، إنما هم يديرونها عن بعد محافظة على أرواحهم ، لأنهم يتعطفون علينا بقيادتهم لنا حتى لا تضيع أمتنا بدونهم ، لذلك هم على قلوبنا "قاعدين واكلين حاكمين مفتين" ، يركبهم وهم غريب أنهم هم سند الأمة ، إنهم ممثلو السلطة الخفية ، التي أصبحت موهما بأنها الحكومة اللاهوتية المشروعة دينيا ، وأن قوانينهم غير قابلة للاستئناف ولا النقض بل هي ملزمة لكل مسلم ، وأن هذه القوانين تسري في شكل فتاوي تعارض قوانين الدولة وتنتقص منها وتعرض بها علناً ،. إنهم حكومة عينوا أنفسهم بقرار يبدو في الظاهر متسقاً مع الدين ومطالبيه ، حتى يبدون كما لو كانوا من الماضي مع تركه ذلك الماضي الثقيلة ، أو أن الله اختارهم حكومة نقيض للحكومة الشرعية كما اختارهم للحياة فيها في نعيم الدنيا وزخرفها ، واختارنا نحن وأولادنا ومستقبلنا للموت شهداء رغم أنوفنا .

إن هؤلاء يابني وطني لا يغارون مثلنا على مصرنا ولا يحن كبدهم إليها ، ولا تنفطر قلوبهم لأوجاعها ولا يرون لمصر عليهم جميلاً وفضلاً ، لأنهم يحتقرون الوطن ودولته فيقيموا الدولة البديلة الفعالة بين الناس في شكل تفاسير وفتاوي وأدعية عابرة القارات ، وعلى الناس أن تدين بالولاء لدولة الخلافة الوهمية تلك ، التي بلا حدود ، ولا معالم ، التي تمتد إلى حيث يعيش آخر مسلم على البسيطة . إنهم مازالوا يعيشون زمن الخلافة والحكومة العالمية والدين العالمي ، وهي أوهام زمن مضى وانتهى ليظهر مكان الوطن والمواطنة ، لذلك هم ينكرون علينا حب الوطن والإخلاص له لصالح وهم سبق أن قضت عليه أوهامه .

والآن سادتي ما موقفكم ، وما موقفك يا حكومة يا شرعية من تلك الحكومة الموازية ، التي تفشت في اجهزتنا الإعلامية ومعها كل المساجد والزوايا والمدارس والجامعات والجمعيات ، لتشكل في الوعي الجماعي سلطة مستقلة ذات النظام خاص يختلف بالمرة عن نظام الدولة ، ولها قوانين تختلف بالمرة عن قوانين الدولة ، مما أحدث شرخاً في الولاء ما بين الولاء للوطن بدولته ودستوره ، وقانونه ونظمه ، وما بين الولاء لدولة السدنة الموازية ، وهو الشرخ الذي أدى إلى اختلال الولاءات وفقدان الهوية ، إلى اختلال الوعي ما بين الوطن والدين والعنصر والجنسية ، فيتأرجح المواطن بين أكثرها جذباً وتأثيراً ، مما كاد أن يقضي على الولاء للوطن لصالح الولاء للحكومة الإسلامية الموازية ، حتى أمكن للمواطن أن يغدر بوطنه ويهاجمه لصالح الدفاع عن حكومته الخفية العالمية . وأن يقتل أهله وناسه انتقاماً لما جرى في أي بلادستان ، لذلك لحظت الدنيا كلها باستغراب شديد عدم انشغال المصريين بمخطوفيهم في العراق ، لأن ولاية الحكومة الخفية في العراق هي من قرر و هى من أدانهم بالتعاون مع الأمريكان ، ودون أن يلتبس الشبيه بالشبيه مرة فيسألوا أنفسهم عن المسلمين المهاجرين إلى بلاد الغرب وهل ندينهم بالتعاون ؟ وعن الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل طلباً للقوت ، وهل ندينهم بدورهم .

إن الوطن يفر من أيدينا ليتحول إلى شيء كالظل ، إنه يتحول إلى حمى قبلي تابع كولاية لحكومة إسلامية عالمية خفية ، لها هنا فرع واضح في حكومة موازية تصدر التشريعات والقوانين تعلن الحرب وتفك التحالفات والمواثيق الدولية. دون اى اعتبار لقانون أو دستور ولا لوجود مواطنين مصريين لا ينتمون إلى حكومتهم ولا إلى دينهم ولا إلى أفكارهم ، وأن هؤلاء مصريون لحماً ودماً وقلباً وعقلاً ، وأن هؤلاء يفهمون أن الوطن ليس حكراً على طائفة ولا لفريق دون فريق ، ولا للإسلام وللمسيحية ولا لأي ملة و لا أي رأي ولا أي مذهب ، ولا (بالطبع) لسلطان الحكومة الموازية التابعة للحكومة العالمية الخفية .

إن هذا الوطن ملك كل مواطن مصري ، والمصرية هي مدى الولاء لمصر ، وفي ضوء ذلك نتحاكم إلى قاضينا شعب مصر : هل آراء وفتاوي قرضاوي وهويدي ومجدي وأمثالهم تحقق المصلحة العليا للمصريين .

روزاليوسف 23/10/2004

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:00:00 | Permanent Link | Comments (0) |

Thursday, 31 May, 2007

الآخرون


الآخرون

الآخرون أو The others فيلم تم تصويره فى داخل الغرف ولم يكن بحاجة إلى ملايين الجنيهات لإنتاجه ؛ لأنه يقوم فقط على فكرة واحدة:

أم وطفلاها المريضان بحساسية الضوء يعيشون فى البيت المحكم المظلم منعا للضوء ؛ لا يخرجون منه أبدا ؛ لاشىء فى الفيلم بطوله سوى تأكيد هذا التوحد وهذه الوحشة وتلك العزلة المختارة فى الظروف المظلمة لأسباب مرضية قاهرة ؛ ثم تكتشف الأم وطفلاها فى نهاية الفيلم أن هناك آخرين بالمنزل لكنهم لايرونهم ؛ أحيانا يشعرون بهم ؛ من تمكن من رؤية الآخرين بهذا البيت هم الأطفال المفترض أنهم لايرون ؛ كما ترى أمهم السليمة ؛ رأوهم لأنهم كانوا أطفالا ؛ فعلموا أن البيت مسكون بأشباح الموتى

أما صدمة الدقائق الخمس الأخيرة بالفيلم فهى اكتشاف الأم وطفليها أن الآخرين الموجودين بالمنزل ليسوا أشباحا بل حقيقة لكنهم لايرونها ؛ لأن الأم وطفليها هم من ماتوا منذ زمن ؛ وأنهم هم الأشباح ؛ وأن الآخرين كانوا هم الأحياء ؛ ويسعون لطرد أشباح هذه السيدة وطفليها من المنزل ؛ كان الآخرون هم الأحياء ؛ أما الأنا فقد كان هو الميت.

أما الاكتشاف الأهم فهو أن هؤلاء الموتى عندما اكتشفوا أنهم موتى ؛ واعترفوا بذلك ؛ أمكنهم أن يشاهدوا ضوء النهار دون أن يصيب صحتهم بأذى.

أليس هذا الفيلم العجيب فى شأنه المثير للدهشة كالأساطير هو تصوير لحالنا اليوم بين العالمين؟ نحن نخاف على صحتنا العقلية والدينية من الآخر الكافر ، لكننا أسرى التخلف والظلام ونتوهم مرضا غير حقيقى ؛ قد يصيبنا مع نور الحضارة بالأذى ؛ ليصبح السؤال: من هم الأشباح؟؟ من هم غير الحقيقيين؟؟ الآخرون.. من هم؟

الإجابة ؛ نحن وليسوا هم.

الأحياء هم الذين يعيشون فى النهار بينما أغلقنا على أنفسنا كل النوافذ ؛ لنعيش الظلام خوفا على مأثورنا وصحتنا الدينية ، متوهمين أننا الأحياء وحدهم والأصحاء وحدهم ؛ بينما نحن الأموات. ويتبلور الموقف عندما ينتشر الخطاب الوعظى المشيخى الإسلامى بمعلومة تسرى بين المسلمين ؛ تؤكد أن الغرب الكافر الذى يعيش فى نور العلم ونهار الحريات ؛ يريد اقتحامنا من الداخل بما يفرضه علينا هذه الأيام من وجوب عمل إصلاحاته وديمقراطيته علينا ؛ بما تحمله من إيدز وأمراض وتفكك وانحلال وفساد وشذوذ جنسى وعرى ؛ كما لو كنا نحن من يعيش النور ؛ أو كما لو كان لنا قوام أصلا يتطلب منهم بذل كل تلك المشقة لهدمه.

أو كما لو كانت مبادىء القيم هى مايحدد للمجتمع التقدم الحضارى من عدمه ؛ بينما هى فرز هذا التقدم أو التخلف ؛ هى نتيجة وليست سببا ؛ ولأننا نعتقد حسب مأثوراتنا إنه «إن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا» ؛ أو كما لو كانت حضارة الغرب فقط هى الجنس وحده فقط لا غير.

نحن نرى الغرب بعيوننا التى لاترى فى حضارتهم سوى الأفخاذ العارية ؛ لأننا بين الأفخاذ نركز عيوننا ؛ فيكون العيب فى عيوننا وليس فى الأفخاذ.

أو كما لو كانت قيم المجتمع ثابتة لاتريم حراكا وهى المتغير الدائب بتغير البنية الحضارية التحتية المتحركة كل يوم باكتشاف واختراع جديد كل ثانية وكل دقيقة وليس كل ليلة. أو كما لو كانت قيمنا التى نعتز بها ونفخر ونريق على جوانبها الدم هى فاعلة لدينا أو لدى غيرنا فى واقع الفعل والحدث على الأرض ؛ أو كما لو كانت قيمهم الهدامة قد فعلت فعلها وهدمتهم وجعلتهم يتخلفون عنا ونحن فى المقدمة ؛ كلنا يرمى غيره بالحجر وهو بالخطيئة يعيش ويموت ؛ لأننا نخشى الفضيحة أكثر مما نخشى الفعل الكاسر المحطم لقيمنا العزيزة الغالية ، أننا نحن من نكسر هذه القيم وليسوا هم لأنها قيمنا نحن وليست قيمهم هم ؛ نحن الفاسدون من الجذور إلى النخاع ؛ لأنهم يعملون بقيمهم ويحترمونها بينما نحن من نكسر قيمنا ولا نحترمها فى الخفاء والعلن.

إن الآخر فى بلاد الطاغوت يتآمر علينا بديمقراطيته الفاسدة ، كى يشغلنا عن حياتنا وصلاتنا وأسس ديننا ؛ و(اللهم لاتجعل مصيبتنا فى ديننا) هو دعاء العميان فى البيت المظلم ؛ فيمكن أن تكون مصيبتنا فى اقتصادنا لا بأس ؛ أو أن تكون فى حريتنا وهو أمر غير معلوم فى تراثنا ولامعنى له عندنا ؛ أو أن تكون فى كرامتنا المهدرة فى حروبنا مع بعضنا ومع الآخرين ؛ لكن إذا تعلق الأمر بديننا فدوننا ودونه الموت ، والخراب وحرق الديار وتفجير العمار وزرع الموت بدلا من الحياة ؛ بينما رب الدين المفروض أنه صاحبه وأنه حاميه ؛ يبدو واضحا بلا لبس أنه قد رفع يده من الموضوع منذ مات نبى الإسلام ، وترك للمسلمين شئونهم بعد أن (تركهم على الواضحة).

إنهم فى بلاد الطاغوت يتآمرون علينا نحن فى بلاد الرحمن ؛ بتسريب علومهم الدنيوية إلينا إفسادا لنا ؛ وانظر إلى الداهية الدهياء ؛ إن الكتب التى سيدرسها العراقيون فى مدارسهم ستأتى من أمريكا؟ والله أفلح إن صدق ؛ وإن كان ذلك قد حدث أو سيحدث فأنت ، مبخت ياعراق ، وليت بلادى تنال من حظك نصيبا. هذا الآخر الطاغوتى فى بلاد الغرب ليس هو من يمكن تحديده ؛ وحده بأنه آخر ؛ فمن الآخرين من يعيشون بيننا فى بلادنا يعبدون الله ويعتبرونه واحدا ؛ لكنهم الضالون.. آمين.

ومنهم من يقول لا إله إلا الله ويضيفون إليها أن محمدا رسول الله وآمين أخرى ؛ ورغم ذلك فهم آخر ؛ لأنه قد شق عليهم ذبح بيت النبى فاستخدموا حقهم بتفعيل الحديث الصحيح وأضافوا الشهادتين ؛ أن الإمام على ولى الله ؛ فخرجوا من الفرقة ؛ من القبيلة السيدة الناجية ؛ أصبحوا آخر.

وقس على ذلك ؛ المرجئة ، المعتزلة ؛ الخوارج ، الباطنية المعطلة ؛ الروافض ؛ الإسماعيلية ؛ الزيدية ؛ النصيرية ؛ وبالطبع وبدون أية توضيحات المسلمين العلمانيين الليبراليين.

كلهم آخر لأنهم فى سلوكهم وأفعالهم وكلامهم غير مختومين بختم التجديد الوهابى للمذهب الحنبلى المفضل من أهل السنة والجماعة ؛ والصحيح وحده لأن بيده جغرافية الإسلام ؛ وبيديه الأرض المقدسة فى الحجاز. وهؤلاء هم الأجدر والأولى بالتصدى لهم لتطهير البلاد منهم والاستيلاء عليها بعد إبادتهم لتوحيدها تحت الراية الوهابية الحجازية ؛ ليضربوا الطاغوت الأكبر بعد ذلك فى بلاد الكفر ضربة رجل واحد ؛ فيتفرق دمه بين القبائل.

إن جهاد الآخر فى ديار الإسلام ممن يتسمون بالمسلمين هو فرض على المسلمين جميعا ؛ وقتلهم وسبى نسائهم وركوبهن وأخذ بنيهم وبناتهم رقيقا هو الطاعة الكاملة لرب الإسلام (انظر مجموع الفتاوى لابن الباز- مكرر بطول الكتاب عن عمد وقصد ؛ كذلك انظر الدر الثمين لابن عثيمين- مكرر بدوره بذات الطريقة).

ووفق ماتنصح به هذه الفتاوى المسلم الحقيقى (الوهابى) هو لزومه عدم الكف عن هذا الآخر ولا ساعة واحدة ؛ حتى يصبح مطابقا بالكلية فكرا ورأيا وسلوكا وحركة وحزبا وإماما وجماعة للفرقة الناجية بالحجاز ؛ أو يقتل وتسبى ذراريه ونساؤه وتنهب أمواله وممتلكاته وتدمر مقدساته وتمحى حتى تسوى بالأرض كما العتبات المقدسة الشيعية فى العراق مثلا أو كمقامات السيدة زينب والحسين والمرسى أبو العباس والقنائى والطرطوشى والسيدة عائشة والسيدة نفيسة بمصر ؛ كلها يجب أن تصبح أثرا تسوى بالأرض بعد عين. الآخر قد يكون مسلما موحدا مؤمنا حاجا قانتا فعالا للخير مناهضا للشر ؛ محبا للجمال صفة الله وبالحق اسم الإله الجلالى ؛ لكن كل ذلك لايشفع له ؛ وربما دفعه الإسلام المارق أن يبدع وينتج ويبهج ويشرف وطنه ؛ وهذا كله مصيبة فى حد ذاته لأن الوطنية فى كتب التوحيد السعودية هى خط كفرى منقول إلينا من أرض الطاغوت ؛ لهذا لم يشفع لفرج فودة حبه لإسلامه ووطنه ؛ ولم يشفع لنجيب محفوظ تشريف وطنه بجائزة نوبل ؛ فقتل الأول وطعن الثانى.

إن الراحل فرج فودة ؛ أو نجيب محفوظ ؛ لم يكونا ضمن القبيلة ؛ ولا يستمعان لنفس الفقيه ؛ ولايثبتان أتباعهما ذات المذهب لهذا أيضا لاتشفع للشيعة صلاتهم فى مساجدهم فيفجرونهم أيام الجمعة المقدسة ؛ لأنهم غير مطابقين للمواصفات الحجازية القياسية ؛ لذلك حق عليهم الموت سلخا وجزا وقطعا وتفجيرا ؛ مع مقبلات من نوع تقطيع أوصال المندائيين ومشهيات من المسيحيين من بعض الأوردفر من الآشوريين.

مشكلة فى الفكر الإسلامى متوارثة ؛ وهى إلقاء الكلام على عواهنه دون تدقيقه وتحديد المفهوم منه. كان بإمكان العربى أن يقول لك سأمر عليك بعد العشاء ؛ فتنتظره إلى الفجر ؛ الدقة فى عالم الصحراء الفسيح بلا معنى ؛ الخليفة المأمون عند قدومه مصر لقمع الثورة المصرية طلب من أحد أتباعه الصعود إلى قمة هرم خوفو ليقيس له المساحة المسطحة العليا فوقه ؛ هبط فقال له: مساحتها مبرك ثمانية جمال. الهرم الذى بنى بدقة المليمتر والجغرافيا الأرضية والفلكية والكونية مسطحه الأعلى مبرك ثمانية جمال؟!!

انظر معنى المساواة المدقق بمثال شارح «كأسنان المشط» وائتنى من تاريخ الحكم الإسلامى بمثال واحد لأسنان المشط أو ما يشير إلى المساواة كما نفهمها اليوم ولكن يمكن فهم المعنى من نقيضه ، وهو ما كان المطبق فى الواقع ، إن مايفسر مفهوم المساواة قد تجده فى معنى الآخر الذى لايطابق الجماعة فى كل التفاصيل صغيرة أو كبيرة. غير مسموح بأية مخالفة حتى فيما تأكل من أصناف الطعام ؛ رغم أن أهل النعمة فى الحجاز قد ذهبوا مع النفط إلى مطاعم الخمس نجوم ؛ وتركوا البركة لنا فى الثريد ؛ وأن نتأدب بآداب المائدة الإسلامية ؛ فتضع يسراك تحت فخذك الأيسر لأن لها وظيفة أخرى تستخدم فى الخلاء ؛ وتسمى الله ثم تأكل بيمينك ؛ وتأكل مما يليك ؛ وتمص الماء مصا. ملبسك ؛ شعرك ؛ نعلك ؛ قولك ؛ كله يجب أن يكون مطابقا للمواصفات الحجازية القياسية.

مع الوهابية لامجال لنصحك بمطابقة فكرك بفكر الجماعة ورأيك برأى الجماعة ؛ لأنه غير مطلوب أن يكون لك رأى ؛ أو أن تفكر أصلا ؛ فكل شىء منصوص عليه فى الشريعة ؛ وضعه الله وجاء فى السنة وأحكمه الفقه ورتبه وزاد عليه ؛ ودعمته الفتوى على تضاربها تأتى من كل فج عميق وبعد كل هذا تريد أن تفكر؟! إذن فقد هلكت ياغر يامفتون!!!

إن الله الذى هو الأدرى بمصلحتك قد قنن لك ووضع سره وعلمه عند مشايخ الإسلام ليعفيك من مهمة التفكير المزعجة ؛ وأنت لست أفضل من السلف الصالح صحابة الرسول الأتقياء الورعون المؤمنون المبشرون بالجنان ؛ وبقية الصحابة والتابعين ؛ وتابعى التابعين.

ولأنهم كانوا كذلك ؛ وقعت كل ألوان الفتن مبكرا ؛ وكانت القلاقل والحروب هى القاعدة الدائمة ؛ لأنه كان طبيعيا أن يفكر الصحابة فى شئون مابعد توقف الوحى وموت النبى وطوارىء الفتوحات ؛ وعندما فكروا أصبح كل واحد بفكره مخالفا لزميله ؛ أصبح آخر برأيه الجديد ؛ ومن هنا حق قتاله وقتله. ولهذا أسموها الفتن ؛ فقالوا الفتنة الكبرى لعدم التمكن من تحديد الجانى من المجنى عليه ؛ فكلهم صحابة كرام ، وقالوا الكبرى لأنه كانت هناك فتن صغرى ، بدأت بالسقيفة ؛ وشن الحرب على مانعى الزكاة. وجاءت بعدها فتن أيضا استباحت مدينة الرسول وهدمت الكعبة وأحرقتها. رغم أن اتخاذ الأمر بالقتال تقوم به و تشنه الفرقة على الأخرى منذ الخليفة الأول ؛ فإن تحديد من يكون هو الأنا ومن هو الآخر كانت تتوقف على من يحسم المعركة لصالحه فيكون المهزوم هو الآخر الكافر يصبح هو الفرقة الباغية ؛ وقد بغت لأنها قد فكرت ورأت لنفسها رأيا فى الدين أو الدنيا والدليل على بغيها هزيمتها وذلها ؛ وكان يمكن ألا تحدث الفتن ويمر كل هذا بسلام لو لم يستخدم الدين من كل الأطراف المتحاربة ليصبغ شريعته على الأنا ويسلبها عن الآخر. فكل شىء منصوص عليه والتفكير يتم فيما هو غير منصوص عليه ؛ ولم يكن موجودا زمن تواجد الوحى ؛ لم يكن عليه التفكير كان عليه التزام الموجود قديما ولا عليه من أحداث الواقع المتغير ؛ فلتتغير ؛ ومالنا ؛ وما علينا ؛ إن فكرنا بغينا ؛ مما يتطلب القتل والجز والسلخ.

عندما فكر المسلم لم يعد يتطابق مع فكر المسلم الآخر ، والتطابق لابد أن يماثل ويطابق الأصل القدسى ؛ لذلك عندما رأى المسلم رأيا بعقله واعتبره دينا ، وغيره ليس كذلك ؛ غيره آخر ؛ وبما أن الجميع حاول بفكره أن يقول أن مايقوله هو وحده المطابق للشرع ؛ فإن النتيجة كانت لابد أن تكون حربا من أجل الدين ذاته. من هنا أصبح اختلاف الرأى ناتجا عن التفكير ؛ ومن هنا أصبح أى تفكير باعثا على الاختلاف عن الأصل ؛ لأن المشترك بين الجميع كان نصا واحدا يريد كل منهم أن ينتصر به لقضيته. لذلك جرت الفتن مع الدماء أنهارا عندما جعلوا من شئون الحياة والسياسة التى هى من خصوصيات البشر خصوصيات ربانية.

وهو مايفسر لنا ظهور النظام الديمقراطى البدائى لدى الشعوب الوثنية كما كان عند الرومان قبل الإسلام بقرنين وألف من السنين ؛ لأن رجال الدين كانوا أفرادا عاديين وأفكارهم وآراءهم وسلوكياتهم لم تكن أمورا مقدسة أو ملزمة ؛ فكانوا أحرارا فى حياتهم يصوغونها كما شاءوا. أما مجتمع المسلمين بإصراره على مطابقة النسخة الأصلية واعتقاده بصحة هذه المطابقة وكفر غيره فقد تحول كله إلى مجتمع الآخرين ؛ كل منهم آخر ؛ كل مخالف آخر ؛ كافر يلزم قتله ؛ فهو من الفرقة الهالكة والقاتل هو من الناجية. غاب الفكر الحر ؛ وغابت معانى الحقوق الإنسانية ؛ غابت الديمقراطية التى كانت مهمتها تجادل الآراء للاتفاق على رأى واحد يتفق عليه الجميع وبقى الفكر الدينى وحده الذى فرق المسلمين فرقا وشيعا وقتلا وذبحا وتقتيلا فى سبيل الله ؛ والله من كل هذا براء. عند المسلمين غابت آلية الحوار وآليات إصدار القرار ؛ وآلية سيادة رأى الأقلية ؛ وغابت آليات تنظيم الدولة دستوريا ؛ فتميز تاريخنا بالحروب الداخلية والفتن ؛ وقتل الحكام سبيلا وحيدا لتبادل السلطة بدلا من الانتخاب والاستفتاء . كان الرومى يجمع المواطنين تحت مظلة المساواة وفق قانون مدنى اتفقوا عليه وتعارفوا وقبلوا جميعا به. أما القانون الإسلامى الشرعى فيطرد حسب كل فريق جميع الفرق الأخرى فمزق المجتمع وتحول على يد أصحابه من نعمة مهداة إلى نقمة ومعاناة دائمة. تعريف الآخر عندنا لم يصدر به بيان لكن نستشفه من فعلنا وأى قوانين نمارس. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؛ لم تعد تكفى لإثبات صحة إسلامك اليوم ؛ لابد أن تشهد بصدق ابن عبدالوهاب وابن البنا وابن قطب وابن عاكف وابن قرضاوى وابن هويدى ؛ وابن الغنوشى وابن الترابى..

أصبح شرط الإيمان بقدر مطابقته لما يرى المستبدون على الجماعه الزعيمة ؛ أن تكون عضوا فى الشلة أو العصابة ؛ كان هذا هو منطق العربى فى الجاهلية. القرآن اعترف بالآخر وقال أن تلك إرادة إلهية وأنه جعلنا قبائل وشعوبا لنتعارف ونتعايش بسلام مع الآخرين ؛ بينما فهم المسلمون أن المساواة أن تكون نسخة كربونية تطابق قوما ماتوا منذ أكثر من ألف عام ؛ وأن نتبعهم فى كل تفاصيل ودقائق حياتهم فيكون الحى قد عاد إلى زمن مات ليموت هناك وجسده حى بيننا ؛ ودون أن يحيا الميت المطلوب استعادته بالفعل ؛ لم يأت ليحقق لنا معجزات تحققت فى زمنه بالعزة بعد المذلة.

إن مشهد الواقع الإسلامى الآن وخاصة منه العربى ؛ يشير إلى أشباه بشر فى قاع الأمم المتخلفة ؛ مما يؤكد أن السلف الذى استدعيناه ليس بإمكانه استيعاب زماننا ولافهمه ولاكيف يعيش فيه.. وهو والموت واحد ؛ ويبقى الحى منا فى القرن السابع الميلادى.. بينما من يشق المستقبل نحو النور فى الزمن شقا.. هو الآخر الملعلون فى بلاد الطاغوت.

روزاليوسف 2 يونيو 2005

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:00:00 | Permanent Link | Comments (0) |

Monday, 21 May, 2007

ادفنوا موتاكم !

ادفنوا موتاكم !

على عينا وراسنا كل ألوان الخطاب التدليلي التبجيلي لمؤسسة الأزهر ، لكنني أعتقد أنه مع حركة الإصلاح فلا أحد فوق المؤاخذة أو كبير على المساءلة ، ومن هنا سأحاول إلقاء نظرة تاريخية على الأزهر للوصول إلى نتيجة نستطيع أن نحكم فيها على أدائه كمؤسسة حكومية وطنية ، خاصة في ظل مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان ، والتي سنصر طوال الوقت على طلب تفعيلها في واقعنا حتى نصدق ما يحدث ونتفاعل معه ونحترمه .

إن الأزهر يقوم في مبادئه على اهداف ثابتة وغايات اسمى ، هي تخريج قادة للفكر الديني ، هدفهم إنقاذ العالم من الظلمات والأخذ بيده إلى النور ، أي إلى الإسلام ، ويقدم للدارسين فيه معارف ومهارات يؤكد أنها الأفضل في العالم كله ، لأنها موروثة عن الزمن القدسي عندما كانت الأرض على اتصال بالسماء في بلاد أخرى تقع على الجانب الشرقي من البحر الأحمر ، وأن الرب قد أختار هذه المنطقة وباركها وحرمها وبخاصة مكة والمدينة ، فأصبحتا أقدس المواقع على الأرض ، وأن الله الذي أوحى لعبده هناك هو الأدرى بما يصلح لمخلوقاته منهم.

و هنا نقول كلاما تقريريا لا بلاغيا أن هذا الفكر عندما يكون الخلفية والأساس الذي يقوم عليه التعليم الأزهري ، فهو ما يعني أن هذا اللون من التعليم قد ظل دون تطور أو تغير أو تبدل أو انفتاح ، تأسيسا على مسلمة تؤكد أن خير القرون في الزمان كله كان بالحجاز في القرن اسابع الميلادى.

وتقوم المسلمة على حديث بهذا المعنى ، فيترتب عليها أن أي تغيير يتفاعل مع متغيرات الواقع وتقدم الزمن ، يعني أن هناك نقصا في مأثورنا وتراثنا الكامل المقدس ، وحتى لا يكون هناك أي نقد تم تشريع الحدود التي تقونن قطع الأطراف وجز الأعناق والجلد والسلخ في حال التفكير ، مجرد التفكير ، بما يتناقض مع تراثنا الخالد أبد الدهر ، تفنى الدهور ولا يفنى.

و المعلوم أن التعليم في بلادنا قد انقطع عن تخصصاته القديمة في جامعات الإسكندرية وأسيوط وطيبة ، ومدارسه المتخصصة في الفنون والعلوم على اختلافها ، فمع الفتح العربي أصبح التعليم في بلادنا كله دينا وبعضه دين وما يستنتج منه دين ، وذلك لكفالة طاعة المواطنين لسيادة سلطة تمثل جماعة أو هيئة أو طائفة ، مهمتها أن تقوم بالتفكير نيابة عن كل المواطنين ، لأن الوطن ليس بحاجة لتفكير أكثر مما هو بحاجة إلى دين وذمة وشرف .. إلخ ..إلخ ، وتعتبر هذه السيادة السلطوية نفسها العقل المفكر القادر المبدع المتمكن من إدارة كل الشئون داخليا وخارجيا ، وذلك لأن العوام قاصرون عن إدارة شئونهم بالخلقة والفطرة .

ومع هجمة الأسلمة التي أتتنا مع زوبعة ما يسمونه "الصحوة الإسلامية" تمكن السعودي بن عبد الوهاب من إعادة فتح مصر ، وقام كل أسيادنا من القبور ، يشيرون لنا كي نسمع ونطيع ، هكذا قال بن تيمية ، وهكذا قال الغزالي ، وهكذا قال ابن عبد الوهاب ، وهكذا قال ابن قطب ، وهكذا قال ابن عاكف ، وهكذا قال ابن ابى العزائم ، لقد نهض موتى التاريخ ليحكمونا مرة أخرى كسادة لنا يقولون قولا مقدسا ، بعد أن ظلوا يقولون ما ينوف على ألف وأربعمائة عام ، ظلوا أربعة عشر قرنا يقولون وحدهم ولا ينطق غيرهم ، ومعهم لا قول لشعب ولا لمواطن عبر التاريخ الهباب غير قول آمين.

ماذا يقول الطالب الدارس؟ وهل مسموح له أن يقول أمام البخاري أو الشعراوي وباقي جحافل هذه الأقوال المقدسة المنزهة وحدها؟ إن الطالب في ظل هذا المنهج التعليمي لن يفهم أبدا أن من حقه أن يقول ، فهذا شيء عجاب ، وبدعة ما لها في شرعنا من باب.

ألا ترون المسلمين في الفضائيات يخاطبون أصحاب القداسة بقولهم : يا شيخنا ويا مولانا ويا سيدنا ، في اعتراف بائس بأن العبودية كحامل لهذه الثقافة قد ختمت الأرواح بالذلة والمسكنة؟

ألا تسمعونهم يطلبون الفتوى على الملأ في أخص الشئون حتى أدخلوهم معنا في مخادع الزوجية؟

ألا ترون مدى الصغار ومدى التمكن من الأرواح والعقول حتى بات الواحد منا لا يخطو خطوة دون أن يعرف فيها رأي مشايخنا؟

وفي المقابل لابد أن يستشعر الشيخ أنه شخص استثنائي غير باقي الناس ، فهو سيدهم ، وهو من يخطط لهم ، وهو من يضع لهم القوانين ، ويكون له الحق كل الحق من بعد أن يكفر هذا ويرضى عن هذا ، أن يشكل خطرا على هذا النظام ، وأن يضغط على ذلك الفريق ، ومن ثم أن يلعب سياسة ، لأن جمهوره يقدسه ، وهو الفائز بحول الله.

و كلنا يعلم أن الهدف من إنشاء الأزهر كان هو دعم توجهات الفاطميين بمصر ، ومع تغير الأنظمة الحاكمة والمذاهب المسيطرة ، تقلب الأزهر في جلسته مع كل جديد على مستوى السلطة ، وأتيت أنه يمكنه التغير مع المتسجدات ، فانتقل من التشيع الفاطمي إلى المذاهب السنى في نقلة نقيضة بالكلية ، ومن بعد ذلك أثبت مرونة مذهلة في التحول والتغير ، فكان مع اشتراكية عبد الناصر ، ثم مع الانفتاح الاقتصادي ، وكان مع الحرب ، ثم أصبح مع السلام ، وهي مرونة تحسده عليها كل الهيئات الدينية المشابهة في العالم .

لكن عندما يتعلق الأمر بحريات المواطنين أو بحقوق الإنسان الأساسية كحق الحرية وحق الاعتقاد وحق إعلان الرأي ، فإن الأزهر كان يتخذ أشد المواقف تزمتا وانغلاقا وأصولية شديدة المراس. وهو أمر يؤدي إلى التساؤل عن سر هذه الازدواجية ما بين أزهر مرن قادر على تطوير نفسه وتطويع الإسلام لما هو جديد ، وبين وقوفه ضد حقوق المسلمين وحرياتهم الأساسية !

هل كان موضوع مشايخ الأزهر عبر التاريخ هو استمرار الحظوة السلطانية وهباتها اللدنية فقط؟! هل كان مع ما يريد الحاكم حتى لو قهرا واستعبادا ، ويصبح ضد شعبه عندما يطلب أن يكون إنسانا كبقية الناس في العالم ، وإنسانا كريما كرمه الله ؟!

والملاحظ لتاريخ الأزهر سيكتشف أنه رغم كل ما حصل عليه من قداسة ورفعة ، فإنه لم تثبت عليه يوما اهتمامات وطنية بالمعنى المفهوم من كلمة وطنية ، ومن كلمة مواطنة ، لأن لغته واهتماماته وموضوعاته وتاريخه وكل ما يتعلق بشأنه الدعوى يأخذنا إلى وطن أهم وأقدس من مصرنا ، يأخذنا إلى حيث أسيادنا في الحجاز . ولا أتهم الأزهر أنه انشغل يوما بناسنا الذين هم على مختلف الاصطلاحات : غوغاء ، رعية ، أهل ذمة ، أنباط ، علوج ، موالي ، بقدر ما انشغل بكيف يوجه العوام ليدفعوا لله والحاكم ، كما لا أتهم الأزهر بأنه حقق سبقا في ميدان حقوق الإنسان ، لأنه ضدها حتى الآن ، وأكثر ما يحز في نفسي كمسلم أن الأزهر لم يسع مرة إلى رقي الأمة ، أو دعوتها إلى نقل الحضارة من بلاد المتقدمين إلى بلادنا ، حتى بعد أن أدرك مدى تخلفه مع مجئ الحملة الفرنسية ، ومع ذلك لم يطور الأزهر نفسه ، ولأن فاقد الشئ لا يعطيه ، فهو ما كان بالأصل قادرا على تطوير الأمة.

حتى بعد بونابرته ، وقف الأزهر ضد كل اكتشاف أو أختراع أو حرية ، لأن كل ذلك خروج على الإيمان ، لأنه لم يخرج من لدنهم هم ، ولا يبقى إلا أن تسألهم : ومن أعجزكم عن فعل مثل فعلهم وأن تتطوروا مثل تطورهم ؟! هل كان المسلمون سيقولون لكم لأ . . هذا كفر؟

وعبر السنين السوداء السوالف التي كان فيها أجدادنا يروون أرض مصر الطيبة بعرقهم ودموعهم .. وحتى الآن ، كان رجال الأزهر هم محل الوجاهة الاجتماعية والوجوه المقدمة ، تحترمهم الرعية وتجلهم ، بل تتبارك بهم وتتقدس ، لكن هذه الرعية التي كانت تقبل الأيدي طلبا للرضا السماوي ، لم يكونوا موجودين في أجندة مشايخنا ، لأن مصدر رزق مشايخنا ووضعهم السيادي مستمد وقائم على عدم الأخذ في الاعتبار بشئون الرعية في القرارات السيادية ، لذلك كان رجال الأزهر هم الطبقة الحقيقية الحامية للحكام من أجل استقرار الأوضاع الاجتماعية على ما هي عليه دوما ، ومن ثم كان الأزهر هو الحامي الحقيقي لمنظومة الاستبداد الشرقي في دولة خراج تتركز كل السلطات فيها عند القمة ، حيث السادة والأشراف والبكوات والفاتحون ، ولم يكن للشعب سوى دور واحد هو تنفيذ الأوامر والصدع بالفتاوي ودفع المطلوب منه لتقسيمه على مائدة اللئام ! ثم ال الازهر فى النهاية الى حليف للحكومات الوطنية ، اخذ بموجبة مكانا سياديا يتم تعيين شيخة بقرار جمهورى مع تلقيبة بالامام الاكبر وبدرجة رئيس وزراء !!!!!.

وكلنا يعلم أيضا أنه بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر ، فإن محمد علي لم يلجأ للأزهر مع عزمه وكارزميته وخططه لبناء مملكة قوية ، إنما اتجه أولا إلى التخلص من كل مراكز القوى الفاسدة في مذبحة القلعة ، ثم اتجه ثانيا نحو أوروبا ، و لم يستطع الأزهر حينها أن يقدم بديلا وطنيا أو قوميا أو دينيا أو محليا للتحضر كالغرب ، لم يكن عنده ما يفيد به الأمة وينهض بها ، كان خالي الوفاض .. كان لا يعرف سوى التخديم على السلاطين ، وهو ما استمر يقوم به ، لكن النهضة زمن محمد علي تركته إلى بعث البعثات واستجلاب الخبراء وخطط الإصلاح الغربية ، فنهضت مصر لتصبح ندا للدول العظمى في عصرها منذ قرنين من الزمان . وقامت نهضتها على الانفتاح على العلم بمعناه العصري الإنساني الكشفي الابتكاري التجريبي ، وأيامها قال أحدهم : لو كان لمشايخ الأزهر أي نفع لأخذهم معه نابليون إلى فرنسا.

ولابد من توضيح بدهية معلومة وهي أننا عندما نتحدث عن الأزهر لا نتحدث عن الإسلام ، لأنه ليس في القرآن أو الحديث شيء اسمه أزهر أو رجال أزهر ، وبالنظر إلى حال الأزهر سنجد أنفسنا بإزاء حالة متحفية تتحرك في عالم حفري ، لأن علماء الأجناس والحضارات يقولون لنا أن أيه حضارة سليمة لابد أن يضيف إليها الجيل الواحد إضافات ابتكارية جديدة تصل إلى نسبة 15 % لتفسح المجال للتطور والنمو والازدهار ، بينما تعلقت قلوب الناس في بلادي برجال الدين ، فإن رجال الدين في بلادي مازلت غاية أمانيهم أن نعود معهم إلى القرن السابع ميلادي ؟! هي دعوة إلى "الخلاء" حيث لا تاريخ ، ولا وجود.

وإذا طالعنا كشف حساب الأزهر في تأدية مهمته التأسيسية ، وهي حماية دينه ومجتمعه ، بما له من كرامة مرفوعة وأموال مدفوعة ليؤدي دوره التربوي والديني ، ولأنه قلعة ديننا الحصينة بالفرض الضروري ليبرر وجوده ، فإن أزهرنا لم يحصن نفسه ولا مجتمعه ولا دينه ، وفشل بكل سلطانه القادر في إرساء مبادئ الدين السمح ومعاني الأمن والأمان أو التطور بالدين ليتماشى مع متطلبات الزمن ، لقد فشل الأزهر في ذلك ولم يستطع مواجهة الفكر التكفيري ، بينما من تصدي لهذه المهمة للحفاظ على الدين وعلى الناس وعلى الوطن ، هم المفكرون الليبراليون الذين يكفرهم الأزهر ، وأنهم في ذلك أصحاب الفضل العظيم الذي لا ينكره إلا فاسد الضمير والأفاق اللئيم . لقد فشل الأزهر لأن الفيروس اخترقه مبكرا ، بينما أمن الليبراليون من الإصابة عندما تحصنوا بطعم الحضارة.

لقد فشل الأزهر في أداء دوره لله وللوطن وللناس عندما أصر ولم يزل يصر على مسلمة أن "الحق لا يتغير".

نعم إن الحق والخير والجمال هي قيم مطلقة بين بني الإنسان ، لكن معيار القيمة نفسه قد تغير بمرور الزمن ، واكتسبت هذه القيم معاني جديدة ، وللتبسيط الشارح اتساءل : هل تكون مضاجعة رجل لامرأة رغم إرادتها بحجة أنها جارية أو ملك يمين أو سبية حرب .. خيرا!؟ أم هو هتك عرض علني بموافقة القانون الشرعي ؟!

وهل يظل القانون الذي يشرع هذا قانونا ملائما اليوم؟

وهل مضاجعة صغيرات البنات حتى سن تسع حسب المبدأ السني المعلوم هو خير اليوم أم شر؟

وهل الفنون الجميلة بأنواعها من موسيقى إلى مسرح إلى باليه إلى غناء وطرب إلى فن تشكيلي رسما أو نحتا أو تصويرا ، مما يرتقي بالحس الإنساني ويؤدي إلى رهافة الروح .. هل هذا شر؟ أم خير؟

وهل تفجير زوار الحفيد النبوي في مساجد العراق في يوم الجمعة ، وتمزيق أشلاء الأبرياء من شيعة أو نصارى العراق .. هو خير أم شر؟

يبدو سادتي أن الأزهر بما يعلنه يعيش زمنا غير زماننا وعلينا نحن أن نراجع شئونه ، وقبل هذا وذاك أن نراجع فهمنا لقيم الحق والخير والجمال بما يوافق زماننا.

والعجيب أن الأزهر يراوح مكانه دون أن يلتفت شرقا إلى بلاد المقدسات ليرى الإصلاح وهو يدق أبواب الأرض المقدسة ، ونوافذ محمد بن عبد الوهاب ، ثم قام الأزهر يصلح ويعالج بعد أن دقت أمريكا عاصمة الخلافة ، منذرة بقية الأنظمة الخليفية في المنطقة لكن الأزهر قام يصلح بنفس الفكر ونفس الأدوات وذات المنهج والمنطق ، فهو يعالج بينما هو حامل الوباء ، ويداوي بالتي كانت هي الداء . مشايخنا مازالوا عند قديمهم لا يدركون أن القيم أيضا متغيرة ، وأن الحق ليس واحدا ، وأن الخير والجمال أيضا قد أصبحا قيمتين إنسانيتين لا طائفيتين ، بل تشملان جميع البشر.

كان يفترض في الأزهر بالنسبة للدين أن يكون كوزارة الصحة بالنسبة للمواطنين ، لكنه عندما لم يتحرك اخترقه الوباء واستشرى وانتشر .. فإذا برجاله يصدرن فتاوي قتل الأبرياء فيستشهد فرج فودة ، ويطعن نجيب محفوظ ، ويقفون ضد الحملة التي قامت للقضاء على عادة ختان الإناث بفتاوي محتشدة ، ويكفرون بنوك الدولة ويحرمون معاملاتها بما يضرب الاقتصاد الوطني في مقتل.

فذهب الناس يودعون أموالهم بيوت الأموال الإسلامية برعاية مباشرة علنية دعائية من رجال الدين في بلادنا من شعراوي إلى قرضاوي ، إلى أزلامهم ممن وفروا للصوص نهب فقراء مصر وتدمير اقتصادياتها ، عندما ركن الناس إلى ثقتهم في مشايخهم بإيمان تسليمي خانع خاضع يبحث عن ربح سريع دون بذل أي جهد ، فكان ما كان ، وكم حذر أخي وصديقي الراحل ممجدا فرج فودة من بيوت الأموال ارجع لكتابة (الملعوب) ، وقدم فيه الدراسات الوافية بحسبانه اقتصاديا مبرزا ووطنيا مخلصا ، في وقت كان المشايخ يعلنون ويدعون لبيوت الأموال ، وأيضا يقبضون أجورهم من هذه البيوت من مال الفقراء ، وقتلوا فرج بفتاواهم وفروا بأموال الناس ، ولم يقم واحد فقط ممن قبضوا من هذه الأموال بردها حتى تعود لأصحابها ، من شعراوي إلى قرضاوي وما بينهما وما بعدهما من أزلام ، ومع ذلك مازال عوامنا يعتبرونهم السادة والأسياد.

لقد ظلوا يقولون ألفا وأربعمائة عام "أربعة عشر قرنا" البخاري يقول .... ، وابن عباس يقول ..... ، وابن تيمية يقول ..... ، وبن لادن يقول .... ، ليضيفوا لإسلامنا مالم يكن فيه يوما ، وكلهم ليسوا بأنبياء ، لقد قالوا طويلا وقننوا طويلا.

لكن اليوم من سيقول ، هو نحن .. الناس ، وسنقول كل مختلف عن المعلوم بالضرورة ، وسنعلن كل رأي يضرب الخطوط ، الحمراء جميعا ، ويهتكها هتكا ، وسنتجاوز كل الأسوار المانعة القامعة من ثوابت الأمة ، سنقول مصالحنا ومعاشنا ومستقبلنا وحرياتنا وحقوقنا الإنسانية ، نريد عندما ينزل المواطن المصري بلدا لا يفتشون حتى ما تحت ملابسه الداخلية ، نريدهم ان يستقبلونه هاشين باشين حفاوة بإنجازه وعلمه ونبوغه ، لقد انتهى بنا مشايخنا إلى كاريكاتير دموي ومحل هزوء وسخرية واحتقار من شعوب العالم ، بعد أن وأدوا وقتلوا كل جميل في بلادنا.

اليوم لم تعد معاهد العلم مكانا لتعليم الناس الإيمان ، فهو أمر يحصله الإنسان بنفسه عندما يريد ، ولم تعد مكانا يحفظون فيه التراث ، لأن التراث يحفظ بدار الكتب أو المتاحف ، معاهد اليوم هي التي تقوم بصنع الإنسان الحي لا الميت ولا المخدر بأحلام أموات لم تتحقق يوما ولا حتى في زمانها القدسي ، معاهد اليوم تعلم الناس ما ينفعهم بالعمل والجهد المنتج المبهج.

أما التراث وأهله الملتحفون بأكفان الموتى فقد آن لنا أن نودعهم اليوم غير آسفين داعين أهل مصر : يا أهل مصر .. ادفنوا موتاكم ، وبلا عزاء !.

نشرت فى روزاليوسف العدد 4006

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:00:00 | Permanent Link | Comments (0) |

Saturday, 19 May, 2007

حد الردة و التجديد في الفقه الإسلامي

حد الردة و التجديد في الفقه الإسلامي

ردا على توصية لجنة الفلسفة بمجمع البحوث الإسلامية

· الاستتابة قبل تطبيق "حد الردة" لون من الإرهاب على اللسان لأن الله لا يطلب إيمان العبد والسيف على رقبته.

· مد زمن الاستتابة من ثلاثة أيام إلى مدى الحياة تأكيداً لتهمة الردة لن يخدع المهتمين بحقوق الإنسان.

· القرآن الكريم أكد على حرية العقيدة أكثر من مرة فهل نصدق القرآن أم نصدق تجديد اللجنة؟!

في العدد (3871) من مجلة "روزاليوسف" تم نشر تحقيق حول المسلم المرتد المفارق للجماعة ، والتجديد المقصود هو ما وصل إليه بعض مشاهير الأزهر الأفاضل ، في اجتماع طارئ لهم حول هذا الشأن بريادة الدكتور "عبد المعطي بيومي" ، وتشكل أعضاؤها في لجنة باسم لجنة العقيدة والفلسفة التابعة لمجمع البحوث الإسلامية الأزهري ، وانتهت إلى إصدار توصية تحت عنوان "حد الردة في ضوء العقيدة الإسلامية" ووصفتها الأستاذة "إقبال السباعي" صاحبة التحقيق بأنها "التوصية القنبلة".

الجديد في التوصية حول حكم المرتد أنه "إذا ارتد وفارق الجماعة ، فإن أمره متروك لولي الأمر.. فإن كانت ردته لا تمثل خطراً على المجتمع.. له أن يستتيبه مدى الحياة دون أن يكون جزاؤه القتل ، أما إذا كان ردته خطراً على الأمن العام وأصول الدين وأصول المجتمع يحق لولي الأمر قتله".

وموضع الجدة هنا هو مد زمن الاستتابة من ثلاثة أيام يقتل بعدها المرتد إن لم يرجع إلى الإسلام ، إلى استتابه مدى الحياة ، ومستند هذا التحول الجديد تجده في أسس أربعة بالتوصية لعل أهمها هو أن الفقهاء القدامى اختلفوا حول مدة الاستتابة ، ومن هنا تم الأخذ برأي الإمام النخعي في أن المرتد يستتاب أبدا وخشية أية شبه أو ظن أن أعضاء اللجنة يضعون فقهاً جديداً ، أو يشرعون تشريعاً لم يقل به الأولون السابقون من فقهاء القرون الخوالي وموتى التاريخ ، فإن مقرر اللجنة الدكتور "محمد إبراهيم الفيومي" دفع هذه الشبهة الفظيعة بقوله : "إننا وجدنا ضمن الآراء المطروحة "يعني القديمة" الاستتابة مدى الحياة ، فقلت : إذن نحن لسنا مشرعين جدداً ، إنما نحن رجحنا بين الآراء.. كما أننا لم ننكر نصاً معلوماً من الدين بالضرورة".

إذن هو تجديد من بطن القديم بترجيح رأي منتج على رأي سائد مشهور ، ورغم كل هذا الحذر فإن التوصية لقيت معارضة حادة تزعمها الدكتور "رأفت عثمان" ، وذلك "لأن تقسيم المرتد إلى مرتد يضر ومرتد لا يضر ليس وارداً في اعتبار العلماء القدامى أصلاً".. إذن هنا مناط الاحتجاج أن هذه القسمة قسمة ضيزى لأنها لم ترد عند القدامى ، ثم "ثم إن استتابة المرتد طوال حياته رأي غريب.. ينقد العقوبة ويلغيها من الأصل ، حتى تصبح الردة بلا عقوبة ، ولقد اتفق العلماء على أن عقوبة المرتد هي القتل".

أما لماذا اجتمعت اللجنة أصلاً وتشكلت وبحثت ونقبت وفتشت لتصل إلى ما وصلت إليه؟ فهو السبب الذي جاء واضحاً في توصية اللجنة "إنها راعت في توصيتها الظروف الدولية التي تحيط بالإسلام ، والاتهامات الموجهة إليه بالتحريض على العنف والإرهاب.. وأن هناك قوى معادية تتربص بالإسلام وتريد النيل منه ، فتصفه تارة بأنه عدو للحضارة ، وتارة بأنه عدو للحرية". أو فيما أصر على إيضاحه منعاً لأي التباس الدكتور "الفيومي" أن ما تم ليس عن رغبة وإرادة ، إنما "مراعاة للظروف الصعبة والشديدة التي يمر بها العالم الإسلامي ، وحركات التشويه المنظمة ضد الإسلام واتهامه بأنه يحرض على الإرهاب ومصادرة الحريات".

المسألة إذن لا تجديد ولا تحديث ولا هم يحزنون ، إنما هي في استطراد "الفيومي" مراعاة "للظروف الخارجية ، وهي بلا شك تؤخذ في الاعتبار" ، ويجب أن ننتبه جيداً لمسألة "الخارجية" تلك ، ويضيف "حتى لا يشوش أعداء الإسلام عليه".

المعنى هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها كل العالم المتحضر ، ومعها العالم كله طوعاً أو كرهاً من الإسلام ، بعد ضربة الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، وقبل هذا الحدث الهائل الفارق في تاريخ الكوكب الأرضي وجغرافيته ، ما كان الإسلام ولا المسلمون يشغلون الأمريكان في قليل ولا كثير ، إلا بالقدر الذي يحافظ على مصالحهم في المناطق الإسلامية ، فبالنسبة لهم ما كنا في العير ولا في النفير ، مجرد شعوب مقطوعة عن الحداثة تعيش عصوراً وأزمنة غادرتها الدنيا إلى أزمة أخرى ، شعور تعيش أوهاماً ماضية ، تغني أمجادها السوالف منكفئة على ذاتها وماضيها وهلاوسها ، وما كنا يوماً بالحجم الذي رسمناه لأنفسنا كأمة تشغل العالم القوي ليجلس القرفصاء متفكراً متآمراً عليها آناء الليل وأطراف النهار.. ولكن بعد ارتكاب جريمة سبتمبر العظمى تحولنا إلى مركز اهتمام العالم القوي ، الذي يعلم إن الإرهاب هو سلاح الضعيف ، وأن هذا الإرهاب له أسبابه وجذوره التي يجب أن تجتث شئنا أم أبينا ، وأن المعركة مع الإرهاب ليست معركة تقليدية تضرب فيها القنابل وتطلق فيها الصواريخ أينما أمكن تحديد مواضعه المفرخة ، ولكن أيضاً بالتدخل العلني السافر وبضغط القوة الصريح الواضح في ثقافات المسلمين ومناهجهم في التفكير والسلوك التي كانت المفرزة لهذا الإرهاب. وربما التدخل في دين الإسلام ذاته ، وذلك في خطابات الرؤساء والمسئولين الكبار العلنية مصحوبة بزخم إعلامي ودراسات دقيقة ليصبح الإسلام والمسلمون على خريطة الاهتمام الدولي لأول مرة في هذا العصر.

وخلال عامي 1998 – 1999 كتب صاحب هذا القلم لمجلة "روزاليوسف" مجموعة من الدراسات العلمية منبهاً محذراً مطالباً بإعادة النظر في مناهجنا في التفكير في شئون الدنيا والدين والإعلام والتعليم لتجاوز التخلف وعوائق التقدم لنجد لنا مكاناً بين الأمم ، وترتيباً لبيتنا من الداخل توقياً لأي تدخل خارجي بحجج حقوق الإنسان أو الأقليات أو ما أشبه ، إضافة إلى تركيز أعماله المنشورة في كتب حول ذات الأغراض ، فلم يلق سوى سيل من التفكير الديني والتخوين الوطني بحسبان تلك الكتابات تدخل في إطار المؤامرة الكونية على الدين وعلى البلاد..

فماذا الآن بعد أن أزفت الآزفة؟! وبعد أن صدقت التوقعات حول المنهج والإرهاب والنتائج التي قلنا فيها قولاً طويلاً؟! وماذا عن كل من قاموا قومه رجل واحد في حملة تشهير وتجريس واسعة ضد صاحب هذا القلم الذي انزوى بعد أن مزق أوراقه وكسر أقلامه يأساً وقنوطاً لأكثر من سنتين أو يزيد؟!

ورغم الأخطار الهائلة المرتقبة الواضحة لكل ذي عينين ، فإن الإفهام عند مواقفها التليدة لا تريم عنها حراكاً ، فمع اتهام الإسلام بالعداء للحضارة والحرية والتحريض على العنف ، في عالم تبدلت فيه معادلة الضعف والقوة لغير صالحنا ، فكل ما ارتأته اللجنة حول "حرية الاعتقاد" التي أصبحت في العالم حقاً مقدساً ، والتي سبقت أن كتبت بشأنها ل"روزاليوسف" فلم ير الدكتور "عبد المعطي بيومي" فيما كتبت سوى أنني "أهذي" كل ما رأته اللجنة إزاء اتهامات ترافقها احتمالات من قوى عظمى تملك السيطرة على السماء والبر والبحر ، هو تمديد استتابة المرتد مدى الحياة مما يستدعي بالطبع حبسه "مؤبد" حتى يمكن استتابته كل فترة لتأكد من رجوعه إلى الدين المطلوب إثبات إنه ليس ضد الحرية أو حقوق الإنسان ، وأنه ليس دين إرهاب كما يزعم أهل الغرب الذين يكيدون له كيداً.

هذا رغم أن مسألة الإيمان والتعبد شأن بشري خالص ، يفترض أنه يقوم على اختيار الإنسان الإرادي الحر بالكامل ، حيث لا يمكن فرض رقابة على الضمير لمعرفة صدق الإيمان أو كميته أو مساحته أو وزنه بمعايير دقيقة ، هي منطقة شديدة الخصوصية لا يصلح معها القصر إلا على اللسان وحده ، لذلك فإن أي عقل غربي أو شرقي "شرط أن يكون عقلاً" لا بد أن يصاب بالهلع أمام مسألة الاستتابة قبل تطبيق حد القتل ، الذي هو لون صارخ من العسف والقهر والإرهاب على مجرد اللسان وليس على قلب الإنسان ، فهل حقاً يطلب الرب العظيم ذو الجلال إيمان العبد السيف على رقبته؟! أو السجن المؤبد في أحدث اجتهادات البيومية؟! وهل هذا الأمر الشائع برمته أصل صحيح من أصول الإسلام؟ لأنه لو كان كذلك حقاً ، فإن التهم الموجهة إليه الآن ستكون صحيحة ويكون كل ما فعلته اللجنة الموقرة هو تأكيد التهم مع خطاب مخادع إن خدع المسلمين البسطاء الطيبين فلن يخدع المهتمين بحقوق الإنسان ، بل سيكون مدعاة دهشة ساخرة مرة من العالمين.

والغريب أن تسمع من بعض الفقهاء أن حقوق الإنسان المعلومة في عالم الغرب الحر قد جاءت كاملة غير منقوصة في ثقافتنا العربية الإسلامية ، وهو ما يشي باقتناع دواخل أنفسهم برقي القيم الحقوقية العالمية اليوم وسموها ، لكن مثل هذه الإعلانات حول حقوق الإنسان في الإسلام تسقط جميعاً وتتهاوى أمام الإصرار على حد الردة وحكاية الاستتابة.

لنقف إذن مع الأسس التي استند إليها سادتنا المشايخ عافاهم الله في مسألة الردة والاستتابة.. نحاول أن نفهم.

  1. أبرز المستندات بأيديهم وأهمها حديث وحيد أحد يقول : "من بدل دينه فاقتلوه" ، وعليه يرى الدكتور "رأفت عثمان" أن عقوبة المرتد هي القتل ، لأن الحديث سنة والسنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن ، وأن هذا الحديث ليس بضعيف.. لماذا؟ لأنه مروي في صحيح البخاري ، وصحيح البخاري أصح كتاب على الأرض بعد القرآن الكريم!
  2. أما المستند الثاني فحكاية جاءت في الحوار مع الدكتور "عبد المعطي بيومي" وهي أن الصحابة قتلوا شخصاً ارتد "من هو؟ كيف ارتد؟ من القاتل؟ كلها أسئلة بلا جواب" فاحتج عمر بن الخطاب وقال : "هل أطعمتموه ثلاثة أيام؟! هل استتبتموه؟ ومن يومها كما يقول "بيومي" استناداً إلى عمر لا إلى القرآن ولا إلى حديث صار الإجماع إلا يقتل المرتد حتى يستتاب.
  3. ثم يأتي المستند الثالث وهو الأقوى بيد "رأفت عثمان" متمثلاً في إصرار أبي بكر على محاربة المرتدين عند خلافته لأن الردة مفارقة للجماعة ن وبالطبع لا يمكن أن يكون الصديق مخطئاً.. وهو من هو !

إن المسلم البسيط غير الأزهري المتفيقه لا شك سيسأل نفسه هنا : هل تجب السنة القرآن الكريم وتلغى آياته الفصيحة لواضحة وهي تقول "من شاء فيؤمن ومن شاء فليكفر" أو وهي تؤكد أنه "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (2/256) ، فهل على هذا المؤمن البسيط الذي هو مادة الإسلام الحقيقية وهو من يشكل جمهور المسلمين أن يصدق الحديث الواحد الأوحد؟! أو يصدق القرآن الكريم؟ أم عليه أن يصدق كليهما فيصاب بالحول في الرؤية في أخص ما يعتقد؟! خاصة عندما يروي له الدكتور "بيومي" رواية أخرى هي على النقيض من منطوق الحديث ، وهي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أيضاً إبان صلح الحديبية بين النبي ومشركي مكة ، عندما قال له ممثل مكة في الصلح "سهيل بن عمرو" شرطاً : "من يسلم من عندنا ويأتي إليك ترده إلينا ، ومن يرتد عنك ويأتي إلينا لا نرده إليك" فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : "من يرتد لا رده الله".

هنا لا أرى المؤمن الطيب الذي لا يجيد ألوان الخطاب الخداعي المعتمد لدى سدنة الفقه إلا مصاباً بالبلبلة التامة ، فالنبي في البخاري يأمر بقتل من بدل دينة وفي الح