Tuesday, November 11, 2008

فلسفة القيم إبداع إنسانى لا إلهى

فلسفة القيم إبداع إنسانى لا إلهى

بسبيل إنكار و استنكار القيم الإنسانية (الاكسيولوجية فلسفياً و هي : الحق و الخير و الجمال) إزاء القيم الدينية ، يقدم الدكتور الصاوي أحمد في كتابه : (القيم الدينية و ثقافة العولمة) فرضية يطلب أن نسلم بها لتماسكها المنطقي ، و هي الفرضية التي تؤكد من البداية إستحالة قيام أية قيم إنسانية سليمة تكون من وضع البشر ، لذلك لا مفر من اللجوء  للقيم الإلهية. و هذا إنما يعني أن البشرية قد ظلت بلا قيم حتى جاء الإسلام ، لأن دكاترة الأوقاف عندما يحدثوننا عن القيم الدينية يقصدون تحديداً قيم الإسلام ،  لأن الدين عند الله الإسلام فقط. و هو أيضاً ما يعني أن جميع الأنبياء الذين ظهروا قبل الإسلام كانوا عديمي القيم ، و هو أيضاً ما يعني أن شعوب العالم غير المسلم شعوب بلا قيم ، و لا يشرحون لنا كيف تكون متحضراً و لا تملك قيماً؟ بينما من يملك تلك القيم هو الغارق حتى حتى أذنيه و عينيه في التخلف و الجهل و التاريخ الآسن ، و عليه يجب أن نفهم أن هناك قيماً تصون التخلف و تبقى عليه ، فيكون التخلف عائداً للقيم التي ترعاه ، و هي بذلك قيم سلبية تحتاج إلى إصلاح بشأنها ، مع الأخذ بالاعتبار الكامل قيم تدل عليها حياة أهلها الذين يرفلون في النعيم ، و هذا النوع من القيم لا يسقط على أصحابه من السماء ، إنما هم من صنعوه صنعاً و اخترعوه اختراعاً. فالقيم موجودة لدي الجميع ، لكن مجتمعاً يحرص على ما لديه من قيم حتى لو كانت سلبية ، هو بحاجة  لإعادة كنس و غسل و تطهير و تنظيف شامل للعقل و للضمير ، و معلوم أن كل شعب يمجد قيمه و لا يرى فيها أى سلبيات ، حتى الغجر و المافيا تمجد قيمها و تعتز بها لأنها هي التي تحافظ على تواجدهم و بقائهم  غجراً و مافيا .. و المعنى أن القيم تكون صالحة فقط للمجتمع و الزمن الذي أفرزها فإن تجاوزت ذلك قد تصبح سلبية في مجتمع آخر و زمن آخر.

لكن السيد الدكتور يقدم لنا حجة شبه منطقية للبرهان على فرضه ، فيقول(ص 9) : “لأن القيم معايير و مقاييس من شأنها ضبط العدالة و المساواة بين البشر ، فلا يجب ترك أمرها للأهواء البشرية ، حتى لا تكون محلاً للعبث و التلاعب و الانتقاص ، فلا يمكن أن يكون الإنسان نفسه محل الفعل و التقييم و المعايرة ، و أن يكون هو أيضاً المعيار و المقياس في الوقت نفسه ، و لا يمكن أن يتصور أن يصبح الإنسان هو الذي يجرى على فعله الصواب و الخطأ أو القياس و المعيار ، و إلا فتح الباب للأهواء و الرغبات الذاتية ، ومن ثم للفساد و الاستبداد. و فتح المجال لتسليط الإنسان على أخيه الإنسان ، بسبب فقدان الميزان و المقياس و المعيار الإلهي الذي هو أساس القيم “.

إن حجة عدم تصور أن يكون الإنسان هو الذي يجري على فعله القياس و المعايرة بالصواب أو الخطأ ، قد يكون صحيحاً فيما يخص الشأن الديني من طقوس و شعائر و عبادات و غيبيات ، و أن الاحتجاج بعدم إمكانية جمع الإنسان بين وضع القوانين و تقييم أفعاله و الحكم عليها مما يلزم عنه أن يكون هو المشرع و هو الحكم و المنفذ ، و هو الأمر غير المنطقي و لا السليم عند الدكتور صاوي و جماعته ، لذلك يري وجوب ترك هذه المهمة للسماءو قيمها. و هو كما قلنا أمر يصح فقط في العبادات و غيبها ، فليس من حقي كمثال أن أتدخل في تحديد عرض السراط ، و لا عدد أجنحة جبريل ، و لاأزيد من عدد الركعات أو أنقص منها ، و لا أتدخل في الغيبيات كالعرش و الجنة و الجحيم ، و لا أسأل عن أشياء أن بدت لنا تسؤنا ، فلا نسأل كيف ولدت الصخرة ناقة صالح و فصيلها معها ، و لا الحكمة في إسراء النبي و معراجه سراً لا علناً ، و لا كيف مكث يونس في بطن الحوت ، هي موضوعات إيمان لا موضوعات بحث ، تقوم على التسليم و عدم المناقشة. أما فيما يتعلق بالحياةالدنيا ، بالمجتمعات و الدول و البشر و أنشطة الإنسان اليومية ، سنجد الواقع يقول شيئاً مختلفاً بالمرة عما يقول فقهاؤنا ، فالشرق و الغرب و الشمال و الجنوب في كل بقاع المعمورة ، يجرون على فعالهم الصواب و الخطأ و القياس و المعايرة ، و جميعهم كما نرى إحراراً ناجحين متفوقين سعداء متميزين يعيشون كل الهنا و السرور ، بينما نسعى نحن لتقليدهم لكننا نرفض قيمهم ، و ننقل فقط عنهم ما قد تسمح بمروره  ذائقتنا الدينية و مجموعة فلاترنا و خطوطنا الحمراء.

و بينما يستنكر فقهاؤنا أن يكون الإنسان معيار نفسه ، فإن الواقع يؤكد أنه لابد أن يكون الإنسان نفسه هو محل الفعل و التقييم و المعايرة ، بدليل أن الله لم يرسل أنبياء لاستراليا و لا أمريكا و لا شرق آسيا ، و رغم ذلك فإن تلك البلاد متفوقة بما لا يقارن ببلاد من يزعمون امتلاك قيماً سماوية.

إذا كانت هناك قيماً سماوية ، فهي فقط للعبادات و تخص كل دين على حدة ، لذلك لم تتفق الأديان و لم تتوحد لعدم تطابق قيمها الدينية. و فارق عظيم بين قيم تعبدية تختلف بين دين و آخر ، و بين القيم الإنسانية الكونية الصالحة لكل البشرية. لقد نجحت القيم الإنسانية في توحيد البشرية و توجيهها نحو قرية واحدة ، بينما لم يتمكن أى دين من ذلك ، و عندما أرسل الله نوحاً و أحدث الطوفان ،  كان الهدف من هذا القرار الرهيب في حق الإنسانية كلها هو التخلص من الآخرين غير المؤمنين لتوحيد البشرية ، و مع ذلك لم تتوحد البشرية ، فجاء بعد نوح من خرجوا على الدين مرةً أخرى و لا شك أن الله كان يعلم ذلك سلفاً ، و مع ذلك استجاب لدعوة نبيه و لم يبق على الأرض من الكافرين دياراً، أطفالاً و نساء عجائز و شيوخا كلت حواسهم عن إتيان المعاصي ، مع من تمت ابادتهم. بينما القيم الإنسانية هي التي أدت للإنجاز الذي يتحقق اليوم تدريجياً لتوحيد البشرية بالعولمة ، دون دمار و طوفان و خراب ديار و إبادة للإنسانية على الأرض ، إنما بمؤتمرات وحوارات بين الثقافات ، وماتقوم بة يونسكو الآن فى (حوارات القرن الحادى والعشرين).

ثم أن الإنسان ليس نمطاً واحداً ، فلكل بيئة ناسها و ظروفها الجغرافية و الطبيعية و التاريخية ، فما يتفق و النمط البدوي يختلف و يتنافر مع النمط النهري الزراعي ، و ما يوافق الأوروبي لا يوافق الحجازي. فإذا كانت قيم الإسلام تناسب منطقة ظهوره ، فإن البشر في منطقة ظهوره كانوا من نمط يختلف عن نمط بقية البشر. بل من نمط خاص جداً تفاعل معه الوحي حسب فهم زمانه و ناس مكانه فحدثهم بلغتهم و معارفهم و بلسانهم ، و خاطبهم على قدر عقولهم لا على قدر عقولنا.

و كما كان للصحراء قيمها كان لبيئة النهر قيمها ، و قيم النهر أنشأت حضارات كبرى قبل الأديان و بعدها ، و القول أن قيم الصحراء هي المثال النموذجي هو أمر يجافي حقائق الواقع على مدار التاريخ ، و إلا لكانت جغرافية مهبط الأديان تحوي أقوى و أعظم الحضارات ، و لكانت لها السيادة و الريادة ، و لما ظهرت اليوم دعوات الإصلاح لبلاد مهبط الأديان ، و لقام العالم كله يسعى للتشبه بنا و النقل عنا لا العمل على إصلاحنا. و عليه فإن البيئة تشكل بمشاركة البشر و نتيجة تفاعلهم معها ، ضميراً جمعياً يتمثل واقعياً في مجموعة نظم و قواعد و عادات و تقاليد ، تحكمها القيم التي توافق عليها هذا الضمير الجمعي. و هو ما يتم غرسه في الطفولة و التنشئة الاجتماعية ، فتتحول القيم إلى معاني داخلية تضع شروط السلوك ، تصبح مثل أوبريتور داخلى باطنى سبق تصنيعه ، مهمته تشغيل السلوك وفق ضوابط تحمي هذه القيم. و من ثم تتشكل القيم بحسب ظروف الجغرافيا و البيئة و شكل المجتمع و ظروفه.

و فقهاء زماننا يحرمون المسلمين من تشغيل هذا الأوبريتور باعتباره نقيضاً للقيم الدينية ، لذلك حرموا الإبداع بحسبانه بدعة ، بينما قام الإنسان في الغرب بتشغيل هذا الأوبريتور فأبدع و ابتدع و أفاد بعلومه و قيمه الإنسانية كلها.

إذن البيئة و الإنسان يصنعان معاً ما يلزم من تكنيك لإشباع الحاجات الإنسانية وفق نظام قيمي ، و لحماية هذه القيم تم اكتشاف القوانين أو اختراعها اختراعاً لضمان قيم الجماعة و صيانتها. فالبيئة حكمت على مصر مبكراً بإدارة محكمة و نظام تكافلي مقدس في مواجهة توحش النيل ، للسيطرة عليه و استئناسه و توظيفه بما يعطي أفضل منفعة ، لذلك كانت القيم تناسب هذا الوضع الخاص ، و هو وضع يختلف بالمرة عن بيئة الندرة الشحيحة الفقيرة في البوادي ، حيث لا يمكن الحديث سوى عن قبائل متفرقة متقاتلة علي خير البيئة الضنين ، لا عن دولة مركزية إدارية.

و مثل الدكتور الصاوي ، فإن الشيخ الدكتور(عمر حسنه) ، يضع تعريفاً للقيم في ثوب يبدو مدنياً بالكامل ، بينما يستبطن الرؤية الدينية وحدها ، فهو يقول : “إن القيم معايير و مقاييس للفعل البشري ، و محددات للسلوك ، و ضابط للنشاط الإنساني و مسيرة البشرية في المجالات جميعاً / المصدر نفسة“. و لعل أول ملحوظة هي إسقاط هذا التعريف عن قصد و عمد ، المشاعر و الأحاسيس الإنسانية و قيمها و معاييرها ، مما يعني إنكار وجود أى قيم للتذوق الفني و الجمالى ، هو تعريف إسلامي في لغة محايدة ، تعريف لا ينظر للآثار المصرية أو تماثيل بوذا التي دمرتها طالبان بأنها أشياء ذات قيمة. فإن سألنا عن المعيار أحالونا إلى المعيار الإلهي. و لو ذهبنا معهم لذات المعيار لوصلنا إلي نتائج مخالفة لمقدماتهم ، فإذا كان هناك معياراً إلهياً للقيم ، فلا شك أنه كان قديماً أزلياً سابقاً لكل الرسل ، و لأن آدم هو من كان مؤهلاً لفهم القيمة و الحكم عليها ، و بدون وجود إنسان لا وجود لأى قيمة لأن من يعطها القيمة هو الإنسان ، إذن لا شك أن هذا المعيار الإلهي قد صاحب عملية خلق آدم ، لأنة لن يصح القول أن اللة قد خلق آدم بلا خلاق وتركة وذريتة ألوف السنين ، ثم استدركذلك بملحق أخلاقى يحملة لة الأنبياء ، ناهيك عن كون آدم نفسة نبيا لأولادة حسب العقيدة الإسلامية. إذن لو سلمنا لفلاسفة القيم المسلمين بما يسمونة قيما إلهية لها معيار إلهى ، فلاشك أن هذا المعيار هو الذي صاحب الإنسان في عصره الحجري في صورة قيم قيم مغروسة فيه ، تتناسب مع مطالب القوة البدنية للدفاع عن النفس و الحصول على الغذاء في الغابات و الأحراش في بيئة بدائية قاسية ، و ذلك للحفاظ على نوعه من الإنقراض. كانت القيم تناسب الحال ، كانت هي الغرائز و الحاجات الأساسية و الشهوات وحدها و لا غير.

كان الإنسان نصف وحش نصف إنسان ، كان بحاجة لما يواجه به البيئة المتوحشة ، ولأن لكل مقام مقال ، ولأن لكل زمن أومكان مايناسبة ، فإننا لو قلنا معهم بقيم إلهية فستكون هي الغرائز و الحاجات للسكن و الطعام و الجنس و الأمن ، لذلك اعطاه الله الغرائز ، اعطاه حواس الإشباع لحفظ نوعه و حياته ، و هي قيم كانت موجودة سواء جاء الأنبياء ليقولوا لنا عن القيم الإلهية أو لم يأتوا. كان كبقية الوحوش ينكح أخته كما في صراع هابيل و قابيل مثلاً ، وحتى زمن إبراهيم الذى تزوج من أختة سارة ، وحتى زمن الأسباط عندما تزوج عمران عمتة يوكابد. و لو كان لدي آدم ما لدينا اليوم من قيم إنسانية لفشل و انقرض لعجزه عن التعامل مع بيئة لا ترحم ضعيفاً.

و عندما طور الإنسان بيئته طور قيمه لتناسب الجديد ، فهو يطور البيئة فتتطور القيم لاحقاً ، و هو ما يفسر لنا بقاء قيم شديد البدائية في المجتمعات المتخلفة التي لا تخترع و لا تنتج و لا تضيف جديداً ، بينما يحاول العالم المتحضر مساعدة هذه المجتمعات للخروج من بدائيتها . و كان معني الخير بدائياً مادياً بحتاً فالخير هو الطعام أو الإحسان بالطعام و الماء ، مجموعة الأفعال المسببة للذة و السعادة كانت هي قيمة الخير ، كانت عند البدائي حرة عشوائية بلا قيود ، يجامع كالحيوانات أمام الآخرين دون حرمات ، كل شئ كان مباحاً فلو وجدت قيود و تحريمات لاندثر و انقرض. كان هو الوحشية الطليقة غير المقيدة ، يأكل و يفترس غيره و يشبع غرائزه ، حتي جاء فجر الضمير مع قيام دولة مصر القديمة الموحدة، فيما وصل إليه الحبر اليهودي الأركيولوجي الأمريكي جيمس هنري برستد ، و قبلها كان الظلام الدامس ، قبلها كان الإنسان لا يزال حيواناً بعد.

القاعدة الأساسية لقيمة الخير عند البدائي هي ما يخطط للإنسان حياته و نوعه ، كل شئ مباح مادام يحقق الراحة و السعادة و اللذة. و مع التحضر و التطور أخذ الإنسان يهذب من سلوكه و يتنازل عن بعض حرياته للمجتمع ، و بدأ تعريف القيم و سنت لها القوانين عند حامورابي و في القانون المصري القديم و هو قانون شديد الثراء ، و عني المجتمع بأن يعرف أفراده حقوقهم و واجباتهم عبر تعليم القوانين و العقوبات في المدارس كما وصلنا من العمق البعيد لتدريبات تلاميذ المدارس في مصر القديمة.

إذن حسب الرؤية الدينية فإن المعطى الإلهي كان الغرائز الموضوعة  في خلقة آدم ، مع معارف أولية بسيطة ابتدائية ، و مثل هذه المعارف الأولية لا تندرج تحت معنى القيم اليوم إلا بمعناها السلبي ، و يبدو أن المعطي الإلهي كان به شوائب كثيرة لحكمة يعلمها الخالق سبحانه و تعالى ، حتى العقل الذي هو سر التكريم الإنساني كان أيضاً ناقصاً و معيباً بدليل تعرضه للخداع من إبليس ، و سقوطه و معه ذريته حسبما نؤمن عن قناعة.

لم ينزل آدم إذن على محطة لمترو الأنفاق و لا أمام هوليود و ناطحات السحاب ، و هي مستحدثات تحتاج كل منها إلى تقييم يعطيها قيمة و قوانين تحمي هذه القيمة ، حتى تسيل حركة المجتمع دون عوائق ، فمثلاً عندما استحدث الإنسان السيارة وضع لها قيمة ثم وضع للقيمة قانوناً يحميها هو قانون المرور ، و هكذا كان كل مستحدث من صنع الإنسان ، يضع له القيمة الإنسان ، و من يعايره بقانون يحمي القيمة هو الإنسان ، لذلك لا يوجد قانون مرورإسلامي مثلاً لأنها مستحدثات لم يعرفها الإنسان البدائي ، بينما آدم حسب القصة الدينية ما كان محتاجاً لكل هذا ، فقد نزل في براري و أحراش و غابات و مفترسين و مفترسات و أرض غير مستقرة ما بين إعصار و بركان ، و مع التطور ظهرت قيم الحضارة في البلاد النهرية ، و مع التطور التالي ظهرت قيم عصر النهضة و مع التطور التالي ظهرت قيم زمن العولمة ، و فقهاؤنا المتفلسفون يحدثوننا عن قيم زمن العولمة كما لو كانت هي القيم الإلهية ، بينما قيم العولمة في زماننا هي نتيجة تطور هائل حدث للمعاني و المفاهيم القيمية لتحمل دلالات جديدة تناسب زماننا ، و لم تكن في مخزونهم المعرفي أصلاً ، لقد أنشأ الله الغابة و أنشأ لها قيمها ، و أنشأ الإنسان الحضارة و أنشأ لها قيمها .

 

 

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:18:42 | Permalink | Comments (22)