Thursday, March 26, 2009

هلوسات صحوة الموت

هلوسات صحوة الموت

الإصلاح حسب فقه النصر و التمكين

 

بعد أن يشرح لنا الدكتور محمد عمارة منهج الوسطية الذى هو منهج الإسلام الصحيح ، يوضح معنى مصطلح (الاستعلاء) ، بكونه لونا من “الكبرياء المشروع فنعتز بحضارتنا و بديننا و بلغتنا و بأمتنا و بثقافتنا و بكبريائنا /الجزيرة/خطاب الهوية”.

المهم أن هذا الاستعلاء بما لدينا من مبررات الكبرياء على العالمين ، يصيب صاحبه بالأوهام  و لا يعود يفرق بين الممكن و المستحيل ، ففقهاؤنا المحدثون يرون أن المسلمين فى طريقهم نحو التمكين ، و أن لهذا التمكين علامات ، فيضيف الدكتور على الصلابى : “إن القول بأن الأمة دمرت أو أنها مهزومة ..فهو قول غير صحيح ، لأن الأمة تحقق انتصارات .. و هذا من فضل الله سبحانه و تعالى ، ..إن المستقبل لهذا الدين ، و يأبى الله إلا أن يتم نوره/الجزيرة/فقه النصر و التمكين” .

و من ثم يقدم أدلته على الانتصارات التى تحققت للأمة الإسلامية و لدين الإسلام ، فيشير الى: “الانهيار الضخم للاتحاد السوفييتى ، و انهيار أمريكا! .. ربما يقصد ورطتها فى العراق أو ربما يقصد دمار سبتمبر 2001 ، و أوروبا فى دور التراجع فى المجال الفكرى و العقائدى و الأخلاقى و الحضارى.. روسيا تريد أن تفتح مصارف إسلامية و كذلك اليابان ..أصبحت حقيقة أن الفكر الإسلامى الاقتصادى يحل أزمات حقيقية.. و أيضا فى المشاركة فى الحكم مع الأنظمة القائمة.. أصبحت مرجعية الدساتير لكتاب الله و لسنة رسوله.. الشعب التركى أعطاهم الأصوات ، نجاح المسلمين فى مقاومة المشاريع الغازية للأمة دليل على أنها نوع من التمكين ، الإنتصارات الدعوية الضخمة.. فى مجال الفكر و الأخلاق..انتصارهم فى المعارك..بأفغانستان..و تفتت قبلها الاستعمار الحديث ، .. إن هذه انتصارات ضخمة و هائلة /ذات الحلقة”. هذا بالطبع إضافة للانتصارات العسكرية المؤزرة على الأمريكيين فى العراق وافغانستان وعلى الجيش الإسرائيلى فى لبنان وغزة !!!

و فى حلقة الصحوة الإسلامية و مآلاتها بذات القناة ، يؤكد الدكتور قرضاوى أن الصحوة الإسلامية هى دليل الإنتصار ، لأنها كما يقول : صحوة “اجتماعية سياسية فكرية ، الكتاب الإسلامى أصبح الكتاب الأول..هناك مئات أطروحات الماجستير و الدكتوراة ..الشابات يقبلن على الحجاب”.

إن خطاب فقهائنا المحدثون يصيب المتابع بالارتباك ، فنحن نستعلى إذن على الدنيا بدين جاء من عند الله و ليس بشىء أنجزناه نحن بأيدينا ، لذلك اخترنا أنفسنا أوصياء على البشرية القاصرة ، لتبليغها هذا الدين و التمكين للمسلمين فى الأرض!! لماذا و بأى مناسبة و بأى دليل موضوعى؟ هم لا يقولون و لا يجيبون ، فعندهم ليس هناك إمكانية مقارنة بين إمكانيات الشعوب ومنجزاتها وبين دين اللة ، فالدين الإسلامى ميزة لأصحابه تغنيهم عن أى إمكانيات أخرى ، لذلك هم الأعلون

فإذا كان ذلك صحيحا و أن الأمة تملك ميزة لا تملكها الأمم الأخرى ، فلماذا تخرج المظاهرات فى بلادنا تطالب بحقوق الإنسان و الديمقراطية ، ولا تخرج المظاهرات فى أوروبا و أمريكا و اليابان تطالب بالبيعة أو الشورى و الحجاب و الجهاد؟

مشكلة أخرى تواجهك مع مثل هذا الخطاب ، عند التساؤل عمن الذى سيتمكن؟ مرة يحدثك عن الأمة و مرة يحدثك عن الدين ، فاذا كانت الأمة هى من سيتمكن فهى تتكون من مجموع أفراد ، فأين هؤلاء الأفراد أو حقوقهم فى خطاب التمكين؟ لا تجدهم هما شاغلا بالمرة ، لأن الورقة المخفية فى اللعبة هى من هؤلاء المرشحين للتمكين؟ يجيب : هم من يشاركون الآن فى أنظمة الحكم بانتصارات جبارة ، و هم من أعطاهم الشعب التركى أصواته ، فالذين سيتمكنون هم مثل الإخوان المسلمين الذين تمكنوا من المشاركة فى حكومات عربية ، و حزب العدالة و التنمية الإسلامى التركى ، و أيضا من الذين يتمكنون ، هؤلاء الذين يقاومون كما يحدث فى أفغانستان ناهيك عن حماس وحزب اللة ؟!

من يوم ما أمسكت القلم باكتب و أكرر و أقول و أزيد ( كلهم واحد ) ، و لا أذن تسمع و لا بصيرة ترى ، هذا رجل فى فلتة لسانية يرى الإخوان و حزب الفضيلة و بن لادن والزرقاويين هم من يسعون للتمكين ، و هم أهل التمكين ، دون بقية المسلمبن ، ودون أن يفرق بينهم أو يمايز أو يفاضل ، و ان المستقبل لهم ، بعد أن يمزج بينهم كبنى آدمين بصوابهم و نقائصهم وبين الدين الكامل النظيف ، فالعلماء هم الإسلام ، لينتهى الى أن ذلكم هم من سيمكنون للدين عندما ينتصرون. وهكذا فالطريق الى الله سيمر عبر حروب دموية جديدة.

و كم كنا نتمنى للفكر الفقهى المعاصر أن يكون قد تجاوز هذه العثرة ، عثرة أن يكون الطريق الى الله مفروشا بدم خلق الله ، كما الزرقاوى و كما بن لادن وكما السيد نصراللة وكما ابن هنية و كما بن السباعى سفيه لندن ، و كما بن القرضاوى و كما بن عاكف ، و كما بن هويدى ، كلهم فى الدموية ملة واحدة. أضف لذلك أنهم يتجملون بوصول حزب إسلامى إلى السلطة فى تركيا مجرد تجمل ، لأنهم يرفضون المنهج العلمانى الليبرالى الديمراطى برمته ، و يعلنون تبنى الديمقراطية كمجرد واجهة و تطبيقا لمنهج التقية.

أنظر مفاجأة المذيع للدكتور الصلابى و هو يسأله : “إذن أنتم تعتبرون حزب العدالة و التنمية هو نموذج إسلامى صالح ليسير بالأمة نحو النصر و التمكين؟”.

السؤال جاء بغته فانظر إجابة الصلابى الذى ارتبكت صلابته فقام يغمغم بالنص : ” لأ ، هوه …. نحن نعتبر ، … هوه … طبعا نعتبر …. أن ، …. هم لهم علاقات بأمريكا و اعترفوا بإسرائيل ، هذا نوع من السياسة الشرعية عليها جدل بين المسلمين و نحن يهمنا المضمون لا الشعارات”.

التمكين إذن لن يكون لا للإسلام ولا للأمة الإسلامية ، إنما للفريق الإسلامى الذى سيركب الأمة ليوجهها نحو حرب عالمية مقبلة يجهز لها أصحاب التمكين ، ستكون بين المسلمين فى جانب و العالم كله فى جانب آخر ، اسمع السيد الدكتور يشرح معنى التمكين فيقول :”التمكين الذى ندعو اليه هو التمكين الربانى ..و مانراه من تمكين مادى فى الحضارة الغربية أو الأمريكية أو فى اليابان فهو دنيوى يعزل الناس..التمكين يبدأ بالاستدراج ، استدراج الأمم و الشعوب … التمكين هو الوصول إلى السلطة و إلى القوة و الهيمنة لتحكيم شرع الله..و الهدف الأكبر ..هو هيمنة هذه الأمة و إرجاع دورها الحضارى فى هداية الناس ..الهدف الوصول للدولة لاستخدام هذه الدولة فى تطبيق شرع الله” .

مرة أخرى لا تجد فى واجهة الصورة أى وجود للمواطن ، لا تجد فاعلا سوى رجل الدين ، فالتمكين مسألة تحتاج كما يقول: إلى “العلماء لإتمام صياغة هذا المشروع الإسلامى الحضارى للتصدى للغزو الغربى و أفكاره الدخيلة “. و هو ما يدعمه فيه بشدة المرجع الفقهى د.يوسف قرضاوى ، و إن رأى أن “العلماء التقاة هم من يعرض المشروع على الأمة/حلقة الدستور و مرجعية الشريع/الجزيرة” ، و بعدها كما يقول الصلابى “يأتى دور صاحب القرار السياسى مع العلماء الربانيين فى بلورة هذا المشروع”.. و لا تفهم هنا كيف تكون الأمة منتصرة كل هذه الإنتصارات التى يزهو بها ، بينما هى قد بلغت درجة من الضعف تعرضت فيه ثقافتها للهزال و التآكل ، حتى أمكن أن تتعرض للغزو الغربى الحضارى و أفكاره الدخيلة ، حتى أن التمكين يجب أن يبدأ أولا بصياغة مشروع ليتصدى للغزو الفكرى.

نتابع فضيلته يشرح معنى التمكين ، فيكرر:” هو نوع من أنواع الاستدراج: (فلما نسوا ماذكروا به ، فتحنا عليهم أبواب كل شىء) ، و أمريكا الآن متورطة فى العراق ، و نحن نحى المقاومة العراقية السنية الباسلة على إفساد مخططاتهم “.

مع مشايخ زماننا تجد نفسك دوما فى مشكلة مع المفاهيم ، فلا تفهم لماذا لا يؤهلون شعوبنا للصراع الحضارى؟ فنكون شعوبا فاعلة منتجة تدخل المنافسة مع الشعوب الأخرى ، فنضيف للحضارة ، و تصبح بلادنا موجودة على الخريطة فعلا !! لا تفهم لماذا كى يتقدم المسلمون لابد  أن يتم خراب بيوت غيرهم و انهيار حضارتهم أولا.. و بعدها يبدأ غزونا لهم لنتمكن فى الأرض ، فهذا هو درس التاريخ ، انظره يقول : “بالدماء و بالعقيدة الصحيحة و بحب الشهادة فى سبيل الله ، استطاع المسلمون أن يحققوا انتصارات هائلة”.

و التمكين المنتظر ليس فوضى ، إنما هو يسير على قانون تطورى مرسوم سلفا ، و يشرح الأستاذ الدكتور هذه المراحل فيقول :”فى القرآن الكريم التمكين على مستوى الأفراد مثل ماحدث ليوسف ، ثم تمكين على مستوى الجماعات ..كما حدث لرسول الله ، المرحلة الثالثة مرحلة الانتقال فى التيه (تيه بنى إسرائيل و موسى فى سيناء) ، و المرحلة الرابعة طالوت مع جالوت ، و المرحلة الخامسة مرحلة داود و بعدها مرحلة سليمان.. هذه هى دورتنا الحضارية ، و لكل مرحلة سمات محددة”.

إذن فحضارتنا لها دورة … مش أى كلام يعنى! مثل دورة حياة دودة الذباب ، وتبدأ دورة التمكين بالتسلل إلى الحكومة كما حدث ليوسف فى استدراج فرعون ليعرف بقدراته فتمكن ، (وهوما يشبه ماحدث من الإخوان فى اختراق اجهزة الدولة الحساسة فى أيامنا) ، و قد يكون التمكين كاملا على الجماعة الكبرى ، من قبل مجموعة منها ، و قد عرفنا هذه الجماعة المرشحة للإستيلاء على الحكم ، فهم مثل الإخوان ومثل القاعدة ومثل طالبان ومثل حزب اللة ومثل حماس ، و ذلك كما حدث زمن رسول الله (ص). ثم تاتى المرحلة الثالثة و هى مرحلة التيه وهى التى نعيشها اليوم ، و التيه يعنى البحث عن خلاص و العثور على الطريق نحو الهدف ، مثل خروج بنى إسرائيل بقيادة موسى من مصر نحو فلسطين ، و التيه حدث فى سيناء حتى تم حشد القوة و القدرة الممكنة لغزو فلسطين و احتلالاها. إذن نحن فى مرحلة حشد القوة للغزو الخارجى ، هنا تأتى مرحلة طالوت و جالوت ، و طالوت بالتوراة هو شاؤول أول ملك لإسرائيل ، و جالوت هو جوليات بالتوراة الذى كان قائدا فلسطينيا يدافع عن فلسطين ضد الغزو اليهودى ، و قد انتصر طالوت الإسرائيلى على جالوت الفلسطينى بعد قتال مرير ، و المعنى أنه ستكون هناك حربا ضرورية حسب هذه المراحل التطورية لينتصر فيها المسلمون مع طالوت على اليهود الذين أصبحوا حسب هذا الفهم مع جالوت ، (بالطبع بعد إجراء عملية أسلمة لطالوت كما تمت أسلمة جميع الأنبياء قبله وبعدة).

و إذا ما تساءلنا عن موقع معاهدات السلام بين العرب و اسرائيل من دورتنا الحضارية و مراحلها نحو التمكين ، فإن الشيخ عبدالرحمن بن عبد الخالق يجيبنا فى كتابه : (حكم معاهدات الصلح و السلام مع اليهود و موقف المسلم منها ) بقوله : “اليهود أعداء دائمون لهذه الأمة منذ بدأ رسول الله رسالته و إلى ان يخرج الدجال ، إلى ان يستصرخ الحجر و الشجر المسلم قائلا : يا مسلم هذا يهودى ورائى فاقتله/ متفق عليه ، و عداء اليهود لأهل الإسلام و رسوله إنما كان حسدا و بغيا أن تنتقل رسالة النبوة من فرع إسحق إلى فرع إسماعيل ، و أن يكون العرب الأميون هم سادة الدنيا بكتاب الله ، ومن ظن أن الحرب و العداوة توضع بين المسلمين و اليهود فهو يكذب بوعد الله و دينه ، و من عمل لإزالة هذه العداوة و البغضاء بين المسلمين و اليهود فهو كافر”.

و بعد الانتصار الساحق ، و من فلسطين المحررة و الموحدة على يد داود (رمزا للمؤمنين)  و ربما يكون ابن هنية ، ستبدأ المرحلة الأخيرة من التمكين و هى مرحلة سليمان ، فبعد شاؤول أو طالوت كملك أول لإسرائيل ، جاءت مرحلة الملك داود الذى وحد الدولة وأقام لها المركزية ، كذلك يعتبر داود المؤسس المعتبر للمملكة الإسرائيلية ، و بعده جاء ولده سليمان ، و هو فى العقيدة الإسلامية حسب نص الحديث واحد من بين أربعة ملوك تسنى لكل منهم حكم العالم أجمع كله شرقا و غربا و شمالا و جنوبا ، ” روى مجاهد عن ابن عباس قال : ملك الأرض كلها أربعة :مؤمنان و كافران ، فأما المؤمنان : فسليمان و ذو القرنين ، و أما الكافران: فالنمرود بن كنعان و بخت نصر”.

المعنى واضح إذن ، فالتمكين يبدأ من بلد مسلم تقوده تلك الفئة الخاصة المتخصصة فى التمكين ، لتبدأ بتحرير فلسطين ، و قيام حكومة اسلامية عالمية تحتل الأرض كلها من بعد ذلك. و تحقق التمكين بسيادة العرب الأميين على العالمين!!.

هذا كلام يقال فى العلن من على الفضائيات و ليس فى اجتماعات سرية لخلايا إرهابية ، فهل ترى ثمة أمل بعد فى تفهم فقهاء عصرنا لظروف عصرنا ؟ و هل تراهم يعيشون واقع أيامنا بالفعل؟ و هل تلك الأدوات التى عرضوها علينا لتمكنيهم من رقابنا ثم من رقاب العالمين ، هى أدوات حقيقية و فاعلة ؟ أم هو خطاب توهمى مريض بشدة ؟ غارق فى تخلفه قرونا إلى الوراء ، و لا يملك بيديه أى إصلاح ممكن لأى شىء .

 

 

يتلقى الكاتب المكالمات التليفونبة من الخامسة مساء إلى السابعة مساء بتوقيت القاهرة على تليفون رقم 0020189914505 عدا يومى الخميس والجمعة

elqemany@yahoo.com

الحوار المتمدن - العدد: 2597 - 2009 / 3 / 26

Posted by المجموعة الليبرالية in 12:03:24 | Permalink | No Comments »

Sunday, March 1, 2009

التغيير اللايف أم الخراب العاجل؟

التغيير اللايف أم الخراب العاجل؟

مصيبة أوطاننا أن المطروح أمام المواطن على كل المستويات هو نموذج واحد أحد ، هو نموذج التخلف ، وليس هناك من بدائل أخرى لأنها جميعاً كافرة. رجل الدين في بلادنا يدعم التخلف ولا ولن يسمح بأى حرية ، وسيستميت في المقاومة لوأد الحرية ، لأنها لو حدثت فستسمح للنماذج الأخري بعرض نفسها في سوق المفاضلة. الحرية ستطرح على الناس ما لم يكونوا يعرفون ، لذلك هم مهما علا صوتهم بالحديث عن الحريات ، فإنهم لا يقرون أول وأبسط أسس الإصلاح؛ وهو حرية أن تقول ؛ أن تتكلم ! أليست الكتب الممنوعة هى مجرد كلمات؟ هى قول ليس أكثر؟

وعندما يقرون بضرورة الإصلاح ، فهو ما يعني الإعتراف بخطأ موجود في مجتمعنا الإسلامي ، وبما أنهم وحدهم كانوا المسئولين في حلفهم السلطاني عن هذا المجتمع وعن الإسلام عبر القرون الماضية ، فإنهم بالتبعية يكونوا هم المسئولين عما آل إليه من تخلف ، ثم في نفس الوقت هم ضد طرح أى نموذج آخر في السوق ، لأن أى آخر هو كافر زنديق عميل لأمريكا والصهيونية العالمية ، إنهم بعد هذه القرون من امتصاص دم شعوبنا والتسلط عليها لا يريدون ترك الفريسة ، بحجة حماية الدين ، حتي يجهزوا عليها تماماً بامتصاص آخر رحيق للحياة فيها.

ضمن الخطاب الديني السياسي المخاتل ، تكريسه المستمر وتسويقه لفكرة أن الإستبداد السياسي القائم الآن في البلاد الإسلامية ، ومن قبله الإستعمار الغربي ، ثم الآن أمريكا وإسرائيل ، هم السبب الأساسي في تخلف المسلمين ، لكن الخطاب الدينى بذلك لايقول كل الحقيقة ، لأن الحقيقة الكاملة هي في الاستبداد الديني ، فالاستبداد ليس شيئاً حديث العهد اخترعته الحكومات الحالية بدعم من دول الكفر لإضعافنا ؛لأن الدول الإسلامية السابقة لم تكن يوماً راعية لقيم الحرية والعدالة والمساواة ولا حتى في زمن الراشدين ؛ نتيجة لخضوع الناس للاستبداد الديني.

في عمل بعنوان (استراتيجيات التغير: أنواع القوة وبدائل العنف) للدكتور فتحي أبو حطب ، وهنو كما عرف نفسة باحث بشبكة إسلام أون لاين . http://islamonline.net/arabic/mafaheemz/2005/10/article02.shtml

يقدم الدكتور بحسبانه باحثاً رصيناً بديلاً لمحاولة تغيير الحكم في بلادنا بالعنف ، وبطريقة يبدو فيها مفتوناً بالثورة البرتقالية في أوكرانيا ، مما ينتهي بإفراغ السلطة بيد الإسلاميين بأقل خسائر ممكنة.

وفي نهاية موضوعه يرصد 139 بنداً تمثل طرق وأساليب الضغط علي الحكومة كألوان إحتجاج لا عنفى…..أبرزها: الاعتصامات رقم 19 وإرتداء الرموز الخاصة 22 والصلاة والعبادة 23 وإتلاف الناس للمتلكات الخاصة بالنظام 25 وإستخدام أسماء وإشارات جديدة 29 والاعتكاف في دور العبادة وفي الأماكن العامة 34 وتنظيم مواكب في المناسبات الدينية 40 ، والمقاطعة الإجتماعية العامة لكل الأنشطة المرتبطة بالنظام 55 ، حرمان النظام من التعاون الإجتماعي معه عندما يكون في حاجة إلي ذلك 58 ، مقاطعة النشاطات الإجتماعية التي يقيمها النظام 61 ، إضراب الطلاب 62 ، والعصيان الأجتماعي 63 ، الهجرات الاجتماعية إلي أماكن ذات دلالة ولفترات معينة 68 ، مقاطعة المستهلكين منتجات النظام وحجب منتجاتهم عنهم 73 ، مقاطعة المزودين والوكلاء لإمداد النظام باحتياجاتهم 74 ، مقاطعة التجار للأنشطة الإقتصادية المرتبطة بالنظام 75 ، الإمتناع عن تأجير أو بيع الممتلكات للنظام الحاكم وأعوانه 76 ، سحب الودائع البنكية من البنوك لإعتماد النظام عليها ، إضراب الفلاحين 79 ، إضراب الصدمة حيث يكون مفاجئاً وبلا مقدمات 86 ، الإضراب بالاستقالة من الهيئات والمؤسسات الحكومية أو المتعاونة مع النظام 89 ، إضراب عن طريق رفض التأييد للأنظمة 88 ، سحب الولاء 92 ، رفض التأييد العام 93 ، مقاطعة الهيئات التشريعية 95 ، مقاطعة الانتخابات 96 ، مقاطعة الوظائف الحكومية 98 ، رفض مساعدة الأجهزة التنفيذية 101 ، قطع خطوط اتصال الأوامر والمعلومات ، المماطلة والإعاقة والإرباك لمؤسسات الحكومة 110 ، إذا نجحت قوى المعارضة في لفت الانتباه الدولي لها يمكنها تأخير وإلغاء الأحداث الدبلوماسية مع النظام الحاكم إلى سحب الإعتراف الدبلوماسي به 115 ، ورفض عضوية النظام في الهيئات الدولية 119 ، ثم التدخل الجسدي بالاقتحام 125 ، وإقامة الحواجز اللاعنيفة 127 ، والاحتلال اللاعنيف للمؤسسات والمباني المرتبطة بالنظام 128 ، وإقامة مؤسسات إقتصادية بديلة 132.

بينما يبدأ أبو حطب موضوعه بتعريف النضال الشعبي وأسبابه بقوله: “تناضل الشعوب من أجل حق ضائع أو من أجل الحفاظ علي حق موجود يجب عدم التفريط فيه”.

وعندما تربط هذا التعريف بعنوان موضوعه (إستراتيجية التغيير وأنواع القوة.. بدائل العنف) لن نجد الرابط المنطقي المفترض بين ما ينادي به من نضال من أجل حق ضائع ومن بين بدائل العنف لاسترداد ما ضاع. الرجل هنا لا ينادي بثأر أو إنتقام أوإيذاء أو فوز أو بمغانم أو سلب الاخر ما لديه ، لأن النضال بهذا الشكل سيكون جهاداً أى عدواناً وغزوا عنيفاًً غير مشروع ، كأى فعل سطو مسلح كانت تمارسه قبائل العرب ضد أى اخر.. لذلك يبدو أنه قد إقتحم العقبة ، وتمكن من شجاعة ساعدته علي إستبداله بمصطلح النضال. “من أجل حق ضائع” ، وهذا الحق الضائع هو ما يريب في منطق أبي حطب ، فما الذي ضاع منا وهو حق لنا ونريد استرداده؟ إن الحق المطلوب النضال من أجله يجب أن يكون في الأصل موجوداً أو مملوكاً للناس ، ثم ضاع أو تمت مصادرته ، أو سبق سلبه حتى يمكناالقول أنه حق ضائع ، أما الذي لا وجود له من الأصل ، فلا يتصور بأنه سيضيع ثم نطالب باسترداده ، فاللا موجود لا يضيع ولا يسترد.

فإن كان هناك شعب لم يعرف الديموقراطية على طول تاريخه ولم تعرف ثقافته معنى الحرية ولا المساواة بمعناها الحديث ولم يسبق أن تذوق طعمها ، مثل هذا الشعب لا تنطبق عليه مقولة “تناضل الشعوب من أجل حق ضائع”.

نحن شعوب لا تعرف الديموقراطية لإنها لم تكن لفظاً معلوماً مبنى ولا معنى في مخزوننا الثقافي ، فكيف نسعي لاسترداد ما لم نكن نعرف أصلاً؟ فتاريخنا منذ فجر الخلافة وحتى سقوطها ، واستمرار الخلافة مستبطناً داخل كل الحكومات الإسلامية الحالية ، هذا التاريخ لا يعرف معنى للمساواة فالناس منازل ومراتب ، وليس في معجمه شيئاً اسمه الديموقراطية. موضوعاتنا نعرفها جميعاً ، موضوعاتنا شعر الفخر بالقبيلة ولو كانت من أضغاث الناس ، وشعر الهجاء ولو لكسرى أو لقيصر ، شعر يتحدى شعراً فقط ، لدينا الجن والملائكة والفقه ، لدينا كل كلام ممكن أن يقال ، ولكنه كان يصلح لزمنه ، أما اليوم فإنه يظل مجرد كلام غير قابل للتطبيق ، لأن المجتمع الذي كان يطبقه قد زال من التاريخ منذ أكثر من عشرة قرون.

ومن ثم يصبح خطاب أبي حطب خطاباً مخاتلاً يستخدم عبارات وهمية تتحدث عن أمور وهمية ومطالب غير موجودة.

إن أبا حطب وضع 139 بنداً لأساليب التغيراللاعنيف من أجل التغير السياسي ، هي الخراب عينه، بيد شعب تقنن ثقافته المقدسة التي يرعاها أبو حطب للعبودية ، وتشرع له السلب والنهب تقنن درجات البُشر “الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى”/ 178 البقرة ، مع تبرير التفاوت في تطبيق الأحكام حسب الرتبة الإجتماعية وحسب الجنس ما بين ذكر وأنثى ، بمثل يضربه الله “ضزب الله مثلا عبداً مملوكاً لا يقدر علي شئ ، ومن رزقناه رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً ، هل يستوون ، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون”/ 75/النحل “صانعاً تفرقة أخرى بين الغني والفقير ، بين الغني الذى تسمح له أمواله للإنفاق في سبيل الله فتزداد درجاته وحسناته وبين العبد الذى لا يملك ما ينفق في سبيل الله فيظل عبداً.

إن أبا حطب يقنن ثقافة يرعاها ويريد أن يفرض الجزية علي شركائه في الوطن ، ويقر التسري بالجواري وامتلاك النساء ، ويرتب المجتمع بالوراثة وبين أشراف وموالي وعبيد وعرب وفلاحين ، وأن يطبقه شرعاً يميز طبقياً ، هو تقنين لا يدرك المساواة التى هى أساس معنى الحرية التى هي أساس الديموقراطية وعدو الاستبداد الحقيقي بلا منازع.

إن شعباً يعتقد هكذا لا يجد أن شيئاً هناك ينقصه ، لا ينقصه سوى سكوت الضمير العالمي عنه حتى يمكنه أن يقيم حدود الله في الأرض ويشرع القطع والجز والعبودية وقهر الجواري وأهل الذمة. إنه يجد نفسه في النظم الاستبدادية لأنه لم يعرف ماذا تعني الحرية ، ولم يسبق أن وصفها له أحد ولا حتى أبا حطب وجماعته ، إنهم يذكرونه دائماً بأنه عبد عليه الخضوع والطاعة والمبايعة ، عليه أن يسأل شيوخه في كل صغيرة وصغيرة ، وألا يفعل شيئاً إلا بفتوى ، فأين هو الحق الضائع هنا.. أن من لا يملك لا يبحث عما لم يفقده.

تصورنا نحن عن النضال هو أن الشعوب تناضل كي تتعلم حقوقها الإنسانية كبقية خلق الله؛ وأن تكتشف آداميتها ، وتعرف ما فازت به البشرية من كرامة للإنسان في بلاد الكرامة والعزة. فازت معظم البشرية عدانا نحن ، وأن نفهم كيف اكتشف الإنسان حقوقه عبر فلاسفته ومعلميه. هؤلاء اكتشفوا أسس الديموقراطية أساساً وراء آخر فعلموها أوروبا في عصر التنوير ، ثم تعلمتها البشرية وعرفت كيف تؤسس مجتمعاً مدنياً يرتقى بالإنسان إلي كائن حر لا عبد. البداية بأن يرى الناس الحرية كما مارسها العالم والمساواة الحقيقة لا الزائفة ، عندما ترى الناس الحرية وتعلم معناها يمكننا ساعتها أن نقول أن لدينا حقاً ضائعاً ، جريمة أبي حطب هنا وهى جريمة حقاً ، أنه لا يريد لنا أن نرى حريات ومدنية غيرنا ، فيأخذنا إلي عالمه السحري إلي حقوق وهمية ضاعت منا مع ضياع زمن الخلافة ، لا أعاده الله ولا رده.

واللطيف أن الدكتور يقول: “ولا شك أن تفسير وفهم الحقوق مسألة مرتبطة بدرجة الوعي لدى الشعب ، والتي تتفاوت من مجتمع لآخر ، وفق منظومته القيمية الخاصة”. ها هو الدكتور يسمنا بمسيم قيمنا الخاصة التي يجب أن تكون هى ماكينة الفرز وميزان القياس والمعيار ، هى حاسة تذوقنا المقدسة لتلك الحقوق التى يطلبها للناس. يربط الحقوق والوعى بقيم الشعب ، وطالما أن القيم خاصة فسيكون الوعي خاصاً والحقوق خاصة ، لذلك فالوعي لن يتسع لحقوق جديدة لم تكن معروفة في منظومة القيمة الخاصة. ووفق قيمنا الخاصة علينا بداية قبل أن نبدأ النضال ، بتضييق الممكن قي حقوق الإنسان والمرأة والعمال وحريات العبادة والتفكير والتعبير, لأن ذلك كله جاء في العصر الحديث والمعاصر ولم يكن معروفاً في منظومتنا القيمية الخاصة. ونصل إلى نتيجة هى أننا إذا إلتزمنا بقيمنا الخاصة فلن يكون لنا حق ضائع نناضل من أجله لأن قيمنا ليس فيها من تلك القيم الحديثة شئ.

المهم ما هو المأمول إذاً؟ وما هو الغرض النهائي لذلك النضال اللاعنفي؟

يقول الدكتور: “هو ممارسة أشكال ضغط متنوعة تؤدي إلى ردع الخصم أو تعديل مساره أو تحجيم قوته أو هزيمته”. الهدف النهائي لهذا النضال هو ردع الخصم الذي هو الحكومة ، وكأن هدف هزيمة الحكومة وإسقاطها سيؤدي إلي تحقيق فوري لآمال البلاد والعباد ، فإن ذهبت الحكومة ظهرت شمس الحريات والديموقراطية من خدرها يزفها العدل والقانون زوجاً للمساواة والتسامح والسلام.

هنا تعود الذاكرة إلي صاحب الزنج عبد الله بن علي بن محمد الذى قاد ثورة عظيمة ضد الخلافة العباسية بمئات ألوف العبيد ، واستولى علي مساحات شاسعة من أرض الخلافة وعامل العرب المهزومين بالشريعة الإسلامية ، فاستعبد نساءهم وباع أطفالهم في الأسواق ، فهو كمسلم لم يتصور أن هناك نظاماً أفضل من نظامه الديني ، وكانت المفارقة أن كل ما تبدل هو الأشخاص ، السيد أصبح عبداً والعبد أصبح سيداً ، لأن عبد الله بن محمد لم يتجرأ على اكتشاف أن العيب في الثقافة نفسها ، في النظام ، في المجتمع كله.

لقد ثار عبد الله الزنجي بغرض إصلاح أوضاع رأها فاسدة هو وجيوشه ، لكنه لم يكتشف أن إلغاء الأوضاع الفاسدة بما فيها العبودية يكون بإلغاء القانون المشرع لها ، ولهذا ثارت النخوة العربية في كل الإمبراطورية وأرسلت كل الدعم للإمبراطورية العربية لهزيمة صاحب الزنج الذي تجرأ و طبق قوانين العرب على العرب ، وركب نساءهم و أسر رجالهم و استعبدهم. إن مجتمعاتنا تحتاج أن تعلم أن هناك سلوكيات وممارسات غير ما يقول لهم أهل الدين تؤدي إلي إصلاح حال البلاد والعباد. وأن للناس الدور الأول في تعيين حاكمهم ، لا أن يذهبوا بعد تعيينه ليباركوا له فيما يعرف بنظام البيعة ، فطالما نتحدث عن الشورى والببيعة ، فلا حق ضاع منا حتى تاريخه حتى نطلبه بالتغيير اللاعنفي الذي هو كارثة كاملة وخراب كامل للوطن وفق البنود التي وضعها أبا حطب لهذا التغيير المسالم الأليف.

إن الحقوق التي تتحدث عنها البشرية الآن هي شأن جديد مكتسب لم يأتهم منحة من أحد في الأرض أو في السماء ، ولم تكن معروفة عند السلف ، اكتشفها مفكرون من غيرنا ، لذلك يجب أن نفهم من خطاب أبي حطب إنه يطالبنا بالنضال وتدمير المجتمع كله لقتل الحكومة الفاسدة…………. بقتل الوطن ، كي نستعيد حقوقنا ، وحقوقنا هى أهل الحل والعقد والبيعة والشورى والخلافة والولاه والجزية والسبايا والعبودية في ثوب معاصر.

إن الدكتور أبا حطب يريد أن يقيم صراعاً داخلياً وأن يشيع خصومة بين الشعوب المسلمة وبين حكوماتها ، ويتمنى أن ينتهي هذا الصراع بتعديل في المسار ، بينما سقوط الحكومة نفسه لن يتغير أو يعدل أى مسار ، فتعديل المسار يكون بتعديل الثقافة جميعاً ، ويأتي بالتعلم والتثقيف بثقافة الحرية والتحلي بصفات العقل الحر ، والاطلاع علي منجزات الشعوب الأخرى وكيف تمكنت من نيل الديموقراطية ، وما هى الديموقراطية ، وما الفرق بينها وبين الشورى؟ وإن عقلا لم يتمكن من معرفة هذا الفرق لا يحق له أن يطلب شيئاً لم يضع منه لأنه لم يكن يملكه أصلاً. وعليه أن يتساءل لماذا يأخذ كل ما هو نافع من كل بلاد العالم ، بينما هذا العالم لم يأخذ منا أى شئ خاصة الغرب المتفوق: لم يأخذ بنظام الشورى والبيعة ، وعليه أن يفهمنا ما هى المساواة وما هو الحق وما هو الخير وما هى حقوق الإنسان والمرأة والطفل والعمال ، ما هى قوانين الحرب المعاصر وما الفرق بينها وبين حروبنا المجيدة السالفة. إن تعديل المسار هو ذات نفس العقل الحر.

إن نظرة سريعة على بنود أسلحة النضال اللاعنيف التى سجلها الدكتور تعطي للصورة خلفية هندية بريطانية من زمن غاندي ، يذكرنا بنضال الهند ضد الإستعمار الإنجليزي نضالاً سلمياً بالعصيان المدني المستمر ، بهدف تدميرالإقتصاد وتحميل الإستعمار تكاليف باهظة تجعل إستمرار وجوده بالهند مكلفاً مما يضطره إلي الجلاء.

ومثل هذا النوع من النضال إنما يريد تخليص تراب الوطن من الإستعمار مع بقاء الوطن على حاله إن لم يأخذ بفلسفات جديدة. ومثل هذه الصورة الاستعمارية لم تعد موجودة ، ولم تعد هناك حاجة لغاندي وفلسفته ، نحن في حاجة لفلاسفة مصلحون يعلمون الناس الطريق نحو النور ، فإن تنور الناس اصبح بإمكانهم الفرز بين المخاتل وبين المخادع وبين المراوغ ، ولأمكنهم التخلص من رهاب القداسة ، إن أسلحة النضال اللاعنيف المطلوبة هي أسلحة عصر التنوير الأوروبي.

إن العودة إلى طريق غاندي لن تكون في حالتنا ضد مستعمر بل هي ضد حكومات الوطن ، وإسقاط النظام الممسك لأشتاتنا دون بديل ، عندما مات النبي فجأة ولم يحدد للصحابة شكل النظام ولم يعين له خليفة ، ذبح الصحابة بعضهم في الفتنة الكبرى ، وسقوط الحكومة اليوم هو استعادة للفتنة الأكبر ، هو دمار للمجتمع لأننا لسنا صحابة ، ولو كانت الفتنة الكبرى قد أفادت البشرية لأخذت بها بقية الدول بتشغيل الدين في السياسة والصراعات المصلحية.

إن ما يعرضه (أبو حطب) هو ضد المجتمع والدولة وليس ضد الحكومة ، إنه ضد الأرض كلها. يريد تدمير المجتمع المصري لأنه لا يريد حسني مبارك؟! البنود التي طرحها تكاد تطابق في بعض جوانبها مع رؤية جماعة التكفير والهجرة للمجتمع. ان بنود الدكتور في النضال اللاعنيف لا تقيم عندنا إصلاحاً بل تقيم خصومات وثارات ومواجهات وحرب أهلية ، من أجل تغيير أشخاص الجالسين علي الكراسي فقط ، رغم أن الخلافة العباسية أزالت الخلافة الأموية والخلافة العثمانية أزالت الجميع ، ولم يحدث أن طرأ أى تحسن علي أحوال المواطن ولا ظهر شئ عن حقوقه السياسية أو الإنسانية ، فظل العبد عبداً والمولي مولي والحر حراً والعلج علجاً واليمني يمنياً والقرشي قرشياً.

نتابع قراءة الموضوع إذ يقول سيادته: “يمكن القول بأن الإختلاف بين أشكال النضال هو في حقيقة الأمر إختلاف في تفسير مفهوم القوة (القدرة) حيث يرى أنصار النضال العنيف والمسلح القوة في صورتها الأولية والنمطية المتمثلة في الإيذاء المادي للخصم ، وهو أمر لا يمكن معارضته ونحن نتحدث عن حق الأمة في الدفاع عن وطنها المحتل ، كما هو الحال في العراق وفلسطين”. ها هو الرجل عاد إلى مقعده الوثيرإلي زمن معني القدرة البدائي معطياً الشرعية للمناضل العنيف ، فلماذا كل وجع الدماغ في موضوع حمائمي المظهر يتحدث عن النضال اللاعنفي؟ وإذا كان قد جعل الحكومات في البلاد الإسلامية الحالية مساوية للاستعمار ويطالبنا النضال ضدها علي الطريقة الغاندية ، فما له لا يطبق ذات المبدأ علي الاحتلالين الإسرائيلي لفلسطين والأمريكي للعراق؟ بالأخذ بمبدأ النضال اللاعنفي؟ وهو بالمقياس علي كل الظروف سيكون هو الأجدى هنا والأكثر عائدية.

ثم و زيادة علي ذلك أنه إذ يعرض لنا مفهوم اللاعنف كمخالف للعنف المسلح في صورته الأولية المتمثلة في إيذاء الخصم ، فإن الأسلوب الذي عرضه علينا هو عنف لتدمير أسس المجتمع كله ، يدمر المجتمع كله للتخلص من آفة إصابته. إن ما يعرضه سيادته سيؤدي بنا إلي هولوكوست وطني.

أما بشأن العراق وفلسطين ، فلو كان الرجل صادقاً حقاً مع اللاعنف لتذكر أن عالم ما قبل الحرب الثانية غير عالم ما بعد الحرب الباردة ، وأن عالم ما قبل سبتمبر 2001 هو غير ما بعده ، فقد أصبح حق الدفاع عن الشعوب المحتلة إن وجدت ، هو حق المجتمع الدولي ، تقوم به هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ، وقد تحررت دول عربية كثيرة عن هذا الطريق من اليمن إلي كل دول الخليج. خاصة وأن مشكلتي العراق وفلسطين لم تعودا محليتين ، إنما إتخذنا بعداً دولياً.

ولتذكر أيضاً أن محاولات مصر بجيشها وجيوش بعض الدول العربية مدعومة من الجامعة العربية ، لم يتمكنوا من فرض إرادتهم فوق الإرادة الدولية ، وفي النهاية تم حل معظم مشاكلنا عن طريق الهيئات الدولية ، وفقاً لرؤية المجتمع الدولي وليس طبقاً لرؤية الدول العربية وجيوشها وجامعتها.

ان رؤية الدكتور أبي حطب في النضال اللاعنيف من أجل الاستيلاء علي السلطة تقوم علي توظيف قوي المجتمع كلها للتصدي للنظم الحاكمة بنفس الأساليب التي تواجه به قوى الإستعمار. فإذا كانت الحكومات تتصرف بأساليب غير صائبة وبها عيوب ، فإن مواجهة ذلك يكون بالتقويم و العلاج و طرح الحلول البديلة ، أما إذا كانت عيوب الحكومات في المنهج وأنها معيبة في أمانتها ، و في ولائها لشعبها ووطنها ، فإن هذه تكون عيوباً قيمية أجتماعية هى بنت ثقافة المجتمع ، و لذلك مهما قمنا بإستبدال الحكومات فلن يتغير في الواقع شئ سوى خسائر تحدثها القلاقل الإجتماعية المصاحبة لذلك التغير. إذا كانت الحكومات فاسدة مستبدة ، تفكر بطريقة تؤدي إلي خسائر وطنية في الأرض أو الكرامة والإقتصاد ، فتلك أمراض نابعة من ثقافة تهيمن علي المجتمع بأسره ، بما فيه الحكومات وشعوبها ، قيم مريضة ترفع الدين فوق الوطنية وتحكم الناس بأساليب بدائية. في مثل تلك الحال التى هى حالنا لا نكون في حاجة إلى النضال اللاعنيف الذي يقترحه أبو حطب ، لأنه سيضيف هدماً ودماراً إلي كيان ذلك المجتمع المريض ثقافياً ويعاني هو وحكومته ومثقفيه من ضحالة فكر ، وعدم تحديد دقيق لمفاهيم الحريات والحقوق والمساواة ، ويكون في العصيان المدني المطروح القضاء التام علي هذا الكيان المعتل بألف علة. إنه بحاجة لإحلال ثقافة الحب محل ثقافة الكراهية؛ ثقافة الوطن محل ثقافة أمة لا إله إلا الله ، ثقافة الحرية محل ثقافة العبودية ، ثقافة المسلم المستنير المسالم مكان ثقافة الدم.

في مصر منذ سبعة آلاف عام ، بلغ بها الإستقرار مبلغاً كانت تسوده ثقافة التسامح والحب وكراهية القتل والتدمير ، ينصح الفلاح ولده قائلاً: “لا تغضب علي ولدك.. لا تغضب علي زرعك”. إنه النصح بعدم الإنفعال الذي يضل بصاحبه السبيل ، بعدم الغضب المؤدي للكراهية والخسائر. الزرع كالولد سواء بسواء في المعاملة ، الغضب علي الولد والزرع يدمر المجتمع ، لذلك إذا جفت ساق النبتة وآلت إلي ذبول كان لا يغضب ، فيقلعها من جذورها ويتخلص منها ، إنما كان يدعمها بساق آخر سليم و يفسح لها التربة لتتنفس و يجبر جرحها و يغني لها أغاني الحب حتى تستقيم ، فكانت ثقافة الحياة و ليس ثقافة الموت ، ثقافة الحب لا الكراهية ، فأين مصر اليوم بعد إعادة فتحها بالمذهب الوهابي. إن ما يطرحه الدكتور من توظيف للنضال اللاعنيف لتغيير أنظمة الحكم هو نوع من الإتقلاب تقوده الجماعات السرية التى ربما تنتهي إلى تغير شكل النظام مع بقاء الجوهر كما هو ، فالنضال دون تقديم فكر جديد و فلسفة جديدة هو إستبدال الخليفة بعبد الله بن محمد صاحب الزنج ليس أكثر ، مع كل الخسائر المفترضة.

نقرأ المزيد لنفهم ، يقول الدكتور: “إن السبب الرئيسي وراء العجز وسلبية بعض الشعوب ، هو هذا الاعتقاد السائد بأن العنف هو الأسلوب الوحيد للمواجهة وهو أمر غير صحيح ، فالعنف لم يعد خياراً مطروحاً ولا مقبولاً في رحلة بحث الشعوب عن لحظة خلاصها من أنظمتها السياسية المستبدة ، وأصبح العنف واحداً فقط من خيارات كثيرة ، ربما صارت أكثر فعالية و تأثيراً من الإنقلابات و الثورات”.

ها هو يعترف بهدوء لكن دون أن يشير لمن يمكنه دعم نضال الشعوب السلمي ، هو يقول إن العنف لم يعد خياراً مطروحاً ولا يقول لنا لماذا ، الإجابة الواضحة أن الضمير العالمي الراقي بمؤسساته أصبح كاشفاً له ، إذا قارنه بغيره ، ثم يقول: “فمساوئ إستخدام العنف تتمثل في النقاط التالية:   1-تتفوق الأنظمة الدكتاتورية في مواجهة خيار العنف بل وفي توظيفه لصالحها.   2- تكلفة عالية علي المستويين البشري والمادي.  3- خيار العنف يفقد الدعم والتعاطف الشعبي والدولي علي المدي الطويل”. لهذا يطرح بديله (النضال اللاعنيف) منعاً لهذه الخسائر التي يسببها النضال العنيف.

هذا الرجل من المتأسلمين لكنه يقر بتغير الواقع ويراه بعيون مادية بحت ، لا تنتظر ولا ترجو قرب وقوع أى معجزات أسطورية كما يفعل بعض المشايخ بأنتظار الطير الأبابيل و يوم يتكلم شجر الفرقد ، وهو في حد ذاته أمر محمود ، لكنه لا يرى أن الأنظمة الإستبدادبة لا تقوم إلا في بيئة صالحة لها ، تغذيها وترعاها وتنميها وتمنحها رحيق الحياة والاستمرارية ، بدليل عدم ظهور هذه الأنظمة في بريطانيا أو أمريكا أو إسرائيل ، فالنظام الاستبدادي لا يظهر ولا يوجد إلا في مجتمع قابل للاستبداد مؤمن بفلسفته. والحكمة القديمة تقول: “إن شعباً من الخراف يخلق حكاماً من الذئاب” ، فالنظم تفرزها حركة المجتمع وثقافته ، ويقوم علي هذه الثقافة المفكرون والفلاسفة ، وعندنا يقوم عليها المشايخ والإخوان ، يفكرون لنا بفكر ابن كثير وابن القيم وابن تيمية وبقية الأسماء اللوامع من موتى التاريخ؛ بثقافة تسوق الناس بالزواجير والسياط إلي جنة النعيم ، مثل هذة الثقافة يمكنها اليوم أن تؤدي إلي اعتياد وجود المعتقلات والسحل والهتك وتدمير الناس بالشبهات ، لأنها تقوم علي عقائد في الضمائر تقبل دون أن تشعر بأى جزع بقطع اليد وجز الرقبة وتهشيم الرؤوس رضخاً بالحجارة وسوق النساء إلي أجنحة الحريم والأطفال إلي أسواق النخاسة ، مثل هذه الثقافة لا تجعل المواطن يري في المعتقل شيئاً عجبا. مثل هذه الثقافة تجعل الأدني يتماهى في نفسية العبد ويقبل بها ، وتحول الوجهاء والمشايخ والسلاطين إلي سادة بالحق الإلاهي في تقسيم الأرزاق وتحديد من يكون السيد ومن يكون العبد ، إن ثقافة أول ما تعلم الطفل تعلمة آيات كيف يكفر عن ذنبه بعتق رقبة ، تجعل وجود الرقبة اعتيادياً في النفس والضمير.

الملاحظة الملفتة بشدة ، هى أن الدكتور أبا حطب في طي سرده لأسباب استبعاده النضال العنيف ، لا تجده يرفضه من منطق قيمي أو من باب أخلاقي ، بل هو يرفضه لأنة لا يحقق الأهداف ، إنة يرفضه لأنه لن يحقق المطلوب ولأن المسلمين المسيسين علي حالهم اليوم لا يملكون القدرة للوصول إلى أهدافهم والاستيلاء على السلطة بالنضال العنيف.

إن عجز شعوبنا وسلبيتها ولا وعيها كلها نتواتج ثقافة مريضة هيمنت عليهم آجالاً طويلة وتسيدت في عصور ظلام ممتدة حتى اليوم ، بينما استطاعت شعوباً أخرى بمفكريها وفلاسفتها من استبدال ذلك الظلام بجديد حديث حر ، ولم يستغلوا ضعف النظام الحاكم للقفز علي الكرسي الكبير لينصبوا أنفسهم مستبدين جدد بذات الفكر القديم ، و ربما أكثر إستبداداً وسلفية وهو الأمر الأكثر منطقية ، إن الدكتور يحرض الشعوب ضد حكامها لتمكين المتأسلمين مع بقائنا عبيداً كما نحن الآن ، وبالقطع سيكون حالنا أسوأ مما نحن عليه الآن بمراحل.

إن النضال اللاعنفي الذي يدعو إليه الدكتور هو كالسرطان ، الذي يمزق المجتمع كي يثأر من الحكومة. إنه حتى وهو يعرض علينا جديده السلمي اللاعنفي حافظ بداخله علي (سورس) العنف ، والطبع يغلب التطبع.

إن عنفه اللادموي لا يحمل معنى الرضا والتراضي ، فعنفه الديني و لاعنفه الثقافي يخرجان من مشكاة واحدة ، وقودها الدم و تقيتها العدوانية الخبيثة ، و كوكبها الدري المخفي وراء الخطاب المختال هو الإستيلاء على الحكم ولو على ردم من خراب. فالدكتور ليس لديه بديل يقدمه لنا بعد تدمير المجتمع , وبعد مقاطعة المواطنين للحكومة وللشركات الوطنية والوكلاء الذين يزودون النظام بإحتياجاته, وعدم التعاون مع الحكومة عند حاجتها لشعبها وإضراب الصدمة للفلاحين والعمال ، والإستقالة من العمل الحكومي وسحب الولاء عنها ورفض مساعدة أجهزة الحكومة… إلي آخر ما قال من خراب ديار ، إنه لم يقدم لنا البديل لأنه يعلم أن البديل أوضح من أن يشار إليه أو يعّرف ، إنه الحل الرباني.. الإسلام هو الحل. فلا يبقى سوى القضاء علي الحكومة والإكتفاء بمشايخنا مراجعنا و بالأزهر بعد ذلك سنداً والإخوان و بن لادن ظهيرا ، بعد أن تم إلغاء عقل الناس ، بعد أن قضوا على الملكة الغريزية الباحثة عن المعرفة ، وكفروا العقل النقدي ، وأصبح الناس يسألون مشايخنا وهم يجيبون علي كل سؤال في كل شأن ، هل مجتمع في الدنيا على هذا الحال له أى حقوق ضائعة من حقه أن يطالب بها؟؟

الغريب أنه وهو يعض على إيمانه بيده مع أخذه النضال اللاعنيف ، فإنة باليد الأخرى يقر بما نقول ، كما في قوله “جاء إصطلاح الإنقلابات والثورات التصحيحية للتخلص من أنظمة ظلت تمارس القمع والاستبداد لفترات طويلة.. إلا أن الأنظمة الجديدة التى أتت بها الانقلابات لا تمثل تصحيحاً ولا بداية جديدة كما كان متوقعاً ، وهنا يكمن الدرس التاريخي الذي يدفعنا إلي التحفظ علي خيار الإنقلابات ، فاحتمالية تحول من يقومون بالانقلابات تحت شعار الحرية لأنظمة دكتاتورية تظل إحتمالية قائمة”.

إن هذه العبارة تكاد تكون العبارة الوحيدة الصادقة فيما قال أبو حطب جميعه ، وهو يقدمه تبرير و تأكيد لدعوته لبدائل العنف للتخلص من الإستبداد ، و هو يعلم أن مجتمعنا و هذا حاله إن تغير فلن يتغير فية سوي الوجوه والأسماء ودرجة الظلم. لأنه يستكمل صادقاً دون أن يعني نفسه أو جماعته قائلاً: “لأن هؤلاء الواثبون علي الحكم لم يؤسسوا لتقاليد الحريات المدنية والتحول الديموقراطى”. إن الدكتور إن أراد حقاً خير الناس لأنشغل بهم وبحث عن أسباب الاستبداد رغم تعدد الإنقلابات والثورات و تغيير النظم الحاكمة مع كل حكومة في بلاد المسلمين ، إن السبب هو إستمرار الثقافة الحاكمة دون تغيير ودون أن تشذ حالة واحدة عن هذه القاعدة.

إن مفاهيم حقوق الإنسان والديموقراطية و الحريات علي أصنافها شئ غائب عن ثقافتنا, و غير موجود في مخزوننا المعرفي ولا حتى في معجمنا اللغوي ، لأنه لو كان متواجداً لكان لدينا كل أنواع الحريات من قديم الزمان منذ السلف الصالح الذي نفترض هنا بالضرورة أنه هو من أسس للديموقراطية. إن قيمنا لا تعرف الحريات كما هي في الديموقراطية المحدثة ، ولو كانت تعرفها كما يوعز لنا أبو حطب كي نستردها بالنضال اللاعنيف ، لكان المسلمون أسبق الشعوب معرفة بها ، ولنقلها الآخرون عنا؛ ولما انتظر العالم كله حتى يظهر روسو وفولتير ومونتسكيو.

وضمن مبراراته لنضاله اللاعنيف أن خيار الانتخابات الذي تلجأ له الأنظمة الدكتاتورية لا يؤدي إلي تحول ديموقراطي ، .. يؤدي إما للتلاعب بنتائجها أو إلغائها بالكامل.. كما حدث في بورما 1990 ونيجيريا 1993 وفي الجزائر 1991.. وتعمد النظم الدكتاتورية إقامة هذه الإنتخابات في ظروف لا توفر المعايير المطلوبة لإجراء إنتخابات نزيهة.

والرجل محق تماماً في أن خيار الانتخابات لن يؤدي إلي تحول ديموقراطي ، لكن ليس نتيجة تزييف نتائجها ، فبفرض اكتمالها بكافة معايير الانضباط والالتزام الإداري ، فإنها لن تفرز لنا عناصر من غير ذات المجتمع وذات الثقافة ، إن مجتمع السادة والعبيد لن يفرز لنا من يقيم لنا الحريات ، حتى أحزاب المعارضة لا تعرض في سوق الفكر ديموقراطية حقيقة أو لا تقدم نموذجا ديموقراطياً حقيقاً من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها ، كلها كالحكومة ، طبعة واحدة ، لأنها ثقافة المجتمع. كلهم عصابات تتصارع علي الفريسة ، والفريسة لطيفة مطيعة لأنها تطيع الله ورسوله وأولى الأمر منها. ولأن أبو الحسن الماوردي قد قال في الأحكام السلطانية: “إن أهل الرأى متى عقدوا البيعة للإمام لا يجوز لمخلوق نقضها ، لأن الرعية عليها بموجب هذه البيعة الاستطاعة ، والنصر للإمام ما وسعتهم الطاعة ، ولا يحل لهم القيام عليه بحال”. هذا قول الفقيه ، ومثله كان قول المثقف المستأنس ، إذ يقول ابن هانئ الاندلسي قي المغرب يخاطب الخليفة:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنـت النبي محمد

وكأنما أنصارك الأنصار

وفي علوم الآداب تأدبنا بكتاب العقد الفريد إذ يقول في كتاب “الؤلؤة والسلطانة”: “السلطان زمام الامور وميزان الحقوق وقوام الحدود والقطب الذي عليه مدار الدنيا وهو حمى الله في بلاده وظله الممدود علي عباده ، به يمتنع حريمهم وبه ينتصر مظلومهم وينقمع ظالمهم ويأمن خائفهم” ، أما الحكماء من الفقهاء ، فقد أفادونا بما انتهى إليه حشدهم: “إمام عادل خير من مطر وابل ، وإمام غشوم خير من فتنه تدوم ، ولما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. قال حذيفة ابن اليمان ما مشي قوم قط إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله.. وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادل فله الأجر وعليك الشكر ، وإن كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر ، وقال وهب ابن منبه فيما أنزل الله علي نبيه داود عليه السلام: إني أنا مالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فمن كان لي علي طاعة جعلت الملوك عليهم نعمة ، ومن كان لي علي معصية جعلت الملوك عليهم نقمة”.

الكل يقول نفس الكلام لانه لا يعرف إلا ذات الثقافة الواحدة ، ولا يعرف غيرها ، ولو عرف لفاضل واختار ومؤكد أنه كان سيبدل ويغير ، لذلك لا يسمح الفريق الإسلامي لغيره بالكلام في هذا الميدان تحديداً ، فهم وحدهم القادر علي تطبيق حاكمية الله في الأرض ، دون أن يبرزوا لنا مرة التفويض المعطى لهم من الذات العلية بهذا الشأن ، لاختيارهم أمناء علي حاكمية الأرض دون كل المسلمين.

إن طلب أبي حطب بثورته اللاعنيفة في ضوء موقف الشرع هو خروج عن هذا الشرع ، هو خروج عن الدين بالضرورة ، إلا إذا كان مقصده تطبيق الشرع الإسلامي بعد ثورته اللاعنيفة ، وهو يقصد هذا المعنى ولكن من وراء تقية فريدة جديدة في إبتكارها ، مما يدهشنا أحياناً من مدى التقدم والمهارة ودهاء التكتيك للخطاب المتأسلم الجديد .

إن المجهول هو المنتظر بعد إسقاط الدولة ونظامها وتدمير مجتمعها ، لأنه لم يقل لنا ما هى بدائله وخططه لإحلالها محل ما سيحدث من خراب شامل. الدكتور يتركنا حيارى من المجهول الذي سيأتي بعد تدمير المجتمع ، هل سيظل متمسكاً باللاعنف؟ إن مطلب الدكتور باللاعنف هو لأن المسلمين لا يملكون أدوات الإنتصار علي الحكومات بالعنف ، فماذا بعد إسقاط الدولة والنظام ومجئ المجهول للحكم؟ إن هذا المجهول سيملك أدوات العنف من جيش وشرطة؟ أم أن اللاعنف هو الخطوة التمهيدية للإستيلاء علي أدوات العنف ليتم تفعيلها وممارستها من بعد التمكين؟

في تاريخنا مثل هذا نماذج أصيلة مكررة ، فتاريخنا حافل بالكوارث ، في تاريخنا بعد امتلاك الأمويين للقوة قاموا بتصفية آل البيت جميعاً بما فيهم الأطفال الرضع والنساء والكهول؟! محمد علي فى مصر قضي علي المماليك بمذبحته الشهيرة منعاً لأى معارضة. فبأى المثلين سيتأسى الحاكم المجهول الآتي؟ وماذا سيفعلون بنا نحن فقراء المسلمين في سبيل دعم حكمهم؟ التدمير التام هو خاصية الثقافة البدوية لأنها كالقبائل تتصارع صراعاً صفرياً تتم فيه إبادة الآخر أو إستعباده والإستيلاء علي ممتلكاته ، كذلك كان بدو إسرائيل من الأسباط ، ذبحوا بعضهم بعضاً في رحلة الخروج ، إسرائيل وهى من أصول بدوية ، عند إقامة دولتها استدعت ذات الثقافة : الإبادة الجماعية ما أمكن .

اليوم يفترض الرقي الإنساني ، أن رفض العنف كأسلوب للنضال مطلوب ليس لأن المؤمنين لا يملكون القدرة علي العنف وإنما يجب رفض العنف من باب أخلاقي. اليوم ليس المطلوب هو نضال العنف واللاعنف ، المطلوب تعزيز أكثر فرق المجتمع إخلاصاً للديموقراطية ومدى قرب أو بعد هذا الفريق أو ذاك من حقيقية الديموقراطية. اليوم من يستحق العقوبة وعدم المساندة هو الأكثر بعداً عنها ، الذى يطلب دولة دينية لا علاقة لها بمعنى الدولة في مجتمعات اليوم ، وبتكوينها الديني لن تستطيع أى تغير من أجل أى تقدم ممكن ، أن الدكتور أبا حطب كواحد من المتأسلمين لا يدعو هنا إلي تغيير القائمين علي الحكم واستبدالهم بغيرهم ، إنه لايدعو إلى تبادل السلطة وتداولها ، إنما يدعو إلى ثورة مدمرة كاسحة دون عنف تؤدي إلى تفكك المجتمع نفسه شظايا.

إن البديل الذي يقدمه لنا المتأسلمون يجب أن يحوز مشروعية محلية ودولية أيضاً ، لكن هذا الخراب المستعجل لا يحوز أى مشروعية ، أبو حطب مثل الذي يريد ان يستخرج حصوة من كلية مريض فيفتح لها من رقبته.

يبقى أن يعرف القارئ ، أنه مع إيمان أهلنا المتأسلمين ، فإنهم لا يجدون حرجاً في أفعال من نوع ولون ما سأسوقه الآن ، فالفكرة التي قدمها أبو حطب وصراعه اللاعنيف وأدواته ووسائله كلها هو فكرة ثم شرحها عبر حوالي عشرة كتب لجن شارب ، وله موقع يحوي هذه الكتب مجاناً علي الشبكة الدولية للمعلومات ، والعجيب أن أبا حطب لم يشر إلى شارب إلا إشارة عابرة لا توضح دوره كأرضية كاملة التمهيد لما قاله أبو حطب. يعنى جايب سيرة شارب ليخزي العين ليس أكثر ، وللمدقق أن يلحظ أن الدكتور عندما نقل بنوده لأساليب النضال اللاعنيف أخذ 139 بنداً من بين 198 بنداً عند شارب ، وترك ما ترك عن عمد وقصد ، لأنها لا تتفق ومذاقنا الإيماني كمظاهرات العري الكامل فى الشوارع وما يشبهها. وبعد جمع ما أراد من بنود وترك ما أراد من بنود ، فحشد أفضل الوسائل وأسرعها لخراب مصر. وقام بتشغيل كلام شارب لانتفاضة إسلامية لاعنيفة ، وبينما كان شارب منتجاً مؤثراً في المجتمعات الأوروبية ، فإن كلامه المنقول إلينا عبر أبي حطب قد شابته النوازع ومطالب الأيديولوجيا الإسلامية ، فأصبح غير صالح لنا ولا لغيرنا.

كلام شارب نفسه كان صالحاً لعالم يقف في مواجهة الاتحاد السوفيتي حتي انهار هذا الاتحاد. في زمن وفي ظرف مختلف ، والأهم إختلاف ثقافة المستقبل ، فبلادنا لا تخضع لحكومة واحدة ، فهناك سلطة دينية وسلطة حكومية ، وحسني مبارك لا يحكم مصر بشكل مطلق ، فالأزهر يصدر الفتاوى قوانيناً تسري في الواقع ، ودار الإفتاء تفعل ذات الشئ ، وتضغط علي المواطنين بمزيد من التحريمات ، لتوانيا وإستونيا وألمانيا الشرقية كلها كانت تحت هيمنة ديكتاتورية واحدة ، هنا لدينا ديكتاتور موجود في الشارع ينتظر ساعة هيمنته. في لتوانيا عندما تم إسقاط السلطة الديكتاتورية ، كانت الناس تطلب البديل وهو موجود لديها وهو العلمنة الكاملة بكامل الحريات والحقوق والمبادئ الديموقراطية. سقوط النظام هناك جاء بديله نظام ديموقراطي ، وسقوط النظام العام هنا البديل الجاهز له هو الإخوان وإخوانهم من المتأسلمين ، المشكلة أنه ليس لديهم حتى الآن أى بديل لا برنامج ولا دستور ولا شئ بالمطلق ، ولا تعلم هل إذا أتاهم الحكم فهل سيحكمون ببركة دعاء الوالدين؟ لقد كان الصحابة والخلفاء يحكمون ببركة حضورهم زمن الوحي ومصاحبة الرسول والتعلم منه مباشرة ، والإخوان أوغيرهم من فرق الإسلام السياسى ليسوا صحابة ولا مبشرين بالجنة ، فما بال الإخوان لا يقدمون برنامجاً علمياً واضحاً ولا دستوراً ، ويطلبون الكرسي بالعنف وباللاعنف وبأى أسلوب ممكن ، إنهم يقدمون لنا المجهول.

إن سقوط نظام المجتمع في بلاد مثل بلادنا وفي ظل مناخ ثقافي كماخنا لا يعني إلا عراق جديد كمثل صارخ بحجم الثارات في ثقافتنا ، والتى لا يضبطها سوي استمرار النظام الضابط لهذا المجتمع ، وهو نظام اجتماعى عام منذ مينا موحد القطربن ، هوغيرنظام الحكم ، بينما أبو حطب يوجه بنوده لضرب النظام الضابط للمجتمع. إنهم يريدون الحكم ولو بدمار النظام الإجتماعى العام ، على جثث ألوف المصريين كما العراقيين أو ربما الصوماليين ، وعلى ردم من خراب الديار ودمار العمار.

إنهم لا يمانعون أبداً ماداموا هم من سيحكم.

يا أبا حطب إن الإحصاءات في مصر تقول أن مجمل الوقت المنتج فعلا للموظف المصري هو ثلاث ساعات في الشهر ، يعني هو في حال نضال لا عنيف بمزاجة وعلى كيف كيف أهلة ، وهذة إهانة اوجهها لشعبى و أقصدها ولا أعتذر عنها ، وذلك لهشاشة الدولة وسوء الإدارة وخضوع الحكومة للتيار الدينى وابتزازة لهالأنها استبدادية فاسدة حتى نخاع جيناتها ، فهل هناك خراب أكثر من ذلك؟

هيه ناقصاك يا أبو حطب؟

 

 

يتلقى الكاتب المكالمات التليفونبة من الخامسة مساء إلى السابعة مساء بتوقيت القاهرة على تليفون رقم 0020189914505 عدا يومى الخميس والجمعة

elqemany@yahoo.com

الحوار المتمدن - العدد: 2632 - 2009 / 4 / 30

 

Posted by المجموعة الليبرالية in 10:00:00 | Permalink | Comments (2)