Tuesday, August 11, 2009

الواقع يفرض علينا التغيير


شرط ممارسة الفعل الديموقراطي الحر

القمني لـ القبس: الواقع يفرض علينا التغيير

أجرى الحوار: فيصل خاجة

باحث أكاديمي مثير للجدل، وعلم من أعلام الفكر العربي الحر. له عشراتuntitled المؤلفات مختلفة المحاور وغنية بمحتواها. قد لا يجد القارئ أغلبها في مكتباتنا، لأن التيار المتطرف اتخذ قرارا بحجب هذا ضمانا لاستمرار سيطرته.

انه الدكتور سيد القمني، الذي تعرضت مؤلفاته الفكرية لكثير من النقد والقمع. له العديد من الصولات والجولات ضد التيارات المتطرفة التي، وبعد أن فشلت في إسكات صوته بالحوار والمنطق والدليل، لجأت إلى سلاح التكفير وإهدار الدم. تلقى تهديدات بالقتل أكثر من مرة، أحدها كان في رسالة وجهت إليه من تنظيم الجهاد.

وعلى إثر هذا التهديد كتب رسالة اعتزاله عن القلم والفكر عام 2005. لكن اعتزاله لم يدم طويلا، وواصل المشوار رغم التهديدات، رغبة منه في المساهمة في وضع أسس حقيقية لتصحيح مسار مجتمعاتنا الغارقة في أعماق بحور الجهل والخرافة والتخلف.

منزله، الذي يبعد عن القاهرة مسافة ساعتين بالسيارة، محاط بحراسة عسكرية مشددة. إنها مفارقة غريبة ومحزنة في الوقت ذاته: فهذا الإنسان الداعية إلى كل الحريات يتم تقييد حريته باسم الدين.

تشعب الحديث معه كثيرا، وهو الموصوف بـ«الموسوعة المعرفية». وقد شعر بالظلم عندما وصفته بالمثقف، لأن هذا الوصف، برأيه، أفرغ من مضمونه في فوضى توزيع المسميات على الجهلاء ما بين مثقف وعالم ودكتور وغيرها من الألقاب التي تمنح مجانا وبالجملة في عالمنا العربي.

يكتب عن الواقع المصري وكأنه يكتب عن الواقع الكويتي، «فكلنا في البلاء سواء». فالطبقية والتفرقة مقننة في تشريعاتنا ومناهجنا وإعلامنا، وفي هذه الصراعات أضعنا أهم ما يجمعنا.. الوطن.

مع الدكتور القمني كان هذا الحوار:

كيف كانت بدايتك مع الفكر والقلم؟

- بدأت كاتبا للقصة القصيرة، ونشرت مجموعة قصص لاقت في حينها قبولا واستحسانا، لكن عشقي الحقيقي كان للتاريخ والأساطير، الذي برأيي لم يأخذ حقه من الاهتمام من قبل الأكاديميين.

اهتممت بالتاريخ القديم لمنطقة الشرق الأوسط، التي تضمنت المصري القديم والرافدين والفينيقي. وكانت رسالة الدكتوراه التي قدمتها باسم «رب الثورة أوزوريس وعقيدة الخلود» في مصر القديمة جعلتني أكثر عشقا لهذا التاريخ. فأنجزت بعدها مجموعة كتب، منها: «الأسطورة والتراث»، «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»، «قصة الخلق»، «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة»، والكتاب الأخير استغرق إنجازه 11 عاما بالتمام والكمال، قضيتها متنقلا بين دول عربية مختلفة، وبذلت فيه مجهودا كبيرا، وهو من أهم الكتب التي تتناول هذه المنطقة، ولكنه لم يأخذ حقه في الانتشار نظرا لصعوبته الشديدة وحجمه الهائل لأنه عبارة عن موسوعة دينية تاريخية اجتماعية إثنية لزمن النبي موسى، وأعتبر هذا الكتاب من أهم إنجازاتي في مسيرتي.

وما شجعني أكثر على التفرغ والتركيز على تلك المؤلفات كون غالبية الكتب والكتابات السابقة التي تناولت تلك المحاور كانت عبارة عن تكرار لنصوص متراكمة بلا تحليل علمي وربط واستدلال فيما بينها، برغم أهميتها التاريخية القصوى وأثرها الممتد إلى يومنا هذا.

شريعة الغاب

كان ذلك نطاق اهتمامي ونشاطي إلى أن فرضت علينا الصحوة الإسلامية وجودها مصحوبة بمفاهيم غير واضحة المعالم وغير مترابطة ولا تناسب واقعنا المعاصر، بل إنها تقودنا إلى مزيد من التقهقر في المقياس الحضاري. وجدت أنه لزاما علي وعلى إنسانيتي ووطنيتي أن أقف في وجه هذا الإعصار الأهوج مع الواقفين.

ما مأخذك على الصحوة الإسلامية؟

- جاء ما يسمى بالصحوة الإسلامية مصحوبا بثقافة إقصائية إرهابية دموية لا تحترم المخالفين، بل إنها ثقافة استبدادية إلى أقصى الحدود، لا تتعاطف إلا مع قلة من أتباع تيارها فقط. فحقوق الإنسان مختصة في الإنسان التابع لهم فقط. أما من يختلف معهم أيديولوجيا (وإن كان من الدين نفسه ومن المذهب نفسه) فحقوقه وكرامته مهدورة، بل في كثير من الأحيان لا يقتصر الهدر على كرامته، بل يمتد إلى حياته ودمه ودم أولاده حتى لا يلد فاجرا كافرا. وهذا ما يجعل شريعة الغاب تسود. هم يبيحون لأنفسهم كل شيء باسم الدين، وإن خالفتهم صوروك وكأنك مخالف لمشيئة الخالق عز وجل.

الكيل بمكيالين

وعندما أتابع ما يقال من قياداتهم عبر وسائل الإعلام أكتشف بأنهم انتقائيون فيما يختارونه من تراثهم، وتجدهم في الوقت ذاته يكيلون بمكيالين، ويتبعون أسلوبا متناقضا مراوغا متلونا لا يدل على ثباتهم على مبدأ مثلما يدعون. وقد تجد تفاوتا كبيرا في مطالبهم من دولة إلى أخرى. خذ مثالا تيار الاخوان المسلمين كتجمع سياسي يفترض فيه أن يكون من أشد تياراتهم تنظيما، تجد بأن مطالبهم في مصر تختلف عن مثيلتها في الكويت أو الأردن. لا يوجد سقف لمطالبهم، وبقدر ما تعطيهم يطالبون بالمزيد من النفوذ. هم يسعون لأن يبرزوا أنفسهم كمعتدلين وفقا لأعراف المجتمع الذي يعيشون فيه، وهدفهم المنشود لا يختلف كثيرا عن النماذج الفاشلة للدول الدينية القمعية، وعليكم بقراءة التاريخ بعين فاحصة لتدركوا ما أقول.

بين الباطل والباطل

هل لنا بمزيد من التوضيح حول ما تعنيه بالانتقائية والمتناقضة؟

- كنت أستمع إلى نقاش دار بين رجل دين سياسي أو إرهابي (على ما أعتقد) ورجل الدولة من الأزاهرة. كان الاثنان يهذيان، أو مثلما نقول في اللهجة المصرية (بهيصوا). فالصراع بينهما لم يكن بين الحق والباطل، بل بين باطل وباطل. والمأساة العظمى هي أن ما يطرحه المتأسلم السياسي يلقى قبولا عند عوام الناس لأنه قول ديني متماسك، في حين أن من يرد عليه من الأزاهرة ينتقي ويحاول أن يهرب من موقف إلى آخر. وإسلامنا فيه أحكام عامة وشاملة تستطيع أن تستخلص منها ما شئت من المواقف. ففي حين طرح موضوع حرية الفكر والاعتقاد في الإسلام (على سبيل المثال)، تستطيع أن تستخلص معاني الحرية المطلقة للفكر مثلما جاء في القرآن الكريم: «فَمَنْ شاءَ فَلْـيُؤْم.نْ وَمَنْ شاءَ فَلْـيَكْفُرْ» (29)- سورة الكهف.

وفي الوقت ذاته تستطيع أن تستخرج منه معاني التشدد الكامل بالفكرة والضمير، مثل قوله تعالى: «وَمَن يَبْتَغ. غَيْرَ الإ.سْلاَم. د.ينا فَلَن يُقْبَلَ م.نْهُ» (85) آل عمران، أو كما جاء في قوله تعالى: «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ف.يَ إ.بْرَاه.يمَ وَالّذ.ينَ مَعَهُ إ.ذْ قَالُواْ ل.قَوْم.ه.مْ إ.نّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَم.مّا تَعْبُدُونَ م.ن دُون. اللّه. كَفَرْنَا ب.كُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدا حَتّىَ تُؤْم.نُواْ ب.اللّه. وَحْدهُ» (4)- سورة الممتحنة.

الواقع يفرض التغيير

ألا تعتقد بان الإسلام هو الحل عبر استبدال القوانين الوضعية بالشريعة التي بتطبيقها يمكن تصحيح الأمور، لان الله سبحانه وتعالى أدرى بمصلحة العباد؟

ــ هم يستخدمون هذا الشعار لكي يضمنوا حشد أقصى تأييد ودعم لمشروعهم، خصوصا أنهم يسوقون مشروعهم على أنه مشروع الله تعالى ولا يقبل التجزئة. وأنهم وكلاء الله في الأرض. هذا الطرح يجد شعبية لدى مجتمعاتنا، لأن التيار الديني أحكم قبضته على عقولنا عبر ما تم اجتراره من الماضي وما تم تصويره على أنه حقيقة مطلقة. وأيضا عبر أجهزة الإعلام والتعليم المؤدلجة التي تجعلنا ندور في نطاق فكري محدود غير مسموح بتجاوزه.

أنا كمفكر حر ومستقل أجد أن طرحهم هذا يحمل أمالا خادعة وكذبة مبيتة للعديد من الأسباب، منها على سبيل المثال لا الحصر:

يستند طرحهم على أن الشريعة وأحكامها ثابتة ثباتا مطلقا مع صلاحيتها لكل زمان ومكان، في حين أن تاريخ الأديان (ومنها الإسلام) يثبت خلاف ذلك. فالأحكام نسخت ما بين الأديان وبعضها. وكذلك داخل الإسلام ذاته حدث نسخ لبعضه بعضا. ففي زمن الإسلام والاتصال ما بين السماء والأرض تبدلت الأحكام عدة مرات بآيات رفعت وبدلت ونسخت بأدلة كثيرة من القرآن ومن السنة، ومنها ما جاء في الذكر الحكيم:

«مَا نَنسَخْ م.نْ آيَةٍ أَوْ نُنس.هَا نَأْت. ب.خَيْرٍ م.نْهَا أَوْ م.ثْل.هَا، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ. شَيْءٍ قَد.ير» (106)- سورة البقرة.

«وَإ.ذَا بَدَّلْنَا آيَة مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ ب.مَا يُنَزّ.لُ قَالُواْ إ.نَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون» (101)- (سورة النحلَ).

بمعنى أن الواقع المتغير يفرض علينا التغير. وأنا كعلماني مسلم أفهم من هذه الآيات أن الأحكام يجب أن تتغير بتغير الواقع، وأن يدور الحكم مع العلة وجودا وعدما. ما أقوله ما هو إلا قول كبار الفقهاء الذين لا يرجع إليهم مشايخ زماننا إلا للخروج من مأزق حواري فقط ثم يتم نسيانهم بعد ذلك.

ربنا لا يتغير، لكن المتغير هنا كان هو الواقع فقط، وكأنه جل وعلا يريد أن يعلمنا الدرس الأول في الحياة بأن تغير التشريعات محكوم بتغير الواقع، وعليكم أن تدركوا هذا يا مسلمين. ففي خلال فترة الوحي الممتدة 23 سنة تغير الكثير من الأحكام، فما بالك بالفترة الزمنية الممتدة بين زمن الوحي وعصرنا هذا؟

الشريعة الإسلامية

يجب ألا يغضبنا القول انه يجب عدم تفعيل كل ما جاء في الشريعة على زماننا، وإلا لاصطدمنا بالكثير من المسائل التي تخالف مفاهيم عصرنا الحالي والتي قد لا نتقبلها إطلاقا. فالعبودية، على سبيل المثال، انتهت ولا يمكن أن يطالب أحد بعودتها، على الرغم من وجود أحكام كثيرة خاصة بالعبودية في الإسلام، كما جاء على لسان الرسول، صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم على سبيل المثال: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم.

هل ترى في هذا الحديث دعوة إلى تحرير الإنسان من العبودية أم العكس؟ والأحكام بشأن العبودية لو أعيدت قراءتها بمنظور مدني حديث لما استسغنا الكثير من الروايات والأحكام الإسلامية غير القابلة للتأويل والمراوغة، وكذلك أحكام ملكات اليمين، والكثير جدا من الأحكام التي تناقض مفاهيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.

· فالتفرقة بين المسلم والكافر

· ومذهب عن مذهب آخر،

· والموالي غير السادة العرب الفاتحين،

· والمرأة غير الرجل

· والعبد غير الحر

· والذمي غير الكل،

ولكل تصنيف طبقي من هذه التصنيفات حقوق وواجبات تختلف باختلاف الدرجة. فتلك الأحكام كرست الطبقية في حين أن شعارهم المعلن أن الناس سواسية، وتجد الاختلاف الطبقي المقنن مع كثير من التفاصيل في كتبي.

منظومة وضعية

وغير ذلك، يتغافل ويتجاوز الجميع عن حقيقة مهمة للغاية، ذكرتها في أكثر من محفل ولم ألق جوابا عليها، وهي أن الشريعة الإسلامية كما نعرفها والتي يتم ترويجها هي أصلا وضعية!

الكتب التي رسخت هذه الشريعة هي وضعية بالكامل. أحكام الإسلام منذ فجره تعد بالأصابع، مثل حد السرقة والزنى وغيرها القليل. ومع مرور الوقت وإلى أن دخل المسلمون في القرن الرابع للهجرة كانت المسائل قد تكاثرت بشكل مطرد مع زيادة نطاق الحكم والمحكومين وطبيعة الحياة وزيادة تعقيداتها، مما حدا المسلمين إلى إنشاء منظومة قوانين وأحكام تناسب العصر الذي يعيشون به وما به من محدثات.

فهل يا ترى كان الملاك جبريل ينزل بالوحي على الأئمة الأربعة (أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل) الذين تنسب إليهم المذاهب الفقهية التشريعية الإسلامية السنية، مع العلم بأن المدة الزمنية الفاصلة ما بينهم وبين الرسول (ص) تتعدى الـ 200 سنة على وجه التقريب، وكذلك المذاهب الفقهية الأخرى لم يفصل أقربها عن زمن الرسول ما يقل عن 150 عاما كأحسن تقدير!

لقد انقطع الوحي الإلهي بوفاة الرسول الأكرم، فكانت الأحكام التي قد صاغوها مجموعة من الاجتهادات الوضعية، والتي كان غالبها مرتبطا ارتباطا وثيقا مع السلطة الحاكمة وما تريد إيصاله للعامة، فكانت التشريعات المتوافقة مع ضمان استمرار حكمهم ومصالحهم. وتم نسب الكثير من الروايات إلى الرسول مفادها الطاعة العمياء للحاكم والولاء المطلق له تارة، ومفاهيم القضاء والقدر تارة أخرى. وتم إشغال المسلمين بقضايا هامشية كي يتم تهميش الفرد وإقصائه عن منظومة الحكم. واللعبة ذاتها لا تزال سارية المفعول في عصرنا الحالي. وأنا أقول هنا إنه مثلما كانت تشريعاتهم وضعية وتناسب ظروف تلك المرحلة، فنحن نطالب بتطبيق شريعة وضعية واضحة الملامح تختص بزمننا هذا وترعى التطورات والتحديات، وأن تحكمنا المصلحة الوطنية وليس الدينية أو المذهبية.

ثم أن مشروعهم قائم على أن الدولة المثالية كانت الدولة الإسلامية. وأي باحث منصف ومحايد وملتزم بأصول الفكر النقدي سيرى أن المثال الإسلامي الذي يتم تسويقه هو مثال غير مثالي، بل إنه لم تكن هناك دولة إسلامية في يوم من الأيام حتى يتم الترويج لدولة مماثلة!

لا خلافة إسلامية

ألا تشكل فترة الخلافة الإسلامية وما تلاها دولة إسلامية بمفهومك؟

ــ يثير هذا الموضوع حساسية شديدة وبالغة ويصعب على القارئ أن يتقبل أي فكرة مخالفة لقناعاته. اعتقادي بعدم وجود دولة إسلامية لم يأت من فراغ أو لمجرد المخالفة. وعندما أضع المعايير يجب ألا أنزه نفسي عنها.

فعندما يأتي الغزو الصليبي، مثلا، على الأندلس ويفرض سيطرته العسكرية ويجد أن الدولة مكتملة الأركان وقائمة بذاتها يجب ألا ننسب بناء الدولة إلى المستعمر الجديد. وكذلك الحال في فترة الخلافة، فهي لم تنشأ دولة متكاملة الأركان، بل تم انتشار رقعة الخلافة الإسلامية عبر احتلال دول كانت قائمة منذ فجر التاريخ. فالعراق وسوريا ومصر وبلاد فارس كانت تحمل مقومات الدول كافة من مؤسسات هرمية تراتبية تخصصية ووزارات وتشريعات، وتحوي في الوقت ذاته إرثا حضاريا وعلميا. ومع مجيء الإسلام تم استبدال الرايات المنصوبة براية الإسلام. ومع اتساق نطاق الحكم تمت الاستفادة من موارد تلك الدول البشرية وغيرها. ويلاحظ أن أنبغ وأشهر العلماء المسلمين لم يكونوا عربا، بل كانوا من الدول التي طالها النفوذ الإسلامي، وهذا بحد ذاته يطرح العديد من التساؤلات عن الثقافة والبيئة التي ينشأ بها المبدعون.

الدول لا تنشأ بقرار. الدولة الوحيدة التي نشأت بقرار هي إسرائيل، لهذا تجد أن شرعيتها مشكوك بها. الدولة تنشأ نتيجة لتراتب واستقرار في منطقة ما وبتفاعل مؤسسي عبر السنين، لهذا أقول إن دولة الإسلام المزعومة لا وجود لها على أرض الواقع. يؤسفني ويحزنني القول اننا حتى الآن لم نتعلم من التاريخ لأننا لم نتعلم أن نقرأ تاريخنا قراءة نقدية.

الإسلام دين جميل

ألا تعتقد بان كلامك هذا يفرغ الدين من محتواه؟

ــ لا. فالإسلام عبادة ومعاملة. أما العبادة فثابتة ولا يتجرأ أحد أن يغيرها، ولكن المعاملة متغيرة. وان أدخلتها حرفيا كما جاءت في التراث الإسلامي أصبح الإنسان ممنوعا من التفكير، لأن دوره سينحصر في الطاعة المطلقة. وإن خالفت رجال الدين بذلك سيتم تهديدك بالخلود في النار لأنك محدث بدعة أو لأنك جئت بما لم يجئ به السلف الصالح، ونطاق التفكير الوحيد المسموح به هو أن تفكر من خلال رجل الدين!

وعندما أدعو إلى تحكيم الظروف المتغيرة في تشريعاتنا لم آت ببدعة تقودني إلى النار، فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف حد السرقة نظرا لظرف معين آنذاك، وهو الفقر والمجاعة. ألم تكن تلك مفاضلة بين النصوص الواضحة الثابتة وقطعية الصدور من جهة وبين مستجدات الحياة من جهة أخرى؟ فالإسلام دين جميل.

شعوب مرهقة

الصحوة الإسلامية تشهد نموا ملحوظا ونتائج صناديق الاقتراع في الدول الإسلامية تشهد على ذلك. ما سبب انتشار هذه التيارات؟

ــ شعوبنا مرهقة وتجر معها حملا ثقيلا من الهزائم والجهل والفقر. نحن في مؤخرة الركب الحضاري، إن لم نكن خارجه، في المجالات كافة باستثناء الثرثرة. حال شعوبنا كحال الغريق الذي يتشبث بأي حطام يجده بجانبه، فما بالك لو كان هذا الحل المطروح حلا ربانيا؟!

نحن نفكر بعقلية لا تلائم الزمان ولا الظروف، ولا تهيئ أسسا تسمح لنا بأن نكون دولة قوية في يوم من الأيام. ففكرة معاداة من يخالفنا الرأي تجعلنا عالة على البشرية، فتجد من نسميهم بالكفار يجتهدون ويصنعون ويسعون إلى تقدم البشرية، ونحن تأتي لنستهلك على الجاهز فنستورد المعدات والتكنولوجيا والعلم ولا نأتي بالمفاهيم التي خلقت وأنشأت كل هذه الإبداعات ورعتها، وأقصد بذلك الحريات وحقوق الإنسان والضمير الحر.

.. والعيب فينا

ألا تعتقد ان الاستعمار أضعفنا واستنزف قوانا؟

ــ لا أعتقد ان هذا سبب ضعفنا، بل بالعكس. ضعفنا هو سبب الاستعمار، لأننا من الأساس لو كنا أقوياء لما وجد الاستعمار فينا صيدا سهلا. لقد كان بناؤنا هشا من الداخل وضاعت فيه جميع الجهود لأن أهدافنا مختلفة وولاءاتنا مشتتة، ولا معنى لمفهوم الوطنية في تركيبنا الثقافي. علينا أن نحكم عقولنا قليلا لندرك ونستوعب أن الخلل فينا، وأن نظرية المؤامرة والعداء للآخر لها جذور في ثقافتنا ومرجعها الفكر الاستبدادي للحكام.

ثم ان الاستعمار له الكثير من الفوائد التي نتجنب الحديث عنها. فعندما جاءت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت في عام 1798، رأينا ما لم نره من قبل: جيوشا نظامية ومدفعية وتكنولوجيا وعلوما هائلة. وكانت ردة فعل بعض شيوخ الأزهر آنذاك بأن هذا إن هو إلا سحر مبين! شهدنا تقدما علميا أعلى بكثير من علومنا التي نفتخر ونتباهى بها، وكنا نظن قبلها أننا في أعلى قمم الأمم وأدركنا بعدها أننا في قاعها إن لم نكن تحت القاع.

صفر زائد صفر

ألا تجد أن وحدة الدول الإسلامية كفيلة بعودتنا إلى مضمار الحضارة؟

ــ الأمين العام الأول لجامعة الدول العربية، عبد الرحمن عزام، كان اقترح على سعد زغلول عام 1925 إنشاء رابطة عربية إسلامية. يومها أجابه سعد: «هو صفر زائد صفر يساوي كام يا عزام؟». وحدتنا في حالتنا الحالية لن تأتي إلا بالمزيد من المصائب والكوارث، لأن بناءنا مفكك من الداخل. فالدول الإسلامية فشلت في أن تحكم نفسها أو أن تحافظ على حدود دولها الإقليمية، فكيف لها أن تحكم وتدير دولة بأضعاف مضاعفة لحجمها الحالي؟!

عند الحديث عن الوحدة، يجب أن تكون وحدة واضحة المعالم وقائمة على مصالح مشتركة وليست لمجرد الأمنيات والأحلام. فالوحدة المثالية هي ما تقوم به الدول الأوروبية عبر تقوية كل دولة لاقتصادها وذاتها ومن ثم يتم إنشاء مؤسسات تخصصية تربط فيما بين مصالح تلك الدول، أما غير ذلك فمصيره كمصير الوحدة المصرية السورية باسم الجمهورية العربية المتحدة أو كوحدة العراق والكويت العسكرية البغيضة. وعلى فكرة ألا ترى ان غالبية العرب المؤيدين للغزو العراقي الآثم للكويت كانوا ينطلقون من أيديولوجيا دينية محضة ممزوجة بالأيديولوجيات القومية، وكانوا يرون في تلك الخطوة خطوة صحيحة في طريق تحرير القدس! العقلية الاستبدادية تتحكم فينا ولا تزال تسيطر علينا على الرغم من ضعفنا وهشاشتنا.

الديموقراطية أساس التغيير

من أين يبدأ التغيير؟

ــ يجب أولا أن تتغير منظومة القيم بما فيها القيم الثقافية، وذلك بممارسة الفعل الديموقراطي الحر والمشروط بمواد قانونية تحمي بنية الديموقراطية الحقوقية بنصوص دستورية دقيقة لا تقبل مجرد التأويل، لحمايتها من أعدائها، ولا نطلب حقوقا أكثر مما انتهت اليه شعوب العالم في مواثيق الأمم المتحدة، فلسنا أقل جدارة من شعوب أخرى تنعم بهذه الحقوق ومعها نعمت بالرفاه والتقدم.

فين كويت السبعينات؟

لم تكن كويت السبعينات غريبة عنه فقد نشأ فيها عز شبابه، وهو الآن يتحسر على الكويت، مذكرا بأنها كانت منبرا حرا ورائدا للحريات والفكر والثقافة الحرة، ولم يكن الفكر المتعصب والمنغلق يشكل قوة مؤثرة بعكس الحاضر، حيث انجرفت الكويت مع موجة التعصب والانغلاق.

القمني في سطور

مواليد عام 1947، ابن الحاج محمود علي القمني، وهو من خريجي الأزهر الشريف (أزهري). عمل بالتجارة قناعة منه بأن نشاط الدعوة الإسلامية يجب ألا يكون له مقابل مادي. كان من تلامذة الشيخ محمد عبده (مفتي الديار المصرية الأسبق) ومن معتنقي آرائه، فنشأ في بيت شديد التدين وفي الوقت ذاته شديد التسامح. وكان منزل ذويه أشبه بالمنتدى الديني يتم فيه الاستماع إلى القرآن وطرح التفاسير والروايات والمناقشات المختلفة حول شؤون الإسلام والمسلمين. وعن تلك النشأة يقول: «لقد أكسبتني أسسا مهمة تمثلت في زيادة موسوعتي المعرفية في الدين الإسلامي».

وفي مرحلة لاحقة اتجه للدراسة الأكاديمية فالتحق بكلية الفلسفة «لأنها أم العلوم بحق».

تتلمذ على يد كبار أساتذة الفلسفة، منهم عبد الرحمن بدوي، وفؤاد زكريا، وعزمي إسلام وإمام عبد الفتاح إمام وغيرهم. تخرج عام 1969 من قسم الفلسفة في جامعة عين شمس، وبدأ بعدها مسيرته العملية كأستاذ لمادة الفلسفة في مرحلة الثانوية في الكويت. وكانت دراسته العليا في جامعة القديس يوسف في بيروت، حيث حصل على الدبلوم العام والدبلوم الخاص بإشراف الأستاذ السوري الدكتور أسعد علي. حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة الأديان بالمراسلة مع جامعة جنوب كاليفورنيا تحت إشراف الدكتور فؤاد زكريا (رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة الكويت آنذاك). عاد إلى مصر واستكمل دراسته التي يقول إنها «عشقي» وجعل لحياته معنى، وهي: علم الاجتماع الديني.

http://www.alqabas-kw.com/Article.aspx?id=447252&date=13112008

Posted by المجموعة الليبرالية at 14:24:38
Comments

Leave a Reply