هل غير المسلم غير ذي خلق بالضرورة؟
خريطة الإصلاح
خريطة الطريق نحو الإصلاح : (إنقاذ الإسلام من براثن المسلمين) :
5 - هل غير المسلم غير ذي خلق بالضرورة؟
قبل أن تقرأ الموضوع :
بعد نشر الحلقات السابقة من هذه السلسلة نعتني أحدهم بالقمام الذي لا يجمع سوى قمامة التاريخ ، و القمام بالبلدي الفصيح هو (الزبال) ، معبراً بذلك عن كوني جامع قمامة ، و جمع القمامة في التراث العربي الأبي التليد هي مهنة حقيرة و محتقرة أراد الكاتب تحقيري بها ، لأن العربي أصلاً يأنف العمل اليدوي كالزرع و الحصد و الصنع ، و يحتقر الإكاره (الفلاحة) ، فما بالك بمن ينظف له قمامته؟ المهم أنه بعد أن ينظف لهم القمام قمامتهم يحتقرونه ، بهذا المعنى قصدني الأخ المسلم ، دون أن يسأل نفسه من أين لي بهذه القمامة ؟ و ما هي هذه القمامة بالضبط التي أسقط عليها و أجمعها ؟ أليست قمامة ثقافتك يا أخي المسلم ؟ أم أني صانعها ؟ إني عندما أنظف عقلك أكون باحثاً محترماً لا يخجل من النبش في القمامة ، فالباحث كالطبيب ينظف الجروح من القيح و الوسخ و يطهرها من الأدران ، ثم يرقى فوق ذلك بكونه ينظف الدماغ مما فيه من قمامة ، و لنركز هنا إذن على القيم الأخلاقية التي هي الملكية الخاصة للمسلمين التي يباهون بها الأكوان بدلاً عن القمامة.
تعالي يا أخي المسلم نكشف معاً عن قمامة ثقافتك و مناهجك في التفكير ، حتى تعود سليماً معافى تشارك الدنيا بالعطاء و تنعم مع المنعمين فيها بالتقدم و السعادة و الرفاة و المعرفة و الرقي العلمي والأخلاقي ، عوضاً عن القتل والقتال.
الموضوع :
أعراض عصابية سيكوباتية شديدة الاستعصاء ، أصابت القيم الأخلاقية عند المسلمين في مقتل ، و هي لون من المسلمات التي لا دليل على صدقها في الواقع ، بل أن الواقع ينفيها و يكذبها ، مسلمة تقوم على ما يشبه الاعتقاد الديني ، و هو أن الإسلام تحديداً من بين كل أديان الأرض سماوية و أرضية هو المعبر الصحيح عن القيم الأخلاقية ، و أن غير المسلم هو بلا أخلاق بالضرورة ، فقط لكونه غير مسلم .
مشكلة المسلم مع القيم شديدة التعقيد ، فهو يقيم مناهجه القيمية على عقائد دينية ، و لأنه يعتقد أن عقيدته وحدها هي ما تملك تمام الأخلاق الذي يلازم تمامية المعرفة بالضرورة . لكن ذلك تحديداً هو ما يجعله يفترض بالضرورة أن غير المسلم لا يملك معرفة سليمة ، كذلك هو بالضرورة لا يملك أخلاقاً سوية حتمياً ، و كان سلب القيم الأخلاقية عن العدو و لازال سلاحاً فعالاً في الحرب النفسية و لتجييش من يظنون أنفسهم الأبرار و الأطهار ضد الأشرار ، فيتم تنجيس و تبخيس الغير أولاً حتى يكون الضمير مرتاحاً عند قتل هذا الغيرفي عقيدة الجهاد ، يكون قد استحق مصيره و شن الحرب عليه و قتاله و قتله .
و لهذه الأسباب تحديداً ، و علي مثل هذه العقائد بالذات و بالتخصيص ، قامت حروب الفتن الإسلامية و حروب الفتوحات التي حصدت ملايين المسلمين و غير المسلمين (حوالي مليون و نصف إنسان خلال السنوات الأربع الأولى من الفتوح خارج الجزيرة في زمن كان المليون إنسان رقماً هائلاً بحسب تعداد المجتمعات حينذاك) ، لأن هذه الحروب قامت على اعتقاد بامتلاك المسلمين للحقيقة النهائية في فهم الدين و الدنيا ، ثم امتلاك كل طرف مسلم في حروب الفتن للحقيقة التامة ، و أنه وحده من يملك قيماً أخلاقية ، في مقابل اعتقاد الطرف الآخر لذات الاعتقاد في قيم أخرى مخالفة تقوم على فهم آخر للإسلام ، فكانت قيماً ذاتية تتأسس على الهوى و ليس لها في الواقع معياراً محدداً يثمنها بالإيجاب أو بالسلب ، من يحدد القيمة و يصنعها هو شخص صانعها و عادة ما يكون هو القوى المنتصر. هذا رغم أن العالم حينذاك كان قد اكتشف القيم الموضوعية (الإكسيولوجية) منذ فلاسفة اليونان قبل الإسلام بقرون و أزمان ، و تواضع الفلاسفة على ثلاث قيم مطلقة لا يختلف حولها اثنان لذلك هي موضوعية يفهمهل الكل بكل وضوح ، و هي : الحق و الخير و الجمال . لكن الإسلام لم يظهر لا في أثينا و لا في روما ، و إنما في فيفافي الحجاز ، و خاطب الناس في هذه البوادي القاسية بلسانهم و فهمهم و معارفهم و قيمهم و ليس بمعارف و قيم الأعاجم.
كانت القيم الذاتية في الجاهلية الأولي هي الشأن الطبيعي في ثقافة العربي ، لأنه لو طبق القيم الغيرية كالكرم و الإحسان لمات في بواديه جوعاً ، فكانت القبائل تتحرك في البوادي بحثاً عن خيرها الضنين ، فتتقاتل عليها قتالاً صفرياً لا توجد فيه موائد صلح و لا مبادرات سلام ، فيه قاتل يا مقتول ، فتقتل القبيلة من تقدر عليه من القبيلة المهزومة ، و تستولى على ما تملك جميعاً عيون الماء و السوائم و المتاع ، و تبقي من البشر على من يمكن الاستفادة منه فقط لأن له فم يأكل ، فيجب أن يكون لوجوده ضرورة ، و عدم وجوده أفضل . لذلك كانت العبودية عموداً من أعمدة المجتمع البدوي من فجر تاريخه ، بينما لم تعرف مصر مثلاً نظام العبودية طوال تاريخها إلا عندما دخلها البدو اليهود زمن النبي يوسف والهكسوس، و لم يرتق العرب إلى التواضع على قيم كالكرم و الوفاء بالوعد و الصدق في القول إلا مع الإستقرار المدني لمكة ، و التي تحولت إلى مركز تجاري ترانزيتي ، ثم أمسكت بعنان تجارة العالم إبان الحرب السبعونية بين إمبراطورتي الفرس و الروم ، و فرضت مصالح التجارة و ضرورة سيولتها و سلامتها التي تعود بالنفع على الجميع ، ضرورة توافق العرب على قيم النخوة و المروءة و الأمانة و النجدة و الإجارة و الكرم و الوفاء بالعهد ، و كان ذلك تحديداً إبان العصر الجاهلي الثاني منبع كل فضائل العرب ، و الذي انتهي بظهور الإسلام و العودة بالعرب إلى قيم الجاهلية الأولى حيث قيم الغزو و السلب و النهب و السبي و الحروب الصفرية .
و هو الأمر الذي تعبر عنه رواية ابن عبد ربه في عقده الفريد (ج 5 ص 132) عن صحابة لرسول الله جلسوا يتذاكرون الجاهلية الأخيرة مقارنين بينها و بين زمن الصحابة ، " قيل لبعض أصحاب رسول الله (ص) : ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم ؟ قالوا : كنا ننشد الشعر و نتحدث بأخبار جاهليتها . و قال بعضهم : وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية ، ألا ترى عنترة الفوارس جاهلي لا دين له ، و الحسن بن هانئ مسلم له دين ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه ، فقال عنترة في ذلك :
و أغض طرفي إن بدت لي جارتي . . . حتى يواري جارتي مأواها
فقال الحسن بن هانئ مع إسلامه :
كان الشباب مطية جهل . . . و محسن الضحكات و الهزل
والباعثي والناس قد رقدوا . . . حتى أتيت حليلة البعل
قامت حروب الفتن الإسلامية على اعتقاد كل فريق بصوابيته المطلقة ، فيخوض حرباً صفرية ضد الطرف الآخر ، وكانت الحرب الصفرية إبادة تامة بمعنى الكلمة ، و هو ما تمثل في إبادة بيوت بكاملها كما في أبشع مثال مخزي في تاريخنا إبادة آل بيت الرسول حتى قتلوا الأطفال الرضع ، ثقافة أكلت بيت مؤسسها ، و تمثلت أيضاً في حروب الفتوح حيث تمت إبادة ممالك بكاملها مثل مملكتي الغساسنة و المناذرة التي انتهت من الوجود في الجغرافيا و في التاريخ ، و كانت ممالك عربية ، لا فارسية ، و لا رومية.
حرب العربي إما كل شئ ، أو لا شئ ، من النهر إلى البحر و لو فني الجميع ، لأنه لا يري الآخر مطلقاً و لا حق لهذا الآخر في الحياة ، فهذه مفاهيم حديثة لم تكن قد وجدت في القرن السابع الميلادي بعد في مجتمعات البداوة ، التي لم تعرف لا قوانين روما و لا فلسفة الأخلاق اليونانية و لا ديمقراطية أثينا ، و لم توجد في بلادنا حتى اليوم لأننا لازلنا نعيش في القرن السابع الميلادي بعد ، بل و حولنا بلادنا إلى القبلية العنصرية الطائفية المتناحرة ، زيادة في الأخلاص حتى نعيش نفس المكان و نفس الزمان عند خير القرون . و بقيم ذلك الزمان ، و هي القيم التي تحتاج إلى دراسة متأنية مستفيضة ، لأنها الموجه لسلوك المسلم اليوم و تصرفاته ، و تقف وراء تفكيره و أهدافه ، لبحث مدى تأثير هذه القيم إن إيجاباً أو سلباً ، في عملية الهدم و البناء الضرورية في عملية الإصلاح المرتقبة .
تعجب اليوم في العراق _ الذي عشقته كمصر و تيمت به و بأهلي و ناسي هناك _ إذ أخذه أهلي و ناسي (ليمزقوا نياط قلبي) إلى نفق الطائفية المظلم فعاثوا في عراقنا الفساد و سفكوا الدم البرئ ، في فتن جديدة تقوم على فتاوي جديدة ترى كل منها ذاتها الكمال كله وعداها الباطل كله ، عادوا قبائل متفرقة بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يصبحون بنعمته إخوانا .
مصر القديمة تحولت إلى بلد حضاري مستقر متماسك منذ ما يزيد عن سبعة آلاف عام ، و لم يكن فيها كعبة ، و لم تكن فيها قباب مقدسة لآل البيت ، و لم يكن فيها إسلام هو الحل ، و أيضاً لم تحدث فيها تلك الفتن بين أهلها و بعضهم ، لم تحدث في مصر حرب أهلية واحدة في أزمنتها القديمة. هنا الفارق الثقافي الذي تصنعه البيئة مع الإنسان جنباً إلى جنب ، ليبرز الفارق القيمي بين قيم الإستقرار و قيم التبدي. كذلك كان العراق ، فمن إسمه اشتق اللسان العربي معنى (العراقة) ، و مع الغزو الحقيقي التتري التكفيري للعراق ، آتيا من السعودية و مصر و إيران و سوريا و الجزائر و اليمن ، بعد سقوط الطاغية ، و كل بفتواه ، و كل قد حول الرأى إلى قول مقدس ، فتتقدست الفتوي إلى حد يباح فيها دم الذي لا يأخذ بها فهو من الكافرين ، إن سنة نبي الأمة كان فيها ما إن لم نأخذ به لم نأثم ، فجاءنا فقهاء آخر الزمان بفتاوي قاطعة الثبوت و الدلالة قاطعة الصحة و اليقين ، دون أن يشيروا إلى مصدر قدسيتهم التي تعلو على صاحب الوحي جبريل و على رسول الله (ص)؟! فتاوي تصل إلى قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، لأنهم يرون الحق كله معهم وحدهم.
ما الذي سيترسخ في ذهن الطفل الصغير عندما يتعلم و يحفظ الآيات القائلة : "أرأيت الذي يكذب بالدين؟! فذلك الذي يدع اليتيم ، و لا يحض على طعام مسكين / 31 / الطاغوت" .
أن معني الدين في الإسلام هو الإسلام وحده ، و إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين ، هم الجفاة القساة غلاظ النفوس ، أنهم يدّعون اليتيم ، بل و زيادة على هذه الخشونة في الضمير هم أشرار ، فهم لا يكتفون بدع اليتيم ، إنما لا يتداعون بينهم بالنصح و الإرشاد لإطعام المسكين . إن فهم هذه الآيات منزوعة من سياقها الزمكاني التاريخي و الموضوعي في أحداث الأرض زمن الدعوة ، هو فهم سطحي سريع ، و ليس في وقت المسلم اليوم أمام المكتبة الإسلامية الهائلة كماً و كيفاً ما يجعله يبحث عن السياق و عن التاريخ ، هو في حاجة لمختصر مفيد بسيط ، يكرره الفقهاء و يصدقه العوام ، و هو أن غير المسلم بلا أخلاق و بلا إنسانية ، بل أنه من البديهيات لمن يعلن أنه مسلم ، أنه بالضرورة و بالتلازم القسرى صاحب قيم أخلاقية رفيعة ، ألا ترون عبد المنعم أبو الفتوح القطب الإخواني ذائع الصيت في حوار معه علي شبكة إسلام أون لاين ، يقول متسائلاً مستغرباً مندهشاً مستنكراً: "كيف يُتصوّر أن يكون هناك أخ مسلم يدعو الناس إلى الصدق و الأمانة ، ثم يكون في سلوكه و أعماله صورة سيئة ضد الصدق و الأمانة"!؟
و مثله الشيخ قرضاوي يحدثنا عن المجتمع المسلم فيقول: " و يقوم ذلك المجتمع على آداب و تقاليد خاصة ، تجعله نسيجاً وحده غير مقلد لغيره ممن بعد عنه زماناً أو بعد عنه مكاناً / ملامح المجتمع / مكتبة وهبة / ص 109 " . و في كتابه (الإخوان المسلمون / مكتبة وهبة 1999) ، يقول الشيخ قرضاوي ناقلاً عن سيده حسن البنا ، واصفاً المجتمعات غير المسلمة : "من أهم الظواهر التي لازمت المدنية ، الإلحاد و الشك في الله و إنكار الروح و نسيان الجزاء الأخراوي ، و الإباحية و التهافت على اللذة و التفنن في الإستمتاع و إطلاق الغرائز ، و الإثرة في الأفراد فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه ، و الربا و الاعتراف بشرعيته و اعتباره قاعدة للتعامل ، و قد أنتجت هذه المظاهر المادية البحث في المجتمع الأوروبي فساد النفوس وضعف الأخلاق ، و التراخي في محاربة الجرائم فكثرت المشكلات و ظهرت المبادئ الهدامة ، و أثبتت المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني . . و فشلت في إسعاد الناس / ص 139 ، 140" ، و هو ما يكرره قرضاوي بعد ذلك كمسلمات في معظم كتبه ، فهو مثلا يقول في كتاب (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده / مكتبة وهبة / 2001): "إن المجتمع المسلم متميز عن سائر المجتمعات بمكوناته و خصائصه ، فهو مجتمع رباني إنساني أخلاقي متوازن ، و المسلمون مطالبون بإقامة هذا المجتمع حتى يمكنوا فيه لدينهم و يجسدوا فيه شخصيتهم ، و يحيوا في ظله حياة إسلامية متكاملة ، حياة توجهها العقيدة الإسلامية ، و تزكيها العبادات الإسلامية ، و تقودها المفاهيم و تحملها الآداب الإسلامية ، و تهيمن عليها القيم الإسلامية ، و تحميها التشريعات الإسلامية ، و توجه إقتصادها و فنونها و سياستها التعاليم الإسلامية / ص 7".
أنظر حركات الشعوذة و أساليب الحواة الرخيصة و الثلاث ورقات ، إن الفقيه المسلم التقي الورع يسم غير المسلمين جميعاً بكل نقيصة أخلاقية يعددها واحدة فواحدة ، و ذلك كي تظهر الفروق بين المجتمع المسلم و المجتمع غير المسلم ، ثم يمنح المجتمع المسلم كل الصفات الإيجابية لأنه مجتمع رباني إنساني متوازن . . إلخ . . إلخ ، ثم تكتشف فجأة أن هذه المقارنة تتم بين واقع غير المسلمين ، و بين المجتمع المسلم الذي يطالبنا الشيخ بإقامته ، فهو مجتمع غير قائم بالفعل ، مقارنة بين واقع أهل الغرب ، و بين وهم و حلم بمجتمع غير موجود بيننا. ناهيك عن عنوان الكتاب المخصص لبيان (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) ، الشيخ قرضاوي بعد مضي ألف و أربعمائة سنة و ربع القرن و نيافة عليه ، جاي النهاردة يبحث لنا عن ملامح المجتمع المسلم المزمع إيجاده إن شاء الله ، لأنه لازال في مرحلة التمنى ، فهو (الذي ننشده) ، فكم من القرون سننتظر يا ترى؟ هل هناك خلل فادح في أخلاق المسلمين كذباً على الذات أظهر من هذا و أجلي ؟ هذا الرجل من كبار أولى الأمر و لفتاواة أثرها الجليل الذي نراه اليوم في مجازر العراق و غيرها من بلاد المسلمين و غيرالمسلمين . فانظر إلى ما يعتور قوله المدهش دون أن يشعر هو و لا أتباعه بأي عوار و لا بأي دهشة!! ......... يا عينك . . يا جبايرك !!! . . هكذا تكلم الشيخ سيد درويش احد أعلام نهضة مصر المقبورة بفتاوي مشايخ آخر الزمان.
ثم يكرر قرضاوي عاطفاً مقارناً بين المجتمع غيرالمسلم و بين المجتمع المسلم الوهمي المتخيل ، فيعطينا وصفاً لهذا المجتمع المسلم ، حشده بطول كتابه و ما أطول كتبه من حيث المساحة ، سأحاول هنا العثور على ما أجمله فيها من عبارات بلسانه : " فهو مجتمع العدل و الإحسان و البر و الرحمة و الصدق و الأمانة و الصبر و الوفاء و الحياء و العفاف و العزة و النجدة و السخاء و الشجاعة و الإباء و الشرف و البذل و التضحية و المروءة و النجدة و النظافة و التجمل و القصد و الاعتدال و السماحة و الحلم و التضحية و التعاون و الغيرة على الحرمات و الاستعلاء عن الشهوات و الإيثار للغير و الإحسان للخلق كافة و بر الوالدين و صلة الأرحام و إكرام الجار ، و الإخلاص له و التوبة إليه و التوكل عليه . . مجتمع يحرم كل الرزائل و الأخلاق الرديئة فيجعلها في مرتبة الكبائر، فيجرم الخمر و الميسر و الزنى و الشذوذ الجنسي و يحرم عقوق الوالدين و إيذاء الآخرين باليد أو باللسان و يجعل من خصال النفاق الكذب و الخيانة و الغدر و إخلاف الوعود و الفجور في الخصومة / ص 90 ، 91 " .
و هكذا حشد الشيخ كل ما تفتقت عنه قريحته من أحلام بدوية على قيم حداثية على فضائل متخيلة، للمجتمع المنشود و الذي سيقيمونه عندما يتمكنون في الأرض ، يمني به المسلمين أمانى وأحلام بالمدينة الفاضلة التى لم تقم على الأرض يوما ، و يتفاخر به على قيم وأخلاق الكفرة العراة الفساق الفجرة؟! فخر بما لا يملك في الواقع بدليل أنه يتمناه و يرسم له الخطط ، فخر العربي الكاذب الفقير الجاهل القليل المريض العارى القائل :
نحن قوم إذا ولد الوليد فينا * * * خرت له جباة الملوك ساجدينا
شاعر أخر عبر عن قيم العروبة في العداء الصفري بقوله :
نحن قوم لا توسط عندنا * * * لنا الصدر دون العالمين أو القبر
فيعطيه الواقع القبر دون العالمين .
الأخ أبو الفتوح لا يتصور من أخ مسلم غير الصدق و الأمانه فقط لأنه أخ مسلم ، و لو كان يقصد الإخوان وحدهم فهو يصورهم لنا مجتمعاً من الملائكة الأطهار ، و هو بمقارنته بالواقع يظهر كلامه مجرد شعر فخر كاذب ، فلا هو تخر له جباة الجبابرة و الملوك ساجدين ، و لا هو حقيقة ، هو مجرد شعارات ترويجية ليس أكثر ، ألا ترونهم يعلنون تحريم الربا و يتحايلون عليه ألف حيلة في بنوك إسلامية هي ربوية بالكلية و إلا سقطت و إنهارت بين بورصات الأوراق العالمية . و يفعلون و هم يعلمون ، "ويل للذين يحرفون الكتاب بأيديهم و هم يعلمون" ، و يخادعون ربهم علناً عياناً بياناً ، فأى مرض عصبي و عقلي لحق بالضمير المسلم؟!
يتكلم قرضاوي و أبو الفتوح عن الشرف ، لكنهم لا يعلنون انتهاء العمل بأحكام آيات انتهى زمنها ، لا يعلنون انتهاء زمن هتك عرض غير المسلمين و السبي .
يتكلمون عن الحريات و يقيمون علم فقه كامل للعبودية يدرسه عيالنا في المدارس الدينية حتى اليوم .
يتكلمون عن حقوق الإنسان و هو مفهوم معاصر لم يكن في تاريخنا و لا تاريخ غيرنا في تلك الأزمان ، و في الوقت ذاته لا يعترفون بأي حقوق لغير المسلمين ، فهم كفار ، إنهم خارج الإنسانية ، فالإنسانية للمسلمين وحدهم .
يتحدثون عن حق الأمن و السلام و يرون أوطان غيرهم ديار حرب ، و من الشرع في أرفع الدرجات الاعتداء على غير المسلم و قتله و سلبه و نهب و سبي عياله و نسائه حسب عقيدة الولاء والبراء ، و الجهاد .
الشيخ المسلم و هو يكذب على نفسه و على المسلمين ، سواء داعية و مرجعية للجميع مثل قرضاوي ، أو كان عنصراً سياسياً حركياً مثل أبي الفتوح ، يتحول إلى نصاب من وجهة نظر القيم الأخلاقية ، أليس نصاباً من يعطي قيمة لشئ و يسلبها عن مثيلة ؟ أليس أفاقاً من يقف فوق رؤوس الأشهاد يعلن منحه القيم لهؤلاء و يسلبها عن هؤلاء ، بينما هو يمنح شيئاً ليس بيديه ليميز بهم بشراً لا يستحقون عن بشر يستحقون ، أترون إلى أين وصل الخبال بالعقل المسلم؟! إن من لا يملك يعطي لمن لا يستحق ببساطة و خفة و على رؤوس الأشهاد جهاراً نهاراً ، بالكلام و البلاغة ، فنجرة بُق ، مجرد كلام لا أصل من واقع له . إن من يعلن نفسه مانح القيم أو صاحبها الأصلي هو نصاب أشر ، لأن القيمة الأخلاقية ليست ملكية خاصة لقوم دون قوم ، و ليس فيها عرب و عجم ، القيمة هي جزء أصيل في الموضوع أو في الواقع ، و تظهر إلى الوجود عندما يتم اكتشافها و تفعيلها في أى مكان أو زمان ، بينما المسلمون يمنحون أنفسهم القيم منحاً كريماً و سخياً إلى حد الإبتذال ، لإن العاطي في هذه الحال هو رب المسلمين الذي خص أمته وحدها بالخير دون بقية عيال الله في الأرض جميعاً ، و أعلنها خير أمة أخرجت للناس .
و هكذا هو ينفي القيم الأخلاقية الموجبة عن غير المسلمين جميعاً ، لذلك يتحدث عن حقوق الإنسان لكنه لا يعطي المرأة في بلادنا حقوقها كالذكر من باب العدالة ، لأن هذا الحق تحديداً ظهر عن الغربيين و هم بلا أخلاق لأنهم غير مسلمين ، و بهذه الطريقة ينفي الرقي عن قيم غير المسلمين لأنها عنده لا تخضع لمعيار الصواب و الخطأ و النفع و الضرر و الخيرية و الشرية ، إنما تخضع لمعيار الحلال و الحرام كمنظومة قيمية ربانية ثابتة لا تقبل تغيراً أو تطوراً . هنا سيكون الكلام عن حقوق الإنسان كحريته في اختيار معتقده ، أو حريته في نقد دين من الأديان كعمل بحثي أكاديمي ، أو نقده لبقاء فقه الرق حتى اليوم في معاهدنا الدينية ، سيكون ذلك كله فهماً غربياً في بلاد يعيش أهلها "حياة بهيمية" ، كما يصفهم كتاب التوحيد المقرر على أولى ثانوي بالسعودية المباركة. و مثله بالضبط سيكون الكلام عن الحرية هو قول كفري ضد الدين ، لأن الدين فيه فك رقبة ! فكيف سنفكها إن لم نفعل فقه الرقيق و نعمل به حين نعيد فتح البلاد لأنوارنا ؟ الخلل حادث نتيجة منح القيم لأنفسنا و سلبها غيرنا ، فلا نفهمهم و لا يفهموننا ، و نتحول إلى عالمين متباعدين في وقت تتوحد فيه الأرض كلها ، الخلل أن المسلم لا يدرك أن الحرية كقيمة أو أى قيمة أخرى لا علاقة لها بأى دين ، لأن القيم بما نفهمها من قيم اليوم الراقية لو كانت موجودة في أى دين لأمر بتحريم الرق فوراً و هو ما لم يفعله أى دين ، لأن هكذا كان منطق زمانه و نظم عصره .
و مازالت لنا وقفات ربما ستطول مع القيم الأخلاقية و المسلمين
د. أيمن محمد الجندي- المصريون - حماسنا
-------------
ترددت طويلا في كتابة مقال عن سيد القمني لأني لا أريد أن أروج له ..أريد أيضا أن أعفي القارئ من مطالعة الصديد الذي تمتلأ به أعماله ..لكني في النهاية حسمت ترددي وقلت أن سيد القمني - مهما كان محدود التأثير مثيرا للغثيان – فإنه يجب مواجهته لأنه لا يلتزم قواعد التفكير العلمي الصحيح .
أود توضيح أنه لا يعنيني مثقال ذرة التفتيش في ضميره وعقيدته ..فليكن مؤمنا أو غير مؤمن ..هناك الاف الملايين ممن لا يؤمنون بالإسلام أصلا ، والقرآن قالها بوضوح " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " ..كذلك فإن الرسول نفسه لم يؤمر بالتفتيش على عقائد البشر ( لست عليهم بمصيطر ) وحتى منافقي المدينة لم يفضحهم على الملأ وتركهم لخالقهم ما داموا لم يتسببوا في إلحاق ضرر بالمجتمع الإسلامي لأن ذلك – في حالة الحرب القائمة – بمثابة خيانة أو حسب المصطلحات الحديثة " قضية أمن دولة "
................
مشكلة سيد القمني أنه معجب بنفسه أكثر من اللازم ..يتصور أنه وجه إلى المؤمنين بالإسلام الضربة القاضية ..اقتحم ساحة الملاكمة وكان خصمه شابا ملتحيا ..كث اللحية قصير الثوب يضع عطرا مقبضا ولا ينسى استخدام السواك ..وحينما انهال عليه باللكمات القوية والقبضات الفولاذية اضطر خصمه للتراجع محتميا بالحبال ..لكن الجمهور راح يهتف باسم الخاسر ..وحينما تأكد الخصم أن هزيمته محققة شرع يسبه بفاحش السباب الذي هو سلاح المهزومين .
مسكين يا سيد القمني ..حتى الأطفال يعلمون أن القرآن خاض معارك جدلية في بيئات معادية منذ نزوله : جادلهم كفار قريش ، ويهود المدينة ونصارى نجران ثم فلاسفة الشعوب الأخرى بعد الفتح..ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يملك غير الحجة والفكرة .. واليوم بعد كل هذه القرون جاء سيد القمني ليحقق ما لم يحققه الأوائل ..بأوهام العظمة وحبه للذات يريد إقناعنا بأن الإسلام مؤامرة طويلة ..اسمع يا سيدي الأكتشاف الخطير الذي توصل له سيد القمني بعد البحث والتنقيب في كتب التراث واستعد للمفاجأة :
الإسلام ما هو إلا صراع هاشمي أموي قبل البعثة الإسلامية.هكذا توصل الباحث القدير سيد القمني بسبب صراع على الثريد بين هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف فغضب أمية ونال من هاشم ومن ثم نشأ "الحزب الهاشمي" في مواجهة صراع بني أمية . ولأن عبد المطلب تربى في يثرب حيث التاريخ الديني يتواتر في مقدسات اليهود ، فقد أتى من يثرب إلى مكة بالمشروع اليهودي لتحقيق أهداف حزبه الهاشمي الذي يهدف لتحقيق وحدة سياسية بين عرب الجزيرة تكون عاصمتها مكة وقائدها نبي من البيت الهاشمي وبناء على نصيحة يهودي زوج ابنه عبد الله من بني زهره وهكذا تحول الصراع الهاشمي الأموي من صراع ساذج على إطعام قريش الثريد إلى اختراع الإسلام !!.
بذمتكم هل يستحق مثل هذا الكلام الرد ؟ ..يوجد الكثير مما ينسفه نسفا أقله أن أبا طالب حينما مات رفض الإسلام لأنه يريد الموت على دين عبد المطلب ، وأن عبد المطلب مات ومحمد في الثامنة من عمره، والنبي فعل كل ما في وسعه لاستمالة بني أميه فصاهر أبا سفيان وجعل بيته مرادفا للكعبة عند فتح مكة وعين ابنه معاوية كاتبا للوحي وغيره مما يضيق به المقال .
ليس هدفي هو نفي تلك الرواية الخيالية التي لا دليل عليها سوى خيال مريض فمن الممكن – على هذا النحو – أن يزعم أي إنسان أي شيء فإذا رفضه أحد اتهمته بالإفلاس والإرهاب .
رواية أخرى مريضة عن دور أم المؤمنين خديجة في إعداد النبي محمد للرسالة بمساعدة ورقة بن نوفل ..يزعم أنه تزوجها لتحقيق الأمان المالي بعد خداع والدها وتغييبه عن الوعي بالخمر لانتزاع موافقته !! وبعد تحقيق الأمان المالي بدأ الحفيد (محمد) يتابع خطوات جده لتحقيق النبوة بالوحي. وهي خطوات قادته إلى سرقة أشعار أمية بن أبي الصلت وادعاء أنها وحي الله إليه إلى آخر هذا الهراء .
.....................
صدعوا رؤوسنا ليل نهار عن ضرورة اتباع المنهج العلمي وامتلاك العقلية النقدية القادرة على الفرز ، وفي أول مناسبة خانوه لتحقيق أغراضهم وكأن هذه الحكايات الخرافية – بفرض صحتها - تكفي لتفسير روعة القرآن الكريم وسحره في القلوب ؟ ..هل تكفي الرغبة الهاشمية في نبوة أحد ابنائها لصياغة مثل هذا الكتاب الفريد في توحيد الله رب العالمين ؟ وأي خيانة للتفكير العلمي حينما نعقد مقارنة بين العهد القديم الذي يروج لإله هو رب قبيلة مختارة يحب رائحة الشواء ويتبرد بهواء العصارى وبين رب العالمين المذكور في القرآن الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ؟ ..ما أشد الفارق بين أنبياء صناعتهم معرفة الغيب والأتيان بالخوارق في العهد القديم وبين رسول رسالته هداية الناس ..يقولها بصراحة " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ، إن أتبع إلا ما يوحى إلي " .. ما أبعد الشقة بين خطيئة الأجداد يحملها الأبناء وبين شريعة تؤكد المسئولية الفردية !!..إن محاولة إيجاد تشابه بين الكتابين لهي خيانة للمنهج العلمي الذي يزعمون اتباعه .
نفس المنطق المغلوط يمارسه حينما يقول أنه بسبب جراحة خاطئة يدخل فى غيبوبات تامة قريبا من الموت ولكنه لم يجد هناك أى عوالم للعفاريت أو الملائكة أو الجن ..هل قال أحد أن حاجز الغيب ينزاح إلا بعد الموت الذي لا عودة منه ؟. أي مغالطة وأي هراء ؟.
........................
الكل يعرف أن ذكر رواية في كتب التراث ليس دليلا على صحتها ..وإذا نظرت في تفسير الطبري للآية الكريمة " ن ، والقلم وما يسطرون " فهناك رواية تزعم أن ابن عباس فسرها بأنها الحوت الذي يحمل الأرضين !!! . هي رواية ظاهرة التلفيق والبطلان ولكن تصور أن ينبري أحد – بناء على هذه الرواية – زاعما أن الإسلام يؤكد على وجود حوت يحمل الأرضين !!.
منهج القمني في التعامل مع كتب التراث انتقائي وبسيط جدا ..إنه ببساطة يتعقب العورات ..تجاهل كل مآثر الخليفة عمر بن الخطاب وجهاده العظيم وتقشفه وعدله وتذكر أنه لم يكن من القلة التي ثبتت مع الرسول في محنة أحد ..ثم أصرخ بعدها : عمر بن الخطاب انهزم وفر ناجيا بحياته !!!هذا كل ما يريد أن يتذكره .
الإنسان يستيقظ من النوم ويفعل عشرات الأشياء ..يحلق ذقنه ويقضي حاجته ويتناول الإفطار ويقرأ جريدته ويذهب لعمله ويركب الحافلة ويقابل أصدقاءه ويجلس مع أسرته ويشاهد التلفزيون ويأكل ..ويتحدث في الهاتف ..لكن القمني سوف يتجاهل كل هذا النشاط الحافل ولن يتذكر سوى أنه يتبول ويتغوط ..إنه يفعل ذلك فعلا ولكنه جزء من الحقيقة و ليس الحقيقة كلها ..وبالتأكيد يصبح الأمر غشا وخداعا وخيانة للمنهج العلمي حينما يذكره وحده مركزا عليه .
...................
ماذا يريد قوله تحديدا فأتي بما لم يأته الأوائل ؟ ..
1- الهجوم على التكفيريين الذين استباحوا الدماء الزكية بإسم الإسلام ؟ ..إنا أيضا أهاجمهم ولكن من مربع الإسلام نفسه ..من داخل المشروع الإسلامي وليس من خارجه لأن ما يفعلونه مخالفة لعهد الرسول بالأمان .
2- مهاجمة المتشددين الذين يحتقرون منجرات الحضارة الغربية ويزعمون أنهم امتلكوا الحقيقة ؟ أنا أيضا أهاجمهم وأحترم منجزات الحضارة الغربية العظيمة التي هي نتاج العقل الذي هو نعمة الله وأرفض سلبياتها متأسيا بالرسول الذي أمرنا بالعدل حتى مع من أخرجونا من البيت الحرام نفسه ..وعرف الكبر بأنه غمط الناس حقوقهم وكراهية الحق .
3- يهاجم القمني ظاهرة الإسلام السياسي ؟ ..لا بأس ، أنا أيضا أخشى أن يحكمنا أحد باسم الرب ..واعتبره وجهة نظر محتملة الخطأ والصواب ..دون أن أنسى أن هذه التيارات تعرضت للإيذاء أضعافا مضاعفة ما تسببت فيه ..
هذه كلها أشياء نقبلها كأختلاف في وجهات النظر تحت العباءة الإسلامية نفسها ..أما أن يقول القمني ما يلي :
1- أنه ينكر وجود قيم المساواة في الشريعة.
2- الشريعة وصفت طريقة الاستنجاء بالتفصيل ولم تذكر شيئا عن نظام الحكم فى الدولة الإسلامية .
3- إنه يشبه الرقص في زمن السحر لتمطر السماء بصلاة الاستسقاء في زمن الدين كممارسة شبه سحرية ارتقت من طلب الأرواح إلى طلب إله واحد وقد تجاوز العالم المرحلتين.
4- الإسلام بحالته الراهنة ، وبما يحمله من قواعد فقهية بل واعتقادية ( ركز على أعتقادية ) ، هو عامل تخلف عظيم بل أنه القاطرة التي تحملها إلى الخروج ليس من التاريخ فقط ، بل ربما من الوجود ذاته .
5- الجهاد حرب دائمة بتبرير إلهي تصبح معه جريمة العدوان على الآمنين ليست بجريمة لأن من أمر بها هو الله حتى لو ظهرت عدوانا لأنها تمكين لدين الله في الأرض .. وفي حال موته يسمي استشهادا وتزفه الملائكة للحور العين.. مثلما كانت أفعال القتل الجماعي في سيناء بأمر موسي النبي , أو مجازر يشوع , او حروب داود ، وكلها بذوق اليوم جرائم قتل جماعي ، الفرق هنا أن ما جاء بالعهد القديم وغبرة من كتب الأديان الأخرى ، قد أصبح قديما وانتهي بنهاية زمنه وأصبح مجرد فولكلور للمؤمن به , بينما هو في الاسلام حي قائم فاعل مستمر حتي اليوم.
6- نموذج لذلك سفاح تاريخي لا مثيل له هو خالد بن الوليد الفاتح الدموي لبلاد العراق ؛ الذى كان يتسلى ويتلذذ بلذة القتل للقتل ، ومع ذلك هو في نظر المسلمين نموذجا مقدسا وصفه الخليفة أبو بكر بأنه " سيف الله المسلول" ، ووصفه مرة اخرى بقوله : " عجزت الولاد أن يلدن مثل خالد" .
7- ردد الصحابة الاوائل الفاتحون شعارات جميلة من قبيل ان الناس يتساوون كأسنان المشط ، وأنه لا فضل لعربي علي أعجمي , وانه متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا , وانه لو عثرت دابة بالعراق لسأل الله عنها الخليفة بالحجاز , وان الدعوة للاسلام تكون بالحكمة والموعظة الحسنة.. لم يطبق أي من هذه الشعارات في حروب الفتوح يوما بل كان ما يطبق هو الذبح والسلخ والنهب والاسر والسبي.. باختصار الاسلام أو الجزية أو القتل.
...................
هنا يكون مفرق طريق بيننا وبين القمني ..ليس لأنه مؤمن أو غير مؤمن ، مسلم أو غير مسلم ..كل هذا ليس من شأننا وحكمه إلى الله ..ولكن لأنه خان المنهج العلمي الذي أدعى أنه أنبرى للدفاع عنه
(Comment this)
(Comment this)
مَن يستنطق سجل التاريخ ويقرأ صفحاته وآثاره قراءة تحليلية واعية، ويستقرئ آيات القرآن الكريم، ويتعمق في فهم وتفسير ومعرفة طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والاقتصادي والثقافي والعقائدي والاجتماعي، من خلال أسباب نزو الآيات التي تحدثت عن أوضاع العرب وطبيعة أصحاب الديانات السماوية والوثنية، وما وصلت إليه من تردّ وسقوط، مَن يستقرئ كل تلك المصادر ويستنطقها يكتشف الصورة المأساوية والأوضاع المتخلفة التي كان يعيشها العرب في الجزيرة، والعالم الجاهلي المتحضر نسبياً من حولهم آنذاك، لقد كانت تلك المنطقة من العالم، بما فيها مكة التي تعتبر مركزاً مهماً من مراكز العرب التجارية والسياسية والدينية، تعيش حالة من التخلف والانحطاط بكل معانيه.
فلقد كان الجهل والأمية والخرافة تسيطر على الجزيرة العربية وتعبث بالعقول والمعتقدات، فلم يكن في مكة مَن يعرف القراءة والكتابة غير عدد قليل يعدّ على الأصابع كما يذكر المؤرخون ذلك.
كما لم يكن العرب أهل كتاب ولا ديانة سماوية ترفع من مستواهم الفكري، أو تنظم حياتهم الاجتماعية، وتعمق وعيهم الحضاري.
بل كانوا أعراباً جاهليين يعبدون الأصنام والأوثان والجن والنجوم والملائكة، وقليل منهم كانوا على دين إبراهيم أو المسيح (ع)، ومن الجدير بالذكر هنا أن مكة كانت بلد التوحيد، ومنطلق الإيمان أيام إبراهيم وإسماعيل (ع)، اللذان بعثا قبل بعثة نبينا محمد (ص) بأربعة آلاف سنة تقريباً.
فقد دعا إبراهيم وولده إسماعيل (ع) بدعوة الإصلاح والتوحيد، وأسّسا البيت الحرام، وجعلاه بيتاً للتوحيد وعبادة الرحمن.
لقد حكى القرآن هذه الحقيقة ووضحها بقوله: (وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) الحج/ 26. (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) البقرة/ 127.
وقد انتشرت دعوة إبراهيم في جزيرة العرب، وجعل البيت الحرام مركزاً لهذه الدعوة السامية، ومما تجدر الإشارة إليه أن قريشاً تنتسب إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم (ع) وتعتز بذلك، وإن محمداً (ص) هو من ذريته المباركة.
وبعد فترة من الزمن دخلت الوثنية إلى مكة، دخلتها بعد انهيار سد مأرب وتفرق العرب في البلدان، وتأثرهم بالديانات الوثنية التي كانت منتشرة في بلاد الشام.
ويذكر المؤرخون أن قبيلة ((جرهم)) كانت تتولى سدانة الكعبة ورعايتها بعد وفاة ((نبت)) بن إسماعيل، فأزاحتها قبيلة خزاعة بالقوة، واستولت على موقعها الديني هذا، فدنّست البيت الحرام، وأدخلت إليه الأصنام والوثنية.
فكان أول مَن أدخل الأوثان إلى الكعبة ((عمرو بن لحي)) زعيم خزاعة، الذي انتصرت بقيادته على قبيلة جرهم، فقد جاء بالصنم الكبير ((هُبل)) ونصبه في البيت، فغيرت معالم التوحيد، وحرّفت الحنيفية التي دعا بها إبراهيم وولده إسماعيل (ع).
ويذكر المؤرخون أن عمرو بن لحي كان قد نقل فكرة الوثنية من بلاد الشام التي زارها، ورأى وثنية أهلها، فتأثر بها.
وهكذا سادت الوثنية في مكة وغابت معالم التوحيد، ودنّس البيت الحرام، رغم تعظيم قريش وقبائل العرب كافة لهذا البيت المقدس واهتمامها بحجه وتقديسه أيام الجاهلية والوثنية، فكانت تعتبره حرماً آمناً وبيتاً مباركاً.
وإذا كانت هذه هي عقيدة العرب السائدة آنذاك، وصيغة دياناتهم، فإن الأمم الأكثر حضارة وتقدماً منهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس، كانوا أيضاً يعيشون حياة الجاهلية والضلال والانحراف العقائدي والظلم والاضطهاد السياسي والاجتماعي، ويخضعون لتسلط الطواغيت، فقد حرّف اليهود التوراة وشريعة موسى وما جاء به الأنبياء الذين بعثوا قبلهم.
كما حرّف النصارى الإنجيل وتلاعبوا بدعوة المسيح وعقيدة التوحيد التي طبّعوها بطابع الوثنية والتثليث، الذي تسرب إليهم من الحضارة الرومانية الوثنية والفكر اليهودي المنحرف.
فعدّوا الخالق العظيم ثالث ثلاثة (الأب والابن وروح القدس)، كما حرّفت بقية المبادئ والمرتكزات العقائدية والتشريعية في الديانة المسيحية، وكانت النصرانية آنذاك تملك قوة سياسية ومدنية هائلة، فقد كانت في بلاد الشام دولة الروم المسيحية، كما كانت مصر دولة مسيحية قوية أيضاً، وفي بلاد الحبشة كانت دولة الأحباش المسيحية التي تقع في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية، في الوقت الذي كان فيه انتشار كبير للمسيحية في بلاد اليمن، بلاد الخصب والمدنية في جزيرة العرب، في حين كانت المجوسية (عبادة النار) الديانة السائدة في بلاد فارس التي تقع شرق الجزيرة العربية، وكانت دولة الأكاسرة القوة السياسية والمدنية الكبرى القائمة في تلك المنطقة آنذاك وكان لها امتداد في بلاد اليمن داخل الجزيرة العربية، كما كان لها امتداد داخل أرض الرافدين أيضاً.
وهكذا كانت تحيط بالعرب البدو المتخلفين، ثلاث دول كبرى، هي دولة الروم في المغرب، ودولة الفرس في المشرق، ودولة الأحباش في الجنوب، وكانت قوى سياسية وحضارية كبرى.
في حين كان العرب في مكة وما حولها لا يعرفون في تلك الفترة مفهوم الدولة والسلطة السياسية ولا التنظيم الإداري، ولا الحياة المدنية المستقرة.
فقد كانوا يعيشون سلطة القبيلة وتسلط الأسياد والأقوياء على الفقراء والعبيد، وكان المجتمع المكي مجتمعاً يتكوّن من ثلاث طبقات متميزة هي:
1 ـ طبقة الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، أمثال أبي سفيان وأبي لهب والوليد والعباس بن عبدالمطلب وغيرهم، وكانوا يمثلون الطبقة الرأسمالية الربوية والتجارية، التي تملك السلطة والسيادة، والتي كانت بسيطرتها على مكة وعلى البيت الحرام آنذاك، تملك نفوذاً واسعاً بين قبائل العرب وشعوبها.
2 ـ طبقة الفقراء والمعدمين الذين كانوا يعيشون حالة الفقر والبؤس والاضطهاد الاجتماعي.
3 ـ طبقة العبيد: وهي الطبقة التي لم تكن تعيش حالة الفقر والبؤس وحسب، وإنما كانت تعامل معاملة الحيوانات والمنبوذين، ويموت العبيد تحت السياط وأقدام الأسياد.
لقد كان الفقر والبؤس والجهل والمرض، أشباحاً مرعبة تسيطر على قبائل العرب المتناثرة في جزيرتها الموحشة الجرداء.
تلك الحياة والوضعية الاجتماعية المزرية، التي صوّرها لنا القرآن الكريم حين هاجم أصحاب رؤوس المال الجشعين، عندما تحدث عن حالة البؤس والفقر، الفقر الذي دعا بعضهم إلى قتل أولادهم والتخلص منهم.
لقد صورت إحدى آيات القرآن الكريم هذه الصورة المأساوية المروعة بنصها: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) الإسراء/ 31.
فشرحت أبعاد المأساة الاقتصادية والوضع الاجتماعي المتردي، الذي كان يعيشه العرب تحت وطأة الجاهلية. ويتحدث القرآن في آيات أخرى عن الخوف والفقر فيذكّر بنعمة الإسلام الذي أبدلهم بالخوف أمناً حين ثبّت هذه الحقيقة بقوله: (أوَلَم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون) العنكبوت/ 67.
قال الطبرسي مُبيِّناً معنى الآية هذه، في تفسير مجمع البيان: ((أي ألم يعلم هؤلاء الكفار (أنا جعلنا حرماً آمناً) يأمن أهله فيه من القتل والغارة، (ويتخطف الناس من حولهم) أي يقتل بعضهم بعضاً فيما حولهم وهم آمنون في الحرم)).
وقال الراغب الاصفهاني في معجم ألفاظ القرآن: ((أي يُقتَلونَ ويُسلَبون)).
ويذكر القرآن بتلك الصورة المأساوية، صورة الرعب والخوف والفقر بقوله: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) قريش/ 3 ـ 4.
أما المرأة فكانت تعاني حياة البؤس والشقاء، وتُعامل معاملة الحيوانات والمتاع، فلا حقوق لها ولا كرامة، بل ولا يسمح لها أنْ تعيش على سطح هذه الأرض، وهي في عرف ذلك المجتمع الجاهلي مُلك للرجل، وتورث كما تورث الحيوانات والممتلكات الأخرى فقد كان الأبناء يرثون زوجات الآباء ويتزوجونهن.
تلك الظاهرة البشعة التي أشار إليها القرآن الكريم، وحرّم الإقدام عليها بقوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً) النساء/ 22.
بل وكان أحدهم إذا ولدت امرأته بنتاً، سيطر عليه الهمّ والحزن، وشعر بالخوف من العار وسوء السمعة، ولجأ إلى قتلها أو دفنها حيّة أو تقبّلها على مضض واحتقار وكراهية، فكانت المرأة ضحية هذه العقلية المتخلفة والأعراف الاجتماعية البالية، فبلغت الجريمة والقساوة والوحشية بأولئك القساة الجفاة أن يدفنوا بناتهم وهن أحياء، للتخلص من الإنفاق عليهن، ومن العار والشنار الذي يخشون وقوعه من المرأة.
ويسجِّل القرآن تلك المشاهد المأساوية في تاريخ المرأة المنكودة وينتصر لها ويدافع عن انسانيتها المعذبة فينادي في مجتمع العرب آنذاك مستنكراً أعرافهم ومواقفهم بقوله: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) النحل/ 58 ـ 59.
ثم يرفع صوته مرة أخرى مدافعاً عن انسانية المرأة وكرامتها: (وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت) التكوير/ 8 ـ 9.
بل وينحط مستوى المرأة في ذلك المجتمع الجاهلي المتخلف، فتتحول إلى سلعة وأداة للإشباع الجنسي، فينتشر البغاء والإباحية بشكل جعل المرأة تختار من بين الرجال الذين يمارسون معها عملية الزنا رجلاً، فتنسب إليه ابنها وتعتبره أباً له.
وليست هذه الصورة الإباحية الحيوانية هي أبشع صور الانحطاط الجنسي، بل وكانت هناك الأحياء الخاص بالبغايا اللواتي يرفعن الأعلام الحمراء، ويحترفن البغاء، فكانت العرب تسميهن بذوات الأعلام، بل كان البعض منهم يحترف الاكتساب بالبغايا، فيشتري الجواري ويسخرهن للعمل بالزنا وكسب المال من هذه الممارسة الجنسية.
وجدير ذكره هنا أن تلك الظاهرة الأخلاقية الجاهلية، هي ظاهرة متفشية اليوم في المجتمعات الجاهلية المعاصرة، كالمجتمع الأوربي والأمريكي والمجتمعات الماركسية المتأثرة بهذا الأسلوب الجاهلي المنحط في كل أنحاء العالم، خصوصاً في العالمين الشرقي والغربي، مما يكشف وحدة السلوك والأخلاق والاتجاه الجاهلي.
ولقد تحدث القرآن عن تلك الظاهرة الأخلاقية الجاهلية، وحرّمها في العديد من آياته، وثبّت العقوبة الحاسمة على مقترفها، تلك الجريمة التي قادت البشرية اليوم إلى أسوأ كارثة تهدد الحياة بأسرها، وهي كارثة هدم الأسرة، وتمزيق روابط الحياة الاجتماعية المستقرة، وانتشار الأمراض الجنسية، كمرض الزهري والسفلس ومرض الأيدز، الذي يعد بعض العلماء خطره بأعظم من خطر القنبلة الذرية على البشرية.
لقد تحدث القرآن عن هذه الظاهرة بعدة آيات منها:
(محصنين غير مسافحين) النساء/ 24.
(والزانية لا ينكحها إلا زان) النور/ 3.
(ولا متخذات أخدان) النساء/ 25.
(ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً) النور/ 33.
وقد وضع المفسرون أسباب نزول هذه الآيات فشرحوا لنا الوضعية الاجتماعية المنهارة آنذاك، وصورة الانحطاط والمعاملة الوحشية للمرأة.
وهكذا تتجسد طبيعة ذلك المجتمع الجاهلي المتخلف، تلك الطبيعة التي وصفها جعفر بن أبي طالب في حديثه للنجاشي ملك الحبشة بقوله:
((أيها الملك كنّا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله وأن لا نُشرك به شيئاً، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام)).
وهكذا تتجسد أمامنا الحياة الجاهلية بكل أبعادها ومرارتها وانحطاطها الأخلاقي والاقتصادي والعقائدي والسياسي والأمني والاجتماعي … الخ.
وعندما نعرف هذه الحقيقة نستطيع أن نفهم الإسلام وعظمة نبي الإسلام الهادي محمد (ص) الذي استطاع بمشيئة ولطف إلهيين أن ينقذ البشرية، ويعضها على طريق المدنية والاستقامة السلوكية، مبتدئاً بمن حوله من العرب، وممتداً برسالته العالمية التي حملتها من بعده أمته، وبشّر بها الدعاة إلى الله سبحانه في كل مكان، وهي اليوم قوة حضارية، ورسالة الإنسان المتحضر والعقل العلمي المتحرر من سيطرة المادية والشهوانية المنحرفة، وملجأ الانسان ومشروعه الحضاري المؤمّل.
وصدق الله الذي وصف رسالة نبيه بقوله:
(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله مَن اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة/ 15 ـ 16.
(ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف/ 157.
(استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال/ 24
(Comment this)
2 - العَرَب قبلَ الإسلام
لمعرفة أوضاع العرب قبل الإسلام يمكن الرجوع إلى المصادر التالية:
1- التوراة على ما فيها من تحريفات .
2- كتابات اليونانيين والروميين في القرون الوسطى .
3- الكتابات التاريخية الّتي كتبها علماء الإسلام ومؤلفوه .
4- الآثار القديمة الّتي عثر عليها المستشرقون في تنقيباتهم والّتي استطاعت من أن تكشف النقاب عن طائفة لا يُستهان بها من الحقائق في هذا الصعيد .
إلاّ انه مع وجود كل هذه المصادر والمراجع لا تزال هناك نقاطٌ كثيرةٌ عن تاريخ العرب في القرون البعيدة تعاني من الغموض .
ولكن حيث أنَّ دراسة أوضاع العرب قبل الإسلام هي من باب المقدمة في هذا الكتاب، والهدف الاساسي إنما هو دراسة السيرة النبوية الطاهرة، من هنا نكتفي في هذا الفصل باستعراض النقاط الخاصة والواضحة من حياة العرب قبيل الإسلام على اننا يمكننا أن نقف على وصف دقيق لحالة العرب خاصة قبيل بزوغ الإسلام من خلال مصدرين اسلاميين اساسيين هما:
1- القرآن الكريم .
2- ماورد عن الامام علي ـ عليه السلام ـ في نهج البلاغة.
( 36 )
فقد وردت في هذين المصدرين تصريحاتٌ ونصوصٌ صريحة تكشف عن ما كان عليه العرب في الجاهلية من سوء الأحوال والاوضاع والاخلاق في جميع الاصعدة والابعاد، وسنشير إلى ابرز هذه النصوص ونقف عندها بعض الشيء، ولكننا نستعرض قبل ذلك شيئاً من تاريخ العرب في القرون البعيدة فنقول:
إن من المسلَّم أن شبه الجزيرة العربية كان منذ أقدم العصور موطناً لقبائل كثيرة انقرض بعضها بمرور الايام، وفي ثنايا الاحداث، بيد ان هناك ثلاث قبائل قد تشعَّبتْ عنها أفخاذٌ وفروعٌ تحظى بشهرة اكثر من بين من سكنوا هذه المنطقة .
وهذه القبائل الاُمّ هي:
1- العرب البائدة: وإنما سُميت بالبائدة لأنها أبيدت بالعذاب الالهي السماوىّ أو الأرضىّ بسبب عصيانها وتمردها، وهلكت شيئاً فشيئاً، ولم يبق على وجه الارض من نسلهم أحد!
ولعلهم كانوا هم المعنيون بقوم «عاد» و «ثمود» الذين جاء ذكرُهم في القرآن الكريم مراراً .
2- القحطانيّون: وهم أبناء يعرب بن قحطان الذين كانوا يقطنون في «اليمن» وسائر المناطق الجنوبية من الجزيرة العربية ويُسمّون بالعرب الاُصلاء، وهم اليمينون اليوم، ومنهم قبائل الأوس والخزرج وهما قبيلتان كبيرتان كانتا تقطنان المدينة المنورة إبان ظهور الإسلام .
وقد كان للقحطانين حكومات كثيرة، كما كانت لهم جهودٌ كبرى في تعمير ارض اليمن واحيائها، وقد تركوا من ورائهم حضارات ومدنيّات لا يستهان بها .
وتوجد الآن كتابات تُقرأ بصورة علمية توضحُ إلى حدّ كبير تاريخ القحطانيين وكلُ ما يقال عن مدنيّة العرب وحضارتهم قبل الإسلام تعود في الحقيقة إلى هذه الطائفة وخاصة من سكَنَ منهم ارضَ اليمن .
3- العدنانيون: وهم أبناء اسماعيل بن ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ ،
( 37 )
وسوف يأتي ذكر جذور هذه الطبقة في الابحاث القادمة. وخلاصة ذلك: أن إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ اُمرَان يسكن وَلده الرضيع اسماعيل مع زوجته «هاجر» ام اسماعيل في ارض مكة، فخرج بهما ابراهيم ـ عليه السلام ـ من «فلسطين» وهبط بهما في ذلك الوادي العميق الخالي عن الماء والعشب «مكة» ثم ان يد العناية الالهية امتدت إلى تلك العائلة المهاجرة، وجادت عليها بعين «زمزم» الّذي جلب الرواء والحياة إلى تلك المنطقة القاحلة الضامئة.
ثم تزوج إسماعيل من قبيلة «جُرهُمْ» الّتي خيّمت بالقرب من مكة، واصاب من هذا الزواج عدداً كبيراً من الابناء، والاحفاد، وأحفاد الاحفاد كان من جملتهم «عدنان» الّذي ينتهي نسبه إلى النبي اسماعيل عبر عدد من الآباء والجدود .
ثم تشعَّبت ذريةُ إسماعيل إلى بطون وأفخاذ، وعشائر وقبائل عديدة، كان من بينها قبيلة قريش الّتي حظيت بشهرة أكبر، ومنها عشيرة بني هاشم الّتي انحدر منها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما ستعرف ذلك بالتفصيل، عما قريب .
أخلاقُ العرب وتقاليدُهم العامة:
والمراد منها هو الأَخلاق والآداب الاجتماعية الّتي كانت سائدة في ذلك المجتمع، وقد سادت بعض هذه الاخلاق والعادات والتقاليد في المجتمع العربي عامة.
ويمكن تلخيصُ ما كانَ العربُ يتمتعون به من أخلاق وصفات حسنة عامة في ما يلي :
لقد كان العرب زمن الجاهلية وبخاصة ولد «عدنان» أسخياء بالطبع، يكرمون الضيف، وقلّما يخونون في الامانة، لا يغتفرون نقض العهود، ولا يتهاونون مع من يتنكر للمواثيق، يضحون في سبيل المعتقد، ويتحلون بالصراحة الكاملة، وربما وجد فيهم من تمتع بذكاء لامع، وذاكرة خارقة يحفظ بها الأشعار والقصائد الطوال، والخطب المفصلة.
( 38 )
هذا إلى جانب براعتهم في فن الشعر والخطابة بحيث لم يسبقهم في ذلك غيرهم وإلى جانب انهم كانوا مضرب المثل في الشجاعة والجرأة، والمهارة في الفروسية والرمي.
يرون الفرار والادبار في الحرب عاراً لازماً، وصفة ذميمة يلام صاحبها بسببها اشد اللوم .
ولكن في مقابل ذلك كله كانوا يعانون من مفاسد أخلاقية تغطي على كل كمال عندهم، وتنسي كل فضيلة .
ولولا تلك الكوة المباركة الّتي فتحت عليهم من عالم الغيب، لطويت صفحة حياتهم الإنسانية على القطع واليقين .
يعني لو لم تبزغ شمس الإسلام في أواسط القرن السادس الميلادي، ولم تسطع اشعتها الباعثة على الحياة، على عقولهم وقلوبهم لما رأيت اليوم من العرب العدنانيين اي اثر، ولتكرّرت مقولة العرب البائدة مرة اُخرى !
لقد حَوَّل فقدان القيادة الرشيدة، وغياب الثقافة الصحيحة حياة العرَب، من جانب، وانتشار الفساد والفحشاء من جانب آخر إلى حياة حيوانية مُزرية حتّى أن صفحات التاريخ تروي لنا أخباراً وقصصاً مفصلة عن حروب دام بعضها خمسين عاماً، وبعضها الآخر مائة عام قد نشبت بين الاطراف العربية لأسباب طفيفة ودوافع تافهة جدا .
لقد أدى عدم سيادة النظام والقانون على الحياة العربية، وعدم وجود حكومة قوية مسيطرة على الاوضاع، توقف البغاة والمتمردين عند حدودهم، إلى أن يعيش العرب ـ آنذاك ـ في صورة القبائل الرُحّل، ويرحلوا في كل سنة إلى منطقة معينة من الصحراء التماساً للعشب والماء لانفسهم ولانعامهم، فاذا عثروا على ماء وعُشب أو شيء من آثار الحياة نزلوا عنده، وأنزلوا رحالهم بجواره، فاذا سمعوا عن وجود مكان افضل استأنفوا رحلتهم الصحراوية التماساً لحياة اكثر بركة، وعطاء، وأوفر خصباً وأمناً .
هذه الحيرة وهذا الضياع وعدم الاستقرار كان ناتجاً من أمرين:
( 39 )
الأوّل: سوء الاوضاع الجغرافية ورداءة الأحوال الطبيعية للجزيرة العربية، وخاصة من حيث الماء والمناخ والمراعي .
والآخر: الحروب والمصادمات الدمَوية الكثيرة، واضطراب الأحوال الاجتماعية، الّتي كانت تُلجىء جماعات كثيرة إلى التنقل الدائم والرحيل عن الأوطان ومغادرتها، وعدم الاستقرار في منطقة معينة .
هل كانَ للعرب حضَارةٌ قبل الإسلام؟
يستنتج مؤلف كتاب «حضارة العرب» من دراسته لأوضاع العرب الجاهلية أن العرب كانوا أصحاب حضارة عريقة سبقت الإسلام بقرون .
فالقصور الضخمة الّتي أقاموها في مختلف نقاط ومناطق الجزيرة العربية، والعلاقات التجارية الّتي كانت لهم مع ارقى شعوب الأَرض، شواهد قوية على تمدنهم وحضارتهم الغابرة، لأن قوماً أنشأوا المدن العظيمة ـ قبل الرومان بقرون كثيرة ـ وكانت علاقاتهم بارقى واكبر شعوب الأرض وثيقة، لا يمكن عدهم همجاً، وشعباً بلا حضارة.
ثم إنه يستدل ـ في موضع آخر من كتابه ـ على حضارة العرب الغابرة بادابهم ووحدة وكمال لغتهم إذ يقول:
«ولو كان التاريخ صامتاً إزاء حضارة لقطعنا ـ مع ذلك ـ بوجودها قبل ظهور «محمَّد» بزمن طويل، ويكفي لتمثّلها أن نذكر أنه كان للعرب آداب ناضجة ولغة راقية .
والحق أنَّ الآداب واللغة من الاُمور الّتي لا تأتي عفواً، وهي تتخذ دليلا على ماض طويل، وينشأ عن إتصال اُمة بأرقى الامم اقتباسُها لما عند هذه الاُمم الراقية من التمدن إذا كانت أهلا لذلك» .
وقد خَصَّصَ المؤلفُ المذكور صفحات عديدة في كتابه لإثبات حضارة عريقة وعظيمة للعرب قبل الإسلام معتمداً في ذلك على ثلاث اُمور:
1- وجود لغة راقية .
( 40 )
2- وجود علاقات مع الامم الراقية .
3- وجود قصور وأبنية ضخمة، وفخمة في اليمن كما يصفها المؤرخان المسيحيان المعروفان «هيردوتس» و «ارتميدور» اللذان كانا يعيشان قبل المسيح بقرون، وقدامى المؤرخين المسلمين كالمسعودي(1) .
لا كلام في أنه كانت هناك في بعض مناطق الجزيرة العربية بعضُ حضارات، ولكن الأدلة الّتي استند اليها المؤلفُ المذكورُ لا يمكن ان تكون شاهداً ودليلاً على وجود الحضارة في جميع نقاط الجزيرة العربية أبداً .
صحيح أن تكامل اللغة يسير جنباً إلى جنب مع غيره من مظاهر المدنيّة، ولكن لا يمكن ان نعتبر اللغة العربية لغة مستقلة وغير مرتبطة باللغات الاُخرى اي العبرانية والسريانية والآشورية والكلدانية، لأن جميع هذه اللغات ـ حسب ما يؤيده ويؤكده المتخصصون في علم اللغات ـ كانت ذات يوم ـ متحدة الأصل، وقد تشعبت من لغة واحدة، وفي هذه الحالة يحتمل أن تكون اللغة العربية قد حققت تكاملها عبر اللغة العبرانية أو الآشورية، وبعد تكاملها أصبحت لغة مستقلة، أي ان الآخرين أسهموا في تكميلها .
كما أنه لا شك أنّ وجود علاقات تجارية مع الاُمم والشعوب الراقية هو الآخر دليل على الحضارة والمدنية إلاّ أنه هل كانت جميع مناطق الجزيرة العربية تملك مثل هذه العلاقات، أم إن اكثرها كانت محرومة من ذلك؟
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فان وجود علاقات بين حكومتين في الحجاز وهما: «الحيرة وغسان» وبين حكومتي «الفرس» و «الروم» لا يدل أبداً على وجود حضارة في المنطقتين الحجازيتين إذ أن جميع هذه الحكومات كانت متصفة بالعمالة، فان الكثير من البلاد الافريقية هي اليوم من مستعمرات الدول الاوربية ومع ذلك لا توجد فيها اية مؤشرات ولا اية مظاهر من الحضارة الغربية الواقعية .
_________________________
1 - حضارة العرب: 78 ـ 100 .
( 41 )
طبعاً لا يمكن إنكار حضارة «سبأ ومأرب اليمن» العجيبة لأنه مضافاً إلى ما جاء حول هذه الحضارة في التوراة، وما نُقِلَ عن «هيردوتس» وغيره، كتبَ المؤرخ المعروفُ «المسعودي» عن مأرب يقول: إن ارض سبأ كانت من أخصب أراضي اليمن وأَثراها وأغدقها، واكثرها جناناً وغيطاناً وأفسحها مُروجاً، بين بُنيان وجسد مقيم وشجر موصوف ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار متفرقة، وكانت مسيرة اكثر من شهر للراكب المجدّ على هذه الحال، وفي العرض مثل ذلك، وانّ الراكب أو المارّ كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا يرى جهة الشمس، ولا يفارقه الظِلُ لاستتار الارض بالعمارة والشجر واستيلائها عليها واحاطتها بها، فكان أهلها في اطيب عيش وارفهه، وأهنا حال وارغده، وفي نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء، وتدفُّق المياه وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة... فذلّت لهم البلاد، واذعن لطاعتهم العباد فصاروا تاج الارض(1).
وخلاصة القول أن هذه الدلائل لا تدل على وجود حضارة في كل مناطق الجزيرة العربية وخاصة منطقة الحجاز الّتي لم تذق طعم الحضارة أبداً، حتّى أن «غوستاف لوبون» نفسه يعترف بهذه الحقيقة إذ يقول: «ان جزيرة العرب نجَتْ من غزو الأجنبي خلا ما أصاب حدودها الشمالية، وإن عظماء الفاتحين من مصريين وأغارقة ورومان وفرس وغيرهم ممن انتهبوا العالم لم يَنالوا شيئاً من جزيرة العرب الّتي أوصدت دونهم أبوابها»(2) .
وعلى فرض صحة كل ما قيلَ عن وجود حضارة شاملة في جميع مناطق الجزيرة العربية فانه يجب القول بان القدر المسلَّم في هذا المجال هو انه لم يبق أي اثر من هذه الحضارات في منطقة الحجاز، إبان طلوع الإسلام، وبزوغ شمسه، وهي حقيقة يصرح بها القرآن الكريمُ إذ يقول تعالى: (وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفرَة مِنَ النّار فأنقَذكُمْ مِنْها)(3) .
_________________________
1 - مروج الذهب: ج 2، ص 161 و 162.
2 - حضارة العرب: ص 93 .
3 - آل عمران: 103 .
( 42 )
وينْبغي هنا أن نقف عند القرآن الكريم قليلا ـ كما وعَدْنا بذلك ـ فانه خير مرآة تعكس أحوال العرب وأوضاعهم بدقة متناهية وبشمولية ماوراءها شمولية .
ملامح المجتمع الجاهلي العربي في منظور القرآن:
إن القرآن يكشف إجمالا عن أنَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بُعِثَ إلى قوم لم يبعث اليها احد قبله إذ يقول: (وَلَكِنْ رَحمةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذير مِنْ قَبْلكَ لَعلَّهُمْ يَتَذكَّرُونَ)(1).
ويقول في آية اُخرى: (أمْ يَقُولونَ افتراه بَلْ هُوَ الحقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذرَ قوماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذير مِنْ قَبلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدونَ)(2) .
ومن المعلوم أن المقصود في هاتين الايتين ونظائرهما هم قريش والقبائل القريبة اليها.
على أن أشمل وصف قرآنىّ لأوضاع المجتمع العربي الجاهلي وأحواله هو قول اللّه تعالى: (وَاْعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعداء فَالَّفَ بَيْنَ قُلُوبكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَته إخواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفَرَة مِنَ النّار فَأَنقذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(3) .
فإنَّ هذه الآية تصوّرُ حياة العرب تصويراً مرعباً، إذ تُصوِّرُهُمْ اولا وكأنهم قد سقطوا في قعر بئر الجاهلية، والضلال والشقاء فلا ينقذهم شيء من قعر التردي والسقوط الاّ التمسُّك بحبل اللّه، حبل الإيمان والقرآن .
وتصوِّرُهُمْ ثانياً وكأَنهم على شفير جهنم يوشكون أن يسقطوا فيه ويهووا في نيرانه، وليست تلك النار إلاّ نيران العداوات والحروب الّتي لو لم يقض عليها الإسلامُ بتعاليمه لاُحرقت حياة العرب جميعاً .
هذه هي صورةٌ سريعةٌ عما كان عليه العرب في الجاهلية من جهل وسقوط .
وامّا تفصيل ذلك فيمكن الوقوف عليه بمراجعة الآيات الاُخرى التي
_________________________
1 - القصص: 46 .
2 - السجده: 3 .
3 - آل عمران: 103 .
( 43 )
تعرضت لذكر عادات العرب وأخلاقهم، وأفعالهم وتقاليدهم، بصورة مفصلة، وها نحن نشير هنا إلى تلكم العادات والاخلاق الفاسدة على ضوء تلك الآيات على نحو الاختصار تاركين التوسع في ذلك إلى مجال آخر .
لقد اتصف المجتمعُ العربىُ الجاهلي قبل الإسلام وشاعت فيه أخلاق وعادات من أبرزها مايلي:
1- الشِرْكُ في العِبادة:
صحيح أن العرب في الجاهلية كانت ـ كما يكشف القرآن ذلك لنا ـ موحِّدة في جملة من الامور والمجالات كالخالقية والتدبير والذات(1) إلاّ أنهم كانوا ـ في الأكثر ـ مشركين في العبادة، بل قد ذَهبُوا في هذا السبيل الباطل إلى أحطَّ المستويات في إتخاذ المعبودات والوثنية .
وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (وَجَعلُوا للّه شُركاء الجِنَّ وَ خَلَقهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِيْنَ وَ بَنات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحانَه و تَعالى عَما يَصِفُونَ)(2) .
وقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ والعزّى وَ مَناةَ الثالِثَةَ الاُخْرى)(3) .
وغير ذلك من الآيات الّتي تشير إلى ما كانَ يعبُدُه الجاهِليُّون مِن أوثان وأصنام ومبلغ ما وصلوا إليه من انحطاط، واسفاف وانحراف في هذا المجال .
2- إنكارُ المعاد:
كان المشركون والجاهليون يرفُضُون الاعتراف بالمعاد الّذي يعني عودة الإنسان إلى الحياة في عالم آخر للحساب والجزاء، ويصفون من يخبر عن ذلك
_________________________
1 - نعم يُستَفاد من آية واحدة أنّه كان هناك اتجاهٌ نادرٌ بين العرب في الجاهلية ينسب الظواهر الطبيعية إلى الطبيعة والدهر يقول اللّه تعالى: «وَ قالوا ما هي إلاّ حَياتُنا الدُّنْيا نَموتُ وَنَحيا وَ ما يُهلِكُنا إلاّ الدَهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مَنْ عِلْم إنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ» (الجاثية: 24) .
2 - الأنعام: 100 .
3 - النجم: 19 و 20 .
( 44 )
اليوم بالجنون أو الكذب على اللّه!!
يقول تعالى: (وَ قالَ الَّذينَ كَفَروا هَلْ نُدُلُّكُمْ عَلى رَجل يُنبِّئكُمْ إذا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمزَّق إنَكُمْ لفي خَلق جَديد، وأفْترى عَلى اللّه كَذِباً أمْ به جِنَّةٌ بَلِ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَة في الْعذابِ وَالضَّلالِ البِعيْد)(1).
3- هَيْمَنةُ الخرافات:
لقد كانت حياة العرب الجاهلية مليئةً بالخرافات الّتي كان منها تحريمهم الأكل من أنعام اربعة ذكرها القرآن مندداً بهذه البدعة إذ قال: (ما جَعَل اللّهُ مِنْ بَحيرة ولا سائبة وَ لا وَصيْلَة وَ لا حام ولكنَّ الَّذينَ كَفَرُوا يَفْترونَ عَلى اللّهِ الكِذبَ وأكثَرُهُمْ لا يَعقِلُونَ)(2) .
أمّا (البحيرة) بوزن فعِلية بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق، فهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن آخرها اُنثى ـ وقيل ذكر ـ بحروا اُذنها وشقوها ليكون ذلك علامة وتركوها ترعى، ولا يستعملها أحد في شيء .
وأمّا (السائبة) على وزن فاعلة بمعناها أو بمعنى مفعولة فهي الناقة إذا نتجت اثني عشر بطناً ـ وقيل عشرة ـ فهي تُهمَل ولا تُركب. ولا تمنع عن ماء، ولا يشرب لبنها الاضيف .
وأمّا (الوصيلة) بوزن فعيلة بمعنى فاعلة أوبمعنى مفعولة فهي الشاة تنتج سبعة أبطن أوتنتج عناقين عناقين .
وأمّا (الحامي) بوزن فاعل من الحمى بمعنى المنع فهو الفَحل من الإبل الّذي يستخدم للقاح الاُناث، فاذا وُلدَ من ظهره عشرة ابطن قالوا: حُمِي ظهره فلا يحمل عليه، ولا يُمنع من ماء ومرعى(3) .
والظاهر ان هذا المذهب تجاه هذه الانواع من الانعام كان بدافع الاحترام
_________________________
1 - سبأ: 7 و 8 .
2 - المائدة: 103 .
3 - راجع مجمع البيان: ج 3، ص 252 و 253 في تفسير الآية .
( 45 )
والشكر لما وهب أصحابها من النعم والبركات، غير ان هذا العمل ـ كان في حقيقته ـ نوعاً من الإيذاء والإضرار بهذه الحيوانات، لأنهم كانوا يُهملونها ويحرمونها من العناية اللازمة فكانت تشقى بقية حياتها، وتقاسي من الحرمان، مضافاً إلى ما كان يصيبُها من التلف والضياع، وما يلحق ثروتهم والنعم الّتي وهبها اللّه لهم من هذا الطريق من الضرر والخسارة .
والأسوأ من كل ذلك أنهم ـ كما يُستفاد من ذيل الآية ـ كانوا ينسبون هذه المبتدعات المنكرات وهذا المنع والحظر إلى اللّه سبحانه وتعالى، إذ يقول سبحانه: (وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللّه الكذبَ) وقد أعلمَ اللّه في مطلع الآية أنه لم يحرّم مِن هذه الاشياء شيئاً، وأنهم ليكذبون على اللّه بادّعائهم أن هذه الأشياء من فعل اللّه أو أمره .
وقد أشار القرآن إلى هذه الخرافات الّتي كانت تُكبّل عقول الناس في ذلك المجتمع إذ يقول: (و يَضَعُ عَنْهُمْ إصرَهُم والأغلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(1) .
4- الفساد الاخلاقي:
كان المجتمع الجاهلي العربي يعاني من فساد ذريع في الاخلاق وقد أشار القرآن الكريم إلى اثنين من أبرز وسائل الفساد ومظاهره هما: القمار (الّذي كانوا يسمّونه بالميسر وانما اشتق من اليسر لأنه اخذ مال الرجل بيُسر وسهولة من غير كدٍّ ولا تعب) والخمر .
وقد بلغ شغفهم بالخمر أنهم أعرضوا عن قبول الإسلام واعتناقه لأنه يحرّم تناول الخمر وشربه، كما نقرأ ذلك في قصة الاعشى عما قريب .
يقول القرآنُ في هذا الصعيد: (يَسأَلونَكَ عَن الخَمْر والمَيْسر قُلْ فيها إثمٌ كبيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنّاس وَ إثمُهما اكبرُ مِنَ نفْعِهما)(2) .
وقد استطاع القرآن الكريم عبر مراحل أربع أن يستأصل هذه العادة البغيضة
_________________________
1 - الأعراف: 157 و راجع المحبر: ص 330 ـ 332 .
2 - البقرة: 219 .
( 46 )
الّتي كانت قد تجذرت بشكل عجيب في نفوس ذلك القوم، حتّى اصبحت السمة البارزة لحياتهم واصبح التغنّي بالخمرة، ووصفها الطابع الغالب لآدابهم، واللون البارز الّذي يصبغ قصائدهم واشعارهم .
على أن الفساد الأخلاقي في المجتمع الجاهلي العربّي قبل الإسلام لم يكن ليقتصر على معاقرة الخمر، ومزاولة الميسر بل تعدى إلى ألوان اُخرى ذكرها القر