Wednesday, April 1, 2009

دولة الحداثة الفقهية

دولة الحداثة الفقهية

من المدهشات في بلادنا ، والغرائب عندنا كثير ، أن تجد مذيعاً في إذاعة مصرية ، يطرح فكراً هو بالمرة ضد الدولة القائمة ، وضد مجتمعها ، وضد كل النظام العام للمجتمع. والمذيع المقصود هو الدكتور فوزي خليل الذي يُعرف نفسه فيما يكتب وينشر بأنه “من كبار مذيعي إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة” ، وبجوار هذا التعريف تعريفاً آخر يقول إنه حاصل على درجة دكتوراه في العلوم السياسية.

تعالوا نقرأ معاً عملا كتبه كباحث يحمل درجة الدكتوراه فــي العـلـــوم السيـاسيــة بعــنـــوان :

الإجتهـاد السياسـي ، تقاطعـات المدنـي والفقهــي

 http://islamonline.net/arabic/mafaheem/index.shtml

يقدم لنا رأي الشريعة في عملية صنع القرار السياسي “فيكون المطلوب شرعياً هو : الاجتهاد في الحياة العامة لجلب المصلحة ودفع المفسدة ، وفق شروط وضعتها الشريعة ، وأوصافاً بعينها لابد أن تتوفر في القائم بصنع القرار الشرعي الجالب للمصلحة والدافع للمفسدة“.

كيف يمكن قبول مثل هذا القول من رجل يحمل دكتوراه العلوم السياسية في القرن الواحد والعشرين الميلادي؟

 إن الرجل لم يقم بتفعيل أياً مما تعلم سنين دراسته كلها بالمطلق وهو يعرفنا برأي الشريعة في عملية صنع القرار السياسي ، فلا شئ فيما قال يشير بالمرة إلى سياسة بما هو مفهوم عنها. الرجل يعيش القرن السابع الميلادي وربما حتى العاشر أو الحادي عشر على الأكثر ، فيعطينا الدرس لنتعلم كيف نصدر قرارنا السياسي وفق منظومة الشريعة الإسلامية مشروطاً بشروط تتوفر في متخذي القرار ، الرجل لا يرى ما حوله بالمرة مثل كل رفاقه من المشتغلين علينا بالدين ، فيتوهم أن للدولة ان تتخذ قراراتها السياسية محلياً وفق شريعتها ، غير عابئ بما حدث حوله من متغيرات عالمية جعلت اتخاذ أى قرار سيكون له تأثيره على بقية العالم ، فى زمن لم يعد القرار السياسي يتخذ محلياً وفق شريعة محلية بشروط تتوفر في صانع القرار ، لأن صانع القرار الإيراني يعجز عن إصدار قرار علنى واضح وصريح بتصنيعه السلاح النووي ، والدكتور فوزي خليل وكل جماعته يعجزون عن إعادة مبادئ الشريعة للعمل بها ، لأنه وكلهم معه يعجزون عجزاً فاضحاً أمام العالمين من تطبيق وفرض الجزية على غير المسلمين في بلادهم ، وعجز آل الشيخ الوهابية في السعودية عن التصدى للقرار الأممى المطلوب دولياً بمنع الرقيق حوالي عام 1963 ميلادية. وعجزت حكومة السودان عن تطبيق حدود الشريعة على مجتمعها ، ولم تطبق من الإسلام سوى مظاهر شكلية كالحجاب والنقاب وإطالة اللحي وتمزيق الوطن . وحماس الفرع الفلسطيني للإخوان ظلوا يطلبون السلطة لتطبيق شرع الله ، وها هي حماس حتى اليوم تعجز عن تطبيق الشريعة ، التي زعموا أنهم إنما يريدون الحكم من أجل تطبيقها. ويعجزون جميعاً عن إعادة التسرى بالجواري بيعاً وشراء وإقامة قصور الحريم.

ودول العالم الإسلامي بحكم انتمائها لعالمها وأممه المتحدة وقوانينه ، تعجز جميعاً من شرقها إلى غربها عن إعلان إقرار فقه الجهاد الإسلامي كقانون حرب تعمل بموجبه قواتها المسلحة. حتى أصبح (فقه الجهاد والقتل على الظنة ، وحروب الإبادة الصفرية ضد الشعوب والقبائل الأخرى وعدد السبايا وطرق قسمتهن بين المؤمنين ، وكذلك فقه العبودية برمته من بابه الأول إلى أخر صفحة في بابه الأخير بين دفتي القرآن وكتب السير والأخبار والطبقات والصحاح وكل علوم الدين). أصبح كل هذا من قبيل الروايات التاريخية لزمن ردىء ، ولم يعد بإمكان أي دولة إسلامية أن تصرح به أو تبوح به خارج مدارس التعليم الإسلامي ، ربما نجدة في خطبة عصماء في هذه القناة الخاصة الغير محسوبة على أي حكومة ، أو في ذلك المسجد ، هذا علماً ان فقه الجهاد كان الفريضة العظمى وكان أعظم مجلب لأعظم مصلحة للحاكمين بالشريعة ، كما يريد خليل ، حيث كان يزود خزائن الدولة بالمال والقصور والنساء والعبيد. إن الدكتور فوزي وحكوماته ووزاراته وشعبه مرغمين جميعاً على القبول بالشرعية الدولية بالقوة الجبرية ، وخرج المسلمون على شريعتهم بالإكراة علناً وخضعوا للشرعية الدولية رسمياً ، والشرعية الدولية هي شرائع لا شأن لنا بها ، ولم نتقدم للمساهمة فيها ولومرة واحدة بمادة من مواد شريعتنا الإسلامية لعدم صلاحيتها لزماننا ، وأن من وضع الشرعية الدولية هم غير المسلمين من أمريكا لإنجلترا لفرنسا للصين لروسيا. وجاء قرار هؤلاء السياسي التشريعي ملزما للعالم أجمع ، ولا علاقة له بالمنظور الإسلامي الذي يحدثنا عنه أستاذ العلوم السياسية.

وحتى نصدق الدكتور و نستمر في قراءة ما يطرحه علينا ، كان عليه أن يشعرنا أن لاستهلاك الوقت في قراءة أمثالة فائدة ومصلحة ، بأن يشير لنا مثلا إلى عدد مرات رفضنا لقرارات الأمم المتحدة وتنفيذ هذا الرفض وما ترتب على هذا الرفض. ومنذ أغلقنا مضيق العقبة/ تيران بوجه السفن الإسرائيلية وهذا حالنا من سيئ إلى أسوأ حتى اليوم.

وقبلها عندما رفضنا قرار التقسيم الدولي لفلسطين فكانت النتيجة هزيمة مروعة لكل الدول العربية وضياع أراض عربية ضعف ما كان مقرراً في التقسيم الدولي.

حتى نستوعب ونعلم بقدرتنا على إتخاذ القرار السياسي وفق شريعتنا ، هل بالإمكان أن تقوم دول العالم الإسلامي برفض قرارات الأمم المتحدة بقيام إسرائيل في قلب العالم العربي الإسلامي؟ هل بالإمكان رفض الدولة العلمانية التركية وإصدار القرار بتكفيرها ، وهي تردد كل يوم أن لا علاقة لها كدولة بدين الإسلام لأنها دولة علمانية ، رغم أنها كانت أخر معقل للخلافة الإسلامية منذ بضع عشرات من السنين.

إن الدكتور خليل ورفاقه يكذبون على شعبنا ، ويغشون المسلمين بتقديم ما يوعز بأننا أهل قدرة ، وأصحاب منعة ، لدرجة أن بإمكاننا العودة بالبلاد إلى زمن العبودية والظلمات ، ولا يبقى من ترداد تلك الأقوال سوى ترك أثرها الجارح في النفس الإسلامية وإشعار الشعوب الإسلامية بالدونية بين الأمم ، ومع التأجيج المستمر فى إعلامنا لمشاعر العداء الإسلامي لغير المسلمين ، لا يبقى للنفس كي تطمئن سوى أن تقتل وتُقتل ، لا يبقى بيدنا سوى الإرهاب سلاح الضعيف والمشلول القدرات.

إنهم يغشون شعبنا وهم يتحدثون عن وهم اسمه دولة دينية إسلامية سننتصر بها ونسود العالمين ، ويستخرجون لها الأدوات والقرارات والشروط ، بينما تاريخ الإسلام كله لم يعرف شيئاً اسمه الدولة الدينية أو الإسلامية سوى زمن الرسول وحده ، وكانت في ذلك الوقت عبارة عن تجمع قبلي يدين بالولاء لسيد واحد من قبيلة بعينها أصبحت فيما بعد هي السيد المطلق ، ولم تكن بالمرة دولة بالمعنى العلمي السياسى المفهوم ، حتى أن اسم الدولة أو الحكومة بما نفهمه منه اليوم ، غاب بالمرة وبالمطلق عن كل التاريخ الإسلامي منذ جاء جبريل بإقرأ وحتى اليوم. لأن رب الإسلام لوكان يريد دولة لدينه ، لخلق لها الجماعة التي تضع ذلك وتدرسه وتطبقه وتضع له مواصفاته وشروطه ومؤسساته التي تشرف على تنفيذه وتحميه ، وهو كله الكلام الذي لم يكن معلوماً زمن الصحابة ولزمن بعيد بعده ، حتى ظهور ابن تيمية وسياسته الشرعية وإبن القيم وأعلام الموقعين وحسن البنا والإسلام هو الحل. لوأردها الله دولة إسلامية لخلق هؤلاء زمن الدعوة ليجلسوا حول الرسول ويشيرون عليه بما يقولونه لنا اليوم ، ويعظونه به كما يعظوننا ولقامت الدولة مواكبة لقيام الدين ، ولكانت قد جعلت العالم كله ديار إسلام منذ قرون مضت ، وكان الله قادراً ان يخلق الدكتور فوزي خلبل زمن الدعوة مع فريق من الإخوان والأزاهرة ليعلموا النبى و الصحابة معنى الدولة وشروطها ، بدلاً من أن يظل الإسلام والنبى والصحابة غير عارفين بها ولا بطريقة اتخاذ القرار السياسي حسب الشريعة ، ويظل إسلامنا طوال تلك القرون ينتظر الدكتور فوزي خليل ليكتشف الدولة وشروطها في الشريعة الإسلامية ، لكن بعد أكثر من أربعة عشر قرناً. ولكان وجود فلاسفة الدولة الإسلامية مع نظريتهم في المساواة والعدل والحريات والحقوق زمن النبي ، كفيلاً بقيام هذه الدولة المتحصنة بالشريعة ولما ظهر في تاريخنا الحجاج بن يوسف الثقفي ، ولا يزيد بن معاوية ، ولا هتك المسلمون أعراض بنات مدينة رسول الله ، ولما أبادوا آل بيت الرسول ، ولما حدثت الفتنة الكبرى لأنها كانت ستكون دولة حاكمة ذات مرجعية قانونية واحدة للجميع, تطبق على الجميع ، لا أن يدعى كل فريق أنه الإسلام الصحيح ليقتل بصجيحة الفريق الأخرفى حروب إبادة صفرية .

الدكتور خليل بموضوعه هذا يعلن أنه في موقف المعارضة ، والمعارضة الإسلامية والمتشددة تحديداً ، ولكن بما أنه موظف في جهاز حكومي وإداري كبير ، فإنه لا يذهب لإظهار دوافعه الحقيقية من أجل استيلاء جماعته ومن هم مثله على السلطة ، إنما هو يقدم دافع ظاهرى هو مصلحة الناس ، فيقدم للناس “جلب المصلحة ودفع المفسدة” ، يقدم لهم صالحهم كهدف أساسي يسعى إليه وكواجهة يختبئ وراءها بمشروعه الحقيقي ، وقد تمرس هذا التيار الإسلامي بفن التخفي والتنكربمئات الأقنغة ، وبإشراك الناس نظرياً في مشروعه ، فيقدمون للناس حلولاً يبدوالناس مشاركين فيها وطرف من أطرافها ، وعبر شعار هو الإسلام هو الحل ، يمكن تقسيم المصلحة والمفسدة ، فيستفيد أهل الدين كراسي الحكم ، ويستفيد الناس حل مشاكلهم ، مصحوباً ذلك الحل بالرضى الإلهي مما يعني أنه مضمون النجاح مئة بالمائة. وإن لم يتم حل المشاكل ولوواحد بالمائة ، فيكفيهم الله خير ضامن لأجرهم في الآخرة. والحكاية كلها وهم في وهم فلا الله أعلن عن ضمانه هذا المشروع للناس ، ولا هو أعطى توكيلا للإخوان نيابة عنه في الأرض ، ولا توجد مشاركة حقيقية للناس ، ومن ثم لن يبقى من كل ما قيل سوى زيادة المفسدة والمزيد من ضياع المصلحة.

والناس أو المسلمين عند هؤلاء هم فقط أعضاء جماعة الأخوان المسلمين وفروعها على مختلف التسمبات ، وإن أراد المسلم مكاسب حقيقية ملموسة واقعية عينيه ، أن يلتحق بعصابتهم للمشاركة في الثورة على الظلم الحكومي القائم ، والتمرد عليه لاستعادة عدلنا الإسلامي المفقود. ويتم ذلك بالتشويه الإعلامي المستمر لسمعة الحكومة بحسبانها أُس كل فساد ، بل وأنها النموذج لأسوأ فساد ممكن ، لأنه نوع خاص من الفساد ، إنه النوع الذى أدى إلى سوء علاقة الرب برعيتة ، وأبرز الأدلة على ذلك هو امتناع السماء عن الاستجابة لدعاء الرعية على الحكومة ، لأنه كان يكفي في أصل الشريعة أن ندعوا عليها دعوة رجل واحد بدعاء المظلومين ، آناء الليل وأطراف النهار لتسقط شذراً مدراً ، لكننا ندعو ونتفنن فى مطاليبنا الدعوية وهي لا تسقط ، إذن ثمة خلل في علاقتنا بربنا حتى أنه لم يعد يستجب لدعائنا وبكائنا وتضرعنا إليه ، ولا يبقى من حل سوى إزاحة الحكومات الكافرة ، هنا سيعلم الله و يفهم أننا قد أصلحنا ما بأنفسنا وقومنا الخلل ومحقنا الكفر ، ومن ثم يصالحنا و يستجيب لدعواتنا في تدمير إسرائيل و إزالة أمريكا ، عندما نصل بأهل الإسلام إلى السلطة ليطبقوا علينا شرع الله كعلامة خضوع كامل له كخطوة أولى على الطريق الصحيح.

لقد علم المشتغلون علينا بالدين أنه لابد من إشراك الناس في مشروعهم و لو وهماً ، بجعل الناس أصحاب المصلحة التي سيحلها لهم المتأسلمون عندما يحكموننا عن طريق الرب ، وليس عن مشاريع واضحة معلنة تحيطنا علما بها كبديل صالح لما تراه فاسداً ، وحتى هذه اللحظة لم نقرأ برنامجاً علمياً واضحاً لحل مشاكل الوطن تقدم به أي فريق من تلك الفرق المتأسلمة.

ولمزيد من التجييش يقدمون الأدلة للمسلمين على كفر الحكومة ، بالبنوك الربوية ، ووجود الخمارات في البلاد ، و الصلح مع إسرائيل ، و الفن الخليع الهابط ، و هو ما يجعل الحكومة الحالية عائقاً أمام تعاون الرب معنا واستجابته لدعواتنا.

هؤلاء عندما يفعلون ذلك هم صادقون مع تاريخهم ، فقد كان تداول السلطة عند أسلافهم يتم بدعاية تقوم بها المعارضة مع دعوة لإشراك الناس في ثورتهم ، ثم الإنقلاب من بعدها على الناس. معاوية فعلها مع علي ومع المسلمين من بعد ، أبوالعباس السفاح أعلن عدم شرعية الأمويين حسب المواصفات القياسية الإسلامية الشرعية ، وإنه إنما قام يطالب بحقوق الله وهي حكم الهاشميين وبني العباس تحديداً من آل البيت ، وبهم سيقيم دولة البر والتقوى والعدل والإحسان والدين ، فأقام دولة القتل والذبح والطغيان.

إدخال الدين في موضوع الدولة والحكومة ، يسوغ لكلٍ فريق أن يرى ما يراه من تفسير لمقصود الشرع ، ولإثبات خروج الحكومة على الشرع ، وهوما أدى إلى سوء العلاقة بالله ، والحل بالعودة للشرع.

كلهم بلا استثناء لا يريدون تغيير الحكومات القائمة لأنها أدت إلى تخلف شعوبها ، ولا لأنها أهملت الزراعة ، أو لأنها فرطت في حقوق عامة للمواطنين كالمسكن والعلاج والعمل ، أو أنها قصرت في حفظ الأمن والمرور وسيادة القانون ، أو أنها قصرت فى مواجهة الكوارث ، فكل هذا لا يخطر لهم ، لأنهم لا يرون الحكم أبعد من كونه نزاعاً على ميراث ، و لمن يؤول هذا الميراث؟ نفس النزاع كان هو المؤسس لحكم الراشدين وفتنهم العديدة ، كان نزاعاً حول من هو الصاحب الشرعي للميراث ، والرعية والأوطان هي التركة. في كل إنقلاب قامت به فرقة للاستيلاء على الحكم لتنزيل الشريعة وصالح الدين والديان ، لم تخفض الجباية عن الناس بل ضاعفتها ، ولم تقلل من الضرائب بل اعتصرت الناس اعتصاراً ، ولم تلغ العبودية بل زادت من عدد العبيد. كان التغيير المطلوب ومازال هو إجابة على السؤال: من يحق له امتلاك الأرضين بما فوقها من رعية؟ بإرضاء رب الدين بتفعيل شريعته ، وهي الشريعة التي استخدمها كل الفرقاء لإثبات فساد شريعة و شرعية بقية الفرقاء. فكان أن أصبح كل المسلمين كافرين في نظر كل المسلمين.

يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور فوزى خليل: إن المنفعة العامة جلب المصلحة ودفع المفسدة ستكون بالفتوى وبالاجتهاد ، ويسميه الاجتهاد السياسي الإسلامي. وهوأمر يركن إلى تعريف للمصلحة العامة قياساً إلي شريعة الله الذي هو أعلم بمصالحنا منا. لا يرى هؤلاء حولهم في الدنيا أن صالح الناس العام لم يعد بيد من يفتي فيه من أهل العلم الدينى والتقوى العارفين بالشريعة ، ولا بيد من يريد الاجتهاد ليستنسخ لنا من الشريعة القديمة شريعة قديمة برداء محدث. المصلحة العامة هي التي يحددها الرأي العام ، من يحددها هم الناس وليس المشايخ والمفتون والمجتهدون ، ذلك كان زمان المماليك وأبوالحجاج الثقفي وليالي هارون الرشيد ، ويوم نحس الخليفة الذي يعدم فيه أو ل من يصادفه من رعيتة ، ويوم سعده الذي ينعم فيه على أول من يصادفه منهم.

اليوم من يقرر الصالح العام هم الناس ، اليوم يصبح هذا الاجتهاد عملا ضد السلام العام للمجتمع المدني المحلي ، وضد أمن وسلام المجتمع الدولي. لأن استدعاء ذلك الزمان بما فيه من الجهاد والسبي والفيئ و احتلال العالم لإدخاله في نور الله ، كفيل بتهديد الأمن الوطنى والعالمي كله.

لكن لكي يكون الرأي العام معبراً عن الصالح العام لمجتمعه حقاً ، فلابد أن يتم ذلك في مناخ من الحرية في التفكير وفي القول وفي الاعتقاد ، وفي اعتياد وجود آراء مخالفة يمكن أن تنتصر هي في السجال وتعمم نفسها على الرأي العام لثبوت نجاحها. الشرط الأساسي لرأي عام سليم هو أن يكون المجتمع قد ألف واعتاد التعددية في الرؤى ، لأن رأياً واحداً سائداً يشكل عقلاً مجتمعياً كاملاً وفق قواعده وشروطه ، حتى يصبح الناس كلهم طبعة واحدة ، هو رأي عام مزيف ، ملعوب فيه ، وفي عقل المجتمع كله ، ليصبح ضد نفسه ، ويتحول إلى مجرد صدى للفتاوي. في هذه الحال يصبح الرأي العام غير معبر عن الصالح العام ، إنما عن صالح فئوي تتحقق فيه الفوائد لرجال الدين وحلفهم ، ولو قمنا بعمل قياس للرأي العام في بلادنا ستندهش أن تجده هو رأي رجال الدين الإسلامي بالتمام في كل شئ وفي كل شأن. وهو رأي صنعه لدى الناس رجل الدين وليس الدين ، بعدما أصبح رجل الدين رقيباً على الرأي والفكرة ، رقيباً على الآراء الأخرى حتى لا توجد بالمرة ولا يبقى في السوق سوى رأي واحد للجميع ويسلك الجميع ذات السلوك فيصبحون مجرد حشرات.

رجل الدين الذي يبحث عن المصلحة ويدفع المفسدة يراقب المصنفات والمطبوعات ، يهرع وراء كل مخالف في أي شأن بتهمة التكفير فلا يبقى حراً في المجتمع سوى رجال الدين كالعرب السادة القدماء ، لهم وحدهم الحق في القول في كل شئ والتدخل في كل علم وفن بالفتوى والتفسير ، ولهم كل وسائل التعليم والإعلام وتوجيه الرأي العام ، حتى تم استئناس الرأي العام وتدجينه في حظيرة العباد الصالحين ، هو النجاح الذي لابد أن نعترف به لتيار الدكتور فوزي ، بتحالف تحتي تمكنوا فيه من الاستيلاء على أجهزة توجيه الرأي العام في الدولة هم وحدهم ودون أي رأي آخر غير رأيهم. إن الاجتهاد الذي يطلبه الدكتور فوزي لا يعبر عن الصالح العام ولا الرأي العام ، فهورأي لا يقدمه المجتمع ولا يصنعة ، بل هو رأى فئة وطائفة اختارت نفسها لمهمة الشياخة والفتوى ، ومن ثم هيئوا الواقع كله ليبصم على قراراتهم وفتاواهم وهومغمض العينين ، فأصبح رأيهم الخاص رأياً عاماً ، بينما هو رأي خاص لجماعة خاصة ، لتحقيق مصلحة خاصة ، لهذه الجماعة بخاصة ، وما أبعد ذلك عن الصالح العام للوطن والمواطنبن.

 

نسخة جديدة بعد التصويب دولة الحداثة الفقهية

 نتابع ما تطرحه الكوكبة الجديدة من المشتغلين بالإسلام السياسي ، لإدخال الإسلام في كل مدخل ممكن من العمل السياسي ، وضمن هؤلاء نتابع ما كتبه استاذ العلوم السياسية الدكتور فوزي خليل (حاصل على دكتوراة العلوم السياسية وكبير مذيعى اذاعة الفرآن القاهرية ) حول كيفية صناعة القرار السياسي في دولة إسلامية تلتزم الشريعة عند صنع هذه القرارات.

يقول الدكتور فوزي: “إن عملية صنع القرار في الرؤية الإسلامية ، بحكم مقاصدها ومرجعياتها ، هي عملية ترتبط في تفاعلاتها بمفهوم التدبير ، الذي يعني التفكير العميق والدراسة الواعية للأمور لتدبير الأمور ، في الأمة تدبيراً يصلحها في الدنيا والآخرة”. ودعماً لما يقول يقدم استشهاداً من كلام الإمام جلال الدين السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر إذ يقول: “إن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”.

هنا نجد أنفسنا بإزاء أكثر من سؤال ، هل ما يطرحه السيد الباحث هنا هو رأي رجل دين أم رأي أستاذ علوم سياسية؟ لأن الأمر يستشكل علينا ما بين إعلانه عن علميته التي حازها بأرفع الدرجات على المستوى العلمي في دراسة السياسة ، وما بين ما يقول لنا هنا ، خاصة مع ما يستخدم من ألفاظ ذات نكهة سلفية ورنين إسلامي عتيق ، فماذا يقصد مثلاً بالتدبير كمفهوم يرتبط بعملية صنع القرار في الرؤية الإسلامية؟ يعرفه بأنه تفكير عميق ودرس واعي لتدبير الأمة بما يصلحها دنيا وآخرة. إذن التدبير تفكير عميق ودرس واعي من أجل ماذا؟ من أجل العثور على التدبير الذي يصلح شأننا دنيا وآخرة. وهكذا تاه منا التدبير هل هو مبتدأ أم منتهي أم وسط عملية اتخاذ القرار السياسي ، وهل هو وسيلة نصل بها مباشرة إلى صالح الأمة ، أم أن التدبير هو هدف العملية “لتدبير الأمة بما يصلحها دنيا وآخرة”.

ألفاظ زئبقية بلا معنى محدد واضح يمكن أن تضيف إليها أو تحذف دون أن يتغير أي شئ، لأنه في مساحة المفاهيم غير المتفق عليها يمكن لأى شئ أن يكون أى شئ, إن لم يعرفنا ماذا يعني بالتفكير العميق الذي هو التدبير المؤدي إلى التدبير؟ ولا كيف يتأتى لنا هذا التفكير؟ كيف ينشئه العقل البشري ليأتي بالشكل السليم؟ إن عبارات الدكتور وما يقدمه من مصطلحات يشير إلى إنها لم تأت بالشكل السليم ، فليس من الضروري أن يؤدي التفكير العميق الذي هو التدبير إلى صلاح الدنيا والآخرة ، فالأساطير والخرافات كلها كانت نتيجة تفكير عميق وتدبير ، الدكتور لا يفرق بين عقول تفكر ، وأخرى تفكر لكنها لا تعرف كيف تفكر ، المسألة هي كيف نفكر؟ لا أن نفكر تفكيراً عميقاً والسلام.

ومثل هذا التفكير الذي يعرف كيف يفكر ليصل إلى نتائج يطبقها في الواقع فيؤدي للنجاح والصلاح والمصلحة والتفوق ، له أصولة الفلسفية والتي تم اكتشافها حديثاً في عصر النهضة على يد فلاسفة ومفكرين عظام ، أسسوا لاكتشاف الجديد وإبداع ما لم يكن موجوداً ، ووضعوا نظماً حقوقية لحماية الكرامة الإنسانية ، وأسسوا لعلوم السياسة وفق أدق المصطلحات ، فليس عندهم تدبير بما يصلح الدنيا والآخرة ، وإنما هناك تفكير علمي أنجز وحقق واخترع و أبدع و إكتشف فأقام الحضارة الحديثة كأعظم حضارة عرفها الكوكب الأرضي.

وحتى لو قررنا التدبير كما يريد الدكتور فإننا سنعجز عن الوصول به إلى صلاح الدنيا وصالح الآخرة ، لعدم أخذ الدكتور في الاعتبار بما وصلت إليه علوم السياسة وهي تخصصه الدقيق, وفق عمليات وآليات للتفكير والتعليم. ولأن صلاح الدنيا شأن مدني محض خالص لا دخل للدين فيه ، وحتى إعمار المسجد الحرام والمسجد النبوي لم يقم على تدبير و تفكير دينى عميق ، بل قام على علوم الهندسة الحديثة وفنون قام بها متخصصون طليان وأسبان وغيرهم من الكفرة. ولوكان التدبير هو منشئ الصلاح في الدنيا ، لكان مسجد النبي فى زمنة الأول هو أفخم بناء أنشئ على الأرض لأن مدبره نبى وصحابته. بينما كان في واقعه بناء شديد التواضع والبدائية إذا قيس ببيت ريفي في كفر من كفورنا حتى فى أيامها. فالتفكير المؤدي للصلاح لا علاقة له بالدين أو بالإسلام أو بمصطلحاتهم السلفية ، فالمصطلحات ليست أدوات سحرية تفعل بمجرد النطق بها. أما التفكير العلمي فقام خارج النبع الإسلامي ، وقام بجهود أبناء الحضارات السابقة على الإسلام ، فتنوعت هندساتها بتنوع أصولها الحضارية ، فالمساجد في مصرمصرية بفن مصرى وهى غير المساجد في الشام بفنون أهل الشام وليس أهل الجزيرة وغيرها في أسبانيا وغيرها في جزيرة العرب ، فشأن تدبير الدنيا شأن إنساني أرضي بحت. اما شأن الآخرة فهوما ليس بيدنا إنما هو بيد رب الدين ، لأن الآخرة ترتبط بالدين والعبادات وأصول التوحيد… إلخ ، ولا دخل بتدبيرنا فيها ، فلا نحن نستطيع زيادة ركعات العشاء ولا الصيام في يناير ولا الحج في أمشير. هذه شئون الآخرة ، وهكذا لا تجد بين يديك لا صالح الدنيا ولاصالح الآخرة.

ويدهشك ما يرطنون به هذه الأيام حول أخذهم بالحداثة وإيمانهم بالديموقراطية كسبيل للتداول السلمي للسلطة ، واكتشافهم اسلوباً جديداً يتناول المستحدثات بحسبانها كانت موجودة في صلب الإسلام ، فأصبحوا يفعلون في علوم السياسة ما يفعله (مصطفى محمود وأبو جلمبو وزغلول النجاروأم سحلول) في العلوم الفيزيائية.

ورغم كل هذه المشقة التي يبذلونها ، تبدر منهم فلتات لسانية تشير إلى المرجع والمصدر الأصيل الذي لا يحيدون عنه ، أنظره يدعم ما يقولة عن صنع قرار سياسي إسلامى بلغة تبدوحداثية ، بقول الإمام الشافعي: “إن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”.

القوم مازالوا يعيشون زمن كان هناك من يتصرف على الرعية ، وأن عليه عندما يتصرف أن يرعى مصالح رعيته. وبدون وعي يلقي الرجل بشهادة يراها لصالح حداثته ، فإذ به ينتكس انتكاسة عنيفة إلى زمنه الذهبي السالف. زمن كان الخليفة هو المتصرف على الرعية. ولا تعلم هل فيما درس من علوم سياسية أن التصرف على الرعية هو شأن من شئون الرعية ، وأنها هي التي ترعى شئون نفسها ، وأنها ليست قاصرة ، وليست مستعبدة لسيد فاتح كما كان زمن الخلافة ، حتى نقيم لها سادة أو صياء مرة أخرى تكون مهمتهم تدبير شئون مصلحتها.

إن عبارة التصرف على الرعية تعني أن الرعية ليس لها حق التصرف ، هي الصورة التي تقبع في خلفيتها صورة الزمن الغابر عندما كنا عبيداً وعلوجاً وأنباطاً وأهل ذمة وأقنانا وجواري وإماء وغوغاء وعوام. لا يرون الدنيا حولهم وقد أصبح رجال الدين والعبيد والجواري والعوام كلهم سواء لأنهم كلهم شركاء في وطن واحد ، ومن أجله يصنعون قراراً يعود على المجتمع بالمصلحة. أصبح الموالي وأهل الذمة يشاركون بالتفكير العميق لصنع القرار السياسي رغم أنف الإمام جلال الدين السيوطي.

المدهش في أمر سدنه الفكر الإسلامي اليوم في قولهم بالحداثة ، هو تبنيهم لمبادئها من عداله وحقوق إنسان ومساواة وديموقراطية… إلخ ، وتبنيهم في الوقت ذاته لمتصرف على الرعية منوط تصرفه بالمصلحة ، وهو أمر يجد حل دهشته في ثقتهم أنهم قد تمكنوا من التحول بالمجتمع كله بعد تهيئته عبر وسائل الإعلام والتعليم والمساجد لقبول نظام المتصرفين على الرعية.

أما ما يدهش المتخصص في الدراسات الإسلامية ، هو من أين جاء الشافعي نفسه بهذه القاعدة الشرعية ومن أي حدث زمن الدعوة ، أو من أي آية أو حديث خرج بها وجعلها أصلاً إسلامياً للسياسة الشرعية كما يقول الحاج فوزى ؟

إن إناطة مصلحة المجتمع بالتصرف على الرعية لم يكن واضحاً عند المسلمين الأوائل ، بل كان هو الغائب الأمثل بلا نظير ، وكانت مصلحة المجموع هي آخر مايعنى المتصرف على الرعية ، وإذا كان المفروض أن تكون المصالح واحدة غير متغيرة ، فإن تاريخنا يقول أن كل خليفة من الخلفاء الراشدين قد تصرف على الرعية بطريقة غير التي تصرف بها الثلاثة الآخرون.

وإذا كانت مصلحة الناس هي المنوط بقرارات المتصرف عليهم حقاً ، فهل كان من المصلحة تغيير لغة مصرالقديمة إلى العربية ، فكان أن فقد المصريون والعالم كله وعاء حضاراتهم القديمة ، وهى خسارة حضارية فادحة ليس لمصر فقط ولكن للعالم والأنسانية أجمع ، حتى تحولت آثار تلك الحضارات في نظر المصرى المسلم اليوم إلى مجرد مساخيط. ولمصلحة من كان قرار إلغاء ومحوالمصرية القديمة؟ مصلحة الحاكمين؟ أم مصلحة المحكومين؟

لا يبقى من مفهوم المصلحة فيما تم طرحه حتى الآن ، سوى عملية إشراك وهمي للناس لم تتحقق حتى في أفضل قرون التاريخ الإسلامي ، هي ذريعة لإشراك الناس في استصدار تشريعات تجور على الناس ، حتى إن تذمر الناس قالوا له بمنطق الدنيا إنها المصلحة العامة ، وبمنطق الدين إنها إرادة الشريعة.

وإذا كان صنع القرار السياسي في عصر الخلافة الراشدة كان يتم وفق هذة الصياغات الكبيرة المحدثة التى يقدمها لتا الإسلاميون المحدثون أمثال الدكتور فوزى ، فهلا عرفنا حضراتهم كيف كان تدبير السيدة عائشة زوجة النبي (ص) العميق لاتخاذ القرار بشن الحرب على ابن عم النبى وخليفته علي بن أبي طالب ، وشقها على الإمام عصى الطاعة؟ كيف صنعت السيدة عائشة قرارها السياسي؟ وهل كان قراراها منوطاً بمصالح المسلمين؟ وكيف رفض معاوية إعطاء البيعة للخليفة الشرعي علي بن أبي طالب؟ وكيف صدر قرار إبادة آل بيت النبوة إبادة شاملة في مجزرة هي الخزي ذاته في تاريخنا العار؟. وكيف تم اتخاذ القرار السياسي منوطاً بالمصلحة لضرب الكعبة بالمنجنيق وتدميرها وحرقها على المستغيثين بها؟. هل كان هذا المجتمع مسلماً أم غير مسلم؟ لقد كان هذا هو مجتمع الصحابة الذي يدعوننا إليه الدكتور فوزي وجماعته

لا يشك أحد في سلامة إيمان الصحابة ، لكن الواقع أن الإسلام لم يقصد إلى إقامة دولة يتخذ فيها القرار السياسي من الشريعة ، فلم تكن الدولة ضمن أهدافه بالمرة ، لأنها لوكانت هدفه ، فلا شك أن دولة الصحابة كانت هي الهدف النموجي للدولة الإسلامية محققاً على الأرض ، ولكن إذا نظرنا إلى ما كان محققاً على الأرض فسنجدة مما لا يليق أن ننسبه إلى الإسلام ولا إلى رب الإسلام ، فالرب لوأراد دولة لهيأ لها ما يجعلها أعظم الدول عبر كل التاريخ ، لذلك لا يمكن أن نصف دولة كلها دم وقتل وفتن وفاتحين من النهابين بأنها هي دولة الإسلام ، أللة لايقيم دولة نتاشين وقتلة متمرسين ، تلك هى الدولة التي يريدون عودتنا لها كي ننجومما نحن فيه اليوم فنستجير من الرمضاء بجهنم وخراب الدياروالخروج من تاريخ الإنسانية مكللين بالعار ، الأكرم للإسلام ألا تنسبه إلى الصحابة مهما علا قدرهم لأنهم في النهاية بشر بضعف ومطامع البشر ، والأكرم للإسلام ألا ننسبه إلى تلك الدولة الراشدة أو غيرها ، لأنها لم تكن دولة الإسلام بل دولة العرب ودينها الإسلام. كانت إمبراطورية العرب ، وما جرى فيها من ظلم وسحق وحرق يعود إلى مطامع تخص البشر العرب الحاكمين  ولا علاقة للإسلام كدين بهكذا دولة. إن اللة لاينشىء دولة قتالين قتلى وشيوخ منسر.

الدين الإسلامى طلب منا الإسلام ، ولم يطلب منا الدولة ، طلب منا أن نعبد الله ونطيعه أملاً في رحمته وكريم غوثه ، ولم يطلب منا الانضمام إلى حزب الله أو حزب البعث أو حزبنا اللة ونعم الوكيل ، ولم يطلب منا الإسلام أن نستدعيه اليوم لنستمع إلى رأيه الشرعي في عملية صناعة القرار السياسي ، بينما لم تكن السياسة ولا الدولة ضمن شواغله أو اهتماماته أصلاً.

ويبقى أن نصف ما قال الدكتور بأنه عبارة نابية ومهينة للجميع ، فقولتة “التصرف على الرعية” ، عبارة تهين العقل وتشين المواطنين وتصمهم بالهطل والعتة والبلة وتفرض عليهم الوصاية والهيمنة. أما كلامه عن التدبير والتفكير العميق فهى من قبيل : هوكس فوكس وشمهورش جمهورش طراطيش ، هو من أدوات السحر والشعوذة ، هي حركات بهلوانية كاذبة تعمد إلى إعطاء الإيحاء أنه يعمل بالعقل ، بينما هو لم يعمل فيما قال حتى الآن سوى بالنقل وحدة ولم يقل شيئا لة علاقة بالعقل ولا بتخصصة كدكتور علوم سياسية .

الملاحظ أنهم الفريق الوحيد الذي ليس لديه ولا يملك أي حل مبرمج لمشاكل الوطن ، فهم يضعون شرطاً مسبقاً هو تمكينهم أو لاً من الحكم حتى يأتونا بعد ذلك بالحل؟ فإذا كان لديهم حلولا فهل من الحرام إعلانها على الناس؟ أم أن الحل جاهز وموجود هو نموذج الدولة الإسلامية الراشدة كما يعلنون في حالات أخرى؟

ولهذا السبب تحديداً فإن المجتمع لا يبدومقتنعاً بصدق ما تطرحه عليه فرق الإسلام السياسي ، لأنه لواقتنع حقاً وصدقاً لصار منهم ، ولشاهدنا في مصر ستيين مليون لحية غير مشدبة وستيين مليون لباس باكستاني. شعبنا خجول وحساس تجاه الدين فيقدم ما يثبت هذا الحياء فيقبل الحجاب ويطبق الشروط الدالة على الإسلام على الطرف الأضعف ، لكنه لا يطلق لحيته ولا يربط رأسه برباط أبي الحكم أو أبي لهب وأبى عنزة . لوكان الناس مقتنعون حقاً لشاركوا في تغطية الإخوان المسلمين في الإنتخابات بالحضور بنسبة 100 % وليس 15 %. الناس منسحبون من مباراتكم يا دكتور فوزي لأنهم يعلمون أنه صراع على الحكم وأنة ليس لهم ولا لدينهم ناقة فيها ولا حمار .

نتابع معاً استكشاف مجاهل الخطاب الإسلامي السياسي المحدث للعثور على ما يمكن التعامل معه ، رغم خداع هذا الخطاب ومخاتلته وعدم شفافيته ولا وضوحه ولا تدقيق ما يقول من ألفاظ أو عبارات. نتابع استاذ علوم سياسية يضع لسياستنا في الدولة الإسلامية المقبلة طريقة صنعها للقرار السياسي بالإستناد إلى الشريعة ، حتى يتحقق الوئام ونكون قد أصلحنا بما في أنفسنا فينصرنا الله على القوم الكافرين.

يقول الدكتور فوزي خليل في: “إن لدينا قواعد صارمة وضعها علماء الشريعة يجب توافرها في القائمين على إعداد القرارات ذاتها ، ومرجعية هذه القرارات”.

أنظر هنا إلى اللغة والصياغة وأسلوب التعبير ، علماء الشريعة وضعوا لنا قواعد صارمة ، ولا تفهم لماذا علماء الشريعة دون غيرهم هم من يضع لنا القواعد طوال الوقت ، وهى القواعد التي يصفها بأنها “صارمة”. ولا تفهم كيف تلتقي الصرامة في التشريع مع ما يغنيه علينا بطول موضوعة ، هو وغيره من فريقه ، عن ديموقراطية التشريع الإسلامي.

إن الصرامة هي الجمود ، وعكس الصرامة هو السلاسة والليونة والمرونة ، أما الصرامة والحدود القواطع والأمور المنتهية الغير قابلة للنقاش ، فكلها مما لا يتفق لا مع الديموقراطية ولا مع الكرامة ولا مع الحرية. إنه يضع لنا هنا صنفين من البشر ، صنف يسوس بشريعة الله ويضع القواعد الصوارم والحدود والقواطع ، وصنف مسوس كقطعان الخراف .. هو الرعية وعليه الطاعة بدون نقاش. هكذا سيحكموننا يا مسلمين.. هكذا ! !

إن الصرامة هي إحدى وسائل التعامل مع العبيد ، ولا تصدر إلا عن قلوب صارمة حجرية تتفنن في صرامتها ، وتغالي في احتداد هذه الصرامة يوماً بعد يوم. التشريعات الصارمة لا تعرف التسامح ولا الراي الآخر ولا المحبة ولا الإخاء ولا الليونة ولا التيسير على الناس ولا الرفق بالإنسان ولا بالحيوان. إن الصرامة مكانها الوحيد هو عندما نكون في حالة عداء وحرب مع دولة أخرى ، الصرامة لا تكون بين أعضاء المجتمع الواحد ، لأنهم إخوة لا أعداء ، إخوة وأهل وأصدقاء على قدم وساق ليس بينهم سيد يفرض صرامته ، ومسود يطيع وهومصروم.

إن الصرامة التي يعجب بها المتأسلمون بشدة كما نرى ، مأخوذة من تاريخ مضى وانقبرلا أعادة اللة ولا ردة ، كانت تناسب زمنها وتتفق مع وقائع قديمها ، حيث الحكم بالسيف والعقاب بالسوط وبالرجم ، الحاكم أوحد مطلق النفوذ في التصرف على رعيته. إن أدبيات الصرامة هي ما تغص به أرفف مكتبتنا التراثية ، تسبب لمن يقرأها اليوم الألم فى القلب والوجع فى الضمير لما كان يلحق بالعباد في دولة الصرامة من ظلم وطغيان يفطر الأكباد. وتشرح حال الرعية في عصور الظلام حيث في كل اتجاه قواعده صارمة لا تعرف الرحمة ، كما أنها لا تعرف أيضاً تيسير الإسلام كما كان في بكارته الأولى ، قبل أن يصيبوه بالجهامة والقتامة والغلظة بما أضافوه له عبر العصور ، فأينما مددت يدك في تراثنا وجدت كنوزاً من قصص الآلام والجبروت ، أسوق لكم نموذجاً لطيفاً منه نقرأه معاً من صبح الأعشى للشيخ أبي العباس القلقشندي إذ كتب يقول: “وهذه نسخة مرسوم كتب به عن نائب المملكة الطربلسية إلى نائب حصن الأكرد ، بإبطال ما حدث بالحصن من الخمارة والفواحش ، وإلزام أهل الذمة بما أجرى عليهم أحكامه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي) ، في أو اخر جمادي الأولى سنة خمس وستين وسبعمائة وقد جاء فيه: وأما أهل الذمة ممن رفع عنهم السيف إلا بإعطاء الجزية والتزام الأحكام ، وأخذ عهود أكيدة عليهم من أهل النقض والإبرام. فليتقدم الجناب الكريم بإلزامهم بما ألزمهم به الفاروق رضوان الله عليه ، وليلجئهم في كل أحوالهم إلى ما ألجأهم إليه ، من إظهار الذلة والصغار ، وتغيير النعل ، وشد الزنار ، وتعريف المراة بصبغ الإزار ، وليمنعوا من إظهار المنكر والخمر والناقوس ، وليجعل الخاتم أو الحديد في رقابهم عند التجرد في الحمام. ويلزموا بغير ذلك من الأحكام التي ورد بها المرسوم الشريف من عدة أيام. ومن لم يلتزم منهم بذلك وأعلن بكفره وأعلى حكمه ، فما له إلا السيف وغنم أمواله وسبي ذراريه وما في ذلك على مثله حيف. فهاتان مفسدتان أمرنا بإلزامهما فراراً من سخط الله تعالى وحذراً منه ، إحداهما إبطال الحانة ، والثانية إخفاء كلمة اليهود والنصارى ، فليقدم الجناب المشار إليه باستمرار ما رسمنا به.. ، ونرجومن كرم الله تعالى استمرار هذه الحسنة مدى الزمان ، وليقمع أهل الشرك والضلال بما يلزم من الصغار عليهم والإذلال “.

هذه هي دولة الشريعة التي كانت تطبق الشريعة بدقة وهي الدولة التي يريد أن يستعيدها لنا الدكتور فوزي خليل وإخوانه. ويفلسف لها ويؤسس بلغة معاصرة تناسب زماننا فيقول: “يغدوالإجتهاد في مفهومه الأصولي ، هو الأساس الذي يقوم عليه الاجتهاد في العملية السياسية ، الهادفة إلى الوصول إلى القرارت ، التي تستهدف حفظ مقومات المصلحة العامة”.

إذن هو يقول أن الإجتهاد في العملية السياسية يسير عبر هدفين الأول هو الوصول إلى القرارات ، والثاني هو هدف هذه القرارات وهوأن تكون مهمتها حفظ مقومات المصلحة العامة ، وتكون المصلحة العامة هي المحور الذي تدور حوله عملية الاجتهاد ، وهوكلام جميل لابد أن نتساءل قبله: ما هي المصلحة العامة وكيف نعرفها؟ ربما يكون طرح الأسئلة سبيلاً للوصول إلى تعريف المصلحة العامة ، فهل السعي لإقامة دولة دينية تمهيداً لإقامة خلافة إسلامية إمبراطورية من المصلحة العامة؟ إم سيترتب على ذلك حتماً المصادمة مع دول العالم والمجتمع الدولي. وإعلان التمرد على الشريعة الدولية المتمثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة والقانون الدولي ومعاهدات جنيف. وهل من المصلحة العامة إعلان الحرب على الذين كفروا من أهل الكتاب فنبدأ مثلا بالأقربين فنستولى على أموال الأقباط ونهتك أعراض نساءهم ونستبيح ذراريهم ونستعبد رجالهم ؟ أم ترى أن تكون الأفضلية نتطهير بلاد الإسلام من الشيعة الروافض ؟ سؤال أخير: هل من صالحنا العام أن نظل محكومين بإفتاءات تنهال علينا من كل فجٍ عميق في كل طريق وفي كل مكان .

إن المصلحة العامة شأن شعبي يخص الجميع ، وليس مصلحة لجماعة محظورة أو لفريق من الشعب دون فريق آخر.

إننا كي نتعرف على صالح مجتمعنا العام ، نحن في حاجة أولاً إلى رأي عام رشيد يحدد لنا المصلحة العامة ويعرفها ليأخذ بها المشرع ، وقبل هذا وذاك نحن بحاجة لفك أسر الرأي العام وإطلاقه حراً ، بأن توضع أمامه خيارات وبدائل أخرى يمكنه المقارنة بينها والمفاضلة قبل الاختيار. وقبل كل ما سلف وكي نوجد حرية تصنع رأياً عاماً رشيداً ، علينا تحطيم الأنصاب والأوثان التي صنعها لنا رجال يشتغلون بالدين وليسوا هم الدين ، إنما هم من يلعبون بالدين وبنا ويتحصنون بالدين ضد كل المجتمع. لن توجد حرية ولا رأي عام رشيد يمكنه تحديد صالحه العام طالما كانت قلعة رجال الدين زاخرة بالرماة المتمترسين بمقدساتنا ، الذين لا يجدون غضاضة أبداً في خلع المواطن من الملة بشديد البساطة. ويقتلون مفكراً مثل فرج فوده بعد صدور فتوى بتكفيره من الأزهر ، وينفون غيرة من الأرض المسلمة بعد تطليقة من زوجتة لتأويه بلاد الكفرة وتحميه من عذاب رجال دين الإسلام وغضب سماحتهم وقاتم لطفهم وعسر تيسيرهم. لأن الرأي العام للمسلمين قد تم استئناسه واستعباده بمخترعات الإعلام الحديثة. أليس من قتل الرأي الحر مصـادرة الكتـب والروايـات ومحاكمـة الكتـاب والمفكرين بتهمة التفكير؟

إن أحداث ميدان الأزهر ودهب وشرم الشيخ والعريش وإغتيال الزعيم المصري الوحيد المعاصرالذي آزره رب العزة ونصره وأيده ، يوم عيد نصره ونصر مصر كلها. إغتالوه رغم الماثل أمامهم من تأييد رباني ، ثم حاولوا إغتيال سلفه في أديس أبابا ، وقتلوا فرج فوده وطعنوا رجل نوبل العبقري رحمه الله ، وطلقوا كاتبا من زوجتة وكفروا سيد القمني وحاكموه مرتين لولا لطف من الله وتأييده فحاز البراءة ، فإن كان الحديث يقول: من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهمـا ، فهل يعنى هذا أن الأزهر الذي طالب محاكمة سيد القمني ، هو من باء بها. أليس كل هذا الذي يحدث اعتداء صارخ على حرية الفكر؟ أليس الإدعاء بأن الإسلام دين ودولة هو دعوة لعودة الاستبداد الخليفي والإرهاب الفكري ، لسلب الناس حرياتهم باسم مطالبة رب العزة لنا أن نقيم له دولة في بلادنا ، يرأسها نوابه من الإخوان المسلمين أو طالبان أوالبشيرأو أبوسياف!!.

من صالحنا العام أن نعيش كبقية البشر في الدنيا أحراراً ، لنا الحق في التفكير والإعلان عن نتائج هذا التفكير للناس ، من صالحنا أن يكون لنا حقوق إنسان كاملة غير منقوصة ، من صالحنا العام أن نرفض عودة العمل بنصوص الدين في دولة دين تنص على الخراج والجزية وتقيم الناس طبقات حقوقية مع العبودية وأجنحة ألحريم. لقد نسخت القوانين العالمية والرأي العام الدولي العمل بآيات العبودية والجزية ، وهي حتى الآن فى فقهنا السارية المعمول بها أبد الدهور لأنها من نوع الناسخ من الآيات وليست من نوع المنسوخ ، الاتفاقات الدولية نسخت الرق من الدنيا رغم أنه غير منسوخ في القرآن ، ووافق المسلمون على القرارات الدولية عن يد وهم صاغرون وتم نسخ الرق من حياة المسلمين بعد أن قالوا لولى الأمر الأممى الدولي: سمعنا وأطعنا.

قرارات الأمم المتحدة نسخت فقهاً كاملاً بما يرتبط به من حديث وقرآن هو فقه الجهاد والسبي وتغيير أديان الناس بالسيف ، اليوم لم يعد هناك خمس ولا فئ ولا من قتل قتيلاً فله سلبة ولامن اسر أسيرا فهو لة ( أى يستعبد لة ) ، حركة التاريخ نسخت أحكام الرجم والجلد والقطع والجزية والعبودية.

ورغم درس السماء في التغيير والتبديل والنسخ والرفع والإنساء لآياتها بما يجاري حركة الواقع المتغيرالمتطور ، ورغم اتفاق العالم على إلغاء الرق والجزية فتوقفت الآيات عن العمل ، فإن فقهاؤنا يرفضون إعلان هذا الإلغاء بما هو في المصلحة العامة للبلاد والعباد ، لأنهم لم يجرؤا كما جرؤ سلفهم الصالح على إلغاء تفعيل أحكام لتجاوز الزمن لها ، مثل إلغاء عمر لمتعة الحج ومتعة النساء والفرض المعروف بسهم المؤلفة قلوبهم ، وأن الرب عندما نسخ آيات ، وإن الخليفة عمر عندما نسخ العمل بأحكام آيات ظلت منسوخة بأمره إلى اليوم كإلغائة سهم المؤلفة قلوبهم ، ودون تدخل جبريل أو السماء ، كان الهدف من النسخ في الحالتين هو مواءمة متغيرات الواقع الأرضي وتطورها من أجل الصالح العام ، وتعد ظاهرة النسخ في القرآن من أبرز ظواهر مواءمة المقدس الإسلامي للمتغيرات ، بحيث كان يجرى تعديلات على ذاته توافقاً مع هذا المتغير واعترافاً به ، من أجل مصالح المجتمع العامة التي لابد أن تساير التطور.

تتوافق أيضاً ظاهرة النسخ في الوحي مع قانون الكون كله وهوالتغير والتطور ، وضرب لنا منها القرآن الأمثال لنفهم ونتغير عندما يكون التغير مطلوباً ، وحدثنا عن قوانين سقطت بحكم حركة التاريخ كما في نسخ الأحكام للأحكام. لأن التاريخ لوتجمد لما هاجر النبي (ص) ، ولما انتصر في بدر ، ولظلت الآيات المكية فاعلة ، ولكان القرآن كله مكياً داعيا للمسالمة والمعاملة بالحسنى والصبر الجميل ، لكن التاريخ تحرك فظهر الطارئ الجديد مع الهجرة وبدء الحرب على طريق التجارة المكى ، فتحرك الوحى و جاءت آية السيف لتنسخ آيات حرية الإعتقاد وأي تفكير خارج المقدس الإسلامي تحديداً. والتاريخ مازال يتحرك والدول من يومها تقوم وتسقط لتنتهي ويقوم غيرها أحدث منها وأقوى ، وأكثر نظاماً وانضباطاً لما حصلتة من خبرة سابقة تؤدي إلى تحسن نوعي مع تراكمها ، فتتحقق العدالة اليوم بأفضل مئات المرات مما كانت بالأمس ، حتى لوكانت محكومة بقوانين مقدسة ، فلم يعد لدينا عبيد ولا سبي ولا نكاح للإماء ، وأمكن محاكمة الطاغية وشنقه علناً ، وبقية الحبل على الجرار ، ومازالت حركة التاريخ تستهلك قوانينا وتخلق الأكثر منها إنسانية. لقد ذهبت حركة التاريخ بقوانين حمورابي وبالحركة النازية والشيوعية. وكذلك نسخت الآيات المدنية آيات مكية ، وكذلك فعل التاريخ عندما نسخت قوانين اليوم الحقوقية نظام الجزية والعبودية والجلد والرجم والقطع والمنجنيق والسيف والرمح والبيداء تعرفنى .

ومن ثم لا يبقى مع موقف مشايخنا سوى أن يصمتوا أو أن يجترئوا جرأة عمر ، لأننا نحن أصحاب الصالح العام ، ونفهم من ديننا أن الله بمنهج القرآن الخاص جداً دون كل الكتب السماوية أن النسخ مطلب دورى كلما طرأ طارىء ، وأن عمراً عندما نسخ أحكام آيات وأوقف العمل بها نهائياً رغم أنها كانت فروضاً بالمعنى الدقيق للكلمة كان يطبق تلك القاعدة الإسلامية الذهبية النادرة بين كل الأديان ، كان النسخ فى القرآن وعند عمر يهدف إلى الصالح العام للناس بما فعلا ، فعل الله أو لاً ، وفعل الرسول مع أحاديثه نفس الفعل ، وفعل عمر بفروض الله نفس الفعل ، وأننا عندما نعلن أنه لم يعد في صالحنا العام أن نتحدث عن جهاد أو هتك أعراض المهزوم أو سبي الأطفال والنساء ، رغم وجود آيات بذلك ، فهوما لا يعني اننا قد كفرنا بالله ، لأن الكافر بالله هو من ينكر وجوده وينكر قدرته الكلية ، وهوما لا ينكره أحد ، لأننا نعرف الله ونعرف مقدساته ونؤدي له فروضه ، كما نعرف أيضاً أنه ترك لنا مساحات حرة واسعة لم ترد في النصوص ، وأننا أحرار في اتخاذ القرار فيها بأنفسنا ، وأن تلك المساحات اتسعت كثيراً عن زمن النبوة لظهور متغيرات هائلة لم تكن موجودة زمن النبوة ولم تصدر بشأنها أى أحكام ، كما نعرف أنه ضرب لنا المثال بالنسخ عنواناً لمبدأ إسلامي في التغير ، وأكده عمرة وزاد عليه أنه بإمكان المسلمين أن يفعلوا ذات الفعل في الواقع بدون وحي ، فكفانا المثال ، لنتخذ ما يناسب الصالح العام لزمننا بعد مضى أربعة عشر قرنا عن عمر الذى غير بعد عشر سنوات وأضطرتة حركة الواقع إلى إلغاء العمل بنصوص قرآنية بل وبإلغاء فروض قرآنية غير منسوخة .

كل هذا في جانب ، ومفلسفوا الدولة الإسلامية الآتية في جانب أخر ، لازالوا يتحدثون عن الوصول إلى الصالح العام عبر عملية الاجتهاد الإسلامي ، أو كما قال الدكتور فوزي خليل: “يغدوالاجتهاد في مفهومه الأصولي هو الأساس الذي يقوم عليه الإجتهاد في العملية السياسية الهادفة إلى الوصول إلى القرارات التي تستهدف حفظ مقومات المصلحة العامة”.

المصلحة عامة ويعلم الدكتور فوزي وبطانته ذلك ويفهمه ، لكنه لا يرى الناس قادرة على فهم مصالحها ، يرون المسلمين دون العالمين أشد الناس بلها و تخلفاً وعتهاً وكساحاً عقليا حتى أنهم لا يستطيعون معرفة صالحهم العام ، فهناك من يعرف لهم هذا الصالح وليس مطلوباً منهم أي بذل جهد بهذا الخصوص ، فسيقوم الشيخ عاكف أو الشيخ قرضاوي أو الحاج فوزى بالاجتهاد نيابة عنا ، لأن الاجتهاد ليس عبثاً مشاعاً بين الجميع ، لأن المجتهد يجب أن تتوفر فيه شروط صوارم ، وعندما تطالع هذه الشروط ستجد أنها لا تتوفر إلا في المشتغلين بالدين على المسلمين ، من الأزاهرة ، ومن الإخوان المسلمين ، ومن مشايخ التلفزة والفضائيات. ومع هذه الشروط يتم استبعاد جميع المسلمين من الإعلان عن مصلحتهم العامة حتى لوعرفوها ، لأنها إن صادمت رأي الشرع أو تصادمت مع مصالح راعي الشرع على الأرض من مشايخ ، فإنها ستكون كفراً وعصياناً لله ، ومن ثم لا يبقى سوى اجتهاد الفقيه ورأي الفقيه ومصلحة الفقيه إضافة بالطبع إلى حلفائهم من جماعات المنتفعين والتنفيذيين في أجهزة الدولة ، إن نظرية الاجتهاد تضيف إلى هؤلاء أيضاً الشيوخ المسلحين ، الذين أمكنهم في ظرف تاريخي لن يتكرر أن يعيقوا حركة العراق نحوالنور ، بل وإعادته إلى زمن الحروب الجهادية ، ويريدون أن يعيدوا مصر إلى دولة الخلافة بعد أن كانت أول دولة تتحرر من الخلافة على يد محمد علي عام 1805 م.

 

 

يتلقى الكاتب المكالمات التليفونبة من الخامسة مساء إلى السابعة مساء بتوقيت القاهرة على تليفون رقم 0020189914505 عدا يومى الخميس والجمعة

elqemany@yahoo.com

الحوار المتمدن - العدد: 2611 - 2009 / 4 / 9

Posted by المجموعة الليبرالية at 22:00:06
Comments

3 Responses to “دولة الحداثة الفقهية”

  1. غريب الدار says:

    يا سيدي ,,

    لابد من الاعتراف بأنك تتكلم بمنطق و عقلانية تبدو لضعاف العقول بانها غير قابلة للنقاش, و لضعاف الايمان بأنك المخرج و الامل و المهرب من عبودية الفكر و التصرف.

    لا اعتقد اني املك العلم الذي تملكه, ولا المكانة التي وصلتها, ولا حتى الجمهور الذي تتمتع به و ينتظر تعليقاتك ويصفق لها بنفس الحرارة التي تنتقدها عندما يصفق جمهور الشيوخ الاصوليين الرجعيين الذين يدعون الى العودة لزمن الخلافة و العبودية و الرقيق - على حد وصفك و قولك -, و لكن على ما يبدو ان الامر يختلف, فجمهورك يصفق للحق, و جمهورهم يصفق للرجعية, بالرغم من ان تصفيقهم هو مكافأة لك على هجومك على هؤلاء المشايخ و تحقيرك لهم, بينما انته تنتقد هجومهم على امثالك من المفكرين الاحرار, فياللعجب, لابد ان هنالك امرا يخفى علي لا استطيع استيعابه, فلابد ان الحق معك و ليس معهم؟؟!

    مجددا, من انا لنقاشك و لكنها بضع افكار خطرت في بالي, مثل المقولات التالية التي لا استطيع الا ان اراها الحق كل الحق:
    نحن امة اعزنا الله بالاسلام فمهما ابتغينا العزة بدونه اذلنا الله - او كما قال
    لو رأينا منك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا - او كما قال
    لو كان نبيا من بعدي لكان عمر - او كما قال عليه اتم الصلاة و التسليم
    و العديد العديد من المقولات و المواقف التي لا املك انا و غيري من البسطاء الا الوقوف احتراما لاصحابها, لانهم كانوا رجالا بالمعنى الذي نفتقده في يومنا هذا. و لكن اسمح لي ان اسألك هل تعتبر الخلافة في عهد كل من الرسول صلى الله عليه و سلم و عهد ابي بكر و عمر و عثمان و علي رضي الله عنهم, هي مثال للعبودية و الاستعباد الفكري الذي يمنع المسلم من التفكير سوى بالعبيد و النساء و الجنس و جمع الاموال؟؟؟
    ماذا عن قوله تعالى :( ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون ) صدق الله العظيم؟؟؟؟

    صدقني لست املك الا القليل من علمك, اسأل الله ان يزيدنا علما, ولكني اتمنى ان توضح وجهة نظرك الكريمة فقد قرأت من مدح الناس لك ما يجعلني اتمنى ان احصل على توضيح من حضرتكم و ان كان في ذلك اخذ من وقتكم الكريم

    و تفضلوا بقبول الاحترام

  2. حدحامي عادل says:

    الأستاذ سيد محمود القمني ، أعلن لك تضامني الكامل و التام مع شحصك الكريم و كنت قد نشرت مقالا حول هاته الأزمة الشرسة و الجبانة التي تعرضت لها في صحيفة”الأحداث المغربية “بتاريخ 20_8_2009 هنا في المغرب، و قد تركت صدى طيبا و تجاوبات تجلت في الردود التي أتت تعقيبا على المقالة وأنا أبعث لك بنص المقالة التعريفية بهذه القضية لتعلم أن نبض فكرك قد تجاوز أرض الكنانة العظيمة ليبلغ أقصى مغرب هذا العالم المسمى عربيامأساة القمني
    حدجامي عادل

    لا حديث للناس في أرض الكنانة هذه الأيام إلا عن سيد القمني، و عن الجائزة التقديرية التي منحت له من طرف مجموع الباحثين و المفكرين المصريين. فما إن أعلن عن اسمه فائزا هذه السنة، بعد تصويت سري و إجماع ثلثي المصوتين اللذين يبلغ عددهم الستين، حتى خرجت جبهة علماء الأزهر ببيان تكفيري شرس، تهاجم فيه اللجنة المانحة والباحث الذي منحت له. متزعم هذه الحملة ليس سوى المدعو “سيد البدري” صاحب قصب السبق في هذا الباب، والذي انتهى إلى تقديم شكوى في مائة صفحة إلى النيابة العامة، يدعو فيها إلى منع الجائزة عن الرجل لأنه كافر، بل و إلى تجريده من جنسيته و طرده من البلاد. تفاقم الأمر بعد أن خرج “داعية” آخر يدعى “إسحاق الحويني” في إحدى القنوات ليعلن لمجموع المسلمين بأن سيد القمني كافر كفرا براحا، و أنه عدو و خطر على الإسلام، و أن على كل مسلم غيور على دينه أن يعمل بصريح هذه الفتوى، و هو ما يعني في العمق استحلال دم القمني . و كذلك كان، فما إن أعلنت هذه الفتوى حتى بدأت التحرشات بالرجل و أسرته، و هو أمر ينبغي أن يأخذ بجدية، في بلد له سوابق في قتل المفكرين ( فرج فوذة)، و في طردهم و تجريدهم من جنسيتهم (نصر حامد أبو زيد)
    من هو سيد القمني حتى تتوجه له هذه التهم الخطيرة، و يحشد له القوم كل هذه الدعاوى و الفتاوى، و يستنفرون صحفهم و قنواتهم و نوابهم في البرلمان ضده؟
    هو مجرد كاتب ، قضى عمره في تدبيج كتبه المتوزعة بين التاريخ القديم ( الفرعونيات_ الإسلاميات) وعلم الاجتماع الديني ( أبحاثه في أساطير الشرق الأدنى و اللغات السامية القديمة) ؛ و للرجل في كل واحدة من هاته الدروب معلمة تشهد له بالتمكن؛ كتابه ” النبي موسى و آخر أيام تل العمارنة”، الذي صدر في أربعة أجزاء و أخذ أربعة عشرة سنة من التأليف، في مجال أصول الديانات التوحيدية و علاقاتها بالشرق القديم، و كتابه “النبي إبراهيم و التاريخ المجهول” و “رب الزمان”، في اليهودية كعقيدة و تاريخ، وكتابيه ” الحزب الهاشمي” و “حروب دولة الرسول” بحوث في منشئ الدولة و مفهوم السياسة في الإسلام .هو مجرد كاتب إذن، ولكنه كاتب مستقل، ليس منتميا إلى حزب أو مندرج في تنظيم، بل هو ليس حتى موظفا، كل مدخوله و قوته هو مما يبيعه من كتبه، و المشكلة بالضبط ، في تصوري، هي في هذا الاستقلال، لأن عدم انتمائه يعني أن لا أحد له مصلحة في حمايته ، بل لعل المصلحة تكون في التخلص منه؛ فهو شخص مزعج من منظور النظام القائم لأنه يعلن مناهضته لحكم “العسكر”- باصطلاحه- ، و تزكى ذلك بموقفه الصريح من توريث ابن مبارك الحكم؛ وهو خصم لما يسمى ب”البديل الإسلامي” الذي يمثله الإخوان و التيار الوهابي، بل لعله أقوى خصم معاصر لهذا المشروع، فهو مناظر رهيب، ما ناظر أحدهم إلا غلبه، وهو صاحب قلم ساخر لاذع، سخره في منافحة مستميتة عن الدولة العلمانية، و هو ما يجعل كل أحقاد ” الإسلاميين” تتركز حول شخصه ؛ وهو أيضا – و هذا ما لا يذكر إلا نادرا- خصم مبدئي لدولة إسرائيل، إذ كل تآليفه الأولى هي بحث علمي يفند، من خلال التنقيب في النصوص القديمة ، أسطورة “إسرائيل الكبرى” و “دولة الملك داوود و سليمان”، و هو ما يجعل منه من المنظور الإسرائيلي و الغربي عموما، بسبب من علميته هاته، أخطر نوع ممكن من الأعداء .
    إن ما يتعرض له رجل من هذا الحجم من اضطهاد لمجرد أفكاره يدل على أمور كثيرة تتجاوز المستوى الإنساني و الأخلاقي لشخص القمني، نحو أمور تمس طبيعة هذا المجتمع الذي نحيا فيه برمته و بوضع المجتهد فيه .الأمر الأول الممكن استخلاصه هو أن هذه الأمة لم تبرح بعد حدود القرون الوسطى، حيث يهدد الباحث ويهان و يقتل لمجرد أنه يكتب، و هو ما يتطلب منا التريث أمام كل ادعاءات التحديث و العصرنة و النهضة، و كل مظاهر التحضر الاستهلاكية والانفتاح الإعلامي الصوري، فكل هاته لا تعدو أن تكون غلالة خارجية رقيقة، تخفي عقلا وسطويا موغلا في التخلف و القدامة، هو الماسك في الحقيقة بمصيرنا .الأمر الثاني هو ضعف و هوان كل من يتجشم عناء تشغيل عقله أو الانتصار للعقل عند بني جلدتنا ، فثمن أن تحب بلدك و أن تحلم بتحريره من تسلط العسكر و تجبر المتطرف و هيمنة الأجنبي، و أن تجتهد لنصرة العقل، هو أن تلفظك “الدولة”، وينفرك المجتمع( أسرة القمني شبه معزولة في مدينة الواسطي، مقاطعة بالشبهة)، و تعيش الفقر و الحاجة و الذل، و يستباح دمك و عرضك أمام العالمين بالسب و التكفير و التخوين. المثقف الحر هو اليوم أهون ما يكون حالا، هو ضحية سندان مجتمع ناكر جاحد، واقع تحت سلطان جماعة من الفقهاء يغازلون غرائزه الرجعية؛ مجتمع مستلب بميله الفطري إلى اتهام من يخالف مألوفه ؛ و بين مطرقة نظم سياسية متسلطة لا تتورع عن تفقيره و تجويعه و إهانته، و بين هاذين يحيا المفكر مأساته.
    كان من نتائج هذه الحملة الشعواء، و فتاوى القتل و التهديد، أن أصيب الرجل بذبحة قلبية، فدخل المستشفى تحت العناية، عوض أن يحتفل بجائزته المستحقة رفقة محبيه ، قبل أن يطلب العودة إلى بيته اختيارا، و ضدا على رأي الأطباء ، مرددا لمن نصحه بالبقاء “إن لدي شغلا لم أتمه بعد، وإن كان و لا بد أن أموت، فلأمت في بيتي بين أبنائي”.

  3. sdf says:

    زعلان بس مش عارف اعمل حاجة الثقافة دي عايزة خطة عايزة اختراع عشان نطلع من المجاري ونبقي بني ادمين
    القمني دلوقت بيفهمهم انة الارض بتلف زي جالليو بالظبط
    والراجل لوحدة زي جالليو برضو

    واحنا زي ماقال في قاع بحر الظلمات

Leave a Reply