Saturday, 01 March, 2008

الإخوان الوهابية

الإخوان الوهابية

عندما طرح سؤال الحضارة نفسه علينا بعدما آلت إليه دول الإسلام من تخلف هائل أمام تقدم غربي أكثر هولاً ، عقد المسلمون المقارنة بين رجال المسلمين في عصرهم الذهبي و بين واقعهم المتردي اليوم ، و أجابت مصر علي السؤال بالانفتاح على الحضارة و تأسيس دولة حديثة على يد محمد علي ، و أصبحت في زمن قياسي منارة حضارة و مدنية و تدين سمح ، فكانت تصدر إلى جوار عبد الباسط عبد الصمد و مصطفي إسماعيل و فقهاء الدين ، أدباً و فنوناً و أفكاراً ، فصدرت العقاد و قاسم أمين و طه حسين و أحمد لطفي السيد و محمد عبده و أم كلثوم و عبد الحليم و عمالقة السينما و المسرح و الفن التشكيلي ، و زهت بزرعها و صنعها و فاضت على غيرها من خيرها دون من و لا أذى ، خاصة على الحجازين نظراً لشظف عيشهم حينذاك و حتى زمن قريب ، و أحقيتهم الشرعية للصدقة و الزكاة ناهيك عن كونهم حراس الأرض المقدسة .

هناك على الجانب الأخر من البحر الأحمر جاءت إجابة أخري على سؤال الحضارة ، إجابة لم تنشغل بالفرد المواطن ، لأن العقل الواقف وراءه عقل لا يعرف الأرض و الوطن و الإستقرار و إقامة الحضارات ، و إنما عقل ينشغل بسيادة الأمة و كرامة الدين ، عقل بدوي أقصى ما يمكنه عمله إلى جوار القتال و الغزو هو الرعي و التجارة ، فجاءت الإجابة انتكاسة إلى الوراء تبحث عن خير القرون لتلتزم بتفاصيل سننه ، ليتدخل الله تدخلاً سحرياً إعجازياً لنصر خير أمة أخرجت للناس ، كانت غاية محمد بن عبد الوهاب (1703 / 1791) إصلاح الإسلام كي يرضى الله عن أمته المختارة فيسبغ عليها الازدهار و الانتصارات و عودة الفتوحات ، و ذلك بالعودة للإسلام الصحيح و تطبيق أحكامه و حدوده و إقامة شعائره الظاهرة و الباطنة بكل دقة . و أطلق بن عبد الوهاب على نفسه و على أتباعه لقب(الإخوان).

و من غرائب تاريخنا أن مصر و هي في نهضتها كانت تحارب الإستعمار الإنجليزي ، بينما كانت الوهابية بعد حلفها السياسي مع أولاد سعود و الإنجليز ، تقوم بثورة على الخلافة ، فمن جزيرة العرب خرجت الخلافة و صناعها ، و من جزيرة العرب خرج من يهدمون الخلافة بالتحالف مع الإنجليز .

و فجأة تحولت الوهابية عندما أصبحت حركة سياسية مالكة مسيطرة حليفة للعرش ، نحو التشدد و التصلب الديني ، في كذب على الذات يقسم الدنيا بعقيدة الولاء و البراء إلى عالمين ، عالم إيمان و عالم شرك ، بينما كانت تحالف من تطلق عليهم بلاد الشرك من الأنجليز و ما حكايات لورنس ببعيدة . و من بعدها و مع انهيار الإمبراطورية البريطانية و الإستعمار القديم ، ظلت السعودية حليفة للأمريكان حتي يومنا هذا. بينما كانت مصر الآخذة بحضارة الغرب تتحول عنها إلى النظام العسكري ، و تعلن حربها على هذا الغرب ممثلاً في إسرائيل و أمريكا . مما أدخلها في هزائم و نكسات متتالية ، و بثمن دماء أبنائها ارتفع سعر البترول في بلاد بن عبد الوهاب حتى أصبحت السعودية واحة غنثاء في معجزة اقتصادية غير مسبوقة ، بينما كانت مصر في انحدار يتلوه انحدار ، و خسائر إثر خسائر .

و مع سقوط الخلافة رسمياً ظهرت في مصر بعد سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة جماعة تحمل ذات اسم الجماعة الموجودة بالحجاز ، و تحمل ذات أهدافها المعلنة ، مما يشير إلى تحالف غير مرئي من البداية ، قرر فيه بعض المصريين و هم يرون المعجزة السعودية أن يقيموا شريعة الله حسب ما فعل إخوان السعودية ، حتى يتدخل بنعمته و يفعل هنا علي الضفة الغربية ما فعل هناك علي الضفة الشرقية ، و ليس ذلك على الله ببعيد.

و أعلن الإخوان المصريون إعلان الإخوان الحجازيين ، و هو فشل جميع الأنظمة (عدا النظام السعودي بالطبع وحده لأنه يطبق الشريعة ، و لأنه يملك جغرافية و تاريخ الإسلام ، و لأنه حليف بن عبد الوهاب) و إعلان فشل جميع الأيديولوجيات ، و أن الإسلام وحده هو الحل ، و فيه كل الحلول الإعجازية ، لكل المشاكل الأزلية و الويلات التي جنتها علينا الأنظمة الرأسمالية و الشيوعية (أنظر حسن البنا مجموعة الرسائل ص 176 ، 191 ، 312) ، و أعلن حسن البنا ذات إعلان الإخوان الحجازية و هو : "أن القرآن يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ، و يعطيهم حق الهيمنة و السيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصايا النبيلة / نفس المصدر ص 127".

و مع وصول سيد قطب ساحة الفكر الإخواني ، التقى إلتقاء تلاحمياً مع إخوان الحجاز ، فكان هو و المودودي يدخلون بالحركة منعطفاً جديداً يستلهم مضامين الفكر الوهابي تحديداً ، و المتشدد الكاره المتسلطن دنيا و آخره وحده دون غيره من المسلمين أو غير المسلمين. و صار مرجع كليهما فتاوي بن تيمية و بن قيم الجوزيه ، مع اتفاق على مصطلحات إخوانية مصرية حجازية من قبيل: جاهلية المجتمعات و حاكمية سيد قطب ، أن الحرب القادمة ستكون بين المادية المتمثلة في الأرض كلها و بين الإسلام (الظلال ج / ص 8) لقد كانوا يجهزون قبل 11 سبتمبر 2001 بسنوات طوال .!!؟

و نتيجة ما وصلت إليه الدولة المصرية من طراوة و رخاوية و مزايدة و فساد ، فقد نخر السوس الإخواني أهم أجهزة توجيه الرأي العام فيها ، حتى تحول الشارع المصري إلى شارع وهابي ، و أصبح عدد الإرهابيين في العالم بعد السعودية هم من المصريين. و علي مستوى الإنجاز العلمي و الفني ، فإن مصر تأتي بعد السعودية في تصدير الفكر الوهابي ثقافياً ، و إعلام مصر يكاد لا يختلف سوى فتيلاً عن التليفزيون الحجازي (و فتيلاً هذه هي : أخبار الأسرة المالكة هناك و أخبار الأسرة الحاكمة هنا) .

أصبحت مصر و الحجاز بنعمة الله إخواناً ، و يخدعنا التاريخ مرة أخرى ، لنجد السعوديين قد تركوا لنا السنة و أكل الثريد باليمنى ، و دعاء دخول الغائط ، ليلحقوا بفنادق الخمس نجوم حيث يطهون الطواويس و الغزلان و الكافيار ، و ينعمون بالجاكوزي و الحمامات الفاخرة التي لا ينفع معها دعاء دخول الغائط ، حتى و لو ذوقياً.

لقد عادت مصر إمارة إسلامية تتحرك حسب المزاج الحجازي حتى في سياساتها الخارجية ، و تابعاً غير كريم لخلافة غير شرعية .

Posted by المجموعة الليبرالية at 01:59:45 | Permanent Link | Comments (1) |
Comments
1 - Actually It's the sad reality
http://symmetric-opinions.blogspot.com/ (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/04/02 - 18:31:09
Write a comment