Wednesday, 07 May, 2008

قيمة الوفاء بالعهد

خريطة الإصلاح 6

خريطة الطريق نحو الإصلاح : (الإسلام و القيم)

6 – قيمة الوفاء بالعهد (أ. صحيفة المعاقل كنموذج أول) :

ما قرأت عملاً حديثاً صادراً في مصر عن فلسفة القيم ، إلا و ابتدأ تصديره بالقيم الإسلامية السامية ، و هو ما يعني أن قيم الآخرين ليست كذلك.

و هو أمر متواتر حتى بين بين أهل الفلسفة و علمائها المتخصصين ، تجده يحيلك أولاً إلى قيم الإسلام بالضرورة ، ليعود بعد ذلك معلماً أكاديمياً يشرح القيم الإنسانية (الإكسيولوجية)، ناسياً أنه لم يعد هناك محل لبحث جديد ، بعدما أثبت للقيم الإسلامية وحدها في تصديره ، كل الإيجابيات التامة الجامعة المانعة.

تجدهم في علم الاجتماع قد صاروا كذلك ، في الفيزياء (سبحان الله) و صحة القوانين العلمية (بمشيئة الله) ، و الجغرافيا و الفلك ، وباء و انتشر ، كتب علم النفس تتصدر باحاتها آيات و أحاديث وردت فيها كلمة النفس عرضاً. حتى الطب لم ينج من ذات المصير ، يبدأ صاحب المرجع الطبي مرجعه بالآيات "إذا مرضت فهو يشفين" ، و نقابة أطباء مصر تضعها على (البادج / الأيقونة / الرمز) ، و في طب الحمية مرجعاً منتشراً تتصدر صفحته الأولى : "و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين".

و لا تفهم هنا قيمة بعد ذلك لصفحات المرجع الكبير ، مادام إذا مرضت فهو يشفين؟!

أسلوب يذكرني بالحانوتية الذين يعملون بمهنة دفن الموتى ، و لافتتهم المشهورة : كل نفس ذائقة الموت! و لا أى معنى لتوقيع حكومات بلادنا على مواثيق دولية تؤسس لقيم جديدة اكتشفتها الإنسانية و توافقت عليها ، قيم لم يسبق أن وجدت لا في تراثنا الإسلامي و لا في أى دين من الأديان ، بل بعضها يتعارض بالكلية مع ما جاء في هذه الأديان ، كما في حال حقوق الإنسان مثلاً (حقوق المرأة ، حق الإعتقاد. .. إلخ) فإذا كانت قيم الإسلام قد جمعت فأوعبت كل القيم الإيجابية حتى نهاية الأزمان ، فلماذا لا تعرض حكوماتنا قيمنا هذه على الامم المتحدة أثناء المناقشة في الهيئة الأممية ، خاصة أنه عالم حر يناقش و يستمع و يقبل و يرفض عن بينة و قرار ديمقراطي ، و هو لن يرفض قيمنا إن رأها أرقى من قيمه ، فقيم المواثيق الدولية شاركت فيها كل الإنسانية و قالت تجربتها و كلمتها حتى تم وجوبها وثيقة دولية ، و بنيت لها نصوص قانونية لحماية هذه القيم وصونها.

أم أن حكوماتنا تعلم سلفاً أن في قيمنا ما يعتورها بمقاييس اليوم الأخلاقية؟ يبدو أن حكوماتنا توقع الاتفاقات الدولية (تقية) أى كذباً و مداراة خوفاً و خزياً و عاراً، أى تعلن عكس ما تبطن ، و يبدو أن تلك هي الحقيقة الصادقة الصادمة. وخير نماذج التقية الورعة ، استقبال شيخ الأزهرالدكتور سيد طنطاوي للجنة الحريات الدينية ، و توقيع الدكتور فوزي الزفزاف على العهد الدولي للحقوق الدينية ، بإشراف د. سيد طنطاوي الشيخ الأكبر و بحضور وفد الاتفاقية ، ثم إعلان الشيخ الأكبر فيما بعد أنه لا سمع بهذه الوثيقة و لا يعلم عنها شيئاً. رغم أن الحدث موثق بالصور التذكارية لحفل التوقيع بمكتب الشيخ الأكبر ، و رغم احتساب الفقهاء أن قيمة الوفاء بالعهد اختراع إسلامي قح.

شيخ أكبر آخر هو مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة أجاب بالإيجاب القاطع في أمريكا عن سؤال ، حول حق المسلم ترك الإسلام ، و بمجرد عودته قامت دار الإفتاء كلها تؤكد أن كلام المفتى ثم تحريفه عن معناه كعادة الضالين و المغضوب عليهم في التحريف ، لأن الإسلام لا يسمح بخروج المسلم من دينه بالمطلق.

هذه مشاكل فضائحية تحدث علناً دون أى تحرج ، فأى حديث هذا عن القيم الأخلاقية؟ و أى قيمة في التوقيع حرجاً أو جبناً ثم الرجوع الكاذب و المخالف؟

المشكلة تصبح أعوص مع تسليمنا أن القيم الموجبة كلها جاءت في إسلامنا ، لأن هذا التسليم يعني ضمنياً و يقيناً رفض قيم الحداثة و القيم الحقوقية الإنسانية و قيم العلوم الغربية كلها ، مما يعني خروجنا برغبتنا من التاريخ و من المستقبل ، لأن ما عندهم هناك هو الباقيات الصالحات و ليست هنا. رؤيتنا تجعل كل ما حققه العالم الحر هو أدنى قيمياً و خلقياً و علمياً ، ألا ترونهم يعضون علينا الأنامل حسداً لما نحن فيه من سعادة و نعيم مقيم؟! إنهم يحسدوننا على إسلامنا و مع ذلك يكتفون بالحسد و المؤامرات و لا يدخلون إلى سعادته و لا يختارون نعيمه و جنته و قيمه ، نكاية فيه! إن الاعتقاد بكلانية القيم إيمانياً يعنى ضمن ما يعني ، أن الاعتقاد برقي المجتمع الغربي هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة! و هو ما يترتب عليه عدم رؤية ما بيد هذه المجتمعات من وسائل رقي و تقدم و الاكتفاء بالذات المريضة.

سنضطر باستمرار إلى الرجوع إلى القطب المرجعي الفقهي الشيخ قرضاوي عافاه الله مما هو فيه ، و هي دعوة صادقة مخلصة ، باعتباره معتمداً من الحكومات و الجماعات الإسلامية بكافة أطيافها ، و من الإخوان ، و من الأزهر ، و من قاطعى الرقاب ، و هو من يركز حديثه الدائم حول الفارق الأساسي بين المسلم و غير المسلم ، المتمثل في القيم الأخلاقية التي هي السمة و العلامة العظمي لرقي الإسلام و سماويته. و يقيم الشيخ هذه المسلمة على آيات قرآنية و أحاديث نبوية و أحداث وقعت إبان الدعوة الإسلامية و بعدها ، بادئاً بأهم تلك القيم و هي (الوفاء بالعهد) ، و أوفوا بالعهود إن العهد كان مسؤولا. ليورد النص القرآني الذي يؤكد هذه القيمة "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب ، و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين ، و أتى المال على حبه ذوي القربي و اليتامي و المساكين و أبن السبيل ، و السائلين و في الرقاب ، و أقام الصلاة و آتى الزكاة ، و الموفون بعهودهم إذا عاهدوا ، و الصابرين في الضراء و حين البأس ، أولئك الذين صدقوا ، و أولئك هم المتقون / 77 / البقرة".

ثم يعقب الشيخ بأن الله ارتقى بقيمة الوفاء بالعهد إلى درجة وضعها وضع بقية العبادات المفروضة كالصلاة و الزكاة.

في التاريخ الإسلامي و خاصة زمن التأسيس (زمن الدعوة) أحداث جسام متتالية ، يمكن البحث فيها عن قيمة (الوفاء بالعهد) ، و هي واحدة من القيم التي أولدها بين العرب العصر الجاهلي الثاني قبل الدعوة ، و المتوسط بينها و بين الجاهلية الأولى ، و هو العصر الذي تعود إليه مكرمات و مفاخر العرب القيمية الأخلاقية ، و هو التوليد الذي وقفت وراءه مجموعة من الأسباب الموضوعية على الأرض حينذاك.

تعد قيمة (الوفاء بالعهد) إحدى المظاهر المتعددة التي تتجلي من خلالها قيمة أعظم ، هي قيمة (الأمانة). و كلاهما (الأمانة) و تجليها في (الوفاء بالعهد) ، لم تكن شيئاً معلوماً في الجاهلية الأولى التي كانت قسوة و شظف و تركت أثرها أخاديداً و بثوراً أبدية في وجه العربي القيمي. كانت البيئة شحيحة ، بيئة ندرة و جوع كافر ، و مناخ أشد كفراً ، لذلك كان القتال حتى الفناء أو الإفناء في صراع صفري دائب على مواطن الماء و الكلأ حتى ينضب ، فتتحرك القبائل إلى موطن غيرة في عيالة و طفيلية شديدة على الطبيعة و منتجها الشحيح. في مثل هذه البيئة تكون معانى القيم شديدة الاختلاف عما نفهمة منها اليوم ، لأن القيم الأخلاقية التى يجب أن تسود هي ما يضمن الحياة في بيئة لا ترحم ، لذلك يكون الحديث عن الرحمة بمفاهيم أى زمان أو مكان آخر مختلفاً بالكلية عن مكان و زمان الجاهلية الأولى.

و لا يكون هناك معنى لكلمة (أمانة) و ما يترتب عليها ، فالأمانة في العربية أصلاً من الأمن و الأمان ، و هما لا يتوفران بالأمانة بل القوة القتالية البحت المجردة التى تحقق الأمن.

و تحدث أحداث عالمية ذات تأثير واسع ، ستؤدي سريعاً إلى تغير وجه التاريخ و الجغرافيا معاً ، عندما تدخل الإمبراطوريتان الرومية و الكسروية حربهما السبعونية ، لتطارد كل منهما الأخرى في أقاصي الأرض ، عدا مكان واحد لم يرغب فيه أياً منهما ، هو فيافي جزيرة العرب. مما هيأ للجزيرة فرصة القيام بأعباء تجارة العالم بعد قطعها في البحار ، من سواحل اليمن إلى سواحل الشام و بالعكس في رحلتي الشتاء و الصيف. و هي التجارة التى قامت عليها قبيلة قريش محولة مكة من مجرد استراحة على الطريق إلى مدينة و حاضرة ذات أسواق كبري ، و شارك كل عرب الجزيرة في القوافل التجارية بأموالهم ، و حرسوا طرق التجارة حرصاً على أموالهم و منافعهم ، فكان أن نشأت قيماً هي فرز زمنها و ظروفه ، و أصبحت (الأمانة) القيمة الأولى الواجب احترامها حفاظاً على سيولة الطريق التجاري و ضمنها الوفاء بالعهد ، فكتبت قريش عهود الإيلاف للقبائل و الملوك برعاية الطريق ، و جعل مكة لمن دخلها مكان أمن و عبادة و فرح و عربدة و سعادة و تجارة و لهو و جنس يأمن فيه الجميع من الجميع في أشهر حرم معلومات توافقوا عليها هى شهور السفر والتجارة. و تم التأكيد على الوفاء بالعهود التى كتبتها قريش مع القبائل الضاربة علي الطريق لتضمن عدم اعتدائها على القوافل التجارية ، نظير عهد مقابل هو دفع جعالات من دخل القوافل لهذه القبائل المتناثرة بطول الطريق التجاري ، كان عهداً تجارياً بحتاً ، حتى القيمة مدفوعة الثمن. لذلك كان التأخير في دفع تلك الجعالات يقابل مباشرة بقطع الطريق حتى تفي قريش و كبار التجار بالتزاماتهم. و كان أن يرأس أحدهم قافلة فيتلاعب بأسهم الناس فيها ، فهو ما كان يعني دمار و بوار و خراب تلك التجارة ، لذلك حرص التجار من قواد القوافل الكبرى على حيازة لقب (الصادق الأمين) ، ليأمن الناس على أموالهم و تسيل التجارة و تفيض على الجميع بنفعها.

لكن العقائد الدينية لم تتمكن من التخلص من بدائية العبادة ، التي كان يتم فيها التقرب إلى الألهة بالقرابين البشرية من الأطفال الإناث (في ظاهرة الوأد) و الذكور (كما في حال عبد الله أب النبي محمد - ص - الذي افتداه أبوه عبد المطلب من الألهة بمائة من النياق) ، حتى جاء الإسلام و نقل العرب نقلة دينية ألغت و جرمت و أنهت القربان البشري في الطفولة ، و جعلته قرباناً يحدث عن قناعة عاقلة للشخص الراشد في عقيدة الجهاد.

و قد علمنا أن الإسلام قد عاد بالعرب إلى بعض الجاهلية الأولى مضطراً لحسابات ظروف موضوعية ستأتي بمكانها من هذا البحث ، عندما عاد إلى شرعية الغزو و السلب و النهب و الغنم ، (و كلها مصطلحات إسلامية بالكتب الأمهات في إشارتها للفعل العسكري الجهادي زمن الدعوة)، و هو ما حاصر قريشا اقتصادياً و أصابها في مقتل حتى سقطت ثمرة ناضجة بيد القوة الإسلامية الطالعة ، كانت الغاية بحاجة إلى تلك الوسيلة ، لذلك جعلها الإسلام وسيلة مشروعة ، بل و مطلوبة بل و مأجورة و مثابة أعظم الثواب ، و قال النبي بوضوح شديد "أُحلت لنا الغنائم و لم تحل لأحد من قبلنا ، و ذلك أن الله تعالى رأى عجزنا و ضعفنا فوهبها لنا / متفق عليه بكل الصحاح " ، بل و كان للنبى خمس ما يغنم المسلمون في معاركهم " إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه و للرسول / قرآن كريم " ، و كان القرآن شديد الدقة و الوضوح في العودة إلى زمن الغزو و السلب و النهب و الغنم بقول الله تعالى للمسلمين : " فكلوا مما غنمتم طيباً حلالاً ".

و هو الأمر الذي يترتب عليه إعادة السؤال حول قيمة الوفاء بالعهد ، و هل أستمرت في الواقع الفعلي للمسلمين بعد ظهور الإسلام ، أم تراجعت مع ما تراجع من قيم الجاهلية الثانية إلى قيم الجاهلية الأولى؟ نطرح هنا نماذج ثلاث حدثت إبان وجود النبي (ص) في يثرب.

النوذج الأول :

نقض عهد صحيفة المعاقل :

أول نقض رسمي لعقد اجتماعي و عهد سياسي مكتوب :

يقول البيهقي : " و أذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين و المنافقين ، فلم يبق في المدينة منافق و لا يهودي إلا و هو خاضع عنقه ، لوقعة بدر / الدلائل / ج 3 / ص 117 ".

بعد النصر البدري المؤزر و حصول المسلمين على غنائم عظيمة خاصة السلاح ، استرسل الوحي يقول : "و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم / 60 / الأنفال".

و عدو الله و عدو المسلمين معروف هم ملأ مكة ، أما الآخرين الذين لا يعلمهم المسلمون ، فهو ما أوضحته الأحداث التالية ابتداء بنداء النبي (ص) لرجاله : "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه / السهيلي / الروض الأنف / مج 3 / ص 164" ، في منعطف تاريخي مفصلي جاءت مفاصله في آيات تنسخ حرية الاعتقاد ، لتنهي العمل بآيات من قبيل "لكم دينكم و لي دين / 6 الكافرون" ، و تم نسخ الصفح الجميل و الصبر الأجمل ، بقانون جديد حاسم هو "إن الدين عند الله الإسلام / 19 / آل عمران" (أنظر نواسخ القرآن بأى مصدر للنواسخ / متفق عليه).

و تتالى الأحداث سراعاً ، فيروي الزهري عن عروة " نزل جبريل على رسول الله (ص) بهذه الآية : و إما تخافن من قوم خيانة ، فأنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ، فقال رسول الله (ص) : أنا أخاف من بني قينقاع (أحد القبائل اليهودية الثلاث بيثرب) ، فسار إليهم و لوائه بيد حمزة / ابن سيد الناس ، عيون الأثر ، ج 1 ، ص 353 ". و انجلت غزوة قينقاع عن طردهم من يثرب كأول قبائل يهود يتم إجلاؤها ، بعد أن استولى المسلمون على كراعهم و أسلحتهم و أرضهم ، مما زاد في قوة المسلمين العسكرية و راحتهم الإقتصادية.

و عندما رأت قريش نفسها محاصرة في رزقها بعد أن قطع المسلمون عليها طريق الإيلاف الشامي ، أجمعت على قتال محمداً و ذلك في الوقعة المعروفة بوقعة أحد التى انهزم فيها المسلمون هزيمة مريرة ، أدت بالبيهقي لتصوير حال يثرب بعد الهزيمة بقوله : "و فارت المدينة بالنفاق فور المرجل / البيهقي / دلائل النبوة / ج 3 / ص 216".

و ترنحت الدولة الطالعة ، فتم اتخاذ إجراءات سريعة حاسمة عنيفة متتالية لا تهدأ لإصلاح ما أفسدته أحد ، بالقضاء على رؤوس المعارضة (المنافقين) فتدحرجت رؤوس كبار القوم ، تم اغتيالهم ليلاً مثل رأس (سلام بن أبي الحقيق) المعروف بأبي رافع ، و (أبي عفك عمرو بن عوف) ، و (عصماء بنت مروان) عقيلة بني خطمة ، و (خالد بن سفيان) سيد هذيل ، و (فاطمة بنت ربيعة) زعيمة فزارة و محل شرفها (أنظر ابن حبيب في محبره ص 117 ، و ابن كثير في البداية ج 4 ص 39 أو 142 ، و ابن سيد الناس في عيون الأثر ج 2 ص 145 ، السهيلي / شرح السيره / مج 4 / ص 244 ، 245 ، و الطبري في تاريخه ج 3 في ص 156) ، إعلانا ً عن أن السيف المحمدي و إن كسرت منه الذؤابة في أحد ، فإنه مازال قوياً مقتدراً و عنيفاً ، إعلاناً عن الإصرار على استدامة الدولة الناشئة مهما كلف ذلك من أرواح.

و يحكي ابن كثير أحداث العام الثاني للهجرة بقوله : إن فيها "حولت القبلة. . و فرض صيام رمضان. . و زكاة النصب و زكاة الفطر ، و فيها خضع المشركون من أهل يثرب و اليهود. . صانعوا المسلمين و أظهروا الإسلام و هم في الباطن منافقون. . قال ابن جرير : و فيها كتب الرسول (ص) صحيفة المعاقل ، و كانت معلقة بسيفه".

و ابن كثير إذ يوقت الصحيفة بنهاية العام الثاني للهجرة ، فهو بذلك يختلف عن رواة آخرين قالوا أنها كانت أول عمل للنبي عند وصوله يثرب مهاجراً من مكة. هذا علماً أن ابن كثير نفسه يثير التناقض بذلك مع ما سبق له أن ذهب إليه مع الجمهرة ، بأن صحيفة المعاقل قد تمت كتابتها بين أهل يثرب جميعاً و بين المسلمين المهاجرين عند وصول النبي يثرب ، حيث تبدو يثرب جميعاً قد عمها الإيمان ، و يظهر فيها النبي سيداً مقبولاً من الجميع عن رضى غير واضح الأسباب بما فيهم اليهود ، فكتبوا معه صحيفة المعاقل التي ترد كل أمر في يثرب إلى النبي وحده. و هو كله ما يخالف و يناقض واقع الأحداث ، ذلك الواقع الذي يحيلنا إلى النبي و أتباعه المكيين مهاجريين ضعاف متخفين هاربين من بلادهم ، و من بين أهله بالعصب (أعمامه) إلى حمى (رحمة) أخواله اليثاربة من بني النجار الخزرجيين ، و هو ما يحيط الصورة التي رسمتها كتب الأخبار و السير للاستقبال الهائل ، و طلع البدر علينا ، و الطاعة الكاملة من الجميع لسيدهم الغريب المكي ، بكثير من الشك و عدم المصداقية ، حيث ذات المصادر تؤكد أن غالب أهل يثرب كانوا يهوداً أو وثنيين ، و إن كثيرا ممن دخل منهم حلف المسلمين كان منافقاً أو دسيسة ، لذلك رجع ابن كثير عما قال في بداية الفصل ليؤخر زمن صحيفة المعاقل إلى السنة الثانية للهجرة ، بحيث تبدو الأحداث أكثر منطقية مع مقدماتها ، فاختار الزمن الذي تحول فيه المسلمون إلى قوة قادرة على فرض هيمنتها.

و لمزيد من التدقيق نجد غزوة قينقاع لم يرد فيها أية إشارة لتعاقد المسلمين مع اليهود ، و لم نقرأ فيها ما يشير إلى منابذة قينقاع للنبي بنقضه للعهود ، كما حدث في الوقائع التالية مع قبيلتي النضير و قريظة ، و هو ما يشير إلى أنه حتى غزوة قينقاع لم تكن هناك عهود ولم تكن صحيفة المعاقل قد وجدت بعد.

و إن هذا الإختلاف و التناقض يدفع الباحث إلى محاولة جديدة للتزمين الأوفق لصحيفة المعاقل ، حيث نعتقد أن تلك الصحيفة قد كتبت ضمن مجموعة الإجراءات الحاسمة مع تراجعات محسوبة ، و التي تمت بعد هزيمة المسلمين في أحد.

معلوم أن هزيمة أحد هزت معنويات المسلمين بعنف حتى نادي المهاجرون بالعودة إلى قريش و نفض أيديهم من الموضوع كله (البيهقي / الدلائل ج 3 ص 21) بينما قال صحابة آخرون من الأنصار اليثاربة : " لو كان من الأمر شئ ما قتلنا ها هنا / 154 / آل عمران "و هو ما يعني إنكارهم الوحي و الدين معاً. لكن أحد لم تقض على مخزون السلاح البدري الذي تم استخدامه في حملة المسلمين الأولى على اليهود (قينقاع) و انتهت بمزيد من قوة المسلمين بعد استيلائهم على ممتلكات قينقاع ، ثم في حملتهم الثانية على اليهود ، و كانت على بني النضير ، و تؤكد كتبنا "أنها قد حدثت بعد وقعة سبقتها هي وقعة بئر معونة / ابن كثير / البداية / ج 4 / ص 76". و نحن نعلم من ذات الكتب أن بئر معونة قد وقعت بعد أُحد بزمن ، و بعد غزوة أخرى أسبق هي وقعة الرجيع التي وقتها الواقدي في صفر سنة أربع للهجرة. و نعلم أيضاً أن بني النضير قد نابذوا النبي في تلك الوقعة بنقضه للعهود و المواثيق ، مما يشير إلى أن صحيفة المعاقل كانت قد عقدت قبل غزوة النضير المشهورة ، حتى نفهم منابذتهم له بنقض العهود ، و أنها تمت في الزمن الواقع بين غزوتي أُحد و النضير ، و هو ما يمكن الكشف عنه في قراءة البيهقي للحكاية إذ يقول : "اجتمعت بنو النضير بالغدر ، فأرسلوا إلى النبي ص : أن أخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك ، و ليخرج منا ثلاثون حبراً ، حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك ، فإن صدقوا و آمنوا بك آمنا بك ، فلما كان الغد ، غدا عليهم رسول الله بالكتائب فحصرهم فقال لهم : إنكم و الله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه ، فأبوا أن يعطوه عهداً ، فقاتلهم يومهم هذا ، فعاهدوه ، ثم غدا على بني قريظة بالكتائب و دعاهم إلى أن يعاهدوه ، فعاهدوه فانصرف عنهم / دلائل النبوة / ج 3 / ص 179".

و من الخبر نفهم أن يهود النضير أرادت وضع حد لمشكلة علاقتهم بالمسلمين ، إما بالدخول في الإسلام بعد جدل و حوار يثبت فيه الإسلام جدارته عن اليهودية بالدليل و البرهان ، أو بعدم الدخول فيه إذا لم يقتنعوا به مع إيجاد صيغة سلامية للتعايش و تهدئة للموقف المتوتر بعد قطع الرؤوس من أشراف اليهود. و أن يتم ذلك بالجدل و الحوار و المناظرة ، لكن النبي رأي أن يتعامل معهم بمنطق آخر فجرد عليهم الكتائب حتى نزلت النضير على عهد مكتوب ، ثم رضت قريظة بالعهد دون قتال ، و لا نعلم عهوداً تمت مع اليهود سوى صحيفة المعاقل.

و عليه فإن المعاقل قد تمت فيما نذهب إليه (عن محاولة اجتهادية لا قطعية) ، ضمن سلسلة الإجراءات السريعة الحاسمة ، لإصلاح ما أفسدت أحد و علاج آثارها لرفع روح المسلمين المعنوية ، و بداية اهتمام واضح بالجبهة الداخلية لتأمينها اولاً قبل معارك الغزو ، و ضمن هذا التأمين قدم النبي تنازلاً تراجعياً وضح في النص "لليهود دينهم و للمسلمين دينهم / مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي ، 1985 / ص 61".

لكن ما حققته الصحيفة من إيجابيات هو أنها حولت المسلمين من لاجئين إلى مواطنين على ذات درجة أهل يثرب ، ثم إعادة الأمر كله لسيد المدينة الجديد الذي غدا بلا منافس بعد قطع رؤوس سراة القوم و سادتهم. و لعل في تعليق الرسول (ص) للصحيفة بسيفه رمزاً واضحاً يحمل معنى السلام القائم على القوة و الإقتدار. أما أهم بنود الصحيفة فهي تلك التي تقول في مفتتحها : " هذا كتاب من محمد النبي الأمي " و المقصود نبي الأميين (جمع أمم) أى نبي الأمم أى (الجوييم) أى غير اليهود. و المفتتح يشير إلى المعاقل كفرمان صادر من سلطة النبي السيادية ، فأطراف الصحيفة لم تكن متكافئة ، فهو سلام مفروض فرضاً ، أو هي بمثابة كتاب أمان من النبي ، أو عقد اجتماعي مفروض ، مع فرض صفة النبوة للنبي في الوثيقة الرسمية ، لتعني اعترافهم بذلك راغمين و لو لم يؤمنوا ، و هو ما يعني عند العربي الإذلال بإحناء الرأس لأمر لا يعتقد فيه قهراً ، لذلك كثيراً ما كان الإسلام يفرق بين المسلم و المؤمن ، فالمؤمن هو صادق اليقين بعكس من أسلم خوفاً أو رشوة بتأليف قلبه ، و قد جاءت الصحيفة متجاوبة مع رغبة اليهود و بقية مشركي يثرب في الأمان بعدما اجتز السيف الإسلامي رؤوس سادتهم.

أن ابرز المفاصل في الصحيفة فهي : " و إنكم مهما اختلفتم في شئ ، فإن مرده إلى الله عز و جل ، و إلى محمد (ص) " ، هي خطاب من سيد لمسود " إنكم " ، و ليست (نحن الموقعون) ، و الأمر الأشد دلالة قانون بالصحيفة يقول : " و إن بطانة اليهود كأنفسهم ، و إنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد. . ، و إن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ، و أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده ، فإن مرده إلى الله و إلى محمد رسول الله / ابن كثير / البداية / ج 3 / ص 223 ، 224 ".

و بين الأفخاذ القبلية التي تم تعدادها كأطراف للمعاقل ، تم وضع المهاجرين كأبناء البلد ، و كفخذ من الأفخاذ البشرية الأصيلة فيها ، بل أن الصحيفة أكسبت المهاجرين ليس الوجود الشرعي فقط و لا المواطنة عوضاً عن اللجؤ فقط ، بل غدا الأنصار أنفسهم إزاء المهاجرين تابعين لا مجيرين و متبوعين.

الأهم من كل هذا أنه لابد من افتراض حدوث وقعتين ضد بني النضير لا وقعة واحدة هي المشهورة ، وقعة أولى حاصرهم فيها المسلمون و فرضوا عليهم صحيفة المعاقل ، تلاها بعد ذلك الوقعة المشهورة في تاريخنا و التي تم بموجبها إجلائهم عن يثرب و الاستيلاء على ممتلكاتهم.

و تتالى الأحداث ، فيقتل المسلمون بعض الأعراب الوثنيين من بني عامر عرضاًو خطأ حيث كان بينهم و بين النبي عهد خضوع مقابل السلام ، فقاموا يطلبون من النبي دية القتلي إلتزاماً بالسلام و عدم إعلان الحرب.

هنا يحكي لنا الطبري أن النبي ذهب إلى بني النضير يطلب منهم مساعدته في أداء دية القتيلين العامريين؟ ، يقول الطبري: "فانطلق رسول الله (ص) إلى قباء ، ثم مال إلى بني النضير مستعيناً بهما في ديتهما ، و معه نفر من المهاجرين و الأنصار و فيهم أبو بكر و عمر و علي و أسيد بن حضير ، فلما أتاهم الرسول يستعينهم في دية ذلك القتيلين ، قالوا : نعم يا أبا لقاسم نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه / الطبرى / التاريخ / ج 2 / ص 551".

و هكذا لم تسوف النضير و لم تماطل ، و يبدو أنها قدرت الأمر بعمق ، فمازال خروج قينقاع المهين ماثلاً ، و هناك صحيفة معاقل تضمن لهم قدراً من سلام لا يرغبون غيره ، مع مسلسل اغتيال رجالها المقدمين ، ناهيك عن معرفتها أن المسلمين قد غدوا مقتدرين مالياً على أداء مثل تلك الديات بعد الإستيلاء على ممتلكات قينقاع و أموال فك أسرى بدر من المكيين ، و من ثم كانت الحكمة تقتضي تلك الإجابة العاقلة بحيث لا يعطون أى فرصة لنقض صحيفة المعاقل التى لم يمض على عقدها سوى ستة أشهر.

و يتابع الطبرى يقول : "أن يهود النضير عندما أجابوا النبي (ص) إلى ما طلب. . قام النبي و قال لأصحابه : لا تبرحوا حتى آتيكم ، و خرج راجعاً إلى المدينة ، فلما استلبث رسول الله (ص) اصحابه ، قاموا في طلبه ، فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة ، فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلاً المدينة ، فأقبل أصحاب رسول الله (ص) حتى انتهوا إليه. . فقالوا: يا رسول الله انتظرناك و مضيت ، فقال : يهود همت بقتلي و أخبرنيه الله عز و جل / الطبري / التاريخ / ج 2 / ص 551 ، 552".

و يشرح ابن إسحاق في سيرته : "فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام و خرج عائداً إلى المدينة".

و لم يكن هناك سوى رد واحد على خبر السماء ، فقد هموا بارتكاب الخيانة ، و أن الله قد علم ذلك ، فأرسل النبي لهم : أخرجوا من بلدي؟ ! فلا تساكنونى بها و قد هممتم بما هممتم به من الغدر ، و قد أجلتكم عشراً ، فمن رُئي بعد ذلك ضربت عنقه / ابن سعد / الطبقات / مج 2 / ج 1 / ص 41 ".

كانت اليهود تعتقد أن يثرب مدينتها منذ قرون مضت ، فإذ بها قد أصبحت مدينة رسول الله ، و زاد النكاية في اختيار حامل هذه الرسالة للنضير ، كان حليف النضير الأوسي (محمد بن مسلمة) ، حتى تساءلت النضير عن حلفها مع الأوس و عقدها المتين قبل دخول الأوس في الإسلام ، قائلة لمحمد بن مسلمة : " يا محمد ما كنا نرى أن يأتى بهذا رجل من الأوس ، فقال محمد : تغيرت القلوب / البيهقي / الدلائل / ج 3 / ص 360 " ، أو بقوله في الطبري : " تغيرت القلوب ، و محا الإسلام العهود / التاريخ ، ج 2 / ص 552 " ، فكان ردهم محمولاً إلى النبي مع محمد ابن مسلمة : "إنا لا نخرج من ديارنا فأصنع ما بدالك ". و يقول ابن كثير " و حمى حييي ابن أخطب (زعيم النضير) ، و بعثوا إلى رسول الله (ص) أنهم لا يخرجون ، و نابذوه بنقض العهود / ج 4 / ص 77 ". هذا بينما فهمت القبيلة اليهودية اليثربية الثالثة و الأخيرة قريظة ما يحدث ، فالتزمت بنود صحيفة المعاقل ، و هو ما يقول بن سعد في تقرير واضح : " و اعتزلتهم قريظة فلم تعنهم / نفس الموضع " ، و أعلن زعيم قريظة (كعب بن أسد) : " لا ينقض العهد رجل من بني قريظة و أنا حي ". و يحكى أن رأساً من رؤوس النضير هو سلام بن شكم قال لرفيقه حييي بن أخطب : " يا حييي إقبل هذا الذي قال محمد قبل أن تقبل ما هو شر منه ، قال : و ما هو شر منه؟ قال : أخذ الأموال و سبي الذرية و قتل المقاتلة ، فأبي حييي و أرسل إلى رسول الله (ص) : إننا لا نريم دارنا فأصنع ما بدا لك ، فكبر رسول الله (ص) و كبر المسلمون معه و قال : حاربت يهود " ، أى أعلنت اليهود نقض الصحيفة بإعلانها الحرب على المسلمين.

و انتهى حصار النضير بأن " صالحوه على أن يحقن دماءهم و له الأموال و الحلقة / أى السلاح / الطبرى / ج 2 / ص 553 ". و وافق النبي (ص) ، و أمر بتهجيرهم و أعطى لكل ثلاثة منهم بعيراً واحداً يركبونه حتى لا يمكنهم حمل المتاع. لتختم الآيات الأحداث بقولها : " سبح لله ما في السماوات و ما في الأرض و هو العزيز الحكيم ، هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم. . و قذف في قلوبهم الرعب. . و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله ، و من يشاق الله فإن الله شديد العقاب / 1 : 4 الحشر ".

لاشك سيطرح السؤال نفسه هنا حول قيمة الوفاء بالعهد؟ و من الذي نقض العهد حقاً؟ ومن أطاح بهذه القيمة؟.

لاشك نحن كمسلمين نؤمن و نصدق خبر السماء الذي أنبأ نبينا بما كاد اليهود يهمون به لقتله ، و نحن لم نسمع خبر السماء ، لكننا عن يقين كامل نصدقه لأن ناقله هو خير البرية الصادق الأمين ، لكن غير المسلم سيقرأ الأحداث قراءة أخرى خاصة أن قيمة الوفاء بالعهد قيمة إنسانية لا تخص المسلمين وحدهم ، فهم لن يصدقوا خبر السماء مثلنا بعد أن ختم الله على قلوبهم أكنة و لم يفتح بصيرتهم ، سيقرأون الوقائع كما سردتها أمهات كتبنا الإسلامية المعتمدة ، وسيعلنون مع الصحابي محمد بن مسلمة : أن الإسلام يجب العهود ، بمعنى أن الإسلام يجب غيره ، و التسليم له و الاعتقاد في سلامته وحده ، يترتب عليه نقض كل ما يخالفه ، و كم حفل تاريخنا ببطولات لم تقف عند حد نقض العهود بل تمزيق عهد الأسرة تمزيقاً ، يقتل فيها المسلم أخيه ، بل و أبيه ، و كم يتغني بمن كان مثل أبا عبيدة بن الجراح الذي دفعه إخلاصه لدينه إلى ذبح رحمه و عصبه ، قتل أبيه ، و قال له و هو يذبحه : خذها في سبيل الله / أحمد شلبي / السيرة العطرة / ط 12 / ج 1 / ص 375 : 377" ، و هو ما أفصح عنه رد المسلمين على نداء النبي بعدم قتل عمه العباس إذا لقوه في بدر الكبرى ، قال أبو حذيفة بن عتبه : " أنقتل آباءنا و إخواننا و عشيرتنا و نترك العباس؟ و الله لئن لقيته لألحمنه السيف / ابن سيد الناس / عيون الأثر / ج 1 / ص 310 ".

ليس هناك عقد في التاريخ كله أعلى درجة في القيمة من كل العهود كعهد الأسرة الذي أسس لقيام المجتمع الإنساني ، لكن الإسلام جب حتى هذا العهد فقتل الإبن أبيه في سبيل الله ، و قتل إخوانه و عشيرته في سبيل الله. كل هذه المعاني تكتسب قيمتها من قدسية الدين لا من مشهد الوقائع على الأرض ، فمشهد الوقائع ينفي عن كل تلك الأحداث أى معنى للقيم بمعناها الإيجابي الذي نفهمه منها اليوم بعد مرور أربعة عشر قرناً تغيرت فيها المفاهيم و اكتسبت القيم دلالات جديدة ، لكنا كمسلمين نصدق و نسلم بضمير مستريح كامل اليقين، و نرى أن لله حكمته في ذلك و التى تخفى علينا ، لكن مثل هذا المأثور سيثير في الضمير المسلم الكثير من المشاكل لو تصورناها صالحة لكل زمان و مكان ، لأن كسر القيم الموضوعية لصالح الربانية ، كان له هدفاً يتعلق بعرب الحجاز و تاريخهم وحدهم ، عندما كان الإسلام يقيم لهم دولة كونفودرالية في حالة خاصة جداً بهم و بزمنهم و بيئتهم و نظمهم ، و لا يتعلق بنا و لا بأوطاننا و لا بتاريخنا الوطنى لا في مصر و لا أفريقيا و لا الشام و لا فارس.

لذلك فإن القول بالصلاحية لكل زمان و مكان لابد أن يفضى إلى تناقض صارخ بين ما وصل إليه الإنسان اليوم من قيم ، و بين قيم كانت تناسب بيئتها البدوية القاسية و عاداتها الجافية ، و ظروفها السياسية التي استدعت بتصريح النبي للمسلمين بـ "المكر و الخديعة" ، و إلا ما قامت دولة القبائل الاتحادية الإسلامية لعرب الجزيرة و لا توحدت قبائلها تحت رئاسة قريش.

كانت قيماً ضرورية لزمانها ، لكنها في زماننا ستكون خللاً فادحاً في القيم ، و من يستدعها مؤمناً بقدرتها على الفعل الأخلاقي اليوم ، يخرج نفسه عن الإنسانية جميعاً و ما تواضعت عليه من قيم هي الأرقى موضوعياً. و ما قطع رؤوس الأبرياء أمام الكاميرات مع التكبيرات الإسلامية بيد مشايخ الجهاد الزرقاويين ببعيد ، هو عودة قاصرة إلى ظاهر الدين لا محتواة ، و دون معرفة صادقة بظروف الوحي التاريخية ، بل و رفض لهذه التاريخية أصلاً ، و هو ما شكل صورة المسلم القبيحة أمام العالمين ، و هو بالتأكيد ما لا نريد لأنفسنا و لا لديننا ، و لا يبقى سوى أن نؤمن ثم للصلح مع زماننا نسلم أن مثل تلك القيم إنما كانت تخص زمانها و مكانها وحدهما ، و سحبها لزماننا لم يؤد إلا لما نراه من خراب الضمائر ، و دمار الديار ، و فساد و إفساد هائل لم تعرفه بلادنا أبداً قبل صحوتنا. . لا بارك الله فيها

الحوار المتمدن - العدد: 2260 - 2008 / 4 / 23

Posted by المجموعة الليبرالية at 00:53:05 | Permanent Link | Comments (6) |
Comments
1 - قالوا عن ..
محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)






غوستاف لوبون

[ 1 ]

"جمع محمد [صلى الله عليه وسلم] قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى.. ومما لا ريب فيه أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية ولذلك كان فضله على العرب عظيمًا.."(1).

[ 2 ]

"إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد [صلى الله عليه وسلم] من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا [صلى الله عليه وسلم] مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله.."(2).

[ 3 ]

"استطاع محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يبدع مثلاً عاليًا قويًا للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد [صلى الله عليه وسلم] على الخصوص.. ولم يتردد أتباعه في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى.."(3).

[ 4 ]

".. لا شيء أصوب من جمع محمد [صلى الله عليه وسلم] لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية في يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزأة ما استطعنا أن نقدر قيمة ذلك بنتائجه، فقد فتح العرب العالم في قرن واحد بعد أن كانوا قبائل من أشباه البرابرة المتحاربين قبل ظهور محمد [صلى الله عليه وسلم]"(4).

---------------------------
(1) دين الإسلام ، ص 16 .
(2) حضارة العرب ، ص 115 .
(3) نفسه ، ص 116 .
(4) نفسه ، ص 393 – 394 .



--------------------------------------------------------------------------------

لوقا (1)

[ 1 ]

".. ما كان [محمد [صلى الله عليه وسلم]] كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل [عليهم السلام]، وهمة البطل، فكان حقًا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّي فيه الرجل"(2).

[ 2 ]

"لا تأليه ولا شبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية.. وقد درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضًا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر" {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف 110]، وفي تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} [الشورى 48]، وظاهر في هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسه [صلى الله عليه وسلم] إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التي كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها"(3).

[ 3 ]

".. رجل فرد هو لسان السماء. فوقه الله لا سواه. ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين. ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر. بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو في سريرته، قبل أن يحاربه في سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسول [صلى الله عليه وسلم] بما أنعم من الهداية على الناس وما تم له من العزة والأيادي، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد، لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة. يطريه أصحابه بالحق الذي يعلمون عنه، فيقول لهم: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله. ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيمًا له، فينهاهم عن ذلك قائلاً: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا"(4).

[ 4 ]

"ماذا بقي من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلاً قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعًا أو شبه متوقع لذلك الداعي إلى الله في عاصمة الأوثان والأزلام.. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشيرته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها. وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس في الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه. وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض أي قالة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذ المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة في الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى.. وما ضلّ وما غوى.. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين.."(5).

[ 5 ]

"أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من (أبي القاسم) [صلى الله عليه وسلم] الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟"(6).

[ 6 ]

"كان [محمد [صلى الله عليه وسلم]] يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهي قوة له تحسب في مزاياه، وليست ضعفًا يعد في نقائصه. لم يكن [صلى الله عليه وسلم] معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به، لأنه يسخرها في كيانه في المستوى الذي يكرم به الإنسان حين يطلب ما هو جميل وجليل في الصورة الجميلة الجليلة التي لا تهدر من قدره بل تضاعف من تساميه وعفته وطهره. وبيان ذلك في أمر بنائه بزوجاته التسع [رضي الله عنهن].."(7).

---------------------------
(1) د. نظمي لوقا Dr. N. Luka
مسيحي من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية وإخلاصه العميق للحق. ورغم إلحاح أبويه على تنشئته على المسيحية منذ كان صبيًا، فإنه كثيرًا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة الرسول عليه السلام. بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددًا من الكتب أبرزها (محمد الرسالة والرسول)، و(محمد في حياته الخاصة).
(2) محمد الرسالة والرسول ، ص 28 .
(3) محمد الرسالة والرسول ، ص 85 – 86 .
(4) نفسه ، ص 179 – 180 .
(5) نفسه ، ص 183 – 186 .
(6) محمد في حياته الخاصة ، ص 12 .
(7) نفسه ، ص 39 – 40 ، ويمكن للقارئ أن يرجع للكتاب نفسه (محمد في حياته الخاصة)، فهو بمجمله يمكن أن يعدّ شهادة قيّمة على حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] العائلية الخاصة.

8:14 ص

 (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/05/07 - 18:01:15
2 - رغم انف المتهودين والمتصلبنين
في ذكرى فتح خيبر: … المحرم 7هـ)










أصبحت المدينة منذ أن حل بها النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد هجرته المباركة منزل الوحي، ومعقل الإسلام، وعاصمة الدولة الوليدة، واتخذ النبي من المسجد الذي بناه مقرًا لإدارة شئون المسلمين، فلم تقتصر وظيفته على أداء الصلوات، وإنما امتدت ليصبح مدرسة تخرج فيها الرعيل الأول من قادة المسلمين وحملة ألويته ودعاته المخلصين، ومكانًا تُعقد فيه الجلسات، وتُستقبل فيه الوفود والسفراء.



علاقة المسلمين بجيرانهم



وكان من الإجراءات التي اتخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) لسلامة بناء مجتمع النبوة الناشئ، أن كتب وثيقة خالدة تحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، فقررت الصحيفة حرية الدين لليهود ولقبائلهم وبطونهم التي سبق أن تحالفت معها بطون الأوس والخزرج، شريطة مراعاة حقوق المواطنة، والابتعاد عما يخل بالنظام، حيث جاء في الوثيقة: "وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم…".



غدر اليهود ونقضهم للعهود



غير أن اليهود لم يلتزموا بما تعاهدوا عليه، ولم يحترموا نصوص الوثيقة التي تنظم الحياة في المدينة، وإنما غدروا وخانوا، ونقضوا العهود، وهموا بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) لولا أن عصمه الله منهم، وسعوا بالوقيعة بين الأوس والخزرج، وكادت تحدث فتنة بينهما لولا أن تداركتها حكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) البالغة، ونقضوا عهدهم مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة الخندق، وكاد الأمر يتحول إلى كارثة تحل بالمسلمين بعد أن أصبحوا محاصرين من الأحزاب ويهود بني قريظة.



لكل هذا لم يجد النبي (صلى الله عليه وسلم) بدًا من إخراجهم من المدينة أو إنزال أقسى العقوبة بهم؛ حماية للدولة، وحفاظًا على أمن المسلمين وسلامتهم، وتوحيدًا للصف، فأجلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يهود بني قينقاع من المدينة في العام الثاني من الهجرة، ثم تبعهم يهود بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة، ثم قضى على يهود بني قريظة في العام الخامس من الهجرة لخيانتهم له (صلى الله عليه وسلم)، وتعريضهم المدينة للدمار وأهلها للفتك والقتل لو نجح المشركون في اقتحام المدينة في غزوة الأحزاب.



ولم يبق لليهود سوى خيبر، وهي قرية كبيرة تقع شمال شرقي المدينة بنحو 180كم، يسكنها بعض اليهود الذين لم تبد منهم بادرة سوء للمسلمين، أو يؤخذ عليهم أنهم حاربوا الله ورسوله، ولم يُسمع أنهم اشتركوا في مؤامرة من المؤامرات التي كانوا لا يتوانون في إعدادها للنبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولهذا احترم النبي (صلى الله عليه وسلم) موقفهم وحيادهم، غير أنهم تبدلوا وجعلوا من بلدهم مركزًا لتجمع اليهود، فنزل عندهم يهود بني قينقاع وبني النضير، وصاروا يهددون المسلمين بمؤامراتهم، وأصبحوا خطرًا على أمن الدولة الإسلامية، ولا سيما أن خيبر تقع على الطريق المؤدي إلى الشام، فلزم تطهير ذلك الطريق من خطر هؤلاء، والقيام بتصفية بقايا الوجود اليهودي في شبه الجزيرة العربية؛ لتسلم قاعدة الإسلام الأساسية ومنطلقه من عدو ماكر.



الخروج إلى خيبر



لم يكد النبي (صلى الله عليه وسلم) يعود من الحديبية ويستريح بالمدينة شهرًا أو نحوه، حتى خرج إلى خيبر، في المحرم من العام السابع للهجرة، في ألف وستمائة مقاتل، وكان يهود خيبر من أشد الطوائف اليهودية بأسًا وأكثرهم مالاً، وأمنعهم حصونًا، وأكثرهم سلاحًا، حتى إن قريش وعرب الجزيرة وقفوا ينتظرون ما يسفر عنه التقاء القوتين. وفي الوقت نفسه استعد المسلمون استعدادًا حسنًا، فاشترط النبي (صلى الله عليه وسلم) ألا يخرج معه إلا من شهد الحديبية، وهم صفوة المسلمين، وخلاصة فرسانهم وأبطالهم الشجعان، يغمرهم إيمان عامر، وحب للشهادة في سبيل الله، وثقة في نصر الله لهم.



وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق تضم قلاعهم وحصونهم، وتمتلئ بنحو عشرة آلاف مقاتل، والمناطق الثلاث هي:



- منطقة النطاة، وبها حصن ناعم، وعليه "مرحب"، وهو واحد من أبرز زعماء خيبر وفرسانها، بالإضافة إلى حصنين آخرين، هما: حصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير.



- منطقة الشق، وبها حصنان.



- منطقة الكتيبة، وبها حصن "القموص" لبني الحقيق من يهود بني النضير، وحصنان آخران.



خطة الفتح



أعاد النبي (صلى الله عليه وسلم) توزيع جيشه، فقسمه أربع فرق: واحدة بقيادة أبي بكر الصديق، والثانية بقيادة عمر بن الخطاب، والثالثة بقيادة سعد بن عبادة، والرابعة بقيادة الحُبَاب بن المنذر، وأمّر على الجيش علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعًا.



وكان حصن "ناعم" أول حصن يتعرض له المسلمون بالهجوم، وكان محصّنًا تحصينًا منيعًا، ودار أمامه قتال عنيف دون أن يتمكن المسلمون من اقتحامه؛ نظرًا لاستماتة المدافعين عنه، واستمر القتال طوال اليوم دون تحقيق نصر، وجُرح من المسلمين خمسون، واستشهد واحد منهم، وفي اليوم التالي خرج "مرحب" قائد الحصن مختالاً بقوته وسلاحه، ودعا المسلمين إلى المبارزة، فبرز إليه "محمد بن مسلمة" ونجح في قتله، وقيل قتله علي بن أبي طالب، وتمكن أبطال المسلمين من قتل إخوة "مرحب" وكانوا أبطالاً صناديد، وكان لقتلهم أثر في إضعاف معنويات المدافعين عن الحصن، وبعد قتال دام خمسة عشر يومًا تمكن المسلمون بقيادة علي بن أبي طالب من فتح الحصن، والاستيلاء عليه، وفر من بقي من اليهود إلى حصن "صعب"، وكان حصنًا منيعًا هو الآخر، وأوكل النبي (صلى الله عليه وسلم) مهمة فتح هذا الحصن إلى "الحباب بن المنذر" الذي نجح في اقتحامه بعدما أبلى المسلمون بلاءً حسنًا، واستولى على ما في الحصن من أسلحة وعتاد، وكانت كثيرة جدًا، حيث كان يُعد هذا الحصن مخزنًا لأسلحة يهود خيبر، ومعداتهم الحربية من سيوف ودروع ومجانيق.



وبسقوط هذين الحصنين علت كِفّة المسلمين في الحرب، وأيقن اليهود أنهم لا قبل لهم بالمواجهة العسكرية، فطلبوا الصلح، فأجابهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عليه، وعقد معهم معاهدة كان من بنودها أن يجلوا عن خيبر إلى الشام، ويسلّموا قلاعهم وحصونهم إلى المسلمين بما فيها من أسلحة وعتاد، لكنهم طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يظلوا يعملون في أرض خيبر مقابل نصف ما تنتجه، وأن يكونوا في حمى المسلمين وتحت حكمهم، فقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) منهم ذلك.



وعلى الرغم من تحقيق هذا النصر العظيم، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) عامل اليهود معاملة حسنة، ولم يقابل إساءاتهم بإساءة، فرد عليهم صحفًا من توراتهم حين طلبوها منه، وكانت قد وقعت فيما وقع من غنائم للمسلمين، ولم يصنع النبي مثلما صنع الرومان حين فتحوا أورشليم؛ حيث أحرقوا الكتب المقدسة.



نتائج هذا الفتح



كان من نتائج هذا الفتح أن صالح يهود "فدك" النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن يحقن دماءهم، وكذلك فعل يهود "تيماء" و"وادي القرى"، فصالحوه على دفع الجزية، وبقوا في بلادهم آمنين.. وبهذا النصر المبين دان اليهود كلهم للإسلام، وانتهى ما كان لهم من نفوذ وجاه، ولم تقم لهم قائمة بعدُ، وبهذا أصبحت الدولة الإسلامية بمأمن من ناحية الشمال إلى بلاد الشام.








 (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/05/07 - 18:10:52
3 - أخلاق المسلم
الوفاء
لم يحضر أنس بن النضر غزوة بدر، فحزن لذلك، ثم قال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين فيه، ولئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم قتال المشركين ليرينَّ ما أصنع. وهكذا أخذ أنس بن النضر عهدًا على نفسه بأن يجاهد ويقاتل المشركين، ويستدرك ما فاته من الثواب في بدر، فلما جاءت غزوة أحد انكشف المسلمون، وحدث بين صفوفهم اضطراب، فقال أنس لسعد بن معاذ: يا سعد بن معاذ، الجنَّةَ ورَبَّ النَّضْر، إني لأجد ريحها من دون أحد، ثم اندفع أنس يقاتل قتالا شديدًا حتى استشهد في سبيل الله، ووجد الصحابة به بضعًا وثمانين موضعًا ما بين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم، ولم يعرف أحد أنه أنس بن النضر إلا أخته بعلامة في إصبعه.
[متفق عليه].
فكان الصحابة يرون أن الله قد أنزل فيه وفي إخوانه قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23].
***
كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- زوجة رحيمة تعطف على النبي صلى الله عليه وسلم، وتغمره بالحنان، وتقدم له العون، وقد تحملت معه الآلام والمحن في سبيل نشر دعوة الإسلام، ولما توفيت السيدة خديجة -رضي الله عنها- ظل النبي صلى الله عليه وسلم وفيَّا لها، ذاكرًا لعهدها، فكان يفرح إذا رأى أحدًا من أهلها، ويكرم صديقاتها.
وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تغار منها وهي في قبرها، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: هل كانت إلا عجوزًا قد أبدلكَ الله خيرًا منها؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وقال لها: (والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ آمنتْ بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء) [أحمد]. وهكذا ظل النبي صلى الله عليه وسلم وفيَّا لزوجته خديجة -رضي الله عنها-.
***
ضرب صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأنصار (وهم أهل المدينة) أروع الأمثلة في الوفاء بالعهد، فقد بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الدفاع عن الإسلام، ثم أوفوا بعهدهم، فاستضافوا إخوانهم المهاجرين واقتسموا معهم ما عندهم، حتى تم النصر لدين الله.
فعن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال النبي: (ألا تبايعون رسول الله؟). فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا) وأسرَّ كلمة خفية، قال: (ولا تسألوا الناس شيئًا). قال عوف بن مالك: فقد رأيتُ بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم (ما يقود به الدابة)، فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه. [مسلم].
***
كان عرقوب رجلا يعيش في يثرب (المدينة المنورة) منذ زمن بعيد، وكان عنده نخل ينتج تمرًا كثيرًا. وذات يوم جاءه رجل فقير مسكين يسأله أن يعطيه بعض التمر، فقال عرقوب للرجل الفقير: لا يوجد عندي تمر الآن، اذهب ثم عد عندما يظهر طلع النخل (أول الثمار). فذهب الفقير، وحينما ظهر الطلع جاء إلى عرقوب، فقال له عرقوب: اذهب ثم عد عندما يصير الطلع بلحًا.
فذهب الرجل مرة ثانية، ولما صار الطلع بلحًا جاء إلى عرقوب، فقال له: اذهب ثم ارجع عندما يصير البلح رطبًا، وعندما صار البلح رطبًا حضر الرجل إلى عرقوب، فقال له عرقوب: اذهب ثم ارجع عندما يصير الرطب تمرًا، فذهب الرجل. ولما صار الرطب تمرًا صعد عرقوب إلى النخل ليلا، وأخذ منه التمر، وأخفاه حتى لا يعطي أحدًا شيئًا منه، فلما جاء الفقير لم يجد تمرًا في النخل، فحزن لأن عرقوب لم يفِ بوعده. وصار عرقوب مثلا في إخلاف الوعد، حتى ذم الناس مُخْلِف الوعد بقولهم: مواعيد عرقوب.
***
ما هو الوفاء؟
الوفاء أن يلتزم الإنسان بما عليه من عهود ووعود وواجبات، وقد أمر
الله -تعالى- بالوفاء بالعهد، فقال جل شأنه: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً} [الإسراء: 34]. وقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم }.
[النحل: 91].
أنواع الوفاء:
الوفاء له أنواع كثيرة، منها:
الوفاء مع الله: بين الإنسان وبين الله -سبحانه- عهد عظيم مقدس هو أن يعبده وحده لا يشرك به شيئًا، وأن يبتعد عن عبادة الشيطان واتباع سبيله، يقول الله عز وجل: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يـس: 60-61].
فالإنسان يدرك بفطرته السليمة وعقله أن لهذا الكون إلهًا واحدًا مستحقًّا للعبادة هو الله -سبحانه-، وهذا هو العهد الذي بيننا وبين الله.
الوفاء بالعقود والعهود: الإسلام يوصي باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم) [البخاري]، وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع الكافرين، ووفَّى لهم بما تضمنه هذا العقد، دون أن يغدر بهم أو يخون، بل كانوا هم أهل الغدر والخيانة. والمسلم يفي بعهده ما دام هذا العهد فيه طاعة لله رب العالمين، أما إذا كان فيه معصية وضرر بالآخرين، فيجب عليه ألا يؤديه.
الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن، فلا ينقصه، لأن الله -تعالى- قال: {أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [هود: 85].
الوفاء بالنذر: والمسلم يفي بنذره ويؤدي ما عاهد الله على أدائه. والنذر: هو أن يلتزم الإنسان بفعل طاعة لله -سبحانه-. ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا}.
[الإنسان: 7]. ويشترط أن يكون النذر في خير، أما إن كان غير ذلك فلا وفاء فيه.
الوفاء بالوعد: المسلم يفي بوعده ولا يخلفه، فإذا ما وعد أحدًا، وفي بوعده ولم يخلف؛ لأنه يعلم أن إخلاف الوعد من صفات المنافقين. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) [متفق عليه].
الغدر والخيانة:
الغدر خلق ذميم، والخيانة هي عدم الوفاء بالعهود، وهي الغش في الكيل والميزان.. وما شابه ذلك. يقول الله -تعالى-: {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58]. وقال تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} [البقرة: 27].

 (Comment this)

Written by: Anonymous at 2008/05/07 - 18:18:13
4 - سورة المائدة

هدف السورة: الوفاء بالعهود

سورة المائدة هي أول سورة ابتدأت بـ (يا أيها الذين آمنوا) وتكرر فيها هذا النداء 16 مرة من أصل 88 مرة وردت في القرآن كله. وهي آخر ما نزل على رسول الله في المدينة بعد حجة الوداع. وقد اشتملت على العديد من الأحكام : أحكام العقود ، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، أحكام الطهارة، حد السرقة، حد البغي والإفساد في الأرض، أحكام الميسر والخمر، كفارة اليمين، قتل الصيد في الإحرام، الوصية عند الموت، البحيرة والسائبة، الحكم على من ترك العمل بشريعة الله وغيرها. وقد ورد عن النبي أنه قال:" علّموا رجالكم سورة المائدة" لما فيها من أحكام ووفاء بالعهود والمواثيق.

والخطاب من الله تعالى للمؤمنين بـ (يا أيها الذين آمنوا) بمعنى يا من آمنتم بي ورضيتم أن تدخلوا في ديني عليكم أن تنفذوا أوامري لتفلحوا وتكونوا من المؤمنين حقاً.

وسميت السورة بـ (المائدة) لورود قصة المائدة في نهاية السورة في قصة سيدنا عيسى عليه السلام والحواريين. لكن التسمية لا تتعلق فقط بذكر المائدة في السورة ولكن العبرة من القصة هي الهدف وتسميتها تتناسب مع هدف السورة، لأن الله تعالى حذر الحواريين أنه سينزل عليهم المائدة ولكن من كفر بعدها ولم يؤمن سيعذبه الله عذاباً شديداً وهذا توجيه وتحذير للمسلمين بأن عليهم الوفاء بالعهود والمواثيق وإلا سيكون العذاب جزاؤهم كما في قصة المائدة.

والسورة شددت في معظم آياتها على العهود والمواثيق باختلافها وكل نداء (يا أيها الذين آمنوا) ينص على عهد مختلف، والآيات تذكر باستمرار بأهمية الوفاء بالعهود والالتزام بها.

النداء الأول: العقد الأول في الطيبات من الأكل وهي أول ضروريات الحياة، وما أحله الله تعالى لنا. ومن رحمة الله أنه ابتدأ الأحكام بما أحلّ وليس بما حرّم. (َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ) (آية 1)

النداء الثاني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) آية 2 . هذه الآية فيها الحث على مبادئ اسلامية عظيمة وانتقل من طيبات الطعام إلى مبادئ الانسانية والعدل ووحدة المجتمع.

آية تحريم بعض الطعام وآية إكمال الدين: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.) آية 3 وفيها حرّم ربنا تعالى بعض أنواع الطعام وجاءت فيها (اليوم أكملت لكم دينكم) لأن الدين قد اكتمل وتم وعلينا أن نعاهد الله تعالى على كمال هذا الدين والعمل به.

تشريع نكاح الكتابيات، بعد ذكر الطيبات من الطعام ذكر الله تعالى لنا الطيبات من الزوجات. وأحلّ الله تعالى للمسلمين الزواج من الكتابيات ما دمن محصنات عفيفات. (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آية 5

النداء الثالث: أحكام الوضوء. بعد ذكر الطيبات من الطعام والزوجات لا بد من ذكر طيبات الروح وطهارتها لذا جاءت آية الوضوء هنا في السورة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) آية 6

تذكير بضرورة الوفاء بالعهود: بعد كل بضع آيات عن العهود تأتي آية تذكر بأهمية الوفاء بالعهود كما في الآية (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آية 7

النداء الرابع: العدل. فمن ضمن ما نعاهد الله تعالى عليه، العدل حتى لو ظلم المسلم ويذكرنا تعالى بأنه وفّى بعهده مع عباده فكيف لا يوفّي العباد بعهودهم مع ربهم ومع الناس. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) آية 8

النداء الخامس: التذكير بنعمة الله على عباده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) آية 11

قصة بني اسرائيل: جاء ذكرها هنا لأن بني اسرائيل قد نقضوا الكثير من العهود وهم نموذج لمن ينقض بالعهود والمواثيق.( وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ* فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آية 12 – 13

قصة سيدنا موسى عليه السلام ودخول القدس: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * ..* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) الآيات من 20 – 26. وفي ورودها تأكيد آخر على نموذج نقض العهود من بني اسرائيل والفرق بين رد الله تعالى عليهم (فإنها محرمة عليهم) وبين خطابه سبحانه للمؤمنين (أحل لكم الطيبات)

قصة ابني آدم: ورودها في هذه السورة بعد قصة بني اسرائيل لأن بني اسرائيل نقضوا العهود من جبنهم وقابيل قتل أخاه هابيل بتسرعه ونقضه للعهد. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) آية 27 – 31.

النداء السادس: تأكيد وسيلة تعين على الوفاء بالعهود وهي تقوى الله والجهاد في سبيله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 35

النداء السابع والثامن: الآيات 51 – 66 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* ..* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وفيها دعوة الى عدم اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وهذا لا يعني عدم التسامح. يجب أن تكون للمسلمين هوية خاصة بعيداً عن التقليد الأعمى. وهذه الآيات سبقها ربع كامل من الآية 41 (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) إلى الآية 50 (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) بتوجيهات

النداء التاسع: عقاب الذين ينقضون العهود أن يستبدلهم الله تعالى بغيرهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) آية 54

النداء العاشر: النهي عن اتخاذ الكفار والمستهزئين بالدين أولياء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آية 57

النداء الحادي عشر: النهي عن تحريم ما أحلّ الله تعالى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) آية87

النداء الثاني عشر:النهي عن الخمر والميسر وهي من ضمن الوفاء بالعهود وعلى المسلم أن يعاهد الله تعالى على ترك هذه الموبقات وان يحفظ عهده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 90

النداء الثالث عشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) آية 94

النداء الرابع عشر: من رحمة الله تعالى بنا أن جعل لنا بعد التشدد في العهود والوفاء بها ضوابط بأن لا نضيّق على أنفسنا بالسؤال عما لا يعنينا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) آية 101

النداء الخامس عشر: وفي هذه الآية يضع الله تعالى لنا ضابطاً آخر بأنه علينا بأنفسنا ولا يضرنا لو ضل كل من حولنا علينا أن نحفظ عهدنا مهما كان من حولنا ضالاً. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) آية 105

النداء السادس عشر: حكم الوصية والشهادة (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ ) آية 106

أهداف الشريعة الإسلامية: ذكر الفقهاء أن مقاصد الشريعة هي خمسة: حفظ الدين والعقل والمال والنفس والعرض، وهذه المقاصد الخمسة هي لمصلحة المؤمن فعليه أن يفي بعهوده وهذه المقاصد موجودة في سورة المائدة:

· حفظ الدين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) آية 54

· حفظ النفس (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) آية 32

· حفظ العرض (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آية 5

· حفظ المال (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) آية 38

· حفظ العقل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آية 90

ختام السورة: مراجعة العقود يوم القيامة: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) آية 109

وقد اشتملت السورة من أولها إلى خاتمتها بالعقود وأهمية الوفاء بها: بداية السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) آية 1 ووسطها (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ ا