Thursday, 27 March, 2008

ماذا جري لمصر؟

خريطة الطريق نحو الإصلاح

 

تشخيص الحالة : إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين

 

(4) ماذا جري لمصر؟

 

 

لم يسبق أن مرت بلاد المسلمين بمثل هذه الفترة التي تغطيها الفوضى الكاملة ، فمنذ الصحوة الإسلامية و الحرب الأفغانية ضد السوفيت ، و حتى أحداث 2001 و ما بعدها و حتى اليوم ، حدثت تحولات انتكاسية عنيفة ، فدخلت البلاد الإسلامية في طور من الإضطراب و التخلف زيادة على تخلفها الأزلى ، و انتشار الأمراض الاجتماعية حتى وافت على غيبوبة ما قبل خروج الروح. مع هذا و رغم كل مظاهر الانحطاط التام فإن دعاة الفكرة القومية العنصرية ، و دعاة الفكرة الإسلامية الطائفية ، يؤكدون على هذا التوصيف لحالنا ، فإنهم في الوقت نفسه و شعوبهم في حالة كبوة هائلة ، يروجون إن ما يحدث في بلادنا هذه الأيام هو انتصارات لأمة الإسلام و للأمة العربية ، و أن هناك نكسات بسيطة هي إلى زوال ، و تتمثل تحديداً في دويلة الكيان الصهيوني المغروسة وسط الأمة لتمزيقها ، و حليفتها الكبرى الخاضعة للوبي الصهيوني ، الولايات المتحدة الأمريكية ، وعداً ذلك كان من الممكن أن يكون المسلمون سادة الكوكب الأرضي ، و أن أى مصائب تلحقنا فهي ليست من عند أنفسنا ، إنما هي من عند الغرب الكافراللئيم الشريرالذي يبيت ساهر الجفون يدبر لنا المكائد و المؤامرات ، دون كافة الملل و النحل في المسكونة.

المصيبة أن هذين الفريقين (دعاة الفكرة القومية و دعاة الفكرة الإسلامية) هم من يشكلون اليوم المعارضة الواضحة في الشارع للأنظمة الحاكمة القائمة ، و هم على اتفاق مع الأنظمة بشكل مدهش و محير ، على تحويل أنظار المسلمين عما يجري لهم نحو ما يجري في بيوت الآخرين في إسرائيل و أمريكا و بقية دول الغرب. و تمكن كلاهما عبر أجهزة تشكيل الرأي العام من صحف و مذياع و تلفاز و مدرسة و مسجد و كنيسة و حسينية من تحويل المجتمع إلى حالة هوس ديني لا نظير له و لا شبيه.

تراه يتظاهر بوحشية كاسرة ضد أمريكا و إسرائيل ، و بأشد ضراوة ضد كنيسة وطنية في الحارة المجاورة لأنها تجرأت على ترميم دورة مياه فيها دون إذن المسلمين ، و يعتدي بالسب و التبخيس على البهائيين ، و لا يرى أبداً حاله و مرضه الداخلى بالمرة ، فنبدو بلهاء بشدة عندما نتظاهر بغضب عارم ضد الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول (ص) ، بينما المسجد المجاور و التلفاز و الإذاعة تكفر المسيحيين علناً في (بلادنا) بلادهم و على أرضهم آناء الليل و أطراف النهار، فنبدو كالأباء الذين ينتقدون أولاد غيرهم المشاغبين طوال الوقت ، لكننا سريعي الغضب ممن ينتقدون أولادنا المشاغبين ، و هو ما يعطي الحكومات الاستبدادية مبرراً لطلب النصرة من هذا الغرب الديموقراطي المفترض أنه ضد الاستبداد ، و مبررها هو أن بديل تلك الحكومات التي تدعي الاعتدال و تمارس بعض ألعاب شبه ديموقراطية ، بديلها هو هذا الشارع المتوحش المتعطش للدماء الكاره لإسرائيل و كل دول الغرب ، بل و ربما كل دول العالم غير المسلمة. حتى أصبح من بدهيات الواقع أن تجد الاستبداد واضحاً و قائماً ، و أن تجد الحقوق الإنسانية في حالة غياب تام ، حيثما تجد أغاني الهجاء لإسرائيل و أمريكا و الغرب كثيرة الترداد وحشية النبرة ، متكررة ، عالية الصوت.

لقد أمكن للأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية بامتلاك وسائل التأثير في الناس ، أن تقوم ببرمجة شعوبها بألوان من الأفلام و الحوارات و برامج الشو و الدراما ، التي تدلك غرائز العزة و مكامن القوة المفقودة ، فتعاد و تكرر مسلسلات أبطال العرب المسلمين ، و سيرتهم العطرة في غزو البلاد و احتلالها ، تعظيماً لمجد الماضي الإسلامي ، و أنه بالإسلام وحده يمكن استعادة هذا الذي ضاع ، لا وجود في رؤيتها للمواطن و حقوقه أو حتى للوطن ، لأن تلك الأمجاد التاريخية كلها كانت على أشلاء و كرامة و إنسانية المواطن ، لأن الهم الشاغل كان و مازال ، هو الأمة الإسلامية و ليس المواطن فما أكثر المواطنين ، و هم كالعدد في الليمون و الحمد لله. يمكن أن يكونوا وقوداً لمجد الأمة و سلاطينها و رجال دينها و صراعاتهم علي الفريسة عند الحاجة. و لأن الاستبداد واحد سواء كان دينياً أو قومياً ثورياُ عسكرياً أو ملكياً أو جمهورياً ، فقد توافق الفقيه و السلطان و المعارضة القومية و الإسلامية كلهم معاً على تقديس ذات الأمة التي هي قدس أقداس القبيلة المسلمة ، دون مكونها الحقيقي (الإنسان المواطن الفرد).

و تعرض وسائل إعلامنا نماذج تكاد تجعل من شخوص التاريخ الإسلامي كيانات قدسية ، لا تفعل إلا من أجل خير و دفعاً لشر ، بنبل و مروءة غير موجودة سوى في السيناريو المقدم للناس ، بينما التاريخ الإسلامي نفسه في واقعه و في مراجعة الأمهات يقول شيئاً آخر مختلف بالمرة .

فتاريخ المسلمين كله هو تاريخ فتن و صراع على الجاه و السلطان منذ فجر عصرنا الذهبي منذ الخلفاء الراشدين الهداة المهديين الذين ماتوا صرعي القتل رغم حرصهم على الشرع الذي لم يؤدى لأمن الجتمع ولم يحفظ لرأس الحكم أمنة وحياتة ، فانتهت حياتهم قتلا ، إلى الثورة على عثمان ، ثم واقعة الجمل سنة 36 هـ ، ثم صفين 37 هـ ، ثم مذبحة آل البيت في 61 هـ ، ثم غزو جيش يزيد سنة 63 هـ لمدينة رسول الله ، فقتل من قتل و سبى من سبى و حبلت ألف عذراء من هتك العرض العلني ، و هن بنات الصحابة و في حضرة المسجد النبوي و جسد صاحبه الشريف في ثراه ، ثم فتنة المختار الثقفي و ابن الزبير في 73 هـ ، ثم ضرب الحجاج بن يوسف الثقفي و جيشه مكة و الكعبة بالمنجنيق. . و من يومها لم تتوقف الفتن و الملاحم و المحن ، و حتى سقوط الخلافة العثمانية ، و لو دققنا في التفاصيل لما كفتنا ألوف الصفحات التي لم تسجل سوى القتل صبراً و الظلم قهراً تحت رايات كلها تعلن إسلامها التام و الكامل. .. إلخ و كفر غيرها.

ثم اشتبكت الأدوار في بلادنا بعد الصحوة العنترية بين المسجد و المدرسة و الجامعة ، و لم تعد المدرسة مهمتها تعليم العلم الإنساني بل تعليم الإيمان ، تتدارس فضيلة النقاب مقارنة بفضيلة الحجاب ، و تتباحث في شئون الفرج و الطهارة و الطمث و المواريث. مع اسراف في تقديس ما لا يصح تقدسيه ، و الدفاع عن الموروث الإسلامي بل إحتسابه الكمال ذاته ، و النظر إلى التاريخ الإسلامي بعين الرضا الكامل ، بل و تمنى بلوغ ما بلغته الأمة خلال هذا التاريخ الذهبي ، حتى يتقدس التاريخ الإسلامي و يصبح محل المثل الأعلى لكل التأريخ ، مما يخرج كل ما له علاقة بالإسلام سيرة أو تاريخاً أو فقهاً خارج أى محاولة درس نقدي حقيقي ، فتخفى المعايب و تستفحل النقائص ، بينما هذا التراث المعيوب قد أصبح المرجعية التأسيسية لمثقفى المسلمين ، بل يكاد يكون وحده مطلقا المرجعية لكل شئ و كل شأن. و في مناخ كهذا يكون الأقتراب من هذا الماضي بأى رؤية نقدية تلتزم شروط المنهج العلمي هو اعتداء على ثوابت الأمة ، بينما يتم النفخ في الذات المعنوية للأمة حتى يجعلونها المُنجز الأول لأى حضاره على كوكب الأرض ، و أن ما نراه من تحضر و رقى في البلدان الحرة هو منقول عنا ، و ما كان يتحقق لولانا ، أو بالأحرى لولا هؤلاء الأسلاف التراثيين. بينما يتم تقليص التاريخ الوطني ما قبل الغزو العربي الاستيطاني لهذه البلدان حتى يكاد يختفى من التاريخ ، فتضيع جذور الوطن و تلتبس الهوية : هل نحن مصريون أم عرب أم مسلمون ، هل نحن أمة مصرية أم عربية أم أمة إسلامية ؟

و هكذا تتم برمجة الشعوب الإسلامية بحيث يتجه عداؤهم نحو عدو متفق عليه هو الذي تسبب في فقدنا ماضينا الذهبي ، فيكون الخطأ الكارثي في وجهتنا و في اختيارنا للتوقيت ، فالوجهة يجب أن تبدأ بتوجيه العيون و الآذان و العقول كلها صوب الداخل أولاً و ليس الخارج ، و قبل فلسطين و العراق و البوسنة و الشيشان ، بل و قبل الكعبة و المسجد الحرام و المسجد الأقصى ، لأنه بحالنا هذا لن نضيف للكعبة و فلسطين و المسجد الأقصى سوى المزيد من النكبات و الخسائر ، بعكس أن نبدأ مشوارنا الاستيراتيجي بخطوات تكتكية تبدأ بنقد الذات و تقويتها حتى يمكنها أن تتخذ في المستقبل ما يناسب واقع الزمن من قرارات صوابية. و سواء كانت همومنا القومية و الإسلامية التي تشغلنا اليوم ، موجودة في حسابات الزمن الآتي أم لم تكن.

و مع الغضب العارم و الشعور بالقهر و الدونية ، يرفض المسلمون أن يشكوا في ذاتهم بالمرة ، و لا أن يراجعوا مناهجهم و طرائقهم في التفكير و في أسلوب الحياة ، و يلقون بشكوكهم على الواقع الموجود يخرق العيون و يبهر العقول في بلاد أقامت الفراديس على أرضها ، و يكون الملوم هو الاستعمار و أذنابه من حكام تابعين أو كما يزعمون. إن المسلمين يقرأون الواقع بعد تمريره على ذائقتهم ، و فلترته حسب اختيارتهم و أخيلتهم و تصوراتهم و أوهامهم ، لا كما هو على الأرض ، رغم ما أثبتته كل النعرات و التجارب الثورية إسلامية أو عربية على الأرض عبر تاريخها القديم و الحديث من مظالم و استبداد لحق بعباد الله المسلمين ، دون الكفار في بلاد الغرب الحر الذي يعيشون فردوس الحريات على الأرض ، و ارتكبت مجازر و شنت حروب و انهارت بلاد و سقطت حدود ، و انحسرت قوميات و صعدت أخرى على أشلائها ، في حروب إبادة صفرية متتالية.

نحن مع الأسف نريد إعادة صياغة الدنيا كما نحب نحن ، لا كما هي عليه في واقع الحقيقة. المصيبة أن هؤلاء أنفسهم من يتصورون أن بيدهم كل الحلول السحرية لمشاكلنا فقاموا يدلون بدلوهم في عملية الإصلاح ، ليصوغوا لنا الآتي كما الماضي. بعد مضى أكثر من أربعة عشر قرناً ، جاءوا يعلنون لنا أنهم مصلحون و أنهم سيصلحون ؟ أنظر قارئي (و أنا و أنت من مساكين هذه الأمة) ماذا جنى علينا أصحاب الرؤي الطائفية أو القومية؟ ثم لماذا مادام بيدهم الحلول السليمة التامة لم يصلحوا منذ قرون متطاوله ، رزح فيها المسلمون تحت أنظمة حكم اصطلح علم فلسفة التاريخ في العالم كله على تسميتها بمنظومة الاستبداد الشرقي ، التي امتدت بطول العالم الإسلامي من الشرق الأوسط و حتى الصين. لماذا لم يصلحوا بما لديهم من وسائل و أدوات إصلاح لا تبلي و لا تفني ؟ و كانوا أراحوا تاريخنا مما أثقل ضميره من فتن و نوازل هائلة كماً و كيفاً ، و لأدى بدلاً عن ذلك لتقدم هائل مبكر عن كل الدنيا ، و كنا سبقنا به العالمين منذ قرون ، بدلاً من وضعنا المزري على جدول سلم الأمم اليوم ، و هو العار بعينه و ذاته.

إن إجابة سؤال الدكتور رفعت السعيد المتكرر : "ماذا جرى لمصر"؟ هي في جانب منها هام مسألة تكوينية بنيوية تكمن في بنية تكوين الأمة و بنية تفكيرها ، فقد تمكنت مصر زمن محمد على و من خلفه من بعده طيب الذكر الخديوي اسماعيل ، من الخطو نحو الدولة الحديثة المدنية بخطو واثق عبقري ، حتى أصبحت في سنوات قليلة تجربة رائدة ، و مدرسة يأتيها زوار شرق آسيا للتعلم من التجربة ، و زوار شرق آسيا هم الذين أصبحوا اليوم في المقدمة ، بينما أصبحت مصر و معها عربها يشكلون دملاً مؤرقاً في مؤخرة الأمم ، و العامل الجوهري هنا هو مجموعة صدف نادرة و متوالية خلال حقبة زمنية قصيرة لا تتجاوز النصف قرن ، تمثلت إحداها في ظهور النفط في البلاد العربية ، مما أدى إلى تغير بنيوي مواز هائل ، و حوالى ذات الوقت كانت الحركات العسكرية الإنقلابية قد عمت معظم العالم الإسلامي ، لتفرض حكومات وطنية لكنها فاشية بامتياز ، ألغت من العقول و الضمائر فكرة قبول التعددية المفرطة المتسامحة ، لصالح التعصب للفكرة الواحدة و الزعيم الأوحد و المذهب الأوحد ، مما يسر السبيل بشدة لما عرف بعد ذلك بالصحوة الإسلامية ، و التي عمدت وجودها في مصر بمقتل الشيخ الذهبي ثم التضحية لعيد النصر بذبح الرجل الذي ترك لهم مصر سداحاً مداحاً فقتلوه يوم احتفاله بنصره الأكتوبري الملحمي حقاً و صدقاً.

و تمكن البترودولار من إعادة غزو مصر و بقية دول الإمبراطورية الإسلامية السابقة ، بإسلام صحراوي دخلته عادات و تقاليد و أنظمة و مفاهيم عرب قبائل الجزيرة ، بزيادات توازي تراكم أربعة عشر قرناً من الزمان. ليترافق المد البترودولاري بالحرب ضد الروس في أفغانستان ، ثم انتصار الحلف الغربي العربي الأفغاني و انسحاب الروس من أفغانستان ، مما اعتبر في حينها علامة سماوية على صحة المنطلقات و الأهداف ، و وجوب السير في الخطة لأسقاط كل الحكومات الطاغوتية في العالم ، و ما تلي ذلك من تفكك المنظومة السوفيتية كلها. مع ثورة إسلامية في إيران حققت انتصاراً عجائبياً في أيام ، و فشلت حملة أمريكا العسكرية لإنقاذ رهائنها في إيران في صدفة عجائبية أخرى (و لكل بالطبع عوامله الموضوعية الواضحة لكننا لا نرى سوى العجائب) ، مع أموال هائلة لم تخف وكالة المخابرات الأمريكية أنها دعمت بها مئات المؤتمرات للصحوة الإسلامية ، إبان حقبة الحرب البادرة تجييشاً المسلمين ضد الكفر الشيوعي ليحاربوا عن الغرب بالنيابة.

كان الإسلام في مصر بعد أن فتحها الغزو العربي (بمرور الوقت) قد تمصر ، و مع قيام الدولة الحديثة على يد محمد على أخذ صبغة تسامحية هائلة ، فكنت تجد الجميع متعايشاً ، محبو أهل البيت إلى جوار المتصوفة ، إلى جوار عباد الأضرحة من البسطاء ، إلى جوار أهل السنة ، إلى جوار الأقباط ، إلى جوار اليهود ، إلى جوار ملل و نحل و أعراق متعددة وجدت في مصر جاذباً للهجرة إليها و اكتساب جنسيتها ، هرباً من مواطن فقيرة أو استبدادية ، و انتهى كل هذا بداية من طرد أصحاب الأصول غير المصرية مع اليهود في الزمن الناصري ، مما سلب عن تلك الأنظمة صفة العلمانية الليبرالية و منحها صفة الديكتاتورية الفاشية بامتياز ، رغم ما رفعته الأنظمة القومية الثورية من أيديولوجية تحارب الإسلام السياسي و تقوم على قيم وحدوية و اشتراكية ، لكن هزيمة هذا المشروع المروعة خاصة في 1967 ، و سقوطه اقتصادياً و فشله التام في تحقيق أياً من أهدافه المعلنة ، فلم يحقق لا عدل اجتماعي و لا مساواة و لا تنمية ، و لا هو ترك البلاد على حالها الأول تسير مسيرها الطبيعي دون قفز على المراحل. بينما انكمش دور العلمانيين الحقيقيين ، خاصة بعدما تراجعوا في النهاية إلى جماعة نخبوية ، و تابع بعضهم السلطة العسكرية و نافح عنها ، و ظل البعض الآخر متهماً بالعمالة للغرب طالما لم يؤيد النظام الحاكم. و من ثم كان يسيراً أن يصب هذا كله من بعد تتالى الهزائم و النكسات ، بيد الحركة الجديدة التي لبست هذه المرة زي سدانة الدين و الدنيا معاً ، و مع صحوة ملتبسة بإسلام صحراوي وهابي جاف قاس ، و هو ما لا تعرفه بلاد الخصب و الوفرة في الوديان الخضراء ، تم غزو البداوة لبلاد الخصب مرة أخرى ، بمنهج بدوي لا يسمح بأي سؤال أو رأي ممكن ، طوارئ عسكرية و أمنية و اقتصادية ، لأن القبيلة في موطنها بالبوادي هي في حالة طوارئ دائمة لا تعرف السلم و لا الاستقرار ، هي في سعي وراء خير الطبيعة الشحيح ، و عنده يتقاتلون قتالاً صفرياً ينتهي بسيادة أحدهما و استيلائه على ما بيد خصمه ، و ما بقى من بشر يستعبدهم أو يعسكرهم في قبيلته. لذلك لم تسمح هذه الحركة للقبيلة بغير نظام الحكم الاستبدادي ، لأنه الذي يضمن تماسك القبيلة بصرامه ، في بيئة متوحشة و قاسية ، كذلك لم يسمح لها هذا الارتحال الدائم بأي استقرار ، و من ثم لم يسمح لها بأي إنجاز ممكن.

إلى هذا النهج الصحراوي ارتكس المصريون مع إعادة فتح مصر وهابياً هذه المرة ، و ارتدوا إلى ما قبل زمن مينا موحد القطرين ، لأن المصريين كانوا بدواً رحلاً ذات يوم ، قبل أن تتوحد القبائل و تشكل مئات الأقاليم ، و عبر السنين و الدهور بألوف السنين توحدت هذه الأقاليم العديدة سلماً أو حرب حتى أصبحت إقليمين عظيمين بعد حوالي سبعة آلاف سنة من الإستقرار في الوادي ، حتى جاء مينا ملك الإقليم الجنوبي ليضم الإقليم الشمالى ليقيم أول دولة إمبراطورية قوية قائمة بحدودها التاريخية كما هي حتى اليوم ، و قد قام مينا بهذا التوحيد منذ حوالي سبعة آلاف عام مضت ، لكن بفضل الغزوة الوهابية يكون المصريون قد عادوا إلى ما قبل أربعة عشر ألف عام إلى الوراء من تاريخهم في بلادهم ، عاد المصري قبلياً بدويا لا فلاحاً يرتبط بالأرض منتجاً مبهجاً ، و أصبح يعرف نفسه بأنه ابن الحتة و ابن القبيلة و ابن الناحية ، يترك أرضة ويرتحل لأن أرض اللة واسعة فيهاجر فيها ، منطق بدوى كان هو عيبة العار ذاتها ونفسة ، ترددها الملحمة الشعبية (عواد باع أرضة ياولاد *** شوفوا طولة وعرضة ياولاد)، و هي كلها مستجدات على دولتنا الحديثة لم تعرفها مصر القرن العشرين ، ولا قبل العشرين.

أصبح كل مواطن قبيلة وحده ، لا يشغله ما يحدث على الأرض في بلاده ، فالقبيلة لا تعرف شيئاً اسمه (بلاده) ، لا يشغله سوى نفسه و مصالحه فقط ، مما أدى لما نراه في الشارع من تفشي كل الأوبئة الاجتماعية العلنية رشوة و فساداً يمارس في بلادنا كاعتياد هو الأصل في الأخلاق و ليس الاستثناء ، حتى أصبح الباطل و الكذب و الخداع و السرقة هي العملة المتفق عليها ، هي القاعدة ، أما الشرف و عفة اليد و سلامة الضمير ، فهي عملة جيدة نعم لكنها الاستثناء ، لإنها مؤرقة و مزعجة ، في وطن يتهاوى يعمل فيه كل مواطن بالمثل الشعبي : " إن وقع بيت أبوك إلحق خدلك منه قالب".

إن هذا الانهيار المفزع ليس إلا نتيجة طبيعية للعودة إلى نظام القبيلة البدائي ، و التعصب للعنصر و القبيلة و الدين و المذهب و الأيديولوجيا ، بينما ضاع الجامع الشامل لكل هذه الألوان و الأطياف مللاً و نحلاً و عناصر و أعراق ، جامعنا المقدس الحقيقي الذي يحوينا جميعاً و يقبل بنا جميعاً في محرابه على التساوي بذات القدر و القيمة هو ماضاع منا.. . ، ضاع الوطن. . .ضاع طين الأرض بعدما هجرها الفلاح إلى المدينة أوإلى بلاد ابن عبد الوهاب ، وضاع عندما فقدت الأرض الطهور قدسيتها فقمنا نبني على ثراها الممتلىء خيرا وطهرا حجرا واسمنتا شائها قبيحا .... ضاعت المواطنة الجامعة ..

فإلى اللة وإلى الوطن أشكوكم يا أهلى وناسى حكاماً و محكومين ، ويالوعة كبدى عليك ياوطن.

Posted by المجموعة الليبرالية at 19:53:35 | Permanent Link | Comments (6) |
Comments
1 - أستاذنا الكبير
أنا من هواة قراءتك بالكتاب الموضوع ، و أسعدني الحظ اليوم بالعثور على موقعك هذا ، أثناء جمعي لمادة علمية حول مسألة الولاء و البراء لمقال أعده ، فأحببت أن أسلم عليك محييا الاستاذ و الباحث الكبير قبل ان ابدا بالقراءة و التعليق على مختلف الموضوعات

تحية اجلال و تقدير
د / اياد حرفوش
http://eharfoush.blogspot.com/
 (Comment this)

Written by: Eyad Harfoush at 2008/04/03 - 21:34:53
2 - اتمنى ان ترجع مصر مش 1400 سنة لأ ل 3000 أو 7000 سنة لما كنا فعلاً أكتر دول العالم تقدماً مش بالسيف ولا بالكلام لأ بالعلوم والمعرفة اللي لغاية النهاردة ألغاز للعالم كله (Comment this)

Written by: ahmed at 2008/04/12 - 17:24:54
3 - ألف تحية و سلام من المغرب الى لأستاذ الكريم سيد القمني.دروسك التنويرية كم نحن في حاجة ماسة اليها في هذا الظلام الدامس .نترقب مقالاتك في هذا الموقع و في مواقع أخرى .شكرا سيدي,....حسين أمازيغ (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/04/12 - 20:38:46
4 - ..
محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)






غوستاف لوبون

[ 1 ]

"جمع محمد [صلى الله عليه وسلم] قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى.. ومما لا ريب فيه أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية ولذلك كان فضله على العرب عظيمًا.."(1).

[ 2 ]

"إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد [صلى الله عليه وسلم] من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا [صلى الله عليه وسلم] مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله.."(2).

[ 3 ]

"استطاع محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يبدع مثلاً عاليًا قويًا للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد [صلى الله عليه وسلم] على الخصوص.. ولم يتردد أتباعه في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى.."(3).

[ 4 ]

".. لا شيء أصوب من جمع محمد [صلى الله عليه وسلم] لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية في يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزأة ما استطعنا أن نقدر قيمة ذلك بنتائجه، فقد فتح العرب العالم في قرن واحد بعد أن كانوا قبائل من أشباه البرابرة المتحاربين قبل ظهور محمد [صلى الله عليه وسلم]"(4).

---------------------------
(1) دين الإسلام ، ص 16 .
(2) حضارة العرب ، ص 115 .
(3) نفسه ، ص 116 .
(4) نفسه ، ص 393 – 394 .



--------------------------------------------------------------------------------

لوقا (1)

[ 1 ]

".. ما كان [محمد [صلى الله عليه وسلم]] كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل [عليهم السلام]، وهمة البطل، فكان حقًا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّي فيه الرجل"(2).

[ 2 ]

"لا تأليه ولا شبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية.. وقد درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضًا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر" {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف 110]، وفي تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} [الشورى 48]، وظاهر في هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسه [صلى الله عليه وسلم] إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التي كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها"(3).

[ 3 ]

".. رجل فرد هو لسان السماء. فوقه الله لا سواه. ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين. ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر. بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو في سريرته، قبل أن يحاربه في سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسول [صلى الله عليه وسلم] بما أنعم من الهداية على الناس وما تم له من العزة والأيادي، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد، لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة. يطريه أصحابه بالحق الذي يعلمون عنه، فيقول لهم: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله. ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيمًا له، فينهاهم عن ذلك قائلاً: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا"(4).

[ 4 ]

"ماذا بقي من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلاً قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعًا أو شبه متوقع لذلك الداعي إلى الله في عاصمة الأوثان والأزلام.. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشيرته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها. وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس في الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه. وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض أي قالة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذ المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة في الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى.. وما ضلّ وما غوى.. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين.."(5).

[ 5 ]

"أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من (أبي القاسم) [صلى الله عليه وسلم] الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟"(6).

[ 6 ]

"كان [محمد [صلى الله عليه وسلم]] يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهي قوة له تحسب في مزاياه، وليست ضعفًا يعد في نقائصه. لم يكن [صلى الله عليه وسلم] معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به، لأنه يسخرها في كيانه في المستوى الذي يكرم به الإنسان حين يطلب ما هو جميل وجليل في الصورة الجميلة الجليلة التي لا تهدر من قدره بل تضاعف من تساميه وعفته وطهره. وبيان ذلك في أمر بنائه بزوجاته التسع [رضي الله عنهن].."(7).

---------------------------
(1) د. نظمي لوقا Dr. N. Luka
مسيحي من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية وإخلاصه العميق للحق. ورغم إلحاح أبويه على تنشئته على المسيحية منذ كان صبيًا، فإنه كثيرًا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة الرسول عليه السلام. بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددًا من الكتب أبرزها (محمد الرسالة والرسول)، و(محمد في حياته الخاصة).
(2) محمد الرسالة والرسول ، ص 28 .
(3) محمد الرسالة والرسول ، ص 85 – 86 .
(4) نفسه ، ص 179 – 180 .
(5) نفسه ، ص 183 – 186 .
(6) محمد في حياته الخاصة ، ص 12 .
(7) نفسه ، ص 39 – 40 ، ويمكن للقارئ أن يرجع للكتاب نفسه (محمد في حياته الخاصة)، فهو بمجمله يمكن أن يعدّ شهادة قيّمة على حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] العائلية الخاصة.

8:14 ص

(Comment this)


Written by: Anonymous at 2008/05/07 - 18:01:15
2 - رغم انف المتهودين والمتصلبنين
في ذكرى فتح خيبر: … المحرم 7هـ)










أصبحت المدينة منذ أن حل بها النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد هجرته المباركة منزل الوحي، ومعقل الإسلام، وعاصمة الدولة الوليدة، واتخذ النبي من المسجد الذي بناه مقرًا لإدارة شئون المسلمين، فلم تقتصر وظيفته على أداء الصلوات، وإنما امتدت ليصبح مدرسة تخرج فيها الرعيل الأول من قادة المسلمين وحملة ألويته ودعاته المخلصين، ومكانًا تُعقد فيه الجلسات، وتُستقبل فيه الوفود والسفراء.



علاقة المسلمين بجيرانهم



وكان من الإجراءات التي اتخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) لسلامة بناء مجتمع النبوة الناشئ، أن كتب وثيقة خالدة تحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، فقررت الصحيفة حرية الدين لليهود ولقبائلهم وبطونهم التي سبق أن تحالفت معها بطون الأوس والخزرج، شريطة مراعاة حقوق المواطنة، والابتعاد عما يخل بالنظام، حيث جاء في الوثيقة: "وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم…".



غدر اليهود ونقضهم للعهود



غير أن اليهود لم يلتزموا بما تعاهدوا عليه، ولم يحترموا نصوص الوثيقة التي تنظم الحياة في المدينة، وإنما غدروا وخانوا، ونقضوا العهود، وهموا بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) لولا أن عصمه الله منهم، وسعوا بالوقيعة بين الأوس والخزرج، وكادت تحدث فتنة بينهما لولا أن تداركتها حكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) البالغة، ونقضوا عهدهم مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة الخندق، وكاد الأمر يتحول إلى كارثة تحل بالمسلمين بعد أن أصبحوا محاصرين من الأحزاب ويهود بني قريظة.



لكل هذا لم يجد النبي (صلى الله عليه وسلم) بدًا من إخراجهم من المدينة أو إنزال أقسى العقوبة بهم؛ حماية للدولة، وحفاظًا على أمن المسلمين وسلامتهم، وتوحيدًا للصف، فأجلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يهود بني قينقاع من المدينة في العام الثاني من الهجرة، ثم تبعهم يهود بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة، ثم قضى على يهود بني قريظة في العام الخامس من الهجرة لخيانتهم له (صلى الله عليه وسلم)، وتعريضهم المدينة للدمار وأهلها للفتك والقتل لو نجح المشركون في اقتحام المدينة في غزوة الأحزاب.



ولم يبق لليهود سوى خيبر، وهي قرية كبيرة تقع شمال شرقي المدينة بنحو 180كم، يسكنها بعض اليهود الذين لم تبد منهم بادرة سوء للمسلمين، أو يؤخذ عليهم أنهم حاربوا الله ورسوله، ولم يُسمع أنهم اشتركوا في مؤامرة من المؤامرات التي كانوا لا يتوانون في إعدادها للنبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولهذا احترم النبي (صلى الله عليه وسلم) موقفهم وحيادهم، غير أنهم تبدلوا وجعلوا من بلدهم مركزًا لتجمع اليهود، فنزل عندهم يهود بني قينقاع وبني النضير، وصاروا يهددون المسلمين بمؤامراتهم، وأصبحوا خطرًا على أمن الدولة الإسلامية، ولا سيما أن خيبر تقع على الطريق المؤدي إلى الشام، فلزم تطهير ذلك الطريق من خطر هؤلاء، والقيام بتصفية بقايا الوجود اليهودي في شبه الجزيرة العربية؛ لتسلم قاعدة الإسلام الأساسية ومنطلقه من عدو ماكر.



الخروج إلى خيبر



لم يكد النبي (صلى الله عليه وسلم) يعود من الحديبية ويستريح بالمدينة شهرًا أو نحوه، حتى خرج إلى خيبر، في المحرم من العام السابع للهجرة، في ألف وستمائة مقاتل، وكان يهود خيبر من أشد الطوائف اليهودية بأسًا وأكثرهم مالاً، وأمنعهم حصونًا، وأكثرهم سلاحًا، حتى إن قريش وعرب الجزيرة وقفوا ينتظرون ما يسفر عنه التقاء القوتين. وفي الوقت نفسه استعد المسلمون استعدادًا حسنًا، فاشترط النبي (صلى الله عليه وسلم) ألا يخرج معه إلا من شهد الحديبية، وهم صفوة المسلمين، وخلاصة فرسانهم وأبطالهم الشجعان، يغمرهم إيمان عامر، وحب للشهادة في سبيل الله، وثقة في نصر الله لهم.



وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق تضم قلاعهم وحصونهم، وتمتلئ بنحو عشرة آلاف مقاتل، والمناطق الثلاث هي:



- منطقة النطاة، وبها حصن ناعم، وعليه "مرحب"، وهو واحد من أبرز زعماء خيبر وفرسانها، بالإضافة إلى حصنين آخرين، هما: حصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير.



- منطقة الشق، وبها حصنان.



- منطقة الكتيبة، وبها حصن "القموص" لبني الحقيق من يهود بني النضير، وحصنان آخران.



خطة الفتح



أعاد النبي (صلى الله عليه وسلم) توزيع جيشه، فقسمه أربع فرق: واحدة بقيادة أبي بكر الصديق، والثانية بقيادة عمر بن الخطاب، والثالثة بقيادة سعد بن عبادة، والرابعة بقيادة الحُبَاب بن المنذر، وأمّر على الجيش علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعًا.



وكان حصن "ناعم" أول حصن يتعرض له المسلمون بالهجوم، وكان محصّنًا تحصينًا منيعًا، ودار أمامه قتال عنيف دون أن يتمكن المسلمون من اقتحامه؛ نظرًا لاستماتة المدافعين عنه، واستمر القتال طوال اليوم دون تحقيق نصر، وجُرح من المسلمين خمسون، واستشهد واحد منهم، وفي اليوم التالي خرج "مرحب" قائد الحصن مختالاً بقوته وسلاحه، ودعا المسلمين إلى المبارزة، فبرز إليه "محمد بن مسلمة" ونجح في قتله، وقيل قتله علي بن أبي طالب، وتمكن أبطال المسلمين من قتل إخوة "مرحب" وكانوا أبطالاً صناديد، وكان لقتلهم أثر في إضعاف معنويات المدافعين عن الحصن، وبعد قتال دام خمسة عشر يومًا تمكن المسلمون بقيادة علي بن أبي طالب من فتح الحصن، والاستيلاء عليه، وفر من بقي من اليهود إلى حصن "صعب"، وكان حصنًا منيعًا هو الآخر، وأوكل النبي (صلى الله عليه وسلم) مهمة فتح هذا الحصن إلى "الحباب بن المنذر" الذي نجح في اقتحامه بعدما أبلى المسلمون بلاءً حسنًا، واستولى على ما في الحصن من أسلحة وعتاد، وكانت كثيرة جدًا، حيث كان يُعد هذا الحصن مخزنًا لأسلحة يهود خيبر، ومعداتهم الحربية من سيوف ودروع ومجانيق.



وبسقوط هذين الحصنين علت كِفّة المسلمين في الحرب، وأيقن اليهود أنهم لا قبل لهم بالمواجهة العسكرية، فطلبوا الصلح، فأجابهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عليه، وعقد معهم معاهدة كان من بنودها أن يجلوا عن خيبر إلى الشام، ويسلّموا قلاعهم وحصونهم إلى المسلمين بما فيها من أسلحة وعتاد، لكنهم طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يظلوا يعملون في أرض خيبر مقابل نصف ما تنتجه، وأن يكونوا في حمى المسلمين وتحت حكمهم، فقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) منهم ذلك.



وعلى الرغم من تحقيق هذا النصر العظيم، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) عامل اليهود معاملة حسنة، ولم يقابل إساءاتهم بإساءة، فرد عليهم صحفًا من توراتهم حين طلبوها منه، وكانت قد وقعت فيما وقع من غنائم للمسلمين، ولم يصنع النبي مثلما صنع الرومان حين فتحوا أورشليم؛ حيث أحرقوا الكتب المقدسة.



نتائج هذا الفتح



كان من نتائج هذا الفتح أن صالح يهود "فدك" النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن يحقن دماءهم، وكذلك فعل يهود "تيماء" و"وادي القرى"، فصالحوه على دفع الجزية، وبقوا في بلادهم آمنين.. وبهذا النصر المبين دان اليهود كلهم للإسلام، وانتهى ما كان لهم من نفوذ وجاه، ولم تقم لهم قائمة بعدُ، وبهذا أصبحت الدولة الإسلامية بمأمن من ناحية الشمال إلى بلاد الشام.








(Comment this)


Written by: Anonymous at 2008/05/07 - 18:10:52
3 - أخلاق المسلم
الوفاء
لم يحضر أنس بن النضر غزوة بدر، فحزن لذلك، ثم قال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين فيه، ولئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم قتال المشركين ليرينَّ ما أصنع. وهكذا أخذ أنس بن النضر عهدًا على نفسه بأن يجاهد ويقاتل المشركين، ويستدرك ما فاته من الثواب في بدر، فلما جاءت غزوة أحد انكشف المسلمون، وحدث بين صفوفهم اضطراب، فقال أنس لسعد بن معاذ: يا سعد بن معاذ، الجنَّةَ ورَبَّ النَّضْر، إني لأجد ريحها من دون أحد، ثم اندفع أنس يقاتل قتالا شديدًا حتى استشهد في سبيل الله، ووجد الصحابة به بضعًا وثمانين موضعًا ما بين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم، ولم يعرف أحد أنه أنس بن النضر إلا أخته بعلامة في إصبعه.
[متفق عليه].
فكان الصحابة يرون أن الله قد أنزل فيه وفي إخوانه قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23].
***
كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- زوجة رحيمة تعطف على النبي صلى الله عليه وسلم، وتغمره بالحنان، وتقدم له العون، وقد تحملت معه الآلام والمحن في سبيل نشر دعوة الإسلام، ولما توفيت السيدة خديجة -رضي الله عنها- ظل النبي صلى الله عليه وسلم وفيَّا لها، ذاكرًا لعهدها، فكان يفرح إذا رأى أحدًا من أهلها، ويكرم صديقاتها.
وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تغار منها وهي في قبرها، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: هل كانت إلا عجوزًا قد أبدلكَ الله خيرًا منها؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وقال لها: (والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ آمنتْ بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء) [أحمد]. وهكذا ظل النبي صلى الله عليه وسلم وفيَّا لزوجته خديجة -رضي الله عنها-.
***
ضرب صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأنصار (وهم أهل المدينة) أروع الأمثلة في الوفاء بالعهد، فقد بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الدفاع عن الإسلام، ثم أوفوا بعهدهم، فاستضافوا إخوانهم المهاجرين واقتسموا معهم ما عندهم، حتى تم النصر لدين الله.
فعن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال النبي: (ألا تبايعون رسول الله؟). فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا) وأسرَّ كلمة خفية، قال: (ولا تسألوا الناس شيئًا). قال عوف بن مالك: فقد رأيتُ بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم (ما يقود به الدابة)، فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه. [مسلم].
***
كان عرقوب رجلا يعيش في يثرب (المدينة المنورة) منذ زمن بعيد، وكان عنده نخل ينتج تمرًا كثيرًا. وذات يوم جاءه رجل فقير مسكين يسأله أن يعطيه بعض التمر، فقال عرقوب للرجل الفقير: لا يوجد عندي تمر الآن، اذهب ثم عد عندما يظهر طلع النخل (أول الثمار). فذهب الفقير، وحينما ظهر الطلع جاء إلى عرقوب، فقال له عرقوب: اذهب ثم عد عندما يصير الطلع بلحًا.
فذهب الرجل مرة ثانية، ولما صار الطلع بلحًا جاء إلى عرقوب، فقال له: اذهب ثم ارجع عندما يصير البلح رطبًا، وعندما صار البلح رطبًا حضر الرجل إلى عرقوب، فقال له عرقوب: اذهب ثم ارجع عندما يصير الرطب تمرًا، فذهب الرجل. ولما صار الرطب تمرًا صعد عرقوب إلى النخل ليلا، وأخذ منه التمر، وأخفاه حتى لا يعطي أحدًا شيئًا منه، فلما جاء الفقير لم يجد تمرًا في النخل، فحزن لأن عرقوب لم يفِ بوعده. وصار عرقوب مثلا في إخلاف الوعد، حتى ذم الناس مُخْلِف الوعد بقولهم: مواعيد عرقوب.
***
ما هو الوفاء؟
الوفاء أن يلتزم الإنسان بما عليه من عهود ووعود وواجبات، وقد أمر
الله -تعالى- بالوفاء بالعهد، فقال جل شأنه: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً} [الإسراء: 34]. وقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم }.
[النحل: 91].
أنواع الوفاء:
الوفاء له أنواع كثيرة، منها:
الوفاء مع الله: بين الإنسان وبين الله -سبحانه- عهد عظيم مقدس هو أن يعبده وحده لا يشرك به شيئًا، وأن يبتعد عن عبادة الشيطان واتباع سبيله، يقول الله عز وجل: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يـس: 60-61].
فالإنسان يدرك بفطرته السليمة وعقله أن لهذا الكون إلهًا واحدًا مستحقًّا للعبادة هو الله -سبحانه-، وهذا هو العهد الذي بيننا وبين الله.
الوفاء بالعقود والعهود: الإسلام يوصي باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم) [البخاري]، وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع الكافرين، ووفَّى لهم بما تضمنه هذا العقد، دون أن يغدر بهم أو يخون، بل كانوا هم أهل الغدر والخيانة. والمسلم يفي بعهده ما دام هذا العهد فيه طاعة لله رب العالمين، أما إذا كان فيه معصية وضرر بالآخرين، فيجب عليه ألا يؤديه.
الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن، فلا ينقصه، لأن الله -تعالى- قال: {أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [هود: 85].
الوفاء بالنذر: والمسلم يفي بنذره ويؤدي ما عاهد الله على أدائه. والنذر: هو أن يلتزم الإنسان بفعل طاعة لله -سبحانه-. ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا}.
[الإنسان: 7]. ويشترط أن يكون النذر في خير، أما إن كان غير ذلك فلا وفاء فيه.
الوفاء بالوعد: المسلم يفي بوعده ولا يخلفه، فإذا ما وعد أحدًا، وفي بوعده ولم يخلف؛ لأنه يعلم أن إخلاف الوعد من صفات المنافقين. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) [متفق عليه].
الغدر والخيانة:
الغدر خلق ذميم، والخيانة هي عدم الوفاء بالعهود، وهي الغش في الكيل والميزان.. وما شابه ذلك. يقول الله -تعالى-: {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58]. وقال تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} [البقرة: 27].

(Comment this)


Written by: Anonymous at 2008/05/07 - 18:18:13
4 - سورة المائدة

هدف السورة: الوفاء بالعهود

سورة المائدة هي أول سورة ابتدأت بـ (يا أيها الذين آمنوا) وتكرر فيها هذا النداء 16 مرة من أصل 88 مرة وردت في القرآن كله. وهي آخر ما نزل على رسول الله في المدينة بعد حجة الوداع. وقد اشتملت على العديد من الأحكام : أحكام العقود ، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، أحكام الطهارة، حد السرقة، حد البغي والإفساد في الأرض، أحكام الميسر والخمر، كفارة اليمين، قتل الصيد في الإحرام، الوصية عند الموت، البحيرة والسائبة، الحكم على من ترك العمل بشريعة الله وغيرها. وقد ورد عن النبي أنه قال:" علّموا رجالكم سورة المائدة" لما فيها من أحكام ووفاء بالعهود والمواثيق.

والخطاب من الله تعالى للمؤمنين بـ (يا أيها الذين آمنوا) بمعنى يا من آمنتم بي ورضيتم أن تدخلوا في ديني عليكم أن تنفذوا أوامري لتفلحوا وتكونوا من المؤمنين حقاً.

وسميت السورة بـ (المائدة) لورود قصة المائدة في نهاية السورة في قصة سيدنا عيسى عليه السلام والحواريين. لكن التسمية لا تتعلق فقط بذكر المائدة في السورة ولكن العبرة من القصة هي الهدف وتسميتها تتناسب مع هدف السورة، لأن الله تعالى حذر الحواريين أنه سينزل عليهم المائدة ولكن من كفر بعدها ولم يؤمن سيعذبه الله عذاباً شديداً وهذا توجيه وتحذير للمسلمين بأن عليهم الوفاء بالعهود والمواثيق وإلا سيكون العذاب جزاؤهم كما في قصة المائدة.

والسورة شددت في معظم آياتها على العهود والمواثيق باختلافها وكل نداء (يا أيها الذين آمنوا) ينص على عهد مختلف، والآيات تذكر باستمرار بأهمية الوفاء بالعهود والالتزام بها.

النداء الأول: العقد الأول في الطيبات من الأكل وهي أول ضروريات الحياة، وما أحله الله تعالى لنا. ومن رحمة الله أنه ابتدأ الأحكام بما أحلّ وليس بما حرّم. (َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ) (آية 1)

النداء الثاني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) آية 2 . هذه الآية فيها الحث على مبادئ اسلامية عظيمة وانتقل من طيبات الطعام إلى مبادئ الانسانية والعدل ووحدة المجتمع.

آية تحريم بعض الطعام وآية إكمال الدين: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.) آية 3 وفيها حرّم ربنا تعالى بعض أنواع الطعام وجاءت فيها (اليوم أكملت لكم دينكم) لأن الدين قد اكتمل وتم وعلينا أن نعاهد الله تعالى على كمال هذا الدين والعمل به.

تشريع نكاح الكتابيات، بعد ذكر الطيبات من الطعام ذكر الله تعالى لنا الطيبات من الزوجات. وأحلّ الله تعالى للمسلمين الزواج من الكتابيات ما دمن محصنات عفيفات. (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آية 5

النداء الثالث: أحكام الوضوء. بعد ذكر الطيبات من الطعام والزوجات لا بد من ذكر طيبات الروح وطهارتها لذا جاءت آية الوضوء هنا في السورة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) آية 6

تذكير بضرورة الوفاء بالعهود: بعد كل بضع آيات عن العهود تأتي آية تذكر بأهمية الوفاء بالعهود كما في الآية (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آية 7

النداء الرابع: العدل. فمن ضمن ما نعاهد الله تعالى عليه، العدل حتى لو ظلم المسلم ويذكرنا تعالى بأنه وفّى بعهده مع عباده فكيف لا يوفّي العباد بعهودهم مع ربهم ومع الناس. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) آية 8

النداء الخامس: التذكير بنعمة الله على عباده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) آية 11

قصة بني اسرائيل: جاء ذكرها هنا لأن بني اسرائيل قد نقضوا الكثير من العهود وهم نموذج لمن ينقض بالعهود والمواثيق.( وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ* فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آية 12 – 13

قصة سيدنا موسى عليه السلام ودخول القدس: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * ..* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) الآيات من 20 – 26. وفي ورودها تأكيد آخر على نموذج نقض العهود من بني اسرائيل والفرق بين رد الله تعالى عليهم (فإنها محرمة عليهم) وبين خطابه سبحانه للمؤمنين (أحل لكم الطيبات)

قصة ابني آدم: ورودها في هذه السورة بعد قصة بني اسرائيل لأن بني اسرائيل نقضوا العهود من جبنهم وقابيل قتل أخاه هابيل بتسرعه ونقضه للعهد. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) آية 27 – 31.

النداء السادس: تأكيد وسيلة تعين على الوفاء بالعهود وهي تقوى الله والجهاد في سبيله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 35

النداء السابع والثامن: الآيات 51 – 66 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* ..* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وفيها دعوة الى عدم اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وهذا لا يعني عدم التسامح. يجب أن تكون للمسلمين هوية خاصة بعيداً عن التقليد الأعمى. وهذه الآيات سبقها ربع كامل من الآية 41 (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) إلى الآية 50 (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) بتوجيهات

النداء التاسع: عقاب الذين ينقضون العهود أن يستبدلهم الله تعالى بغيرهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) آية 54

النداء العاشر: النهي عن اتخاذ الكفار والمستهزئين بالدين أولياء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آية 57

النداء الحادي عشر: النهي عن تحريم ما أحلّ الله تعالى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) آية87

النداء الثاني عشر:النهي عن الخمر والميسر وهي من ضمن الوفاء بالعهود وعلى المسلم أن يعاهد الله تعالى على ترك هذه الموبقات وان يحفظ عهده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 90

النداء الثالث عشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) آية 94

النداء الرابع عشر: من رحمة الله تعالى بنا أن جعل لنا بعد التشدد في العهود والوفاء بها ضوابط بأن لا نضيّق على أنفسنا بالسؤال عما لا يعنينا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) آية 101

النداء الخامس عشر: وفي هذه الآية يضع الله تعالى لنا ضابطاً آخر بأنه علينا بأنفسنا ولا يضرنا لو ضل كل من حولنا علينا أن نحفظ عهدنا مهما كان من حولنا ضالاً. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) آية 105

النداء السادس عشر: حكم الوصية والشهادة (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ ) آية 106

أهداف الشريعة الإسلامية: ذكر الفقهاء أن مقاصد الشريعة هي خمسة: حفظ الدين والعقل والمال والنفس والعرض، وهذه المقاصد الخمسة هي لمصلحة المؤمن فعليه أن يفي بعهوده وهذه المقاصد موجودة في سورة المائدة:

· حفظ الدين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) آية 54

· حفظ النفس (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) آية 32

· حفظ العرض (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آية 5

· حفظ المال (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) آية 38

· حفظ العقل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 90

ختام السورة: مراجعة العقود يوم القيامة: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) آية 109

وقد اشتملت السورة من أولها إلى خاتمتها بالعقود وأهمية الوفاء بها: بداية السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) آية 1 ووسطها (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) آية 67 ونهايتها (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) آية 119

وآخر سورة المائدة مرتبط بأول السورة ايضاً (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) آية 119 فالذين يصدقون هم الذين يوفون بالعهود وهم المؤمنون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) آية 1

 (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/05/10 - 13:07:06
5 -


ينكر النصارى حد الردة في الإسلام وهو ان من ارتد عن الملة الإسلامية يقتل .

الجواب :

أولاً : ان كان هذا الأمر طعناً فإنه يقع على كتاب النصارى المقدس بأشنع وجه وإليكم الأدلة :

1 - من الرسالة إلى العبرانيين [ 10 : 28 ] :

" تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ خَالَفَ شَرِيعَةَ مُوسَى، كَانَ عِقَابَهُ الْمَوْتُ دُونَ رَحْمَةٍ، عَلَى أَنْ يُؤَيِّدَ مُخَالَفَتَهُ شَاهِدَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ ". [ الكتاب المقدس - ترجمة الحياة ]

2 _ من سفر الخروج [ 2 2 : 20 ] :

(( مَنْ يُقَرِّبْ ذَبَائِحَ لآلِهَةٍ غَيْرِ الرَّبِّ وَحْدَهُ يُبـد )) . [ الكتاب المقدس - ترجمة الحياة ]

3 _ من سفر التثنية [ 13 : 6 ] :

(( وَإِذَا أَضَلَّكَ سِرّاً أَخُوكَ ابْنُ أُمِّكَ، أَوِ ابْنُكَ أَوِ ابْنَتُكَ، أَوْ زَوْجَتُكَ الْمَحْبُوبَةُ، أَوْ صَدِيقُكَ الْحَمِيمُ قَائِلاً: لِنَذْهَبْ وَنَعْبُدْ آلِهَةً أُخْرَى غَرِيبَةً عَنْكَ وَعَنْ آبَائِكَ مِنْ آلِهَةِ الشُّعُوبِ الأُخْرَى الْمُحِيطَةِ بِكَ أَوِ الْبَعِيدَةِ عَنْكَ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ إِلَى أَقْصَاهَا، فَلاَ تَسْتَجِبْ لَهُ وَلاَ تُصْغِ إِلَيْهِ، وَلاَ يُشْفِقْ قَلْبُكَ عَلَيْهِ، وَلاَ تَتَرََّأفْ بِهِ، وَلاَ تَتَسَتَّرْ عَلَيْهِ. بَلْ حَتْماً تَقْتُلُهُ. كُنْ أَنْتَ أَوَّلَ قَاتِلِيهِ، ثُمَّ يَعْقُبُكَ بَقِيَّةُ الشَّعْبِ. ارْجُمْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ ... )) . [ الكتاب المقدس - ترجمة الحياة ]

4 _ من سفر الخروج [ 32 : 28 ] :

الرب أمر نبيه موسى عليه السلام بقتل عبدة العجل من بني لاوي فقتل منهم نَحْوَ ثَلاَثَةِ آلافِ رَجُلٍ : (( فَأَطَاعَ اللاَّوِيُّونَ أَمْرَ مُوسَى. فَقُتِلَ مِنَ الشَّعْبِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَحْوَ ثَلاَثَةِ آلافِ رَجُلٍ. عِنْدَئِذٍ قَالَ مُوسَى لِلاَّوِيِّينَ: «لَقَدْ كَرَّسْتُمُ الْيَوْمَ أَنْفُسَكُمْ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ، وَقَدْ كَلَّفَ ذَلِكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قَتْلَ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ، وَلِكِنْ لِيُنْعِمْ عَلَيْكُمُ الرَّبُّ فِي هَذَا اليَوْمِ بِبَرَكَةٍ )) . [ الكتاب المقدس - ترجمة الحياة ]

5 _ من سفر التثنية [ 13 : 1 _ 5 ] أنه لو دعا نبي إلى عبادة غير الله يقتل وان كان ذا معجزات عظيمة :

(( إِذَا ظَهَرَ بَيْنَكُمْ نَبِيٌّ أَوْ صَاحِبُ أَحْلاَمٍ، وَتَنَبَّأَ بِوُقُوعِ آيَةٍ أَوْ أُعْجُوبَةٍ. 2فَتَحَقَّقَتْ تِلْكَ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي تَنَبَّأَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ نَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا وَنَعْبُدْهَا. فَلاَ تُصْغُوا إِلَى كَلاَمِ ذَلِكَ النَّبِيِّ أَوْ صَاحِبِ الأَحْلاَمِ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكُمْ يُجَرِّبُكُمْ لِيَرَى إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَهُ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ .... أَمَّا ذَلِكَ النَّبِيُّ أَوِ الْحَالِمُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ )) .

6 _ من سفر التثنية [ 17 : 2 _ 7 ] :

(( إِذَا ارْتَكَبَ بَيْنَكُمْ، رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، مُقِيمٌ فِي إِحْدَى مُدُنِكُمُ الَّتِي يُوَرِّثُكُمْ إِيَّاهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمُ، الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مُتَعَدِّياً عَهْدَهُ، فَغَوَى وَعَبَدَ آلِهَةً أُخْرَى وَسَجَدَ لَهَا أَوْ لِلشَّمْسِ أَوْ لِلْقَمَرِ أَوْ لأَيٍّ مِنْ كَوَاكِبِ السَّمَاءِ مِمَّا حَظَرْتُهُ عَلَيْكُمْ، 4وَشَاعَ خَبَرُهُ، فَسَمِعْتُمْ بِهِ، وَتَحَقَّقْتُمْ بَعْدَ فَحْصٍ دَقِيقٍ أَنَّ ذَلِكَ الرِّجْسَ اقْتُرِفَ فِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرِجُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ أَوْ تِلْكَ الْمَرْأَةَ، الَّذِي ارْتَكَبَ ذَلِكَ الإِثْمَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ، وَارْجُمُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ )) . [ الكتاب المقدس - ترجمة الحياة ]

وهذه التشددات لا توجد في القرآن الكريم ، فالعجب من النصارى المتعصبين ، أن الكتاب المقدس لا يلحقه عيب بهذه التشدادت ، وأن الاسلام يكون معيباً !!!

يقول الأخ متعلم حفظه الله :

فى العهد القديم جرائم عقوبتها القتل، مثل :
الأكل من ذبيحة السلامة والشخص على غير طهارة [لاويين 7/20]
والأكل من ذبيحة السلامة فى اليوم الثالث [لاويين 19/5]
والأكل من شحوم البهائم التي تقدم كقرابين [لاويين 7/25]
وأكل الدم [لاويين 7/27]
والذبح بعيدًا عن باب خيمة الاجتماع [لاويين 17/3]
واللواط [لاويين 20/13]
وإتيان البهائم [لاويين 20/15]
وإتيان المرأة فى حيضها [لاويين 20/18]
والعمل فى يوم الكفارة [لاويين 23/30]
والامتناع عن صوم يوم الكفارة [لاويين 23/29]
وسب الوالدين [لاويين 20/9]
وعمل السحر أو العرافة [لاويين 20/27]

فهذه جرائم عقوبتها القتل، ومعلوم أن الكفر بالله أشد الجرائم فى جميع الأديان، فهل شرع الرب فى العهد القديم القتل عقوبة على هذه الجرائم، ولم يشرع القتل على أشد الجرائم بإطلاق ؟ .. وإذا كان مستحسنـًا من الرب أن يشرع عقوبة القتل على هذه الجرائم وغيرها، فلماذا تستقبح نفس العقوبة على جريمة الردة وهى أشد خطرًا من هذه الجرائم ؟ .

ثانياً : إن الإسلام يقرر حرية اختيار الدين ، فالإسلام لا يكره أحداً على أن يعتنق أى دين يقول الله تعالى (( لا إكراه فى الدين )) غاية ما هنالك أن الإسلام لا يقبل الشرك بالله ولا يقبل عبادة غير الله وهذا من صلب حقيقة الإسلام باعتبار كونه دين من عند الله جل وعلا ، ومع ذلك يقبل النصارى واليهود ولا يقاتلهم على ما هم عليه ولكن يدعوهم إلى الإسلام. كما أن الإسلام لا يبيح الخروج لمن دخل فى دين الله لا يكلف أحداً أن يجهر بنصرة الإسلام ، ولكنه لا يقبل من أحدٍ أن يخذل الإسلام ، والذى يرتد عن الإسلام ويجهر بذلك فإنه يكون عدوًّا للإسلام والمسلمين ويعلن حرباً على الإسلام والمسلمين ولا عجب أن يفرض الإسلام قتل المرتد ، فإن كل نظام فى العالم حتى الذى لا ينتمى لأى دين تنص قوانينه أن الخارج عن النظام العام له عقوبة القتل لا غير فيما يسمونه بالخيانة العظمى.
وهذا الذى يرتد عن الإسلام فى معالنة وجهر بارتداده ، إنما يعلن بهذا حرباً على الإسلام ويرفع راية الضلال ويدعو إليها المنفلتين من غير أهل الإسلام وهو بهذا محارب للمسلمين يؤخذ بما يؤخذ به المحاربون لدين الله.
والمجتمع المسلم يقوم أول ما يقوم على العقيدة والإيمان. فالعقيدة أساس هويته ومحور حياته وروح وجوده ، ولهذا لا يسمح لأحد أن ينال من هذا الأساس أو يمس هذه الهوية. ومن هنا كانت الردة المعلنة كبرى الجرائم فى نظر الإسلام لأنها خطر على شخصية المجتمع وكيانه المعنوى ، وخطرعلى الضرورة الأولى من الضرورات الخمس " الدين والنفس والنسل والعقل والمال ".
والإسلام لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة يُدخل فيه اليوم ويُخرج منه غداً على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: (( آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون )) [ آل عمران : 72 ]
والردة عن الإسلام ليست مجرد موقف عقلى ، بل هى أيضاً تغير للولاء وتبديل للهوية وتحويل للانتماء. فالمرتد ينقل ولاءه وانتماءه من أمة إلى أمة أخرى فهو يخلع نفسه من أمة الإسلام التى كان عضواً فى جسدها وينقم بعقله وقلبه وإرادته إلى خصومها ويعبر عن ذلك الحديث النبوى بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] [ رواه مسلم ] ، وكلمة المفارق للجماعة وصف كاشف لا منشئ ، فكل مرتد عن دينه مفارق للجماعة.
ومهما يكن جرم المرتد فإن المسلمين لا يتبعون عورات أحدٍ ولا يتسورون على أحدٍ بيته ولا يحاسبون إلا من جاهر بلسانه أو قلمه أو فعله مما يكون كفراً بواحاً صريحاً لا مجال فيه لتأويل أو احتمال فأى شك فى ذلك يفسر لمصلحة المتهم بالردة.
إن التهاون فى عقوبة المرتد المعالن لردته يعرض المجتمع كله للخطر ويفتح عليه باب فتنة لا يعلم عواقبها إلا الله سبحانه. فلا يلبث المرتد أن يغرر بغيره ، وخصوصاً من الضعفاء والبسطاء من الناس ، وتتكون جماعة مناوئة للأمة تستبيح لنفسها الاستعانة بأعداء الأمة عليها وبذلك تقع فى صراع وتمزق فكرى واجتماعى وسياسى ، وقد يتطور إلى صراع دموى بل حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.
وجمهور الفقهاء قالوا بوجوب استتابة المرتد قبل تنفيذ العقوبة فيه بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة ـ رضى الله عنه ـ وبعض الفقهاء حددها بثلاثة أيام وبعضهم بأقل وبعضهم بأكثر ومنهم من قال يُستتاب أبداً ، واستثنوا من ذلك الزنديق ؛ لأنه يظهر خلاف ما يبطن فلا توبة له وكذلك سابّ الرسول صلى الله عليه وسلم لحرمة رسول الله وكرامته فلا تقبل منه توبة وألَّف ابن تيمية كتاباً فى ذلك أسماه " الصارم المسلول على شاتم الرسول ".
والمقصود بهذه الاستتابة إعطاؤه فرصة ليراجع نفسه عسى أن تزول عنه الشبهة وتقوم عليه الحُجة ويكلف العلماء بالرد على ما فى نفسه من شبهة حتى تقوم عليه الحُجة إن كان يطلب الحقيقة بإخلاص وإن كان له هوى أو يعمل لحساب آخرين ، يوليه الله ما تولى
 (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/05/13 - 07:12:04
6 - بسم الله الرحمن الرحيم


نظرة شرعية في مؤلفات : د / سيد القمني


- باحث مصري ولد – كما يقول - في 13/3/1947 بمدينة الواسطي من أعمال محافظة بني سويف أولى محافظات صعيد مصر. انتهج الوجهة الماركسية في نظرته للكتاب والسنة ؛ حيث التطاول عليهما ؛ لأنهما – عنده – مجرد نصوص تاريخية خاضعة للنقد ! ، وليستا وحيًا من الله . وهكذا فعل مع التاريخ الإسلامي .
وهو يصرح بهذا ولا يخفيه . يقول في كتابه " أهل الدين والديمقراطية " ( ص 305 ) : " إن ذعر الاقتراب من الدين الإسلامي نقداً أو تفكيكاً وتحليلاً أو لمجرد تقديم قراءة وتفسير جديد، جعل الجميع يحذرون الاقتراب من جوهر المشكلة، رغم أن المشكلة الآن هي في تركيب الدين نفسه وتكوينه الذي يتفرد به عن معظم الأديان الأخرى، والتي وسمته بخصائص جعلته يحمل كثيراً من التناقضات الداخلية في المفاهيم والأحكام " !!
ويقول ( ص 309 ) : " القرآن ليس كتاب علم، بل هو كتاب دين روحي، وهناك تناقضات تتراكم كل يوم وليلة بينه وبين واقع الحياة المتغير المتبدل دوماً " !!
ويقول ساخرًا ممن يرى أن الإسلام جاء بحقوق الإنسان ( ص 311 ) : " .. يعلنون سبق الإسلام في ميدان الحقوق رغم مبدأ كقتل المرتد أو نهاية الرق من التاريخ وبقائه بالإسلام " .
ويقول عن أحكام المرأة التي جاء بها الإسلام ( ص 312-313) : " لدينا مشكلة مستعصية فيما يتعلق بوضع المرأة في الإسلام ووضعها الحقوقي اليوم، ففي الإسلام هي ناقصة دين في العبادة، وناقصة عقل عن الولاية وهي نصف الذكر في الميراث وفي الشهادة...
أليس عدم المساواة بين المرأة والرجل في الميراث اليوم ظلما؟ أليس عدم المساواة بين غير المسلم والمسلم اليوم ظلما؟ " !!
ويقول – أخزاه الله – ( ص 318 ) : " العقيدة الإسلامية مليئة بالأساطير، كيف يمكن تنقيتها من كل هذه الشوائب؟ كل الأديان مليئة بالأساطير وليس الإسلام وحده " !!
- وقد ادعى مؤخرًا أنه رجع عن أقواله بسبب تلقيه خطاب تهديد من الجماعات الإسلامية ! والعارفون به يقولون إن الأمر مجرد ترويج لكتبه ، وإثارة إعلامية .

- للأستاذ منصور أبوشافعي كتاب في الرد عليه بعنوان " مركسة التاريخ النبوي " ، ثم لخصه في مقال بموقع إسلام أون لاين ، قال فيه :
" سيد القمني باحث ماركسي في التراث استطاع على مدى الخمسة عشر عاما الماضية وبأربعة عشر كتابا أن يضع مشروعه الفكري في قلب الخطاب العلماني الذي سوّقه باعتباره "فتحا وكشفا كبيرا" و"اقتحاما جريئا وفذًا لإنارة منطقة حرص من سبقوه على أن تظل معتمة"، بل واعتبر "بداية لثورة ثقافية تستلهم وتطور التراث العقلاني في الثقافة العربية الإسلامية ليلائم الإسلام (وليس التراث) احتياجات الثورة الاشتراكية القادمة".
ولم يقف التسويق العلماني عند هذا الحد. ففي حين لا يتورع عن أن يرى أن القرآن (الإلهي) "يجسد نصّا تاريخيّا" لا بد من وضعه "موضع مساءلة إصلاحية نقدية"!! فقد تعدى هذا الإعلام نقطة الانحياز وأغلق في وجه العقل باب مراجعة أو إمكانية نقد مشروع القمني بحجة أن محاولة نقده "نقدا موضوعيّا أمر مستحيل"!! وهو ما أراه انهيارا للعقل العلماني أمام مشروع د. القمني (الفكري - النسبي - البشري)؛ إذ القول باستحالة نقده يكاد يعني "قداسة" هذا المشروع و"تطهره من الخطأ"!
وبدا أن القمني نفسه والذي قيل عنه إنه "واحد من العلماء الصارمين الذين يعتمدون العلم لا الأساطير". يؤكد هذه القداسة ولا ينفيها حين يقول عن نفسه إنه في مشروعه الفكري عاين التراث "حيّا بلحمه وشحمه ودمه" وقدمه "كما كان حقّا".
وعلى كلٍ فقد مارس القمني حقه الكامل في السؤال وفي البحث وفي الإجابة في كتبه ومقالاته التي يحوم بعضها حول المناطق الحساسة في التاريخ والعقيدة. وبعضها الآخر يقتحم -بلا حذر وأحيانا بتهور- هذه المناطق تحت ضغط أيديولوجي فاقع اضطره -في أغلب كتاباته- إلى التضحية بالمعلوم بالضرورة في كتب مناهج البحث العلمي عن "نقد الأصول". وإلى اعتماد "الأساطير" سواء التراثية أو حتى الاستشراقية بحجة -كما قال وأكد- أن "مهمتنا (مهمته) أبدا ليست تدقيق معلومة يعطيها لنا علماء"، وأن "المعلومات سواء كانت خطأ أم صوابا فهي ذلك المعطى الجاهز لنا من أهل التاريخ".
ولأن ذلك كذلك. فسأحاول -وبإيجاز شديد- إلقاء بعض الضوء على المشروع الفكري للدكتور القمني. وكيف أعاد إنتاج الإسلام ماركسيّا "ليلائم احتياجات الثورة الاشتراكية"؟.
وللأهمية القصوى نبدأ بإثبات تعريف القمني لنفسه بقوله: "أنا مادي". ومن المهم كذلك إثبات حقيقة أن الفارق الجوهري (الفلسفي) بين الموقف "المثالي" والموقف "المادي" في "ألف - باء" الماركسية، يتلخص في أن:
الأول يقول بـ"أولية الله على المادة في الوجود"، وبالتالي فهو يؤمن بوجود إله خالق للكون وللطبيعة وللإنسان، وبأن العلاقة بين الله (الخالق) والإنسان (المخلوق) يمكن أن تكون في شكل رسالة (وحي) ورسول (نبي - بشري).
وأما الثاني فيقول بـ"أولية المادة على الله في الوجود"؛ وبالتالي فهو حسب "المادية الديالكتيكية" لا يؤمن بوجود موضوعي حقيقي لله. ومن ثَم -وهذا طبيعي- لا يذهب إلى إمكانية وجود علاقة (سواء في شكل دين أو وحي) بين إله (غير موجود عنده أصلا) وبين إنسان هو الخالق الفعلي لله!! وحسب "المادية التاريخية" فـ"المادي" لا بد أن يبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للإنسان عن وجود وتطور فكرة الله والدين.وهذا ما حاول القمني الالتزام به في مشروعه الفكري الذي رفض فيه ما أسماه بـ"الرؤى الأصولية" التي تقول بأن الإسلام "مفارق سماوي"؛ لتناقض هذا القول "الأصولي" أو "المثالي" مع "مادية" القمني التي تقول بـ"أنه لا شيء إطلاقا يبدأ من فضاء دون قواعد مؤسسات ماضوية يقوم عليها ويتجادل معها، بل ويفرز منها حتى لو كان دينا". والذي حاول فيه (ومن خلال دراسته للأديان عموما وللإسلام خصوصا) إثبات أن "فكرة التوحيد" هي الأخرى لا تأتي من فراغ، ولا تقفز فجأة دون بنية تحتية تسمح بها؛ لأن هذا القفز الفجائي يخالف منطق التطور وشروطه المجتمعية والاقتصادية والسياسية"، حسبما تعلم "في فلسفة التاريخ وقوانين الحراك الاجتماعي".
ولاعتقاد القمني (الماركسي - المادي) أن الإسلام مجرد "إفراز" أفرزته "القواعد الماضوية" (الجاهلية). ولأنه -حسب الرؤية المادية- لا يمكن تفسير الظهور التاريخي للإسلام (كبناء فوقي) وفقا لوعي الإسلام المثبت في قرآنه، بل ينبغي تفسيره بتناقضات الحياة المادية (كبناء تحتي)؛ لذلك فقد