Thursday, 27 March, 2008

ماذا جري لمصر؟

خريطة الطريق نحو الإصلاح

 

تشخيص الحالة : إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين

 

(4) ماذا جري لمصر؟

 

 

لم يسبق أن مرت بلاد المسلمين بمثل هذه الفترة التي تغطيها الفوضى الكاملة ، فمنذ الصحوة الإسلامية و الحرب الأفغانية ضد السوفيت ، و حتى أحداث 2001 و ما بعدها و حتى اليوم ، حدثت تحولات انتكاسية عنيفة ، فدخلت البلاد الإسلامية في طور من الإضطراب و التخلف زيادة على تخلفها الأزلى ، و انتشار الأمراض الاجتماعية حتى وافت على غيبوبة ما قبل خروج الروح. مع هذا و رغم كل مظاهر الانحطاط التام فإن دعاة الفكرة القومية العنصرية ، و دعاة الفكرة الإسلامية الطائفية ، يؤكدون على هذا التوصيف لحالنا ، فإنهم في الوقت نفسه و شعوبهم في حالة كبوة هائلة ، يروجون إن ما يحدث في بلادنا هذه الأيام هو انتصارات لأمة الإسلام و للأمة العربية ، و أن هناك نكسات بسيطة هي إلى زوال ، و تتمثل تحديداً في دويلة الكيان الصهيوني المغروسة وسط الأمة لتمزيقها ، و حليفتها الكبرى الخاضعة للوبي الصهيوني ، الولايات المتحدة الأمريكية ، وعداً ذلك كان من الممكن أن يكون المسلمون سادة الكوكب الأرضي ، و أن أى مصائب تلحقنا فهي ليست من عند أنفسنا ، إنما هي من عند الغرب الكافراللئيم الشريرالذي يبيت ساهر الجفون يدبر لنا المكائد و المؤامرات ، دون كافة الملل و النحل في المسكونة.

المصيبة أن هذين الفريقين (دعاة الفكرة القومية و دعاة الفكرة الإسلامية) هم من يشكلون اليوم المعارضة الواضحة في الشارع للأنظمة الحاكمة القائمة ، و هم على اتفاق مع الأنظمة بشكل مدهش و محير ، على تحويل أنظار المسلمين عما يجري لهم نحو ما يجري في بيوت الآخرين في إسرائيل و أمريكا و بقية دول الغرب. و تمكن كلاهما عبر أجهزة تشكيل الرأي العام من صحف و مذياع و تلفاز و مدرسة و مسجد و كنيسة و حسينية من تحويل المجتمع إلى حالة هوس ديني لا نظير له و لا شبيه.

تراه يتظاهر بوحشية كاسرة ضد أمريكا و إسرائيل ، و بأشد ضراوة ضد كنيسة وطنية في الحارة المجاورة لأنها تجرأت على ترميم دورة مياه فيها دون إذن المسلمين ، و يعتدي بالسب و التبخيس على البهائيين ، و لا يرى أبداً حاله و مرضه الداخلى بالمرة ، فنبدو بلهاء بشدة عندما نتظاهر بغضب عارم ضد الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول (ص) ، بينما المسجد المجاور و التلفاز و الإذاعة تكفر المسيحيين علناً في (بلادنا) بلادهم و على أرضهم آناء الليل و أطراف النهار، فنبدو كالأباء الذين ينتقدون أولاد غيرهم المشاغبين طوال الوقت ، لكننا سريعي الغضب ممن ينتقدون أولادنا المشاغبين ، و هو ما يعطي الحكومات الاستبدادية مبرراً لطلب النصرة من هذا الغرب الديموقراطي المفترض أنه ضد الاستبداد ، و مبررها هو أن بديل تلك الحكومات التي تدعي الاعتدال و تمارس بعض ألعاب شبه ديموقراطية ، بديلها هو هذا الشارع المتوحش المتعطش للدماء الكاره لإسرائيل و كل دول الغرب ، بل و ربما كل دول العالم غير المسلمة. حتى أصبح من بدهيات الواقع أن تجد الاستبداد واضحاً و قائماً ، و أن تجد الحقوق الإنسانية في حالة غياب تام ، حيثما تجد أغاني الهجاء لإسرائيل و أمريكا و الغرب كثيرة الترداد وحشية النبرة ، متكررة ، عالية الصوت.

لقد أمكن للأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية بامتلاك وسائل التأثير في الناس ، أن تقوم ببرمجة شعوبها بألوان من الأفلام و الحوارات و برامج الشو و الدراما ، التي تدلك غرائز العزة و مكامن القوة المفقودة ، فتعاد و تكرر مسلسلات أبطال العرب المسلمين ، و سيرتهم العطرة في غزو البلاد و احتلالها ، تعظيماً لمجد الماضي الإسلامي ، و أنه بالإسلام وحده يمكن استعادة هذا الذي ضاع ، لا وجود في رؤيتها للمواطن و حقوقه أو حتى للوطن ، لأن تلك الأمجاد التاريخية كلها كانت على أشلاء و كرامة و إنسانية المواطن ، لأن الهم الشاغل كان و مازال ، هو الأمة الإسلامية و ليس المواطن فما أكثر المواطنين ، و هم كالعدد في الليمون و الحمد لله. يمكن أن يكونوا وقوداً لمجد الأمة و سلاطينها و رجال دينها و صراعاتهم علي الفريسة عند الحاجة. و لأن الاستبداد واحد سواء كان دينياً أو قومياً ثورياُ عسكرياً أو ملكياً أو جمهورياً ، فقد توافق الفقيه و السلطان و المعارضة القومية و الإسلامية كلهم معاً على تقديس ذات الأمة التي هي قدس أقداس القبيلة المسلمة ، دون مكونها الحقيقي (الإنسان المواطن الفرد).

و تعرض وسائل إعلامنا نماذج تكاد تجعل من شخوص التاريخ الإسلامي كيانات قدسية ، لا تفعل إلا من أجل خير و دفعاً لشر ، بنبل و مروءة غير موجودة سوى في السيناريو المقدم للناس ، بينما التاريخ الإسلامي نفسه في واقعه و في مراجعة الأمهات يقول شيئاً آخر مختلف بالمرة .

فتاريخ المسلمين كله هو تاريخ فتن و صراع على الجاه و السلطان منذ فجر عصرنا الذهبي منذ الخلفاء الراشدين الهداة المهديين الذين ماتوا صرعي القتل رغم حرصهم على الشرع الذي لم يؤدى لأمن الجتمع ولم يحفظ لرأس الحكم أمنة وحياتة ، فانتهت حياتهم قتلا ، إلى الثورة على عثمان ، ثم واقعة الجمل سنة 36 هـ ، ثم صفين 37 هـ ، ثم مذبحة آل البيت في 61 هـ ، ثم غزو جيش يزيد سنة 63 هـ لمدينة رسول الله ، فقتل من قتل و سبى من سبى و حبلت ألف عذراء من هتك العرض العلني ، و هن بنات الصحابة و في حضرة المسجد النبوي و جسد صاحبه الشريف في ثراه ، ثم فتنة المختار الثقفي و ابن الزبير في 73 هـ ، ثم ضرب الحجاج بن يوسف الثقفي و جيشه مكة و الكعبة بالمنجنيق. . و من يومها لم تتوقف الفتن و الملاحم و المحن ، و حتى سقوط الخلافة العثمانية ، و لو دققنا في التفاصيل لما كفتنا ألوف الصفحات التي لم تسجل سوى القتل صبراً و الظلم قهراً تحت رايات كلها تعلن إسلامها التام و الكامل. .. إلخ و كفر غيرها.

ثم اشتبكت الأدوار في بلادنا بعد الصحوة العنترية بين المسجد و المدرسة و الجامعة ، و لم تعد المدرسة مهمتها تعليم العلم الإنساني بل تعليم الإيمان ، تتدارس فضيلة النقاب مقارنة بفضيلة الحجاب ، و تتباحث في شئون الفرج و الطهارة و الطمث و المواريث. مع اسراف في تقديس ما لا يصح تقدسيه ، و الدفاع عن الموروث الإسلامي بل إحتسابه الكمال ذاته ، و النظر إلى التاريخ الإسلامي بعين الرضا الكامل ، بل و تمنى بلوغ ما بلغته الأمة خلال هذا التاريخ الذهبي ، حتى يتقدس التاريخ الإسلامي و يصبح محل المثل الأعلى لكل التأريخ ، مما يخرج كل ما له علاقة بالإسلام سيرة أو تاريخاً أو فقهاً خارج أى محاولة درس نقدي حقيقي ، فتخفى المعايب و تستفحل النقائص ، بينما هذا التراث المعيوب قد أصبح المرجعية التأسيسية لمثقفى المسلمين ، بل يكاد يكون وحده مطلقا المرجعية لكل شئ و كل شأن. و في مناخ كهذا يكون الأقتراب من هذا الماضي بأى رؤية نقدية تلتزم شروط المنهج العلمي هو اعتداء على ثوابت الأمة ، بينما يتم النفخ في الذات المعنوية للأمة حتى يجعلونها المُنجز الأول لأى حضاره على كوكب الأرض ، و أن ما نراه من تحضر و رقى في البلدان الحرة هو منقول عنا ، و ما كان يتحقق لولانا ، أو بالأحرى لولا هؤلاء الأسلاف التراثيين. بينما يتم تقليص التاريخ الوطني ما قبل الغزو العربي الاستيطاني لهذه البلدان حتى يكاد يختفى من التاريخ ، فتضيع جذور الوطن و تلتبس الهوية : هل نحن مصريون أم عرب أم مسلمون ، هل نحن أمة مصرية أم عربية أم أمة إسلامية ؟

و هكذا تتم برمجة الشعوب الإسلامية بحيث يتجه عداؤهم نحو عدو متفق عليه هو الذي تسبب في فقدنا ماضينا الذهبي ، فيكون الخطأ الكارثي في وجهتنا و في اختيارنا للتوقيت ، فالوجهة يجب أن تبدأ بتوجيه العيون و الآذان و العقول كلها صوب الداخل أولاً و ليس الخارج ، و قبل فلسطين و العراق و البوسنة و الشيشان ، بل و قبل الكعبة و المسجد الحرام و المسجد الأقصى ، لأنه بحالنا هذا لن نضيف للكعبة و فلسطين و المسجد الأقصى سوى المزيد من النكبات و الخسائر ، بعكس أن نبدأ مشوارنا الاستيراتيجي بخطوات تكتكية تبدأ بنقد الذات و تقويتها حتى يمكنها أن تتخذ في المستقبل ما يناسب واقع الزمن من قرارات صوابية. و سواء كانت همومنا القومية و الإسلامية التي تشغلنا اليوم ، موجودة في حسابات الزمن الآتي أم لم تكن.

و مع الغضب العارم و الشعور بالقهر و الدونية ، يرفض المسلمون أن يشكوا في ذاتهم بالمرة ، و لا أن يراجعوا مناهجهم و طرائقهم في التفكير و في أسلوب الحياة ، و يلقون بشكوكهم على الواقع الموجود يخرق العيون و يبهر العقول في بلاد أقامت الفراديس على أرضها ، و يكون الملوم هو الاستعمار و أذنابه من حكام تابعين أو كما يزعمون. إن المسلمين يقرأون الواقع بعد تمريره على ذائقتهم ، و فلترته حسب اختيارتهم و أخيلتهم و تصوراتهم و أوهامهم ، لا كما هو على الأرض ، رغم ما أثبتته كل النعرات و التجارب الثورية إسلامية أو عربية على الأرض عبر تاريخها القديم و الحديث من مظالم و استبداد لحق بعباد الله المسلمين ، دون الكفار في بلاد الغرب الحر الذي يعيشون فردوس الحريات على الأرض ، و ارتكبت مجازر و شنت حروب و انهارت بلاد و سقطت حدود ، و انحسرت قوميات و صعدت أخرى على أشلائها ، في حروب إبادة صفرية متتالية.

نحن مع الأسف نريد إعادة صياغة الدنيا كما نحب نحن ، لا كما هي عليه في واقع الحقيقة. المصيبة أن هؤلاء أنفسهم من يتصورون أن بيدهم كل الحلول السحرية لمشاكلنا فقاموا يدلون بدلوهم في عملية الإصلاح ، ليصوغوا لنا الآتي كما الماضي. بعد مضى أكثر من أربعة عشر قرناً ، جاءوا يعلنون لنا أنهم مصلحون و أنهم سيصلحون ؟ أنظر قارئي (و أنا و أنت من مساكين هذه الأمة) ماذا جنى علينا أصحاب الرؤي الطائفية أو القومية؟ ثم لماذا مادام بيدهم الحلول السليمة التامة لم يصلحوا منذ قرون متطاوله ، رزح فيها المسلمون تحت أنظمة حكم اصطلح علم فلسفة التاريخ في العالم كله على تسميتها بمنظومة الاستبداد الشرقي ، التي امتدت بطول العالم الإسلامي من الشرق الأوسط و حتى الصين. لماذا لم يصلحوا بما لديهم من وسائل و أدوات إصلاح لا تبلي و لا تفني ؟ و كانوا أراحوا تاريخنا مما أثقل ضميره من فتن و نوازل هائلة كماً و كيفاً ، و لأدى بدلاً عن ذلك لتقدم هائل مبكر عن كل الدنيا ، و كنا سبقنا به العالمين منذ قرون ، بدلاً من وضعنا المزري على جدول سلم الأمم اليوم ، و هو العار بعينه و ذاته.

إن إجابة سؤال الدكتور رفعت السعيد المتكرر : "ماذا جرى لمصر"؟ هي في جانب منها هام مسألة تكوينية بنيوية تكمن في بنية تكوين الأمة و بنية تفكيرها ، فقد تمكنت مصر زمن محمد على و من خلفه من بعده طيب الذكر الخديوي اسماعيل ، من الخطو نحو الدولة الحديثة المدنية بخطو واثق عبقري ، حتى أصبحت في سنوات قليلة تجربة رائدة ، و مدرسة يأتيها زوار شرق آسيا للتعلم من التجربة ، و زوار شرق آسيا هم الذين أصبحوا اليوم في المقدمة ، بينما أصبحت مصر و معها عربها يشكلون دملاً مؤرقاً في مؤخرة الأمم ، و العامل الجوهري هنا هو مجموعة صدف نادرة و متوالية خلال حقبة زمنية قصيرة لا تتجاوز النصف قرن ، تمثلت إحداها في ظهور النفط في البلاد العربية ، مما أدى إلى تغير بنيوي مواز هائل ، و حوالى ذات الوقت كانت الحركات العسكرية الإنقلابية قد عمت معظم العالم الإسلامي ، لتفرض حكومات وطنية لكنها فاشية بامتياز ، ألغت من العقول و الضمائر فكرة قبول التعددية المفرطة المتسامحة ، لصالح التعصب للفكرة الواحدة و الزعيم الأوحد و المذهب الأوحد ، مما يسر السبيل بشدة لما عرف بعد ذلك بالصحوة الإسلامية ، و التي عمدت وجودها في مصر بمقتل الشيخ الذهبي ثم التضحية لعيد النصر بذبح الرجل الذي ترك لهم مصر سداحاً مداحاً فقتلوه يوم احتفاله بنصره الأكتوبري الملحمي حقاً و صدقاً.

و تمكن البترودولار من إعادة غزو مصر و بقية دول الإمبراطورية الإسلامية السابقة ، بإسلام صحراوي دخلته عادات و تقاليد و أنظمة و مفاهيم عرب قبائل الجزيرة ، بزيادات توازي تراكم أربعة عشر قرناً من الزمان. ليترافق المد البترودولاري بالحرب ضد الروس في أفغانستان ، ثم انتصار الحلف الغربي العربي الأفغاني و انسحاب الروس من أفغانستان ، مما اعتبر في حينها علامة سماوية على صحة المنطلقات و الأهداف ، و وجوب السير في الخطة لأسقاط كل الحكومات الطاغوتية في العالم ، و ما تلي ذلك من تفكك المنظومة السوفيتية كلها. مع ثورة إسلامية في إيران حققت انتصاراً عجائبياً في أيام ، و فشلت حملة أمريكا العسكرية لإنقاذ رهائنها في إيران في صدفة عجائبية أخرى (و لكل بالطبع عوامله الموضوعية الواضحة لكننا لا نرى سوى العجائب) ، مع أموال هائلة لم تخف وكالة المخابرات الأمريكية أنها دعمت بها مئات المؤتمرات للصحوة الإسلامية ، إبان حقبة الحرب البادرة تجييشاً المسلمين ضد الكفر الشيوعي ليحاربوا عن الغرب بالنيابة.

كان الإسلام في مصر بعد أن فتحها الغزو العربي (بمرور الوقت) قد تمصر ، و مع قيام الدولة الحديثة على يد محمد على أخذ صبغة تسامحية هائلة ، فكنت تجد الجميع متعايشاً ، محبو أهل البيت إلى جوار المتصوفة ، إلى جوار عباد الأضرحة من البسطاء ، إلى جوار أهل السنة ، إلى جوار الأقباط ، إلى جوار اليهود ، إلى جوار ملل و نحل و أعراق متعددة وجدت في مصر جاذباً للهجرة إليها و اكتساب جنسيتها ، هرباً من مواطن فقيرة أو استبدادية ، و انتهى كل هذا بداية من طرد أصحاب الأصول غير المصرية مع اليهود في الزمن الناصري ، مما سلب عن تلك الأنظمة صفة العلمانية الليبرالية و منحها صفة الديكتاتورية الفاشية بامتياز ، رغم ما رفعته الأنظمة القومية الثورية من أيديولوجية تحارب الإسلام السياسي و تقوم على قيم وحدوية و اشتراكية ، لكن هزيمة هذا المشروع المروعة خاصة في 1967 ، و سقوطه اقتصادياً و فشله التام في تحقيق أياً من أهدافه المعلنة ، فلم يحقق لا عدل اجتماعي و لا مساواة و لا تنمية ، و لا هو ترك البلاد على حالها الأول تسير مسيرها الطبيعي دون قفز على المراحل. بينما انكمش دور العلمانيين الحقيقيين ، خاصة بعدما تراجعوا في النهاية إلى جماعة نخبوية ، و تابع بعضهم السلطة العسكرية و نافح عنها ، و ظل البعض الآخر متهماً بالعمالة للغرب طالما لم يؤيد النظام الحاكم. و من ثم كان يسيراً أن يصب هذا كله من بعد تتالى الهزائم و النكسات ، بيد الحركة الجديدة التي لبست هذه المرة زي سدانة الدين و الدنيا معاً ، و مع صحوة ملتبسة بإسلام صحراوي وهابي جاف قاس ، و هو ما لا تعرفه بلاد الخصب و الوفرة في الوديان الخضراء ، تم غزو البداوة لبلاد الخصب مرة أخرى ، بمنهج بدوي لا يسمح بأي سؤال أو رأي ممكن ، طوارئ عسكرية و أمنية و اقتصادية ، لأن القبيلة في موطنها بالبوادي هي في حالة طوارئ دائمة لا تعرف السلم و لا الاستقرار ، هي في سعي وراء خير الطبيعة الشحيح ، و عنده يتقاتلون قتالاً صفرياً ينتهي بسيادة أحدهما و استيلائه على ما بيد خصمه ، و ما بقى من بشر يستعبدهم أو يعسكرهم في قبيلته. لذلك لم تسمح هذه الحركة للقبيلة بغير نظام الحكم الاستبدادي ، لأنه الذي يضمن تماسك القبيلة بصرامه ، في بيئة متوحشة و قاسية ، كذلك لم يسمح لها هذا الارتحال الدائم بأي استقرار ، و من ثم لم يسمح لها بأي إنجاز ممكن.

إلى هذا النهج الصحراوي ارتكس المصريون مع إعادة فتح مصر وهابياً هذه المرة ، و ارتدوا إلى ما قبل زمن مينا موحد القطرين ، لأن المصريين كانوا بدواً رحلاً ذات يوم ، قبل أن تتوحد القبائل و تشكل مئات الأقاليم ، و عبر السنين و الدهور بألوف السنين توحدت هذه الأقاليم العديدة سلماً أو حرب حتى أصبحت إقليمين عظيمين بعد حوالي سبعة آلاف سنة من الإستقرار في الوادي ، حتى جاء مينا ملك الإقليم الجنوبي ليضم الإقليم الشمالى ليقيم أول دولة إمبراطورية قوية قائمة بحدودها التاريخية كما هي حتى اليوم ، و قد قام مينا بهذا التوحيد منذ حوالي سبعة آلاف عام مضت ، لكن بفضل الغزوة الوهابية يكون المصريون قد عادوا إلى ما قبل أربعة عشر ألف عام إلى الوراء من تاريخهم في بلادهم ، عاد المصري قبلياً بدويا لا فلاحاً يرتبط بالأرض منتجاً مبهجاً ، و أصبح يعرف نفسه بأنه ابن الحتة و ابن القبيلة و ابن الناحية ، يترك أرضة ويرتحل لأن أرض اللة واسعة فيهاجر فيها ، منطق بدوى كان هو عيبة العار ذاتها ونفسة ، ترددها الملحمة الشعبية (عواد باع أرضة ياولاد *** شوفوا طولة وعرضة ياولاد)، و هي كلها مستجدات على دولتنا الحديثة لم تعرفها مصر القرن العشرين ، ولا قبل العشرين.

أصبح كل مواطن قبيلة وحده ، لا يشغله ما يحدث على الأرض في بلاده ، فالقبيلة لا تعرف شيئاً اسمه (بلاده) ، لا يشغله سوى نفسه و مصالحه فقط ، مما أدى لما نراه في الشارع من تفشي كل الأوبئة الاجتماعية العلنية رشوة و فساداً يمارس في بلادنا كاعتياد هو الأصل في الأخلاق و ليس الاستثناء ، حتى أصبح الباطل و الكذب و الخداع و السرقة هي العملة المتفق عليها ، هي القاعدة ، أما الشرف و عفة اليد و سلامة الضمير ، فهي عملة جيدة نعم لكنها الاستثناء ، لإنها مؤرقة و مزعجة ، في وطن يتهاوى يعمل فيه كل مواطن بالمثل الشعبي : " إن وقع بيت أبوك إلحق خدلك منه قالب".

إن هذا الانهيار المفزع ليس إلا نتيجة طبيعية للعودة إلى نظام القبيلة البدائي ، و التعصب للعنصر و القبيلة و الدين و المذهب و الأيديولوجيا ، بينما ضاع الجامع الشامل لكل هذه الألوان و الأطياف مللاً و نحلاً و عناصر و أعراق ، جامعنا المقدس الحقيقي الذي يحوينا جميعاً و يقبل بنا جميعاً في محرابه على التساوي بذات القدر و القيمة هو ماضاع منا.. . ، ضاع الوطن. . .ضاع طين الأرض بعدما هجرها الفلاح إلى المدينة أوإلى بلاد ابن عبد الوهاب ، وضاع عندما فقدت الأرض الطهور قدسيتها فقمنا نبني على ثراها الممتلىء خيرا وطهرا حجرا واسمنتا شائها قبيحا .... ضاعت المواطنة الجامعة ..

فإلى اللة وإلى الوطن أشكوكم يا أهلى وناسى حكاماً و محكومين ، ويالوعة كبدى عليك ياوطن.

Posted by المجموعة الليبرالية at 19:53:35 | Permanent Link | Comments (5) |

Tuesday, 25 March, 2008

فلسفة الكمال فلسفة ضد الحياة

خريطة الطريق نحو الإصلاح

 

تشخيص الحالة: إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين

 

3 -  فلسفة الكمال فلسفة ضد الحياة

 

 

يلخص الدكتور قرضاوي الملقب بالفقيه المعتدل موقف فريقه المتأسلم من الفريق العلماني ، في قوله : "نوع من المفاهيم خطر على المجتمع ، زحفت على مجتماعتنا مع زحف الاستعمار ، و اتخذت الغرب لها قبلة و إماماً ، إنها المفاهيم المتعلقة بالدين و الدنيا ، الرجل و المرأة ، الفضيلة و الرذيلة ، التحرر و الجمود ، التقدم و الرجعية ، بالحلال و الحرام. المفاهيم المتعلقة بالحدود الفاصلة بين حرية الفكر و حرية الكفر ، بين حرية الحقوق و حرية الفسوق ، بين العلمية و العلمانية ، بين الدولة الدينية و الدولة الإسلامية. إنها مفاهيم الغزو الفكري التي تعتبر الإيمان بالغيب تخلفاً و التمسك بالسلوك الديني تزمتا ، و الدعوة إلى تحكيم الشريعة تطرفاً ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تدخلاً في شئون الآخرين ، و اختلاط الرجل بالمرأة بلا قيود تحرراً ، و عودة المرأة المسلمة إلى الحجاب الشرعي رجعية ، و الانتفاع بالتراث تعصباً له ، و اعتبار علماء الدين حراساً للتخلف ، و دعاة التغريب أعلاماً للتنوير / كتاب ملامح المجتمع المسلم / ص 77".

و هذا كلام خلاصته إدانة للعلمانيين الوطنيين بالعمالة للأجنبي ، بل و إدانة لهم بحرية الفسوق و الكفر فهم ليسوا فقط مرتدين ، و لا خونة فقط ، بل هم لا يمارسون مبادئ الأخلاق الكريمة ، و هم عملاء ناشطون لأعداء الإسلام ، و من ثم وضع الشيخ نفسه و جماعته في موضع القاضي ، الذي يملك من النزاهة ما يجعله يحاكم الآخرين و يحكم عليهم ، و هو أمر لا تفصح سيرة الشيخ عنه بالمرة و بالقطع و اليقين المعلوم ، فهو شخصية عامة تعرف الناس سيرتها، و هي سيرة لا تضعه أبداً فوق المسلمين ليحاكم و يصدر أحكامه ، هذا بينما العلمانيين يضعون هذا الشيخ و أمثاله في أسوأ موضع من الدين و من الناس ، فأزعم محتملاً وحدى مسئولية هذا الزعم حتى أثبته في السطور التوالي أن هذا الرجل متاجر بدين الله ضد مصالح عباد الله ، يفتي بالمطلوب مأجوراً في الدنيا و فراديسها و قصورها الغناء الفواره ، قبل الآخرة و نعيمها ، واللهم نعم حسداً و نقاً و قراً على الشيخ غير القابل للقر و لا للحسد و لا للنق .

يرى التيار العلماني أن التيار الذي يمثله هذا الشيخ كان نكبة على البلاد و العباد ، تحالف منذ صحوته مع كل الديكتاتوريات السياسية ، و ما خالف هذا التيار الحكومات أو تصارع معها إلا على حجم الأنصبة المطلوب هبشها ، و في صياغة تقريرية فإن ما أرساه الشيخ هو و جماعته في العقل المسلم كان تدميراً حقيقياً لهذا العقل ، بتأكيده أن الله قد سبق و منح المسلمين كل العلوم ، و كل القيم ، و كل النظم سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية و كل فلسفة السياسة و المجتمع ، كل هذا دفعة واحدة وعلى يد رسول واحد ، تحققت على يديه تمامية المعرفة في أي شأن في شئون الكوكب الأرضي أو ما بعد الموت.

كل هذا طفح في شوارعنا شباباً ، تخرجوا من الجامعات لا يؤمنون بالعلم كحل لمشكلات الناس و الوطن ، شباباً إما جهلة جهلاً حقيقياً ، و إما لم يتعلموا علماً حقيقياً بقدر ما حفظوا شأناً لا علاقة لهم به ، كانت كل مهمته أن يصل إلى النجاح في الامتحان إن غشاً أو تدليساً أو حفظاً و مصمتا لا يعني أى دلالة أو معنى ، و غضت الحكومات البصر بالمرة عن وسائل الحصول على شهادات ترضي غرور الذات ، فوصل عدد الحاصلين على الدكتوراه في مصر إلى أكثر من مثيله في أمريكا ، لكنهم عندنا غثاء كزبد البحر أو هم كالعهن المنفوش ليس أكثر ، ربنا يقلل منهم لأنهم كالهم عالقلب ، فلا قيمة عندنا للمعرفة و لا قدسية للعلماء و إنما للمشايخ الدكاترة ، فلا نسمع عن بحوث تطرح إلا حول الحجاب و النقاب و فلسطين و العراق و الحكام الطاغوتيين و أمريكا و إسرائيل و البوسنة و كشمير و الشيشان ، و لا قيمة للوقت الذي إن لم تقطعه فرمك ، و لا قيمة لقيمة القيم (العمل) التى إن لم تحترمها انتهيت إلى الحيوانية فما يميز الإنسان عن الحيوان هو العمل المنتج. ثم على المستوى الأخلاقي يقرر المذهب السني (لا يدخل ابن آدم الجنة بعمله) بل بأدائه أوامر و نواهي ربه ، و بعد هذا لا يجب أن يكون شديد الإطمئنان ، بل عليه أن يرجو رحمة الجبار المكار!! .

طفحت الصحوة لا بارك الله فيها (أم هي أيضاً مقدسة لا يصح همزها أو لمزها ؟) ، طفحت في شوارعنا شباباً كانوا حلم الوطن و أمله المرتجى ، فهم كل ما كان يملك ، فلا بترول لدينا و لا معادن نفيسة و لا حتى سياحة بالمعنى السليم لعلم اقتصاد السياحة ، كل ما لدينا كان ثروة مصر من شبابها ، فإذا بهم يسمرون الليالي حول العلم و الإيمان و الانقطاع في المساجد دون المختبرات ، تكاسلاً و ركوناً لما بيدهم من كمال مطلق ، و مع رؤيتهم كيف تجاوزهم الزمن و الواقع ، يلومون الزمن و يكفرون الواقع ، بينما الإحباط بداخل النفوس يجعلها مشوهة ممروره كارهه حاقدة ، فاقدة لأى أمل ممكن. لأن السعى و التفكير لن يأتي لنا بأى جديد زيادة على ما بأيدينا سماوياً كاملاً بذاته ، فلماذا يسعى شبابنا و لماذا ينتج دكاترتنا أى علم نافع؟

و بما أن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا أن يشرك به ، فقد اتكل النصف الأخر من الشباب على عدم شركهم بالله ثم توكلوا على الله ، و أنغمسوا في كل الرذائل الممكنة ، للغياب عن الواقع بكل الوسائل مشروعة أو غير مشروعة. و تحول الشارع في البلاد الإسلامية إلى مملكة للشيطان بدلاً من الرحمن ، فالمسلم كما يحرص على الصيام و أداء الصلاة في مواقيتها ، فإنه أيضاً و بدون الشعور بأي خلل أخلاقي أو ديني يرتشي و يهرب بأموال الناس أو بأموال البنوك و هي بدورها أموال الناس ، و يستولى على أراضي الدولة و يغش في منتجه ، و يخسر الميزان ، ويعتدي قولاً أو فعلاً على غير المسلمين ، و لا تأمن غير المحجبة من غير المسلمين على نفسها في شوارع تمتلئ بالمآذن المفترض أنها رمز عفة اليد و اللسان و الفعل، و تغطي فضاءها ميكروفونات تقصف الآذان بالوعظ و الأمر بالأخلاق. ثم يحج البيت كل سنة ليعود كما ولدته أمه ليرتكب آثاماً من نوع جديد ، حتى يحين موعد ولادته المتجددة كجلد الثعبان في السنة المقبلة.

هناك حديث يتفق الرواة على صحته ، وأراه أشد الأحاديث بطلاناً ، حتى أني اعتقد أن الانهيار الأخلاقي الواضح في شارعنا الملتحي و المحجب ، يعود إلى هذا الحديث بالذات ، رواه البخاري في كتاب الجنائز ، قال : " حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا بن ميمون حدثنا واصل الأحدب عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله (ص) : "أتاني آت من ربي فأخبرني – أو قال بشرني – أنه من قال من أمتى لا أشرك بالله شيئاً دخل الجنة ، قلت و إن زنى و إن سرق ؟ قال و إن زني و إن سرق ، قلت و إن زنى و إن سرق ، قال و إن زني و إن سرق ، قلت و إن زني و إن سرق ، قال و إن زنى و إن سرق رغم أنف أبي ذر / الحديث 1237".

لقد توافقت المجتمعات كلها ، و البشرية جميعاً ، والأديان وثنية أو سماوية أو وضعية ، على أن فعل السرقة و فعل الزنا (و نفهمه و تفهمه الدنيا كلها بأنه اعتداء اغتصابي بالإرغام) ، هي أفعال فاضحة و مشينة وضد أى أخلاق ، و هي شئون لا تحتاج توجيهاً و لا تعليماً كي ندركها ، لأنها تدرك بالحس الإنساني الخالص ، لذلك كان الحس الإنساني وراء تكرار أبي ذر لسؤاله المندهش المستنكر ثلاث مرات ، تعبيراً عن عدم قبول روحه لفكرة أن يكون مصير الزاني و السارق إلى الجنة بدلاً من جهنم لمجرد إعلانه الشهادة الإسلامية.

الغريب أن هذا الحديث يعتبر عمدة الأحاديث المكررة التي يعمل بها المسلمون و مشايخهم ، ثم يحدثوننا عن القيم و عن الأخلاق !!؟ ، و هم يبررون السرقة و الزني مقابل الإعتراف للإله بأنه إله !! ، بل و نسبة ذلك اللا أخلاق إلى النبي الذي لا ينطق عن الهوى و الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، فيكون الرب قد تغاضى عن قواعده الأخلاقية و غض البصر عن كسرها و أذاها لعبادة الآخرين ، مقابل أن يكسب مسلماً جديداً يعلن الاعتراف به إلهاً. فأى مصيبة وصل إليها المسلمون في دينهم ؟ و أى حديث ينسبونه إلى المصطفى (ص) الذي وصفه ربي بأنه على خلق عظيم؟

لهذا يرى العلمانيون المؤمنون بالتواصل مع التراث أن القيم الوضعية الإنسانية التي تعارف الناس عليها ، و توافقوا بشأنها في مجتمع بعينه في زمن بذاته ، هي التي تكشف لنا القيم الإلهية و تشرحها و تفسرها ، لأن القيم الربانية جاءت مجملة بلا تفاصيل ، و لم يفصل الوحي بشأن تلك القيم حتى لا يلزم الناس بها دفعة واحدة ، فتكون تكليفاً يصعب على المكلفين تحمله و أدائه ، لذلك جعل تلك القيم مخفية مثل بقية فروع العلوم و القواعد المنهجية و غيرها من قوانين طبيعية ، مع تضمنها ممكنات جهوزية دائمة لكشوف جديدة ، وبالمقابل و حتى نستحق خلافته على الأرض ، منحنا العقل أمانة علينا أن نؤديها حتى نستحق هذه الخلافة ، بتفعيلها و تشغيلها للبحث عن مخفياته و ألطافه على قدر جهد كل مجتمع و كل جيل ، فما نعثر عليه نلزم به أنفسنا ، إضافة إلى ما نكشفه من أسرار علمه التى أودعها كوننا ، و تركها لنا نبحث فيها و ننقب ، إعمالاً للبصر و السمع و العقل ، و كله كان الإنسان عنه مسئولا.

ترانا عندما يسألنا ربنا عما فعلنا بأمانته فبماذا سنجيب صاحب المُلك الأوحد يوم ذاك؟ ألا يخجل المسلمون من ربهم الذي وصفهم تجميلاً لهم و تفخيماً بخير أمة أخرجت للناس؟! أعطانا ربنا أعظم أمانة ، عقلنا الذي هو بضعه من عقله ، لأن وظيفته هي التفكير ، و لأنه هو ما اصطلحت الأديان على تسميته بالروح ، فهي المدركة ، الروح هي وظيفة المخ ، هي العقل. و بها نستطيع أن نكتشف القيم و أسرار العلم ، و نقوم باستثمار ما كشفناه و استغلاله لصالح الناس في أي مكان ، و من ثم يكون أمام الأجيال آمالاً واسعة في الاجتهاد و السعي و الحياة ، أما لو صدقنا جماعة قرضاوي و زغلول و النجار و مصطفى محمود و غيرهم ، و أن الله منحنا كل القيم و كل العلوم دفعة واحدة ، فلن يكون هناك أى معنى لإعمال ما أعطانا الله من أدوات معرفية سمعاً و بصراً و لمساً و شماً و إدراكاً و تعقلاً و فهماً و تدليلاً و اكتشافاً و اختراعاً ، ثم أن القيم كي تكون قيماً يجب أن تخضع للفرز و التجنيب و التمييز ثم الاختيار بالمفاضلة بينها ، حتى تختار هذه القيمة أو غيرها ، أما الفروض الدينية فهي ما لا يدخل تحت مفهوم القيم ، خاصة أن القيم المفروضة لا تنتج إنساناً سوياً. فقط الملائكة هم من يملكون نمطاً سلوكياً دون اختيار، و هو ليس قيمة ، يصلون لربهم ليل نهار سجداً و ركوعا. لأن الملائكة لم تعط الاختيار و نحن لسنا بملائكة. و هكذا خلقنا ربنا كي نختار لنتحمل مسئولية اختيارنا كي تتم مشيئته ، و هنا تظهر القيمة .

ان الاكتمال هو منطق و فلسفة ضد صيرورة الحياة و حركة التاريخ ، ان الاعتقاد بالاكتمال يعنى أن هزيمة المسلمين التاريخية قد اكتملت حتى ملكت الأرواح و العقول فاستكانت لمصيرها ، و أصابتها الشيخوخة في مفاصلها العقلية و الحسية ، فدخلت طور الخرف و الزهايمر ، يطلب علماء دينها الموقرون العلاج ببول الرسول و بول الإبل و الطب النبوي و العسل و الحجامة و الحبة السوداء ، و يشرعون رضاع الكبير و مفاخذة الرضيعة و هي العلامات الواضحات على وجوب الإسراع بإدخال الأمة إلى غرفة العناية المركزة ، أو انتظار ثواب الآخرة. أو البحث عن علاج من نوع جديد حتى لو كان مراً علقما ، فالمسألة أصبحت مسألة الإستمرار في الوجود ، أو الخروج منه غير مأسوف علينا.

إن ستر الله علومه و قيمه عنا ، حكمة ربانية تليق بكماله ، فهو الكمال الأوحد في ذاته وحده لا شريك له و لا قرين و لا شبيه ، حكمتها دفع كل جيل ليجتهد و يكشف جزءاً من علم الله و قيمه ، تاركاً للأجيال التالية مساحات واسعة لتضيف بكشوفها من علم الله معارف أرقى. و من المستحيل أن يكون الله ضد قانونه الأساسي في الكون ، قانون التغير و التطور الدائب ، الذي هو القانون الأوحد الثابت دون أى قانون آخر ، فكل قانون إلى تبدل و تغير عدا التطور و التغير الذي هو القانون الأزلي الأبدي أبداً مطلقاً لتحقيق الإرادة الإلهية على الأرض و كي يستحق الإنسان الخلافة فيها عندما يراعي هذا القانون الرباني.

موجز الأمر من وجهة النظر العلمانية التي تحترم التراث و تتفاعل معه ، أن أى فلسفة هي بحاجة لعقل يجادلها و يسألها و ينقدها و يفرزها ، و يرد عليها و يستبعد منها و يستبقى و يعلى و يخفض و يستخدم معاييره وفق قوانين العقل الصارم ، البارد ، و هي القوانين الموزعة بعدالة تامة بين الناس كما قال لنا فيلسوف الشك و العقلانية (ديكارت).

لهذا تتجدد الفلسفة غير المحروسة بالكهنة ، غير المجمدة ، غير المقيدة ، و تتطور و تؤدي لتطور مناهج العقل نفسه في الفرز و التمييز و الاختيار ، تؤدي إلى تطور منطق العقل فتظهر نظريات و فلسفات جديدة. بينما وجهة نظر فقهاء الإسلام في بلادنا هي وجهة نظر مقدسة ، فإن كانت حديثاً نبوياً و لو موضوعاً فهو مقدس لا يصح نقده و التعدي عليه ، لاحتمال و لو ضئيل أن تكون نسبته للنبي صحيحة. و إن كانت اجتهاداً تحول المجتهد إلى مقدس كالإمام أبو حامد الغزالى (حجة الإسلام) و ألد أعداء الفلسفة و العمل العقلي ، بينما لم ينل لا الشاطبي و لا الجويني و لا الطوفي مثل هذا اللقب ، و إن كانت سعياً وراء جمع المقدس تقدس الجامع ، كما في تقديس البخاري و اعتبار الفقهاء كتابه أصح كتاب على الأرض بعد القرآن. و من هذه القداسة تمكنوا من استثمار المقدس الرباني و استخدامه بانتهازية مفرطة ، و أصبحوا هم من يفسر الحديث المقدس ليفسروا به القرآن المقدس، فأصبحوا هم معيار قياس الأشياء جميعاً ، و ليس القرآن ، لأنهم يعلمون أن أحكام القرآن نفسها لا تصلح معياراً لعموميتها و عدم تفصيلها ، و أنها تحتاج للشارح المفسر طوال الوقت ، فأصبح الرأى بديلاً لدين الله ، و كتاب الله ، هذا ناهيك عما يترتب على هذه المعايير المقدسة من الغاء العمل العقلي و القضاء عليه مبرماً ، لأن القياس المنطقي سيتم قياساً على ما قال الرب أو قال النبي ، أو ما قال الصحابة ، أو ما قال الفقهاء.

إن اللجوء للمقدس هو نوع من الحصول على الحصانة مصحوبة بالأمر الفوري بالالتزام و التقيد و التنفيذ لأن الآمر سيكون الله بنفسه ، هذا بينما كلام الله الذي يقولون أنه المعيار ، هم من يقولون أيضاً أنه بحاجة إليهم لتفسيره ، فهو لا يكتمل إلا بهم ، و من ثم يتقدس المفسر لقدسية ما يفسره. البخاري مثلاً أصبح مقدساً لأنه فسر القرآن بالحديث. أصبح الفقيه كما رأيتم عند قرضاوي هو من يعلن الرضى أو النفى و الطرد و التكفير الديني و التخوين الوطنى ، هو من يعطي كلامنا تصريحاً بالمرور من عدمه. هو من يعطي أى كلام الـ (O.K) ، مولاهم واخدها مقاولة حفر و ردم لوحده.

و مع هذا الحديث حديث آخر يحرض على الرذيلة تحريضاً ، يقول " إذا بليتم فاستتروا " ، فمن أراد ارتكاب الجريمة عليه فقط ألا يعلنها على ملأ حتى لا تفشو الرذيلة في المجتمع ، حسب تفسير فقهنا لهذا الحديث ، أى حتى لا يعتاد الناس الرذيلة لتكرارها العلني ، و حفاظاً على الشكل الفاضل دون المحتوى الفاسد ، يعنى سلامة المجتمع نتأتى بستر المؤمنين لبعضهم بعضا ، "من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الآخرة" ، ليس المهم هو الفعل الأخلاقي من عدمه ، المهم الشكل العام للمجتمع الذي يجب أن يتصف بكل الفضائل ليكون خير أمة أخرجت للناس. فكانت النتيجة تفشى الرذائل في نخاع المجتمع دون إعلانها ، إلا مع سيئ الحظ الذي قد ينكشف فيرجمه الجميع بأحجار ذنوبهم.

إن فلسفة الأخلاق القائمة على مبدأ "إذا بليتم فاستتروا"، هي فلسفة النمر و قاطع الطريق ، هي فلسفة لا علاقة لها بأى أخلاق ، و أربأ بسيدي المصطفى (ص) الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، أن يكون هذا قوله.

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:56:13 | Permanent Link | Comments (3) |

Wednesday, 19 March, 2008

سقف المعرفة غاية مستحيلة

خريطة الطريق نحو الإصلاح

تشخيص الحالة : إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين

2 - سقف المعرفة غاية مستحيلة

لازلنا نرصد مظاهر الحالة الإسلامية كأعراض لمرض عضال بحاجة ماسة إلى علاج ، و لعل أهم الأعراض المستعصية هي الاعتقاد السائد بين معظم المشتغلين بالشأن الإسلامي ، و هو الاعتقاد الذي عمموه بين المسلمين بامتلاك الحقائق النهائية و المطلقة ، عبر امتلاك الحكومات المسلمة لوسائل التثقيف العام من إذاعة و تلفاز و مسجد و مدرسة ، و هي أقوى عوامل تشكيل الرأى العام اليوم. هذا العرض المستعصي يقوم على اعتقاد أن السلف لم يتركوا شيئاً للخلف ليبحثوا فيه ، و أن الأمة قد عقمت من بعد خصوبة ، رغم أنها كانت خصبة إلى حد تعاصر فقهاء المذهب السني الأربعة خلال أربعين سنة فقط. و لكن لأن الزمان لم و لن يجود بمثلهم ، كما توافق علي ذلك الفقهاء من بعدهم ، فقد أصبحوا خاتمة البحث و نهاية الأزمان ، بعد أن وضعوا كل علم ممكن و انتهوا منه ، باختصار ، بلغوا نهاية العلم و سقفه الأخير. هذا رغم قصور البشرية جميعاً عن بلوغ هذا السقف ، و معرفتها أنها قاصرة عن بلوغه ، و أن هذا هو السبب الأساسي في التطور العلمي ، و الفكري النظري ، و التقنى ، و الفنى ، و الحقوقي ، و الاقتصادي ، و الاجتماعي ، و السياسي. بينما عندما يقول قوم أنهم قد بلغوا سقف العلم ، فهو ما يعني أنه لا مجال لكلام آخر ، و لا مجال لقول جديد ، و لا مساحة لقبول أي تغير. هذا كله في واد ، و الواقع قد تغير تغيرات هائلة بلغت فيه ما تحققه البشرية كل عام منذ عام 2005 ، ما يعادل ما حققته منذ وجود الإنسان على الأرض. و نصيب المسلمين من بلادهم في هذه الكشوف الهائلة كماً و كيفاً هو صفر عظيم.

إن عدم قدرة بلوغ نهاية العلم و المعرفة ، هو أس جوهرى في عملية التطور اللازمة للبشرية ، و زاد البشر على التطور الفيزيائي البيولوجي الميكانيكي الدائب و المستمر للكائنات ، أنهم تمكنوا من إعمال عقلهم في الطبيعة مما سرع بعملية التطور الإنساني بدرجات هائلة ما خطرت على قلب بشر. و من هنا فإن الاعتقاد بكمال المعرفة عند المسلمين هو عرض واضح و جلي لتردي أحوالهم هذا التردي المثير للشعور بالخزي و العار.

يعتقد المسلمون أنهم قد امتلكوا نواصي العلم كله ، وأنهم مكلفون بتعميم معارفهم على العالمين ، بل و فرضها على الكوكب الأرضي فرضاً ، و يحيلون كل النقائص إلى العالم المتقدم الذي سبقنا حقاً و صدقاً بما يقاس بالسنين الضوئية ، و يخلطون بين كراهيتنا التاريخية لهذا الغرب ، و بين مناهج هذا الغرب في التقدم و أساليبه في المعرفة و سبله للرقى و الغنى و الرفاة والسعادة.

و المشكلة التقنية و الاعتقادية في مثل هذا الاعتقاد ، هي أن المسلم (حسبما يعتقد) هو من سيُسأل عن أعماله وحده في نهاية الأمر ، و هو بإسناد أعماله إلى اعتقاد بكمال و تمام فقه و شريعة ، هي من علم و إنتاج بشر مثلنا يصيبون و يخطئون ، بعدما فارقت المبادئ الشرعية الأولى بساطتها إلى منطقة شديدة التعقيد بإضافات أهل الفقه و زياداتهم في دين الله. فبينما وضع القرآن ما لا يزيد عن سبع قوانين (شرائع) للمجتمع ، و بضع عشرات أخرى تأسيساً على الحديث ، فإن المذهب الشافعي مثلاً لديه ما ينوف علي ستة آلاف تشريع ، و مثلها في خزائن المذهب الحنفي و تتزايد في بقية المذاهب ، و هذه الآلاف من التشريعات جاءت كلها زيادة في دين الله ، و إذا كانت خاصية الإسلام هي التوحيد المطلق ، فمن غير المفهوم كيف يمكن للمسلم الجمع بين هذه العقيدة و بين خمس مجموعات مذهبية للتشريع تتضارب وتتناقض مع بعضها البعض. إن هذا الركون لأحكام وفق رؤية فقهية أو مذهب بعينه ، يجعل المسلم يعرض نفسه للمساءلة و العقوبة ، بل و ربما للتهلكة ، بل و ربما إلى الانقراض من البشرية ، و هي العقوبة التي لا يعفيه جهله بها منها.

هذا بينما المصري القديم ، كان يعرف منذ خمسة آلاف عام أن اكتمال المعرفة نقص و مرض ، أنظر ما قاله على لسان بتاح حوتب : " أنظر كيف يمكن أن تتعرض لمناوأة الخبراء في المجلس ، إنه لمن الحمق أن تتحدث في كل ضروب المعرفة / ول ديورانت / مقدمة موسوعة قصة الحضارة / ص ح ".

و اليوم نري المصري المسلم و قد ارتكس خلفاً إلى ما وراء زمن بتاح حوتب ، عندما قام يفسر : " و ما فرطنا في الكتاب من شئ " بأن القرآن قد حوى علوم الآولين و الآخرين فامتلك الحقيقة المطلقة ، و صار بإمكانه أن يتعرض لمناوأة الخبراء في المجلس ، و يظن أنه خبير يمكنه الحديث في كل ضروب المعرفة. بينما كل ما تحمله الآيات الكريمة خبراً مفاده أن القرآن الكريم لم يفرط في شئون التعبد و الدين من شئ ، و ليس التفريط في علوم الأركيولوجيا و البيولوجيا و الجينولوجيا و الكيمياء و الرياضيات و إدارة الدول و نظم الحكم و أساليب الاقتصاد و حقوق الإنسان و الديمقراطية ، لأن القرآن كتاب في الدين ، كتاب في الإيمان فقط ، و حسبه ذلك شرفاً و رفعة و فخراً و مجداً و سؤدداً أزلياً أبدياً.

و قد زاد المسترزقون من كهنة على حساب المواطنين من استفحال العرض وعوص هذه المشكلة ، و تجذيرهم الاعتقاد في امتلاك المسلمين للمعرفة التمامية ، و هؤلاء المسترزقون هم من قاموا يتاجرون بمأساة المسلمين ، ليحققوا ثروات خيالية من حكاية وهمية اسمها العلم و الإيمان ، كلها عبارة عن شعر فخر و هجاء و أحاديث سمر عربية حول نيران القبيلة و بعيرها في الليالي القمرية ، أحاديث فخر ليس أكثر ، لأنها موجهة لنا و لا يعرفها أحد غيرنا ، هي سمر رتيب ممل تفخر بربنا الذي يتم وضعه وفق هذا التصور في موقع شيخ القبيلة المسلمة (حاشاه و هو الكمال المطلق) ، و هو شيخنا هذا الذي عرف كل العلوم القديمة والحديثة و المعاصرة التي اكتشفت و التي لم تكتشف بعد ، قبل كل العالمين ، و أعلمنا بها و وضعها لنا في كتابنا المقدس ، و لا تعلم اذا كان ذلك صحيحاً ، فلماذا لم ينتج لنا أصحاب العلم و الإيمان اكتشاف واحداً إسلامياً أصيلاً من نصوص القرآن أو الحديث؟ كي نسبق به العالم و نفيد به بلادنا المعتوهة لكثرة ما تعاطت من مأثور تخديري أصابها ببلهنية بلهاء ، حتى كادت تصل حالة الموت التخشبي. الكارثة أن عملية التهجين للمقدس بالعلم الإنساني كرست اعتقاد المسلم أنه بغنى عن معارف العالمين ، و عن العلوم كلها دفعة واحدة ، لأنه يعتقد أن بيديه أسرار الدنيا و مفاتيح الآخرة ، ما ذهب منها ، و ما لم يأت بعد ، و دون أن يجد المسلمون بعد كل تلك الأبحاث في العلم و الإيمان أي شئ ذي قيمة بين أيديهم.

و لأن الإسلام و علومة ليسا حكراً على طائفة بعينها دون المسلمين ، فإن الرهاب المكرس لعدم تجاوز فقهاء الأمة ، لم يوقف هؤلاء الفقهاء أنفسهم عن نقد سابقيهم و نقضهم ، و هو ما تجلى في رد أبي حنيفة النعمان على هذا المبدأ الباطل : "هم رجال و نحن رجال" ، فليس بين المسلمين آلهة و لا أنبياء بعد أن ختم محمد (ص) تواصل السماء مع الأرض. و من ثم فإن أول مطلب في روشتة العلاج هو الاعتراف بالمرض ، و أن التراث الإسلامي قد أصبح يحمل أوراماً سرطانية و اثقالاً كسحته عن مسايرة حركة التطور ، و أنه يجب أن يخضع لعمليات جراحية عاجلة مع تقويم و مراجعة و نقد قاسي ما أمكن ، لكن بشرط التزام العلمية الصارمة دوماً ، مع الفحص و التعديل و الإلغاء و الإضافة و الحذف ، مداً لحبل حكمة النسخ في الوحي ، و هي حكمة التدرج في الأحكام إلى مداها الطبيعي ، و هو التدرج الذي يقوم على مقاصد الشرع الكلية.

و لو صح أن اجتهاد فقهاء السنة الأربعة ، و بقية المذاهب بما فيها الجعفري (الشيعي الإثنا عشرى) ، أنها قد وصلت إلى سقف المعرفة ، و أنها أصبحت صالحة لكل زمان و مكان (و هي آفة فكرية لا يقول بها عاقل ، فلا شئ صالح لكل زمان و مكان بالمطلق ، و قولاً واحداً ، و لا يقول بذلك إلا من جهل أنه جاهل) ، و لو صح أن ما صلح لزمنهم صالح لزماننا ، فلماذا نحن أمة الله المتخلفة دون العالمين ؟

و مع اعتقاد المسلمين بصحة هذا المبدأ الباطل ، تم إغلاق باب الاجتهاد دون إصدار أى أوامر بإقفاله ،لأن إغلاقه قد أصبح من مستلزمات الشريعة و خصائصها دون صدور قرار بذلك ، بعد أن أصبح غير ممكن تجاوز من وصلوا سقف المعرفة. و بدلاً من أن يعتبر المسلمون رجالات مأثورهم بداية لطريق تطورى اجتهادي طويل ، اعتبروهم نهاية الطريق ، فضرب الشلل كل مراكز التفكير في العقل المسلم. ماذا يمكن أن يقول المسلم لمن يقولون له : قال ابن تيمية ، و قال البخاري ، و قال عمر بن الخطاب ؟ هل سيخطر على بال مسلم أنه مطلوب منه أن يقول شيئاً بعد ما قال هؤلاء المقدسين ، ناهيك عن مخالفتهم أو إعمال العقل في نقدهم ؟ وفق هذا المعنى لابد أن يصاب اللسان بالخرس ، و يموت السؤال ، و يضرب الذهان مراكز التفكير، فلا يعود المسلم يميز بين الممكن و المستحيل ، فيضرب بإرهابه العالم متصوراً أنه سيسود العالم و يقيم دولة الله في أرضه ، و هو من بين أشد شعوب هذا العالم ضعفاً و جهلاً و تخلفاً !!

و بدلاً من أن يعتبر المسلمون أن تدرج التشريع درس لهم ليمدوا طرف الخيط على استقامته فيتدرجون بل و ربما ينسخون كثير من التشاريع مع المتغيرات ، حتى يبقى تشريعهم حياً فاعلاً ، فقد اعتقدوا أن هذا التدرج خاصية قرآنية ربانية لها علاقة بتواصل السماء مع الأرض عبر الملاك جبريل إلى نبيه (ص) ، و أن هذه الخاصية قد توقفت بتوقف الوحى بوفاة صاحب الدعوة ، و من ثم قرروا الوقوف عند آخر أحكام تطورت إليها نصوص الوحى ، و جعلوها أحكاماً نهائية ، قدسوها و جعلوها حكم السماء الأخير القاطع ، الذي لا يجوز تجاوزه على تغير الأحوال و اختلاف الأماكن و تبدل الأزمان ، هذا بينما (الفقه) نفسه يقوم على أسس نظرية لم يقم هؤلاء العارفون بالمطلق بتفعيلها فيما يبدو عن قصد و نية مبيتة للمسلمين ، فالفقه الإسلامي "لا ينكر و لا يستنكر تبدل الأحكام و تغيرها بتبدل المكان و اختلاف الزمان" ، و هو ما استند إليه الإمام الشافعي عندما غير من فتاواه في زمن واحد ، ما بين وجوده في العراق و بين وجودة في مصر. و من أبرز الأسس النظرية المعيارية المفترض أنها حاكمة ، الأساس الذي يجعل "الحكم يدور مع العلة وجوداً و عدماً"، و لا تفهم كيف يتم التجاوز عن هذه الأصول من فقهاء يركزون على ظاهر اللفظ و حرفية النص ، و يظلون فقهاء ؟ لا تعلم كيف ؟ ثم لا تعلم كيف أمكن لهم تضليل المسلمين كل هذا التضليل لمنافع و مكاسب دنيوية بحت ، و مكانة اجتماعية مرموقة ، و سلطة سيادية برغبة الرعية ، بدليل استكانة المسلمين إلى هذه المفاهيم التي تبدو ديناً جديداً غير ما نعرفه عن الإسلام في بكارته الأولى ، و عدم احتجاجهم على مشايخهم بل و تقديس هؤلاء الفقهاء ، فأى نازلة نزلت بنا أيها الناس ؟ !!

ضمن و بين هذه الأسس فلسفات في الإسلام و التشريع سبقت زمنها فتم قبرها لأنها كانت أكثر حرية من ممكنات احتمال الفقهاء الآخرين حينذاك ، فلسفات فقهية اعتبرت الانسان هو غرض الله و غرض الرسالة ، و ليس الغرض مجرد العبودية لله ، فالله أكمل من ذلك و أرفع من ذلك و ليس بحاجة لعبيد ليتأله عليهم و يستعبدهم فيعبدون ، وأن الكتب المقدسة جاءت إلينا من أجلنا و ليس من أجل السماء ، لتيسير معاشنا لا لتعقيده ، و لجعل الدنيا أكثر راحة و طمأنينة و يسر، إسعاداً للبشر لا إثارة لكآبتهم و حزنهم رعباً من مكر الله و جهنماته المتنوعة ألواناً و أصنافاً من العذاب. فلسفة تعبتر الإيمان نعمة و سعادة لا اختباراً و امتحاناًُ عسيراً و مشقة و عنت و نقمة متربصة تقف من ورائها فكرة المكر الإلهي ، الذي كان يخشاه أعدل الخلفاء (عمر بن الخطاب) ، مع الفزع من جهنم و زبانيتها.

نظرة قامت على التفلسف أكثر مما خضعت لشروط الشافعي المستحيلة الواجب توافرها في المجتهد ، اعتمدت أكثر علوم الفلسفة جدلاً و حرية ، علم الكلام ، لتقيم عليه نظريتها الفلسفية الفقهية.

من بين هؤلاء الفقيه اللمعة الثاقب (نجم الدين الطوفي الحنبلي) ، الذي تجرأ على كسر أهم القواعد الفقهية (لا اجتهاد مع النص) فأباح الاجتهاد حتى مع النصوص الواضحة القاطعة المجمع بين الفقهاء على قطعيتها الثبوتية : النصية و الدلالية ، استناداً لاجتهادات الخليفة عمر مع نصوص قرآنية و حدود تشريعية ربانية قاطعة ، بالتعطيل و بالمخالفة و بالإلغاء (كما في إلغائه فريضة متعة الحج و فريضة متعة النساء و فريضة المؤلفة قلوبهم). لإختلاف المصالح بدوران الأزمان ، و من ثم قدر الطوفي أن رعاية مصالح الناس تعلو على النص و الإجماع و تقدم عليهما ، استناداً لقول النبي (ص) : "لا ضرر و لا ضرار" ، ثم لدينا نجم عظيم آخر من فقهاء اليسر و البهجة الذين أوسعوا من صفحات الاجتهاد نحو مزيد من الحرية هو (الباقلاني) ، الذي قلما يعرج إليه رجالات أزهرنا المبارك الشريف ، اشترط هذا الرجل للاجتهاد الصحيح التضلع في الفلسفة أو بالذات (علم الكلام) ، و اعتمد علم المنطق الأرسطي معياراً للاستنتاج الصحيح ، و لم ير في ألوف المباحث الفقهية العجييبة المتكاثرة و شروطها الأعجب المتناثرة أى ضرورة ، كل ما طلبه للمجتهد هو أن يعرف القواعد العامة لأصول الفقه و المعروفة بالمقاصد الكلية للشريعة و ما أيسرها ، لأنها تتلخص جميعاً في جملة واحدة هي : مصلحة العباد .

و ما أبكر مثل تلك المحاولات العبقرية التى تم إهالة الإهمال عليها ، حتى كادت لا تجد لنفسها مكاناً في أحاديث مشايخنا رغم ركوبهم إعلامنا ليل نهار، فهذا الإمام (الجويني) في القرن الثاني عشر ميلادي ، يؤكد أن المعرفة بمقاصد الشريعة كافية وحدها كأساس في الاجتهاد ، بتنزيلها على واقع الزمان و مستجداته و مشكلاته التي لم تكن معلومة من قبل ، و الغرض من هذا التنزيل هو مصلحة الناس أولاً و أخيراً ، و هو كله ما يقوم على مدركات عقلية بالأساس و ليست نقلية و لا نصية.

من هنا ساغ للجويني الثاقب اللماع بين الفقهاء و(إمام الحرمين) أن يرنو للمستقبل ليراه و هو يتطور في قفزات هائلة ، حتى يأتي زمن على الناس لن يعملوا فيه بأصول الشريعة الإسلامية حتى تصبح الشريعة تاريخا غير فاعل ، و ربما غير موجودة نتيجة مفارقة الواقع لها ، لأن الواقع يتغير و يتطور بالضرورة دون أن ينال النص الديني ذات التغير و التطور. و من هذه الرؤية المستشرفة للمستقبل ينتهي الجويني بجرأة نادرة و بفرادة سبق بها زمنه إلى نتيجة غير مسبوقة ، و للأسف غير ملحوقة بين الفقهاء ، ينتهي الجويني إلى ضرورة تهيئة العقل المسلم و ترويضه حتى يمكنه التعامل مع ذلك الزمن الآتي بمنطق ذلك الزمان الآتي دون منطق الشريعة .

و منطق ذلك الزمان الآتي لاشك سيقوم على العقل ذاته و هو يمارس وظيفته ، لذلك يجب تدريب العقل المسلم على قبول الزمن الآتي ليتمكن من الحياة فيه و الفعل فيه ، و إن غابت نصوص الشريعة ، و يكفي المسلم أن يكون عالماً بالمقاصد الكلية للشريعة ، و هذه المقاصد تحديداً و تدقيقاً هي مصلحة البلاد و العباد ، و ها قد أتى ذلك الزمن الآتي الذي كان يتوقعه عن يقين و ترقب توقعه إمام الحرمين.

و بعد حوالي ثلاثة قرون احتاج الزمن المزيد من التنبيه إلى ضرورة التغير و التجديد و التحديث فظهر الإمام (الشاطبي) و ما أدراك ما الشاطبي ؟ ! في جمل سريعة لا تعرض من هو الشاطبي الذي سبق زمنه و تجاوز فقهاء أزهرنا مجتمعين ، هو الذي أقام اجتهاده الفلسفي عوداً إلى فكرة المقاصد الكلية للشريعة ، فقام يستخرج من الشريعة مقاصدها بنوداً واضحات ، التي هي مصالح العباد دنيا و آخرة ، و أخضع هذا الاستخراج لمقدرات و لعادات واقع زمانه طالباً التبديل و التعديل وفق متغيرات الزمان و تقاليده و بشروط زمانه و مكانه ، لذلك اشترط الشاطبي علي الفقيه في الزمن الآتي أن يكون عارف بعلوم عصره و متصلاً بواقعه (ترى كم من فقهاء اليوم يدري شيئاً و لو يسيراً عن علوم عصرنا ؟) ،حتى ينزل مصلحة العباد أى المقاصد الكلية للشريعة على هذا الواقع ، ليحثه نحو مزيد من المصلحة. و ارتأى أن الفقه بحاله حتى زمانه هو لون من الإجابات المعدّة سلفاً لكل مسألة حدثت أو قابلة للحدوث أو متخيلة ، و الفقه بهذه الإجابات المسبقة لا يقف بهذا المعنى نداً للزمان الذي جاء بأسئلة جديدة لم تخطر على خيال فقهائنا القدامي ، و ليس لديهم إجابة عنها لأنها لم تكن قد وجدت بعد ، لذلك لابد أن يختلف الحكم بحسب ظروف الواقع ، مع مراعاة أن الأصل في الأشياء هو الإباحة و ليس التحريم. و هو ما يعني تفسيراً دقيقاً لمعنى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فالمعروف هو ما تعارفت عليه قيم و عادات زمانه ، و المنكر هو ما أنكره العرف الاجتماعي و قيم زمانه. و من ثم لم يعد المعروف أبداً من أصول الشريعة بحسبانه يعني الدعوة إلى الإسلام و شريعته ، أو هو إقامة دولة الله علي الأرض كما يزعمون.

و علي (الطوفي) و كسره الجرئ لقاعدة لا اجتهاد مع النص ، و علي (الباقلاني) و براحة العقلاني ، على (الجويني) و مساحته الحرة المنطقية العقلانية الصرف ، و على (الشاطبي) و طلاقته المصلحية ، و أن الأصل في الشرع كله هو الإباحة تيسيراً على العباد الذين تشكل مصالحهم الهم الأول للفقيه ، سنكمل مشوارنا الآتي مع خريطة التشخيص و الإصلاح.

Posted by المجموعة الليبرالية at 01:36:20 | Permanent Link | Comments (0) |

Friday, 14 March, 2008

إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين

خريطة الطريق نحو الإصلاح

تشخيص الحالة : إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين

1- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية

 

 

معظم دول الإسلام ، أو رجل العالم المريض ، تأتي في مرتبة أكثر البلدان تخلفاً على كل المستويات ، و ما زاد الأمر نكاية هو الصحوة الإرهابية التي جعلت من المسلمين أصحاب الحظ الأوفر في العمليات الإجرامية الأشد بشاعة في العالم ، مما استجلب على المسلمين عداء العالم كله ، في وقت يشكلون فيه أشد الشعوب تخلفاً و ضعفاً و ما أكثر عددهم و ما أكثر هزائمهم ، و هو ما استتبع ليس العداء فقط ، بل الاحتقار و الحصار و معاملة المسلمين معاملة ترويضية ، كمن يروض حيوانات مفترسة لم يرتق إدراكها بعد ، و لا تملك حساً أو ضميراً إنسانياً ، فيطعمه و يسقيه بالمعونات لكن يحدد له دوراً لا يتجاوزه ، و يقسو عليه أحياناً أخرى فيحاصره ليتم تحجيمه باستمرار ، و يحافظ على بعضهم من الإنقراض كحفرية حية ، و يترك بعضهم في مناطق أخرى يأكلون بعضهم في فوضى خلاقة حتى تصفو النيران عن رماد خامد غير ضار.

و بسبيل العثور على ثقب في هذا الواقع الآسن نحو تغيير و إصلاح يؤدي إلى خلاص و انعتاق منطقتنا مما هي فيه ، انقسم المفكرون في بلاد المسلمين على أطيافهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إلى فريقين رئيسيين : فريق أرجع الأزمة إلى عدم التزام خير أمة أخرجت للناس بدينها حسب الأصول ، و هو ما يجعلها تطلب النصرة السماوية فلا تستجيب السماء لها ، بل تنزل بها النوازل و الإهانات و الكوارث تقفو بعضها بعضا ، في عملية تأديب ربانية للأمة كلها ، و ذلك لأنها فرطت في فروض و حدود دينها و تأثرت بما عند الشعوب الأجنبية من أساليب عيش هي على النقيض مما جاء في إسلامنا ، لذلك حقت علينا النقمة الإلهية ، و لا حل إلا بالعودة الكاملة الخالصة لهذا الدين و الالتزام الدقيق بأوامره و نواهيه و فروضه و حدوده الشرعية و أخلاقه السامية ، و التسنن الكاملة بسنة رسول الله (ص) و سنن الراشدين الهداة المهديين. و عندما يتيقن ربنا من استئهالنا للرحمة حسب معاييره ، و قدر رضاه عما حققنا من حسن عبادة و إخلاص ، فإنه سيتدخل بنفسه لإنقاذ أمته التي اصطفاها لقيادة العالمين ، و هذا الفريق هو الأكثر انتشاراً بين جماهير المسلمين.

و يغلب على هذا الفريق روح التنظيم لتعودهم على الطاعة المطلقة ، فيشكلون جماعات شديدة التنظيم و الانضباط و الاستجابة الحركية السريعة ، تبدو بينها على السطح خلافات في الدرجة لكنها غير نوعية ، فهي تتوافق جميعاً على الأهداف و إن اختلفت الأساليب ، و يزعم هذا الفريق أننا قد جربنا العلمانية (يقصدون الدكتاتوريات العسكرية) و النظام الجمهوري و النظام الملكي و الاشتراكية و الرأسمالية ، و سقطت جميعاً و سقطنا معها في المزيد من التخلف و الانهيار ، و لم تجلب تلك التجارب سوى الهزائم المتتالية دون خلاص واضح في المستقبل المنظور ، و لا يبقى سوى استيلاء أنصار هذا التيار على الحكم ليحكموا المجتمع حكماً إسلامياً ، أو بالأحرى أن يفرضوا سلطانهم من خلف ستار لحكام مدنيين أو عسكريين شكليين ، بحيث يكونوا هم المرجعية في اتخاذ أى قرار أو إصدار أى قانون ، و أن يكونوا هم الهيئة المحاسبية الأولى الرقابية ، دون أن يحكموا بشكل ثيوقراطي مباشر ، و بموجب هذا الشكل من الحكم تتم الأسلمة الكاملة للمجتمع و الدولة ، و عندئذ سوف يتدخل رب السماء لينصر أمته و يعيد لها أمجاد الفتوحات ، كما نصر السلف و هم أراذل أذلة.

أما الفريق الآخر (العلماني) فقد ذهب مذهباً هو على النقيض بالمرة من الفريق الأول ، و هو الأقل انتشاراً بين الجماهير لكنه الأكثر قدرة على الوصول إلى حلول علمية ،و الأكثر منطقاً ، و الأقوى حجة ، و يستند إلى الواقع الملموس في نجاح العلمانية أينما طبقت. لذلك تتم محاربة هذا التيار و طعنه لدى المسلمين بكونه يناهض الدين و يناوئه ، حتى لا يصل إلى الناس أصحاب المصلحة فيه ، و يعاني هذا الفريق إضافة إلى التحريض ضده وتبخيسه و تكفيره و تخوينه ، من خلل شديد أصيل في بنيته ، لأن العلمانية أو الليبرالية هي حرية فردانية بطبيعتها و بما تتضمنه من مفاهيم ، فيكون الفرد عصياً على الانضباط و التنظيم الحركي ، و لا يخضع العلماني إلا لقوانين العقل و العلم و الأصول الحقوقية و الدستورية للمجتمع المدني ، التي يطيعها عن قناعة و إيمان بحفظها لسلامته و سلامة المجتمع. لذلك فالليبرالية لا تقوم في مجتمع إلا عندما تنتشر بقوتها الذاتية ، و قدرتها على الإقناع و ما تملكه من وسائل و أدوات للأمن الاجتماعي ، و ما تحظى به من أدوات علمية تقدم بها نفسها مدعومة بالبرهان و الدليل مع نضوج الأوضاع الاجتماعية لقيام طبقة صاحبة مصلحة فيها تؤسس لها و تحميها و هو الدور الذي أنجزته في أوروبا الطبقة البورجوازية بعد الثورة الصناعية.

و الفريق العلماني بالطبع لا يرجع الأزمة إلى تأثر المسلمين بثقافات غير إسلامية ، بل يرى أنهم أبعد ما يكونون عن هذه الثقافات بعداً سحيقاً ، و لا يرى أن مصائبنا تبدأ مع الاستعمار الحديث و سقوط الخلافة ، لأن الخلافة كانت قد مرضت و شاخت و كانت فقط تنتظر من يعلن وفاتها ، بل أنها كانت هي مصيبة هذه المنطقة من العالم ، و أن الاستعمار لم يكن سبب ضعفنا ، باحتلاله بلادنا ، لأنها كانت ضعيفة أصلاً مما سمح للآخرين بالتعدي عليها ، فضعفنا أصيل في بنيتنا الثقافية و كان هو سبب الاستعمار و ليس نتيجته. و من ثم يعيد هذا الفريق أزمة المسلمين إلى تمسكهم بتراثهم الذي تجمد و تجمدوا معه ، و هنا ينقسم هذا الفريق (العلماني) إلى موقفين (إضافة إلى الإشتراكيين) :

· موقف يرى أن الخروج من الأزمة يتطلب التحرر التام و الإنعتاق الكامل من سلطة التراث الإسلامي أو أى دين آخر، الذي يعوقنا عن التقدم و التكيف مع العصر.

· موقف آخر يرى أن المأثور الإسلامي جزء لا يتجزأ من ثقافتنا يستحيل إجراء قطيعة تامة معه ، لأنه هدف غير قابل للتحقيق بالمطلق ، لذلك فالحل يكون بإعادة قراءة هذا المأثور الهائل و إعادة تصنيفه و تبويبه ، و تجديد فهم النصوص بما يتلاءم مع مصالح البلاد و العباد و ظروف العصر و مقتضياته ، و صاحب هذا القلم يعتبر نفسه ضمن أصحاب هذا الموقف الثاني من التيار العلماني ، و يرى وجوب أن يتم هذا التجديد أو القراءة الجديدة بما لا يصدم الإيمان الإسلامي ، و دون الدخول في صراع طائفي مذهبي بين القراءات ، أى تقديم قراءة تصالحية سلامية للمسلمين قادرة على مواكبة المستحداث في عالمنا الدؤب تغيراً و تبدلاً ، مع الطموح إلى أن تحوز هذه القراءة رضى المسلمين و أيضاً رضى غير المسلمين ، و هي مهمة بهذا الشكل تبدو عسيرة بل و ربما مستحيلة ، لكنا سنحاول تجاوز هذه الاستحالة في هذه المجموعة من الدراسات مستعينيين بحب جارف لهذا الوطن و للناس في هذا الوطن ، و إيماناً غير مشوب بقدرة الإسلام و المسلمين على تجاوز كبوتهم التاريخية.

لأن أزمة المجتمعات الإسلامية تنهض على واقع مختل ، تحزبت فيه المجتمعات الإسلامية لدينها و تراثها ، بينما هذا التراث تحديداً ما عاد يتجدد أو يتبدل كما كان في حياة صاحب الدعوة عندما كان الوحي يستجيب للمتغيرات ، فكان الله في حياة صاحب الدعوة يتفاعل بوحيه جدلاً أخذاً و عطاء مع حركة الواقع المتغير ، فكان يُُنسى آيات و يُبدل أخرى و يرفع و ينسخ و يمحو و يثبت آيات غير آيات ، و حديث غير سابقة و فعل نقيض سالفة ، و يتطور مراعياً وقائع الأرض و ظروفها المادية البحت. و بوفاة صاحب الدعوة و توقف علاقة السماء بالأرض ، تجمد المسلمون عند آخر نص في تطور الأحكام ليعتبرونه حكماً نهائياً صالحاً لكل زمان و مكان ، بينما هو في حقيقة الأمر و دون أي تجن هو خارج المكان و الزمان ، و الرؤية الوحيدة القادرة على جعله صالحاً لكل زمان و مكان ، تنبع من داخل الإسلام و من ميكانيزمات تكون الوحى خلال 53 سنة ، فالدرس و الأغراض النهائية فيه ، هو إثبات مبدأ التغير و التطور مع كل جديد ، و ليس الوقوف عند آخر تطور حدث في حياة صاحب الدعوة ، لأن التطور و التغير هو قانون الكون الأوحد الثابت.

و الخطورة اليوم ليست على دين الإسلام ، فالدين ، أى دين ، لا يموت و لا يندثر و لأنه فكرة ، لأنه ثقافة ، فلازالت الجميلة بين الآلهة الرافدية (عشتروت) تحاط بالرعاية و التكريم في كل ثقافات العالم و في و في كل متاحف الدنيا ، يحيط بها عشاق من كبار العقول الأركيولوجية و فلاسفة التاريخ و الأديان ، مثلها (إيزيس) المصرية ، مثلها (أدونيس) الفينيقي ، و (البعل) الشامي ، مثلها قصة الخلق المصرية ، و البابلية ، و ملحمة جلجامش ، و حكايات ملقارت ، و ملحمة الطوفان البابلي ، كلها محل احترام و لم تفن ولازالت من التاريخ ، بل وجدت عشاقاً من لون آخر و نوع آخر ، و من انتهي من التاريخ هم البشر من أتباعها و عبادها. الخطورة ليست إذن على دين المسلمين ، فالدين له صاحب كفيل به ، الخطورة الحقيقية هي على المسلمين من الزوال الوجودي من عالم البشرية بالاندثار التام ، بعد أن غابوا عن هذا الوجود كفكرة و فعل و عطاء ، و غرقوا في مستنقعات الجهل الخرافة و التخلف و الجمود و الاستبداد و الانحطاط الخلقي و الإنساني ، رغم أن المسلمين يشكلون حوالي خمس البشرية على الأرض. هنا الذعر الحقيقي أن تطول الأزمة بالمسلمين فيغيبوا وجوداً كما غابوا حضوراً ثقافياً ، و هم حسب ما نعتقد كمسلمين المكلفين بالشهادة على الناس ، بحسبانهم أمة وسطا حسبما أخبر القرآن الكريم ، بينما هم لا عادوا أمة وسطا و لا طرفاً ، و لا هم أمة أصلاً بحالهم هذا ، و لو قلنا تجاوزاً أنهم أمة ، فهم أمة مريضة تصدر أمراضها كراهية و إرهاباً للعالمين.

و ينعي المسلمون على الغرب الكافر تحلله الأخلاقي و عريه و حرياته اللا محدودة ، و يعتقدون أن الأخلاق قاصرة على الإسلام و المسلمين ، و أنها الشئ الوحيد تقريباً الذي تملكه لذلك تعتز به و تنافح عنه و تباهي به الدنيا ، رغم أن الصحوة الإسلامية أثبتت عدم امتلاكها حتى هذا الجزء المعنوي الذي تتباهى به ، فأسقطت جميع القيم الأخلاقية دفعة واحدة ، فصار الكذب مباحاً بعقيدة (التقية) ، و أموال البنوك مستباحة لأنها ربوية ، و أموال غير المسلمين غنيمة مستباحة لأنهم محاربون شاءوا أم أبوا و سواء كان ذلك موافقاً فعلاً لشرع الله من عدمه ، هذا ناهيك عن فقه كامل يكرس الاغتصاب بملك اليمين يتم تدريسه حتى اليوم في الفقه على المذاهب الأربعة في مدارسنا الدينية. من الأزهر إلى طالبان، ناهيك عن استمرار الشيعة في العمل بنكاح المتعة ، إضافة لمسيار القرضاوي ، و زواج الفرند عند الشيخ الزنداني ، و العرفي ، و مفاخذة الرضيعة كما أفتى خميني... إلخ ، و لا تفهم معنى الزنى هنا بالمرة ، و لا أين هي الأخلاق التي يفاخر المسلمون بها العالمين و التى تقف جميعاً عند أخلاق الجنس وحدها ، و هي الأخلاق المفقودة حتى في هذا العنصر الخلقي الوحيد الذي نتباهى به حجاباً و نقاباً دليلاً على عفتنا الجنسية التى هي كل الأخلاق بنظرنا.

المشكلة التى ستواجه الجديد هنا ، هو اعتقاد المسلم بعصمته ، و الكمال التام للتراث الإسلامي بكليته ، رغم أن التراث الإسلامي بوضعه الحالي قد اختلط فيه الإلهي بوجهة النظر الفقهية بالمذهب بالتأويل المناسب لعصر دون عصر ، بتقنين تشريعات على المذاهب المختلفة على ما بينها من اختلافات شديدة التباين و التناقض على أبسط الشئون ، التي لا تحتمل رأيين أو تفسيرين ، كما في حال الحدود التى تفعل العقوبات البدنية مثلاً ، فقطع يد إنسان ليست شأناً بسيطاً حتى تختلف المذاهب السنية الأربعة حول مستوى القطع : هل هو من الأصابع أم من الكف أم من الكوع أم نخلعها من الكتف خلعاً ؟ و هي آراء المذاهب الأربعة في مستوى القطع ؟ ! ، ناهيك عن القصور الشديد في هذه الشريعة عن مواكبة الزمن ، و هذا قول لا يشين الشريعة و لا يقلل من قيمتها ، فقط دون إغراق في المثالية يعتبرها في كثير منها كانت صالحة لزمنها وحده ، و مما لا يتوافق مع زماننا كمثال واحد ، كانت الشريعة تعاقب بالقطع على السرقة إذا كان المسروق في حرز أى في مكان مغلق ، لكنها لا تعاقب بالقطع على سرقة السائبة ، فهي ليست سرقة تستحق القطع ، كالسوائم الهائمة في الطرقات أو في البراري، و بتطبيقه اليوم ستكون سرقة السيارة غير مستوجبة للقطع لأنها سائبة ، بينما ستكون سرقة الكاسيت الموجود بداخلها هي العقوبة التي تستحق القطع ، لأنه في حرز حسب شريعتنا. المهم أن ذلك إنما يعني استحالة تطبيق العقوبات البدنية بشكل نضمن فيه العدل التام و عدم ارتكاب الإثم في الحكم ، و هو ما يعني أيضاً أن الشريعة كما هي عليه الآن هي وضعية كأى قانون وضعي ، من وضع فقهاء لم يكن يأتيهم جبريل بالوحي.

و من بين هذه الشرائع التي وقفت عند زمانها لا تريم حراكاً ، ويتم فرضها على واقعنا التشريعي و القانوني فيما يعرف بقوانين الأحوال الشخصية ، و التي هي الأشد مساساً بمعاش الناس اليومي ، قوانين الزواج و الطلاق التي لا تكترث لجريمة الخيانة إلا مع الأنثى المحرم عليها ما هو حلال للذكر ، فله الزواج بأربعة ، و له وطأ ما لا عدد له بما ملكت يمينه دون أن يعتبر ذلك زنا في حق الحياة الزوجية تستحق العقوبة و أقلها فسخ العقد برغبة الزوجة المتضررة ، و هو ما لم يحدث إلا بعد إقرار قانون الخلع في مصر ، و الذي يعيد للزوج كل مليم دفعه بعد الأكل و المرعة و المتعة ، حتى تستطيع الزوجة أن تنال عتقها. هذا بينما شرائع البشرية كلها تعتبر إقامة أى علاقة خارج الزواج المفرد على أى لون كانت هي خيانة زوجية. و يحق للزوج طلاق زوجته دون إبداء أي أسباب ، و الشريعة على تنوعها الفقهي لا تعطي للزوجة أى حقوق بمجرد تطليقها أللهم إلا شروطاً سبق إشتراطها أو مؤخر صداق وافقا عليه ، و لسد هذا النقص الشديد اخترع الفقهاء كلّ حسبما ربنا قدره عليه ، بإلزام الزوج بنفقة لزوجته مؤقته ، لم يحدد مدتها و متى تتوقف (مثلاً عند زواج المرأة مرة أخرى لوجود من يعولها) ، و هي في الغالب لا تزيد عن مكافأة سنة ، أو نفقة بعدد القروء الأربعة ، إضافة إلى إجتهاد بسنة أخرى تكاليف على الزواج مقابل المتعة و تسمى نفقة متعة.