Monday, 21 July, 2008

نحو إصلاح القيم

نحو إصلاح القيم

1 - قيمة الحق في الخطاب الفقهي المعاصر

الحق هو أبرز الأسماء الجلالية للذات العلية , فهو الحق مطلقا و الصدق مطلقا و العدل مطلقا , فالحق هو أبو الفضـائل , لذلك وصف الحـق تعـالى به ذاته الكامله , فهو حق لا يصدر عنه إلا حـق و لا يحكـم إلا بحق , لكن كل معاني الحق و ما يترتب عليها من قيـم و ما تلحقها من فضائل , قد غـاب عن مجتمعاتنا حتى صرنا نمارس الكذب على الذات ، و على الاخـرين ، وعلى الدنيا كلـها. في العـلم نكـذب , فـي الاقتصاد نكـذب , في وضع القوانين نكـذب , وأيضا - وهنا الكارثة - في الدين نكذب , والكذب في الدين يكون كذبا عليه وكذبا على المؤمنين به وكذبا على صاحب الدين جل و علا. وليس أدل عندي من انتشار و باء الكذب و الانحراف عما يلازم قيمة الصدق من فضائل , مما نراه في شارعنا , في اعلامنا , في مساجدنا ، في كنائسنا ، في تعليمنا ، في سياستنا ، في خطابنا الديني و هنا العار الحقيقي , وهو مناط البحث هنا.

من الأسماء البوارز في سماء فقهنا المعاصر , الفقيه المرجع الدكتور يوسف القرضاوي , وهو مثل كل رفاقه لايرى حلا خلاصيا لكبوتنا بين الأمم وتخلفنا المهين سوى اقامة الدولة الاسلامية التي تطبق شرع الله في كل شأن. فتنال رضا السماء , فتتدخل بقدراتها العجائبية لنصر أمتها التي أخلصت لها الدين هذا بالطبع إن أخلصت لها الدين , و الدين و الإيمان شيئ لايمكن قياسه أو وزنه بأي معيار , فلا تستطيع أن تقول أن عندي عشرة كيلو إيمان ، أو عشرين متر تقوى , فهذه شئون غير قابلة للقياس , لذلك يظل شأن الحكم بموعد التدخل الإلهي لإنقاذ أمتة مرهوناً بشيء لايمكن تحديده و لا قياسه , مما يضع تلك المساحة المطاطية رهن الحبس الاحتياطي الدائم لدى مشايخنا , حتى تأتي الطير الأبابيل أو لا تأتي.

في برنامج الشريعة و الحياة/الجزيرة/حلقة الدستور و مرجعية الشريعة , يسأل المذيع الشيخ قرضاوي مستنكرا: " ألا يتعارض القول بالشريعة الاسلامية في دولة بها مسلمين وغير مسلمين , مع مبدأ المساواة في المواطنة؟".

السؤال جد هام ومفصلي , و الإجابة عليه يجب أن تكون جهيرة الوضوح والشفافية , صادقة حاسمة قاطعة ، غير ملتبسة , لأن ما رأيناه مترتبا على تطبيق الشريعة في بلدان بها غير مسلمين , هو ماحدث في السودان ، و في الصومال ، و في أفغانستان , وهو ما لا نرجوه لأنفسنا , لذلك نبحث عسانا نجد في قول فقهائنا حلا حقيقيا للمشكلة , لا يدخلنا في حرب أهلية تأكل اليابس و اليابس ، فلم يعد لدينا شيأ أخضر لتأكله , خاصة و أن هؤلاء الفقهاء هم من يقدمون أنفسهم كضمير صادق لأمتهم , و أنهم الحافظون لدينها و الأمناء عليه منذ فجر تاريخه.

لقد سبق و أجاب الشيخ في كتبه المنشورة عن هذا السؤال أكثر من مرة , لم يتبدل فيها مرة عن مرة , وحدد في إجابته مفهوم الإسلام المعتدل لمعنى الوطن والمواطنة , نسمعه إذ يقول في كتابه: (ألإخوان المسلمون): "لقد شجع المستعمرون النعرة الوطنية , هادفين إلى أن يحل الوطن محل الدين , و أن يكون الولاء للوطن لا لله , وأن يقسم الناس بالوطن لا بالله , يموتوا في سبيل الوطن لافي سبيل الله , حتى قال شوقي:

وجه الكنانة ليس يغضب ربكم *** أن تجعلوه كوجهه معبوداّ

و يتابع فضيلته شارحا للمسلمين كيف كان الإستعمار الفكري وراء قيام الدولة الوطنية , فهذا الإستعمار الفكري "عمل على تنحية الشريعة من القضاء , و حصرها في الأحوال الشخصية , و فصل بين المدارس المدنية و الدينية.و استطاعت السياسة الاستعمارية أن تحارب شريعة الاسلام كفلسفة حياة ونظام تعامل و دستور يرسم للأفراد حدود المساواة و الحرية...لم ينادي حزب الوفد قط بالإسلام نظاماً للحياة , لكنهم استعملوا الدين وسيلة لتوطيد زعاماتهم".

المهم ينتهي قرضاوي في هذا الكتاب إلى أن الوطن و الوطنية وفكرة الدولة ذات الحدود التاريخية , هي كلها "فلسفات علمانية دخيلة عزلت الدين عن الحياة" , و هكذا و بعد أن يقدم لنا سيناريو ها الانهيار المفزع , يبشرنا بمولد مخلص الأمة المنتظر و مبعوث العناية الإلهية , فيقول : "وفي هذا الجو الغائم والقاتم ولدت دعوة الإخوان المسلمين , لتكون دعوة للبعث و الإنقاذ كما عبر عنها الإمام حسن البنا /ص 18: 22".

و إذا ما تساءلنا عما يجمع أبناء الوطن الواحد , إذن , و ماذا عن ولاء المواطن لمواطنيه و لمصالحهم المشتركة , فإن قرضاوي يعطينا إجابة بعيدة بالمرة عن كل المفاهيم السياسية , فهو ينبه إلى أن "الولاء لله و رسوله , ومن اتخذ الله و ليا , فقد اتخذ عدوه عدواً , ودار الاسلام هي الوطن الاسلامي , وهي بلا رقعة , فوطن المسلم هو دار الاسلام/ص79 , 80 من كتابه ملامح المجتمع المسلم" , لينتهي إلى تقرير يصوغه صياغة هي ضد كل مايعني الوطن والمواطنة , فيقول في إيجاز مرعب حقاّ: "إن القومية و الوطنية أو غير ذلك هي من الأوثان /كتابه الإخوان/ص24 , 25.

إذن هي الحرب الأهلية , هي الصوملة , هي السودنة , هي اللبننة , هي الأفغنة , هي القوقزة , هي حيثما حلت بركات الفكر القرضاوي و رجاله فتوارى الوطن.كل ما لمسته بركاتهم تشظى و انقسم.هذه هي إجابة السؤال عندما نضحي بالوطن من أجل الأيديولوجيا دينية أو طائفية أو عنصرية.

الأكثر تشويقا فى خطاب الشيخ المعتدل قرضاوى ، إعلانه أنه يسعى لإقامة دولة إسلامية تعمل بالشريعة ، بحسبان "شريعة الإسلام فلسفة حياة و نظام تعامل و دستور يرسم للأفراد حدود المساواة و الحرية".

ان الشيخ يرذل الدولة الوطنية المدنية و يطلب الدولة ذات المرجعية الشرعية الإسلامية من أجل إقامة المساواة و الحرية. و أول سؤال سيتبادر هنا كيف ستكون هناك مساواة بين مسلم و غير مسلم ، ومثل هذه المساواة تخالف الشريعة نصا و روحا ، ليس فقط أحكام الشريعة التى وضعها الفقهاء وضعا ، بل تخالف آيات القرآن الصريحة و الحديث الصحيح. وهو أمر له أسبابه التاريخية ، حيث كان الإسلام يقيم لقبائل العرب الأشتات نظاما سياسيا فى شكل شبيه بالدولة الابتدائية ، و ما كان ممكنا أن تقوم الدولة فى مثل هذه البيئة البدوية المتبدية فى قبائل متقاتلة متصارعة على خير الطبيعة الشحيح و الضنين ، على أساس الوطن.فالقبيلة متحركة لا تعرف وطنا و حدودا قومية ، و لا على أساس العنصر و إلا تقاتلت العناصر حتى الفناء ، لقد قرب الإسلام بينهم فى صيغة تلائم ظروفهم ، فالقبيلة كلها كانت على استعداد لأن تفنى عن بكرة أبيها من أجل فرد فيها ، و الفرد فيها ترس فى آلة متكاملة هو جزء منها خاضع لها ، لا يعرف ولا يرى فى غير قرابته سوى أعداء محتملين دوما ، و ما كان ممكنا أن تخضع قبيلة لسيادة فرد من قبيلة أخرى ، و هو ما فطن اليه ابن خلدون فقال ان العرب لا يجمعهم إلا دين و نبى تخضع له أنوفهم المتكبرة ، تجمعهم فكرة و أهداف مشتركة و مصالح ، يخضعون لسيادة نبى لأنه لا ينسب لقومه بل للسماء التى هى فوق كل القبائل ، لذلك جاءت صيغة الكونفودرالية العربية تركب ايديولوجيا دينية موحدة واحدة ، تجمع كل الأشتات على قرابة واحدة ، فيصبح كل العرب أبناء رجل واحد يصح لأى منهم ان يسود و يملك ، فكلهم أبناء إسماعيل بن ابراهيم ، لذلك يرذل الشيخ قرضاوى الدولة الوطنية بعد أربعة عشر قرنا فى مكان و زمان مختلفين عن ذلك الزمن البدائى الأول بالمرة.

من هنا أصبح المتميزين بدين الإسلام طائفة جديدة خاصة بغض النظر عن قبائلهم و ألوانهم و أصبحوا أمة من دون الناس ، تختلف و تتميز عن غيرها من الأمم ، بل هى خير الأمم ، لأنها المكلفة بحمل الرسالة إلى العالمين.

إذن فأولا و أساسا لا يتم التساوى بين المسلم و غير المسلم فى الشريعة الإسلامية فلا مجال لحديث هنا عن مساواة فى وطن واحد يعيش فيه مسلمون و غير مسلمين تحكمهم الشريعة الإسلامية. فالناس حسب هذه الشريعة أصناف و رتب و منازل و درجات و طبقات تختلف بينها الحقوق و الواجبات ، فهناك الأولون السابقون و هناك المبشرون بالجنة ، و هناك أهل بدر الذين غفر لهم ماتقدم من ذنبهم و ما تأخر ، و هناك العربى العدنانى و العربى القحطانى ، و القرشى و غير القرشى ، و داخل قريش الهاشمى و الأموى و غيرهم ، و هناك الرجل و المرأة ، و هناك السادة و العبيد ، و هناك الموالى الذين أسلموا فى البلاد المفتوحة ، و هناك أهل الذمة ، و هناك العبد المسلم والعبد غير المسلم ، و لكل من هؤلاء درجة و حقوق وواجبات تختلف عن درجة الأخر لذلك تضخمت الشريعة الإسلامية بالأحكام الكثيرة الهائلة عددا ، ترتيبا على حقوق تلك المنازل و المراتب الاجتماعية العديدة المفرطة فى تراتبيتها وأحكامها وفق هذة التراتبية.

فأى مساواة فى شريعة الإسلام يتحدث عنها قرضاوى؟

ان المساواة اليوم تختلف بالمعنى و بالظرف و بالزمن بالكلية عن معناها الأولى فى الشريعة ، التى يجب أن نحترمها و نعترف بها وبأنها كانت تتناسب ظروف زمانها ، لكنها لم تعد تناسب ظروف زماننا ، و ليس فى ذلك انتقاص منها ، فقد أدت دورها فى حينه و أثبتت نجاحها الذى صيغت من أجله و حققت مبتغاها فكانت صحيحة بمقاييس زمنها.

هذا ماكان عن دستور المساواة الذى يطلبه لنا قرضاوى من أعماق زمن سحيق ، بل و يؤكد أن هذا الدستور هو الضامن للحرية الانسانية.

ان الشيخ يحدثنا عن الحرية و لديه ثلاث و عشرين آية تتحدث عن العبودية و الرق و ملك اليمين ، ناهيك عن رتل هائل من أحاديث أحكام الرقيق ، اضافة إلى ما يدرسه عيالنا فى معاهد الأزهر من فقه كامل للرقيق على المذاهب الأربعة السنية ، فعن أى حرية يحدثنا الشيخ؟

لقد سبق لصاحب هذا القلم أن طالب السادة المتفقهين و الأزاهرة أن يعلنوا موقفا واضحا بتم بموجبه الإعلان عن إيقاف العمل بحدود و فقه الرقيق ، بتعطيل أحكام الآيات ، أسوة بصحابة و فقهاء سابقين ، بعد أن عطلها تطور القيم الإنسانية فى العالم ، فلم تعد صالحة لكل زمان و مكان كما يوهمون بسطاء المسلمين ، و ان إعلان هذا التعطيل بأيدى فقهائنا أجدى فى شئون كثيرة من فرضه فرضه علينا بقوة القوانين الدولية و الضمير الإنسانى.

و لم أسمع من يومها غير التكفير و التخوين التبخيس و حرب الإشاعة غير النظيفة ، كما لو كنت أطالبهم بشىء إداً أو مستنكراً أو دعوة لشر ، لقد كانت دعوتى هى الخير نفسه بغض النظر عن اتهامات مشايخنا عندما لا يجدون ردا محترما.

و يبقى السؤال الهام هنا ، هلا يعلم الشيخ كل ما نعلم و زيادة بشأن المساواة من عدمها و الحرية من عدمها فى شريعة الإسلام و تاريخه؟ فإن كان يعلم و لا شك أنه يعلم فكيف نصنف ما قال؟ الإجابة واضحة لا تحتاج تعليقا.

أما قوله و هو يرفض المواطنة : "ان دار الإسلام هى الوطن الإسلامى ، و هى بلا رقعة" ، فهو ما يعنى أن الشيخ لا زال يرى أن دار الإسلام هى العالم كله (بلا رقعة) ، لأن دعوة الشيخ كما هى واضحة: الإسلام دين و دولة ، و الإسلام دين عالمى ، فتكون النتيجة الواضحة: أن العالم هو دولة الإسلام ، و هو مايعنى إعلان الحرب الإسلامية على العالم كله ، فى وقت يمثل فيه المسلمون أدنى أهل الأرض للضعف و الجهل و التخلف؟

أترون الى أين يأخذنا مشايخنا يا مسلمين؟!

2 - فماذا عن الأقباط؟!!

الداعية الكبير الشيخ الدكتور يوسف قرضاوى و يلقب بالفقيه المعتدل ، و هو مرجعية شئنا أم أبينا لمعظم تيارات المد السلفى السياسى ، و يراه بعضهم الرجل الثانى من محركات الصحوة الإسلامية ، و قوتها الدافعة ، بعد المغفور له سيئاته الشيخ متولى شعراوى ، إضافة بالطبع الى جماعات التربح الأخرى من عينة العلم و الإيمان و الدعاة الجدد و دعاة الفيديو كليب و فضائيات الفتاوى التيك آواى و بنوك التقوى و جماعات الأمر بالمعروف و الجهاد و القاعدة . . الخ . كل هؤلاء يعتبرون قرضاوى مرجعية لهم ، و هو مايعنى موافقتهم جميعا على فكرة أن الإسلام دين و دولة ، و أنه لا وطن له حدود لبلاد المسلمين فدولتهم هى العالم كله . لكن مع ذلك يبدأ الشيخ بمصر الوطن ذات الحدود التاريخية و المنظومة المدنية الحديثة ، حيث سيطبق الشريعة إن شاء الله ، رغم وجود مصريين غير مسلمين يعيشون فى هذا البلد.

لكن المرجع الفقهى الكبير يعلم تلك العقبة الكؤد ، فيضع لنا حل المشكلة ، فيقول فى فضائيته فى برنامج الشريعة و الحياة ، حلقة (الدستور و مرجعية الشريعة):

"إذا كان بلد فيها أغلبية مسلمة وأقلية غير مسلمة , الأغلبية المسلمة فرض عليها من ربها و دينها أن تحكم شريعتها , هل مطلوب من الأقلية غير المسلمة أن تمنع الأكثرية المسلمة من الاحتكام إلى أحكام الشريعة؟ هذا معناه أن الأقلية تفرض الديكتاتورية على الأكثرية. وإذا كنا سنحكم منطق الديمقراطية , فالأغلبية هي التي تحكم . . و الذين يثيرون هذه الضجة أقلية هم العلمانيون, و هم قلة قليلة في بلادنا لكن لهم ضجة كبيرة , لأنهم يملكون المنابر الإعلامية و الأبواق الإعلامية".

يصر المحاور على ألا يروغ الشيخ منه , فيعود يسأله: "هل في مرجعية الشريعة فعلا تمييز ضد غير المسلمين؟" يجيب الشيخ رمز الصدق و العدالة و الوسطية بقوله: "لا يوجد قط في مرجعية الشريعة ما يتعارض مع عقائد هؤلاء القوم . . الإنجيل لم يأتي بتشريع إلا في عدم الطلاق , إنما يعتمد على تشريعات التوراة. المسيحيون لا يعتمدون على تشريع ديني , إنما يعتمدون على التشريعات الوضعية التي تأتيهم من أوروبا. الشريعة فريضة علينا نحن , فنحن نأخذ هذا على أنه دين. المسيحيون كالأقباط في مصر يأخذونه (أي الشرع الإسلامي) على أنه قانون , كما قبلوا قانون نابليون أو القانون المستورد من أوروبا , لماذا لايقبلون القانون في الإسلام؟ ثم أن الأحكام الإسلامية الشرعية هي بنت بيئتنا يعني مش جايبينها من برة ,هذه الأحكام صادرة من تراب هذه المنطقة . . . و لأنه لا يمكن أن يأتي في شريعة الإسلام ما يعارض عقائد الأخرين الدينية , . . فبناء عليه لا بد أن تراعي الأقلية غير المسلمة مشاعر الأكثرية المسلمة حتى لا تؤذي المشاعر و تحدث الفتن - حلقة الدستور و مرجعية الشريعة -الجزيرة " .

لو كان هذا الشيخ يؤمن حقا و صدقا أن الله حق و أن الإيمان به حق , و أن من دواعي هذا الإيمان التزام الحق , ما قال ماقال ، و لعل مثل هؤلاء النماذج و المثل ، هم السبب لما نراه في الشارع المسلم من انهيار كارثي في القيم الأخلاقية . و تعالوا معي نرى شيخا بهذا الحجم و هو يقول كلاما يؤاخذ عليه دينيا و أخلاقيا.

كلام قرضاوي يعني أنه علينا جميعا أن نرفض مصر و طنا و أما و عشقا و أملا يجمعنا , لأن فكرة الدولة الوطنية القومية هي من أوثان الاستعمار . لقد غاب عن الشيخ أن مصر كانت دولة وطنية قومية و أمة بالمعنى العلمي التام للتعريف , قبل أن تظهر النزعات القومية الأوروبية, وقبل أن تقوم لروما أو فارس امبراطوريات, و قبل أن تقوم للعرب امبراطورية خلافية , و أنها قد حددت لنفسها حدودها منذ استقر فيها أولادها الأوائل , و هي هي ,مصر التي تحتضن كل الملل و النحل و الأعراق , و كان هذا هو سرها العميق الذي اكتشفته الولايات المتحدة الأمريكية في مقاربة تاريخية مذهلة (مع أخذ الفارق الزمني وأثره بالاعتبار بالطبع ) .

أن مصر ليست بانتظارالشيخ قرضاوي و أخوانه القدامى العتاقى أو الجدد الشبابى ليقيموا لها دولتها , فدولتها قائمة ماكينة شغالة من ما قبل التاريخ لم تتوقف يوما عن الوجود و الأداء , جاء اليونان وهي تعمل و هي هي مصر وجاء الروم وخرجوا وهي تعمل وهي مصر ، وجاء قمبيز والفرس وهي تعمل وهي مصر, و جاءها الغزو العربي و هي تعمل و هي مصر, وما دام الشيخ يتحدث عن النظم الأصيلة بنت تراب المنطقة فلماذا لا يعود زيادة في الأصالة نحو ما هو أكثر أصالة و اقتداراً؟

المشكلة أن صاحب الفضيلة يرذل الوطنية و القومية بحسبانها مبتدعات الغرب الحديث الكافر فيرى الوطنية نعرة كافرة واردة مع الاستعمار الغربى و أنها و الفكرة القومية هى من الأوثان /كتابة الإخوان/ ص 19 ، 80 , ومع ذلك يحدثنا عن الأكثرية و الأقلية , وهي مفاهيم و مصطلحات لا علاقة لها بدين من الأديان , بقدر ما هي مترتبة على الصيغة المجتمعية لعقد الدولة الحديثة القائم على المواطنة المدنية أو العلمانية . فما لقرضاوي و تلك المفاهيم و هو يرفض كل ماتنبته تربة ذلك الغرب الوثني؟ ثم متى كان للأكثرية قيمة في تاريخ قرضاوي العربي؟ لقد كان دوما و أبدا مع الأقلية المطهرة في مقابلة الأكثرية الآثمة: "و ان تطع أكثر من الأرض يضلوك ، لن تغنى عنكم فئتكم شيئا و لو كثرت/19/الأنفال ، و كثير منهم ساء ما يعملون/66/المائدة ، قل لا يستوى الخبيث و الطيب و لو أعجبك كثرة الخبث/100/المائدة". فلماذا لايكون طائعاً لمحارم دينه و يقف في صف الأقلية و لو مرة؟

إن قرضاوي هو و إخوانه و ميليشياته عندما يقوم بعملية تهجين لمفاهيم بدوية عتيقة بنت قرون طويلة مضت و بين مفاهيم مدنية حداثية , ليتخذوا موقفهم الرافض للمواطنة ووجوب سادة الطائفة الاسلامية لشرائعها على بقية ملل و نحل الوطن , اعتمادا على مبدأ الاكثرية و الأقلية يصل إلى مسخ شائه لاعلاقة له بوطن و لا بدين و لا بأصالة و لا بمعاصرة , يصل إلى نتائج مضللة حيث تصبح الأغلبية أغلبية بدينها الذي لم تصنعه و انما ولدت داخله, وهو ما لا علاقة له بالأغلبية بالمعنى السياسي الذي تقوم عليه الدول , لأن الأغلبية و الأقلية في المفاهيم السياسية هي نصاب سياسي , فيجوز للمواطن الأنتقال بينهما و هو المستحيل بين الطوائف , و يمكن تحول الأقلية إلى أكثرية أو العكس , وهو أيضا ما لا يتوافر في الطوائف , كذلك يمكن أن تحكم الأقلية الأكثرية إذا فاز مرشحيها و هو ما ترفضه مدرسة قرضاوي المعتدل جملة و تفصيلا و بداية و نهاية و قولا واحدا. هذا بينما يجعل التعدد في العلمانية ميزة لا نقصا هو ذلك السماح و التسامح الذي تقبله الأقلية و الأكثرية بحرية انتقال المواطنين بينهما في فضاءات حرة من أي خطوط حمراء ودونما تجريم وتكفير و تخوين , فهي اختيارات كلها محترمة في نظر المتصارعين سلميا .

هذا بينما لو طبقنا تلك المفاهيم المحدثة على أى مرجعية دينية لابد أن تكون النتائج ما يحدث في العراق, و يكون الخصام والكراهية و المذابح كما في السودان ، و التمزق و الحرب الضروس فى أيرلندا و دويلات أفريقيا ، و لا يبقى سوى صراع التعدد المدني هو الوحيد ضامن التوحد و القوة , بينما يكون صراع التعدد الطائفي هو مزيد من الدم والتخلف و الاقتتال و الدمار بدلا من التلاحم تحت راية الوطن الواحد .

ترى هل ما يقوله الدكتور القرضاوي هنا , هو لون من الهزل؟ بالطبع هذا لايصح مع حجم الرجل فلا شك أنه يعنى ما يقول. و أنه ليس لديه أي سوء فهم للموقف لكنه يصور نفسه و قد انحاز للمبدأ الديمقراطي , و ما كانوا يفعلون ذلك , لولا أنه مبدأ يستحق الانتساب إليه عزة و كرامة , ثم يكرسون الأكثرية الطائفية أمام أقليات غير مسلمة , في سيناريو لا فيه حق و لا معه عدل و لاهو قول صادق. هو جريمة كاملة في حق العقل المسلم الذي تمت قولبته و زرع بفيروسات الواحدية المصمته, فلم يعد يرى سوى أن الحق واحد وهو ما لدى المشايخ ( لكنه لا يعترف بذلك و أن ذلك منطق امبراطوريات ذلك الزمان لا يعيب الإسلام و لا يشينه).

أما الفاجع فهو ألا يواجه رجل الدين رعيته بصدق و شفافية , ألا ترونه يقول بالقطع: لا يوجد قط في مرجعية الشريعة ما يتعارض مع عقائد هؤلاء غير المسلمين"! إذن لماذا المسلمون مسلمون و لماذا المسيحيون مسيحيون؟ و لماذا السنة سنة و لماذا الشيعة شيعة؟ و لماذا لم يتحول الجميع لللإسلام مادامت الشرائع واحدة ، أو لماذا لم يتحول المسلمون إلى أي دين آخر و خلاص مادام الحكاية فى بيتها وآهو يبقى زيتنا فى دقيقنا!

إن الشيخ يعلم أن مرجعية الشريعة بشأن غير المسلمين هي القسوة المفرطة و الصغار و الإذلال , و مع ذلك يقول ما قال بشديد البساطة ويطالبهم بالخضوع للقانون الشرعي الإسلامي كما سبق و قبلوا بالقوانين الأوروبية؟ الشيخ يدرك الفرق الفادح بين قانون طائفي يميز في كل شأن بين أبناء طائفته و الطوائف الأخرى , وبين قانون مدني نضعه بأيدينا حسب صالحنا العام و نغيره بأيدينا عندما تجد المستجدات ، بعكس القانون السماوي الثابت الواحد الذي لا يتبدل و لا يتغير .

و لا يرى الشيخ أن هناك مشكلة في تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين , المشكلة فقط في العلمانيين الذين يثيرون هذه المشكلة و هم أقلية, لكن لهم ضجة كبيرة بما يملكون من وسائل الإعلام!

تعالوا نصدق هذا الكلام جدلا أو خبلا, فلمذا ينزعج قرضاوي من الأقلية و العلمانية , و قد اعتاد هو و فريقه عبر تاريخهم على عدم وجود شيئ اسمه الأقلية , فالأقلية خاضعة للأغلبية في كل شأن و كل فكرة وكل ضمير حتى جعلوهم كالماعز , ثم ألم يكن المسلمون الأوائل هم الأقلية عندما فتحوا بلاد غيرهم؟ و ظل المسلمون أقلية أرستقراطية حاكمة في تلك البلاد قرونا طويلة . كانوا أقلية و تسيدوا على الأغلبية بالسيف و الحديد و النار.

ان من وضع القانون يجب ان يبدأ به نفسه حتى نحترمه و حتى لا نظنه نصابا مصابا بالحول الفكرى ، و بالعمى فى الضمير ، و بالضلال فى البصيرة .

لقد قال الشيخ وسط سيل مقولاته كلمة حق و هى اننا كعلمانيين رغم عدم امتلاكنا اى وسيلة للوصول إلى الإعلام , إلا عند دعوتنا لمحاصرة بعضنا فى الجزيرة او غيرها ، كان العلمانيون يحرزون فى هذه الفلتات سبق السبق ، نعم برز العلمانيون عندما كنتم تستدرجونهم لتهونوا من شأنهم ، برزوا رغم الحصار الظالم و التهديد بالذبح و التعتيم الاعلامى و التشنيع و التخوين و الطعن فى الاخلاق ، مع كل هذه الحملة أصبح العلمانيون موجودين ملء السمع و البصر بعد أن أثبتوا وجودهم ، ولأن لديهم شيئا يريده الناس ليس موجودا عندكم يا أصحاب الفضيلة ، عندهم منطق متماسك و قيم محترمة و مبادىء راقية نظيفة لا ترتزق على حساب الناس و لا الوطن و لا الدين .

الناس يستمعون الينا لأننا نحترم حقهم فى الحرية و فى تفهم ما شاءوا ، لا نطلب منهم سمعا ولا طاعة بل مشاركة حوارية للجميع فيها حقوق متساوية ، حرية مشاع دون تكفير و تخوين و تجريم ، فالرأى بالرأى ، و الحجة بالحجة ، مع ضمان حرية الاعتقاد و حماية هذا الحق لأصحابه و تحقيق الشعائر و اداء العبادات فى حماية القانون .

هذا ببساطة ما يريد العلمانيون الذين هم سبب مشاكل قرضاوى و فريقه .

3 - دعوة مفتوحة لمناظرة قرضاوى

قال قرضاوى ، و هو يفلسف لقيام دولة الشريعة فى دولة بها ديانات أخرى ، بوجوب قبول الأقليات الدينية فى الدولة الإسلامية لتطبيق شريعة الإسلام ، و برر هذا الوجوب بطرافة غير معهودة فيه ، بأن " الإنجيل لم يأتى بتشريع..إنما يعتمد على تشريعات التوراة ..يعتمدون على التشريعات الوضعية التى تأتيهم من أوروبا ، الشريعة فريضة علينا نحن ، فنحن نأخذ هذا على أنه دين ، و المسيحيون كالأقباط فى مصر يأخذونه على أنه قانون ، كما قبلوا قانون نابليون أو القانون المستورد من أوروبا ، لماذا لا يقبلون القانون من الإسلام؟ ثم أن الأحكام الشرعي هى بنت بيئتنا يعنى مش جايبنها من برة ، هذه الأحكام صادرة من تراب هذه المنطقة/حلقة الدستور و مرجعية الشريعة/الجزيرة".

حيرنا الشيخ معاه ، هو مرة ضد أى فكرة عن مفهوم الوطن و تراب الأرض و المواطنة حتى أنه يصفها بالوثنية و أنها مدسوسة علينا من بلاد الغرب الكافر ، ليعود ليؤكد أن شريعتنا الإسلامية تناسبنا مسلمين و مسيحين لسبب موضوعى هو أن هذه الشريعة بنت أرضنا و نبتت فى بلادنا؟

يعنى فيه وطن يا شيخ؟ لكن يبدو أن وطن قرضاوى هو السعودية و ليس مصر ، لأن الشريعة ليست بنت مصر و لا هى فرز وادى مصر ، و لا هى بنت الرافدين و لا فرز بيئتهم ، و لا هى بنت الشام و لا فرز بيئتها ، انما هى جاءت إلى هذه البلاد وافدة عليها من بلاد الحجاز فيما قبل أربعة عشر قرنا من الزمان ، جزء كبير منها يعالج مشاكل محلية بدوية قبلية تتعلق فقط بمكانها و زمانها ، مشاكل لم نعرفها و لم تعرفها بلاد الشام و لا بلاد العراق و لا بلاد فارس ، و لا علاقة لنا بها ، لاختلاف ظرف البيئات جغرافيا و طبوغرافيا و سكانيا و لغويا و تاريخيا و سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا ، اختلافات كاملة المواصفات. كل شىء كان غير كل شىء ، ثم تعال ياشيخ أفهمنا واشرح لنا : منذ متى تعتبرون المقدس فرز بيئة و ظرف اجتماعى و اقتصادى و جغرافي؟

عندما قال صاحب هذا القلم مثل هذا الكلام منذ حوالى خمسة عشر عاما أو يزيد ، قامت الدنيا و لم تقعد إلا بعد محاكمتى بتهمة ازدراء الأديان ، فمالك اليوم يا شيخ و هذا السبيل الصعب الوعر ، تتيه فيه فتخلط الحابل بالنابل و المقدس بالدينوى ، ناسيا أو متناهيا أن الشريعة سماوية و ليست أرضية ، و ليس فيها أى أكثرية أو أقلية و لا شورى و لا بيعة و لا ديمقراطية ، فقد وضعها الله فى شكل أوامر و نواهى ، و لم يستشر أحدا و هو يضعها و لا حتى أنبياءه ، أما فى العلمانية فإن الناس على اختلاف مللهم يصطلحون على مايناسب مصالحهم من قوانين يخضع لها الجميع راغبا لا راغما.

المهم أن الشيخ لا يرى الأقباط سببا فى عدم تطبيق الشريعة حتى الآن ، انما السبب هو "الذين يثيرون هذه الضجة أقلية هم العلمانيون ، لأنهم يمتلكون المنابر الإعلامية و الأبواق الإعلامية/نفس الحلقة".

كيف يمكنك أن ترد على قرضاوى هنا؟ إن الرجل يقولها و لا يطرف ، بينما هو يعلم و الجميع يعلم حجم المساحة التى يحتلها التيار الاسلامى فى الإعلام أو التعليم ، و يعلم و الجميع يعلم ان العلمانيين مستبعدين من الاعلام و من الوصول الى الناس ، و مع ذلك يقول دون خشية من ملامة ، فقد أصبح شخصا مقدسا يقول ما يعن له و لا يؤاخذه أحد ؟ و لا يقول له أحد عيب يا شيخ ؟ أو يرفع عليه قضية حسبه

إذا كان قرضاوى صادقا ، اذن فليسمح لشخصى الضعيف المتواضع بمنازلته فى لقاء حول دولته الاسلامية المرتقبة ، فى قناته المفضلة التى يمتلك نصفها أو فى أى فضائية تناسبه ، و ليحشد لى و يجهز و يرتب و له الاستعانة بصديق أو بمن يريد ، و سأذهب مفردا لا أملك سوى فكرتى وحدها ، و يقيني الوحيد أن الصدق منجاة و الكذب مهلكة. و لنطرح الأمر أمام الناس و لن نجد قاضيا نطمئن اليه و نحترم كلمة أفضل من هؤلاء الناس ، رغم ان قرضاوي يستنكر ان يكون الناس حكما فى مثل تلك الشئون ، و هو عالم انه يتحدث فيما يمس مصالح و مصير هؤلاء الناس ، لذلك اراهم من جانبى هم أفضل قاض يمكن الاحتكام إليه فى هذا الشأن. و رغم أن هؤلاء الناس قد تم تحشيدهم سلفا ضدى و ضد كل العلمانيين ملحدين و مؤمنين ، إلا انى كلى ثقة فى ثاقب نظرة الناس ، لأنهم يستطيعون تمييز الطيب من الخبيث و الكذب من الصدق و نظافة الضمير من تشوهه ، أسلحتى ستكون الحجة و البرهان و أدلتى الصدق و مبتغاى وجه البلاد و العباد ، فليحاججنى الشيخ اذن عيانا بيانا لننتهى من هذه المنطقة على الأقل , بحل نهائى يرضى كل الأطراف بهزيمة أحد الطرفين فى صراع فكرى محترم . حتى يمكن الانتقال بالمجتمع الى حلول لمشاكل أخرى ، فنكون منتجين منجزين فاعلين. لننتقل من المشاكل الوهمية الى الحقيقية ، بحل لا يصارع طواحين الهواء ، ينتقل من الجدل البيزنطى الى الحسم و البناء على اسس سليمة تم التوافق عليها ، أو بفوزيحسمه أحد الطرفين لصالح قضيته و رؤيته ، و لا بأس هنا من مشاركة تفاعلية من مختلف الأطياف تغنى الحوار و تثرية ، و لتكن بداية لطرح مشاكلنا على طاولة مفتوحة على الناس نحو توافق اجتماعى متين.

نعود نتابع اصرار الشيخ على ما يقدمه من حلول لإصلاح شأننا المتردى ، فيقولها واضحة جلية قاطعة فى جملة مفيدة موجزة "إن هذه المنطقة العربية لا تستكمل سيادتها و استقلالها إلا بالرجوع للشريعة الإسلامية".

الشيخ يعود للمنطقة العربية التى هى من الأوثان كما سبق و وصفها ، ليخصصها فى حديثه بحسبانها ناقصة السيادة و الاستقلال ، رغم أنها فى مجموعها دولا مستقلة عدا فلسطين ، و العراق بشكل مؤقت. فينشغل بهذا الوثن دون بقية بلاد المسلمين ، و لا ينشغل بالناس فى تلك البلاد بقدر ماينشغل بالوثن نفسه ، بالسيادة العربية المستقلة ، بغض النظرعن حال عباد الله تحت سلطان تلك السيادة العربية المستقلة. المهم أنه لا يرى سبيلا لاستقلال الوثن العربى و استكمال سيادته الوثنية (الوطنية) ، إلا بتحكيم الشريعة الاسلامية فى رقاب الخلق(العرب دون بقية المسلمين فى بقاع الأرض) ما علينا ، المهم هو ان سبيل السيادة و القوة هو تحكيم الشريعة فى أى حتة أرض ممكنة كخطوة نحو التمكين.

الشيخ و اخوانه لديهم دائما أداة الاستدراك (لكن) و أخواتها ، فيستدرك استدراكا مفزعا حقا فيقول:" لكن على أن تصاغ الشريعة صياغة جديدة "!!

لماذا يا شيخ؟

و كيف السبيل الى ذلك و هى شريعة من عند الله و ليست من عند العباد أى انها كلمة الله التى لا تقبل تبديلا و لا تعديلا كما تصر انت على إعلانه فى كل مناسبة ؟ و لا مجال فى الشريعة لكل أغانيكم عن الشورى و البيعة الديمقراطيتان ، لأن الشريعة أوامر و نواهى لا شورى فيها لأحد و لا رأى لمخلوق ، لذلك تسمى حدود الله , ويبدو أنها في نظركم قد اصابها العوار و العيوب ، فأصبحت ليست بحاجة للتجديد أو الترقيع أو اعادة التفسير و التأويل ، انما هى و يالهول ماقال ، بحاجة " أن تصاغ صياغة جديدة "!! فأين يرى الشيخ هذه العيوب تحديدا ؟ هل هى فى احكام الرق ؟ أم تراها فى احكام الردة ؟ و ربما تكون في أحكام الحدود بالعقوبات البدنية كالجلد و القطع ؟ أو هى فى الأحكام الاسلامية بقياسها على مانفهمه اليوم من حقوق الانسان ؟ أم هى فى الخداع المسمى بنوك اسلامية ؟ أم هى فى الاقتصاد الإسلامى برمته ؟

الباب مفتوح اذن لكل الاحتمالات ، خاصة مع استطراده و هو يؤكد (إعادة الصياغة للشريعة) ، بقوله : إنها ستكون" صياغة جديدة تصوغها عقول تجعلها فى شكل نظريات ، و تجدد هذه الأحكام , هم فاهمين اننا نروح نجيب الأحكام القديمة كما هى و نطبقها ؟!! هذا لا نقوله ، و لا يقول به عاقل "!!

الشيخ اورد أكثر من قولة حق ، فالشريعة الاسلامية غير مصاغة فى شكل منظومة نظرية قانونية متفق عليها حتى تاريخه ، لذلك هى فى حاجة الى عقول تجعلها فى شكل نظريات. و الحقيقة الأخرى هى ثبات أحكام الشريعة القديمة و تكلس مفاصلها و جمودها دون تجديد طوال العصور الماضية. حتى وصل حال الشريعة الاسلامية الى درجة أن الشيخ وصف من يستدعيها اليوم بأنه مجنون مخبول معتوه ، فهذا " لا يقول به عاقل ".

اذن

تعظيم سلام للجدعان!!

نحن مع هذا الفقيه المعتدل نجدنا بحاجة أولية و أساسية لصياغة الشريعة الاسلامية من جديد ، حتى يمكن تطبيقها عند قيام دولة الاسلام فى الأرض. نحن بحاجة لاعادة صنع(صياغة)الشريعة ، و تلك الصياغة ستقوم به عقول بشرية لا وجود فيها لوحى و لا مكان فيها لجبريل و لا قدسية فيها لقول و لا لرأى.

و اذا كان القول بتطبيق أحكام الشريعة الاسلامية على حالها القديم لا يقول به عاقل ، اذن فإنه فى الدين كما سبق و قلت و أكرر هنا و نعيد و نزيد : أن فى الإسلام ماهو صالح لكل زمان و كل مكان كالتسامح و الغفران و المحبة..الخ ، و منه ما هو صالح لمكانه و زمانه وحده. و هو ذات قول قرضاوى و لكن من سبيل أخر ،

و يبقى أن نتفق حول هذا الصالح لمكانه و زمانه فقط؟ يعنى هل ضمن ذلك المحدود بزمكانه و لا يقول به اليوم عاقل : حدود العقوبات البدنية مثلا؟ هل ضمن ذلك المحدود : الجهاد و الولاء و البراء؟ اذا كان هو من فتح الباب ، فكل سؤال إذن سيكون مطروحا للبحث دون تحريم و تكفير و تجريم , اذن لماذا و الحال كذلك ينزعج قرضاوى و كل المشايخ من العلمانيين؟ الذين يحررون الخلاف بإحالته إلى مرجعية متوافق عليها هى أحكام العقل البشري ، مع ترك القديم لزمانه . فلماذا إذن يزعجهم قولنا فى وجوب استبعاد الشريعة من الدستور ، و استبعاد الدين من المجال الاجتماعى العام ، أليس فى ذلك ترك القديم لزمانه حتى نضع شرائعنا بأيدينا بما يوافق ظروف زماننا و مصالحنا بالعقل؟

و هو ما وافقت عليه الآيات الصالحة لكل زمكان حتى قالت: من شاء أن يكفر فليكفر.

هنا الكلام المفصلى الذى سيفصح عنه الشيخ فى حلقة أخرى كان عنوانها: الصحوة الاسلامية و مآلاتها".

حيث يكشف لنا عن اللغز الذى حارت فيه الأفهام ، فهو كما رأيتم يتفق مع العلمانيين فى الوسائل و الأهداف ، لكنه على مستوى آخر يخالفهم لدرجة تكفيرهم و تخوينهم ، رافضا ما يقولون به من تشريع بشرى لقوانين وضعية تراعى الصالح العام. هذا رغم أن الرجل قال أنه سيعيد صياغة الشريعة بالعقل لأن الشريعة على حالها الحالى لا يقول بها عاقل ، لكن يبدو و أن الشيخ يكسب عقله و صياغته لونا من القدسية ، لا يجعلها وضعية كالقوانين الوضعية البشرية فى مجالس تشريعية. الشيخ يصر على تأميم القانون لصالح الله فيما يزعم ، رغم ان الله بذلك أصبح خارج الموضوع ، فاعادة صياغة بالعقل يعنى وضعى.

ثم ما هى حكاية وضعى هذه التى يلوكونها كلما تحدثوا عن تشريع الشعوب لنفسها ، هى وصم لهذه الشريعات بالبشرية ، دون ان يلتفتوا ان ذلك هو نعم الوضع ، و ان تلك هى نعم التشريعات ، وان الشريعة الإسلامية نفسها و التى امتد وضعها زهاء الأربعة قرون متواصلة , مضاف إليها عشرة قرون أخرى تفسر المتون و تشرح الهوامش ، هى كلها من وضع البشر ، هى من وضع الجعفرى و الحنبلى و الشافعى و المالكى و الحنفى و الظاهرى و الباطنى ، و ما اتفقوا يوما على قول واحد رغم أنها أحكام تتعلق بمعاش الناس بل و بحياة الناس , ما بين رجم و بين قطع من خلاف و بين الذبح صبراً .

إذن يبرز الخلاف فى السؤال : من الذى سيضع أو يصوغ القوانين ان لم يكن الله ؟ إجابتنا نحن العلمانيين بسيطة واضحة مفرطة فى يسرها (من يضعها الناس عبر مجالسهم التشريعية المنتخبة انتخابا سليما سلميا حرا).

لكن قرضاوى لا يرى معنا هذه الاجابة ، لأن لديه اجابة أخرى ، يعود معها فى انتكاسة شديدة ليطلب الشريعة التى كانت من منذ قليل لا يقول بها عاقل ، كمصدر و مرجع دستورى ، بقوله :" فمرجعية الشريعة هى المصادر المعصومة ، مرجعية الوحى الإلهى."

اذن هذا قرضاوى آخر يقول قولا على النقيض التام مما قال قرضاوى الأول ، هذا شيخ و ذاك شيخ آخر!! فأيهما قرضاوى الحقيقى و أيهما نصدق؟

ان سر الانتكاسة و لعبة البيضة و الكتكوت تفصح عن مخفيها عندما تسأل الشيخ عمن سيضع القوانين ، فيقول محاولا الالتفاف على المعنى المقصود ، فى غير مباشرة جهيرة شفافة ، "الشريعة تحتاج الى اجتهاد و استنباط..و أهل العلم عليهم ان يعملوا عقولهم" .يعود بنا الى الشريعة مطروحة بغرفة الانعاش تعانى نقصاحادا فى عوامل الحياة و الوجود ، تحتاج الى محاليل من عمل عقل البشر ، و حتى لا تكون غرفة الانعاش مباحة لكل من هب و دب ، فقد اوقف قرضاوى على بابها زبانية غلاظ شداد ، حتى لا يقوم بهذه المهمة غير رجال الدين وحدهم الذين يسميهم العلماء ، الذين فيما يبدو يملكون وحدهم دون بقية المسلمين ذلك الشىء المسمى عقلا !!و هم وحدهم من يملكون الكلمة السرية لفتح المغارة و الولوج الى عالم الشريعة و مفازاته السحرية دون بقية خلق الله. يقول الشيخ : "وأهل العلم عليهم عليهم أن يعملوا اجتهاد عقولهم ليستخرجوا الحكم الشرعى من النصوص ، لأن النصوص بعضها قاطع فى دلالته ، و بعضها ظنى فى دلالته ، و بعض الأشياء ليس فيها نصوص قط ، فنحن نعمل لنلحق مالا نص فيه على ما فيه نص".

كلهم يقولون نفس (البُق) ، !! الدكتور أحمد الريسونى الخبير بمجمع الفقه الاسلامى العالمى (يا أخى شوف أسماء و ألقاب جامده و كبيرة تخوف بصحيح!!!!!) يأخذ الكرة من قرضاوى فيشرح و يوضح من سيقوم بصياغة الشريعة الحديثة .فيقول: "هم من سموا زمن الصحابة بأهل الشورى .. فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون..و لو ردوه الى الرسول و أولى الأمر فهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم .. هذه أمور تخصصية تحال الى أهلها لذلك حينما نقول أن الأكثرية مرجحة لا يعني هذا أن الأكثرية معصومة ، ان العصمة عند علماء الأمة ؟حلقة رأى الأكثرية فى الشريعة الاسلامية "

اذن تاهت و لقيناها.

و أهل العقل موجودين و الحمد لله لصياغة شريعة إسلامية جديدة و معاصرة ، هم أهل الذكر ، هم أهل الشورى ، هم وحدهم الصواب المطلق ، ولا معنى هنا لاغلبية و شورى و كلام فارغ ، العصمة ليست للأكثرية النيابية ، العصمة لعلماء الأمة؟ هل تسمعون يا مسلمون؟ العصمة لم تعد لله وحده ، العصمة لم تعد لله و نبيه وحدهما ، العصمة لم تعد لله و نبيه و الصحابة وحدهم , و لكنها أصبحت أيضا للتابعين باحسان الى يوم الدين ، و من مثل مشايخنا تابعا باحسان؟ انهم يؤلهون ذواتهم و يقدسون قولهم دون بقية الأمة التى عطبت و هزلت و خرفت حتى لم يبق فيها غير أصحاب الفضيلة كبقية مقدسة من الزمن المقدس. انهم يروننا ميراثا لهم لأفكاك منه ، و أوصياء علينا دون اختيار منا ، و أوصياء على دين الله دون أن يقدموا لنا أى بيان ربانى بذلك.

المشكلة ان هؤلاء المعصومين منهم الشيعى الامامى و منهم الشيعى الأباضى و منهم السنى الحنبلى و منهم السنى الحنفى ، و لم يسبق أن التقى النقيضان مرة ، فكيف سيصوغون لنا شريعتنا و هم على حالهم هذا؟

اللافت للنظر أن الناس غير موجودين فى خطاب مشايخنا بالمرة ، لم يسألوا عن رأى الناس ، بل كانت مشكلتهم هى اذا تضارب رأى المشايخ مع رأى السلطان ، انظر بذات البرنامج و القناة حلقة فقه النصر و التمكين ، و كان بطلها المغوار الدكتور (على الصلابى) اذ يعلن كما لو كان عليا بن أبى طالب يعلن سورة براءة من فوق الكعبة ، بقرار و فرمان يقول : " ترتيب الدور الأول للعلماء الربانيين لأنهم أصحاب الفهم (يعنى غيرهم بقر؟!) ، و لأنهم أصحاب الفكر(يعنى غيرهم مخبلين) ، و لهم القدرة على التأثير فى الأخرين (انظروا مدى استصغارهم للجماهير التى تتبعهم مطيعة كالماعز) .بعدهم يأتى دور صاحب القرار السياسى .. أما اذا حارب صاحب القرار السياسى الدعاة و العلماء فسيكون عائقا " .. و الشيخ الصلابى كان يتحدث على التلفاز و على ملأ و على حكومات و على مباحث ، و على أمن الدولة ، و على معتقلات ، لذلك لم يشرح للمسلمين كيفية إزالته هذا العائق؟!!!!

هذه دولتنا الاسلامية النتظرة ، دولة حداثية سيعمل رجال الدين فيها على صياغة الشريعة بالعقل وحدهم دون غيرهم ، ترى بعدما قرأنا و علمنا هل نثق فى هولاء القوم حتى نضع مصيرنا بين أيديهم؟ و هل هذا ما يصفونه بدولة ديمقراطية مدنية ذات مرجعية اسلامية؟ أم هو الكذب و التدليس و غش المسلمين و دين المسلمين و رب المسلمين ؟

Posted by المجموعة الليبرالية at 22:39:55 | Permanent Link | Comments (0) |