حد الردة و التجديد في الفقه الإسلامي
حد الردة و التجديد في الفقه الإسلامي
ردا على توصية لجنة الفلسفة بمجمع البحوث الإسلامية
· الاستتابة قبل تطبيق “حد الردة” لون من الإرهاب على اللسان لأن الله لا يطلب إيمان العبد والسيف على رقبته.
· مد زمن الاستتابة من ثلاثة أيام إلى مدى الحياة تأكيداً لتهمة الردة لن يخدع المهتمين بحقوق الإنسان.
· القرآن الكريم أكد على حرية العقيدة أكثر من مرة فهل نصدق القرآن أم نصدق تجديد اللجنة؟!
في العدد (3871) من مجلة “روزاليوسف” تم نشر تحقيق حول المسلم المر
تد المفارق للجماعة ، والتجديد المقصود هو ما وصل إليه بعض مشاهير الأزهر الأفاضل ، في اجتماع طارئ لهم حول هذا الشأن بريادة الدكتور “عبد المعطي بيومي” ، وتشكل أعضاؤها في لجنة باسم لجنة العقيدة والفلسفة التابعة لمجمع البحوث الإسلامية الأزهري ، وانتهت إلى إصدار توصية تحت عنوان “حد الردة في ضوء العقيدة الإسلامية” ووصفتها الأستاذة “إقبال السباعي” صاحبة التحقيق بأنها “التوصية القنبلة“.
الجديد في التوصية حول حكم المرتد أنه “إذا ارتد وفارق الجماعة ، فإن أمره متروك لولي الأمر.. فإن كانت ردته لا تمثل خطراً على المجتمع.. له أن يستتيبه مدى الحياة دون أن يكون جزاؤه القتل ، أما إذا كان ردته خطراً على الأمن العام وأصول الدين وأصول المجتمع يحق لولي الأمر قتله“.
وموضع الجدة هنا هو مد زمن الاستتابة من ثلاثة أيام يقتل بعدها المرتد إن لم يرجع إلى الإسلام ، إلى استتابه مدى الحياة ، ومستند هذا التحول الجديد تجده في أسس أربعة بالتوصية لعل أهمها هو أن الفقهاء القدامى اختلفوا حول مدة الاستتابة ، ومن هنا تم الأخذ برأي الإمام النخعي في أن المرتد يستتاب أبدا وخشية أية شبه أو ظن أن أعضاء اللجنة يضعون فقهاً جديداً ، أو يشرعون تشريعاً لم يقل به الأولون السابقون من فقهاء القرون الخوالي وموتى التاريخ ، فإن مقرر اللجنة الدكتور “محمد إبراهيم الفيومي” دفع هذه الشبهة الفظيعة بقوله : “إننا وجدنا ضمن الآراء المطروحة “يعني القديمة” الاستتابة مدى الحياة ، فقلت : إذن نحن لسنا مشرعين جدداً ، إنما نحن رجحنا بين الآراء.. كما أننا لم ننكر نصاً معلوماً من الدين بالضرورة”.
إذن هو تجديد من بطن القديم بترجيح رأي منتج على رأي سائد مشهور ، ورغم كل هذا الحذر فإن التوصية لقيت معارضة حادة تزعمها الدكتور “رأفت عثمان” ، وذلك “لأن تقسيم المرتد إلى مرتد يضر ومرتد لا يضر ليس وارداً في اعتبار العلماء القدامى أصلاً”.. إذن هنا مناط الاحتجاج أن هذه القسمة قسمة ضيزى لأنها لم ترد عند القدامى ، ثم “ثم إن استتابة المرتد طوال حياته رأي غريب.. ينقد العقوبة ويلغيها من الأصل ، حتى تصبح الردة بلا عقوبة ، ولقد اتفق العلماء على أن عقوبة المرتد هي القتل”.
أما لماذا اجتمعت اللجنة أصلاً وتشكلت وبحثت ونقبت وفتشت لتصل إلى ما وصلت إليه؟ فهو السبب الذي جاء واضحاً في توصية اللجنة “إنها راعت في توصيتها الظروف الدولية التي تحيط بالإسلام ، والاتهامات الموجهة إليه بالتحريض على العنف والإرهاب.. وأن هناك قوى معادية تتربص بالإسلام وتريد النيل منه ، فتصفه تارة بأنه عدو للحضارة ، وتارة بأنه عدو للحرية“. أو فيما أصر على إيضاحه منعاً لأي التباس الدكتور “الفيومي” أن ما تم ليس عن رغبة وإرادة ، إنما “مراعاة للظروف الصعبة والشديدة التي يمر بها العالم الإسلامي ، وحركات التشويه المنظمة ضد الإسلام واتهامه بأنه يحرض على الإرهاب ومصادرة الحريات”.
المسألة إذن لا تجديد ولا تحديث ولا هم يحزنون ، إنما هي في استطراد “الفيومي” مراعاة “للظروف الخارجية ، وهي بلا شك تؤخذ في الاعتبار” ، ويجب أن ننتبه جيداً لمسألة “الخارجية” تلك ، ويضيف “حتى لا يشوش أعداء الإسلام عليه”.
المعنى هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها كل العالم المتحضر ، ومعها العالم كله طوعاً أو كرهاً من الإسلام ، بعد ضربة الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، وقبل هذا الحدث الهائل الفارق في تاريخ الكوكب الأرضي وجغرافيته ، ما كان الإسلام ولا المسلمون يشغلون الأمريكان في قليل ولا كثير ، إلا بالقدر الذي يحافظ على مصالحهم في المناطق الإسلامية ، فبالنسبة لهم ما كنا في العير ولا في النفير ، مجرد شعوب مقطوعة عن الحداثة تعيش عصوراً وأزمنة غادرتها الدنيا إلى أزمة أخرى ، شعور تعيش أوهاماً ماضية ، تغني أمجادها السوالف منكفئة على ذاتها وماضيها وهلاوسها ، وما كنا يوماً بالحجم الذي رسمناه لأنفسنا كأمة تشغل العالم القوي ليجلس القرفصاء متفكراً متآمراً عليها آناء الليل وأطراف النهار.. ولكن بعد ارتكاب جريمة سبتمبر العظمى تحولنا إلى مركز اهتمام العالم القوي ، الذي يعلم إن الإرهاب هو سلاح الضعيف ، وأن هذا الإرهاب له أسبابه وجذوره التي يجب أن تجتث شئنا أم أبينا ، وأن المعركة مع الإرهاب ليست معركة تقليدية تضرب فيها القنابل وتطلق فيها الصواريخ أينما أمكن تحديد مواضعه المفرخة ، ولكن أيضاً بالتدخل العلني السافر وبضغط القوة الصريح الواضح في ثقافات المسلمين ومناهجهم في التفكير والسلوك التي كانت المفرزة لهذا الإرهاب. وربما التدخل في دين الإسلام ذاته ، وذلك في خطابات الرؤساء والمسئولين الكبار العلنية مصحوبة بزخم إعلامي ودراسات دقيقة ليصبح الإسلام والمسلمون على خريطة الاهتمام الدولي لأول مرة في هذا العصر.
وخلال عامي 1998 – 1999 كتب صاحب هذا القلم لمجلة “روزاليوسف” مجموعة من الدراسات العلمية منبهاً محذراً مطالباً بإعادة النظر في مناهجنا في التفكير في شئون الدنيا والدين والإعلام والتعليم لتجاوز التخلف وعوائق التقدم لنجد لنا مكاناً بين الأمم ، وترتيباً لبيتنا من الداخل توقياً لأي تدخل خارجي بحجج حقوق الإنسان أو الأقليات أو ما أشبه ، إضافة إلى تركيز أعماله المنشورة في كتب حول ذات الأغراض ، فلم يلق سوى سيل من التفكير الديني والتخوين الوطني بحسبان تلك الكتابات تدخل في إطار المؤامرة الكونية على الدين وعلى البلاد..
فماذا الآن بعد أن أزفت الآزفة؟! وبعد أن صدقت التوقعات حول المنهج والإرهاب والنتائج التي قلنا فيها قولاً طويلاً؟! وماذا عن كل من قاموا قومه رجل واحد في حملة تشهير وتجريس واسعة ضد صاحب هذا القلم الذي انزوى بعد أن مزق أوراقه وكسر أقلامه يأساً وقنوطاً لأكثر من سنتين أو يزيد؟!
ورغم الأخطار الهائلة المرتقبة الواضحة لكل ذي عينين ، فإن الإفهام عند مواقفها التليدة لا تريم عنها حراكاً ، فمع اتهام الإسلام بالعداء للحضارة والحرية والتحريض على العنف ، في عالم تبدلت فيه معادلة الضعف والقوة لغير صالحنا ، فكل ما ارتأته اللجنة حول “حرية الاعتقاد” التي أصبحت في العالم حقاً مقدساً ، والتي سبقت أن كتبت بشأنها ل”روزاليوسف” فلم ير الدكتور “عبد المعطي بيومي” فيما كتبت سوى أنني “أهذي“ كل ما رأته اللجنة إزاء اتهامات ترافقها احتمالات من قوى عظمى تملك السيطرة على السماء والبر والبحر ، هو تمديد استتابة المرتد مدى الحياة مما يستدعي بالطبع حبسه “مؤبد” حتى يمكن استتابته كل فترة لتأكد من رجوعه إلى الدين المطلوب إثبات إنه ليس ضد الحرية أو حقوق الإنسان ، وأنه ليس دين إرهاب كما يزعم أهل الغرب الذين يكيدون له كيداً.
هذا رغم أن مسألة الإيمان والتعبد شأن بشري خالص ، يفترض أنه يقوم على اختيار الإنسان الإرادي الحر بالكامل ، حيث لا يمكن فرض رقابة على الضمير لمعرفة صدق الإيمان أو كميته أو مساحته أو وزنه بمعايير دقيقة ، هي منطقة شديدة الخصوصية لا يصلح معها القصر إلا على اللسان وحده ، لذلك فإن أي عقل غربي أو شرقي “شرط أن يكون عقلاً” لا بد أن يصاب بالهلع أمام مسألة الاستتابة قبل تطبيق حد القتل ، الذي هو لون صارخ من العسف والقهر والإرهاب على مجرد اللسان وليس على قلب الإنسان ، فهل حقاً يطلب الرب العظيم ذو الجلال إيمان العبد السيف على رقبته؟! أو السجن المؤبد في أحدث اجتهادات البيومية؟! وهل هذا الأمر الشائع برمته أصل صحيح من أصول الإسلام؟ لأنه لو كان كذلك حقاً ، فإن التهم الموجهة إليه الآن ستكون صحيحة ويكون كل ما فعلته اللجنة الموقرة هو تأكيد التهم مع خطاب مخادع إن خدع المسلمين البسطاء الطيبين فلن يخدع المهتمين بحقوق الإنسان ، بل سيكون مدعاة دهشة ساخرة مرة من العالمين.
والغريب أن تسمع من بعض الفقهاء أن حقوق الإنسان المعلومة في عالم الغرب الحر قد جاءت كاملة غير منقوصة في ثقافتنا العربية الإسلامية ، وهو ما يشي باقتناع دواخل أنفسهم برقي القيم الحقوقية العالمية اليوم وسموها ، لكن مثل هذه الإعلانات حول حقوق الإنسان في الإسلام تسقط جميعاً وتتهاوى أمام الإصرار على حد الردة وحكاية الاستتابة.
لنقف إذن مع الأسس التي استند إليها سادتنا المشايخ عافاهم الله في مسألة الردة والاستتابة.. نحاول أن نفهم.
- أبرز المستندات بأيديهم وأهمها حديث وحيد أحد يقول : “من بدل دينه فاقتلوه” ، وعليه يرى الدكتور “رأفت عثمان” أن عقوبة المرتد هي القتل ، لأن الحديث سنة والسنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن ، وأن هذا الحديث ليس بضعيف.. لماذا؟ لأنه مروي في صحيح البخاري ، وصحيح البخاري أصح كتاب على الأرض بعد القرآن الكريم!
- أما المستند الثاني فحكاية جاءت في الحوار مع الدكتور “عبد المعطي بيومي” وهي أن الصحابة قتلوا شخصاً ارتد “من هو؟ كيف ارتد؟ من القاتل؟ كلها أسئلة بلا جواب” فاحتج عمر بن الخطاب وقال : “هل أطعمتموه ثلاثة أيام؟! هل استتبتموه؟ ومن يومها كما يقول “بيومي” استناداً إلى عمر لا إلى القرآن ولا إلى حديث صار الإجماع إلا يقتل المرتد حتى يستتاب.
- ثم يأتي المستند الثالث وهو الأقوى بيد “رأفت عثمان” متمثلاً في إصرار أبي بكر على محاربة المرتدين عند خلافته لأن الردة مفارقة للجماعة ن وبالطبع لا يمكن أن يكون الصديق مخطئاً.. وهو من هو !
إن المسلم البسيط غير الأزهري المتفيقه لا شك سيسأل نفسه هنا : هل تجب السنة القرآن الكريم وتلغى آياته الفصيحة لواضحة وهي تقول “من شاء فيؤمن ومن شاء فليكفر” أو وهي تؤكد أنه “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” (2/256) ، فهل على هذا المؤمن البسيط الذي هو مادة الإسلام الحقيقية وهو من يشكل جمهور المسلمين أن يصدق الحديث الواحد الأوحد؟! أو يصدق القرآن الكريم؟ أم عليه أن يصدق كليهما فيصاب بالحول في الرؤية في أخص ما يعتقد؟! خاصة عندما يروي له الدكتور “بيومي” رواية أخرى هي على النقيض من منطوق الحديث ، وهي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أيضاً إبان صلح الحديبية بين النبي ومشركي مكة ، عندما قال له ممثل مكة في الصلح “سهيل بن عمرو” شرطاً : “من يسلم من عندنا ويأتي إليك ترده إلينا ، ومن يرتد عنك ويأتي إلينا لا نرده إليك” فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : “من يرتد لا رده الله”.
هنا لا أرى المؤمن الطيب الذي لا يجيد ألوان الخطاب الخداعي المعتمد لدى سدنة الفقه إلا مصاباً بالبلبلة التامة ، فالنبي في البخاري يأمر بقتل من بدل دينة وفي الحديبية لا يهتم بالمرتد ، بل يدعو الله بعدم عودته والآيات تؤكد أنه لا إكراه في الدين ، والصديق يحارب المرتدين..
فأين يجب على المسلم الصالح أن يقف؟! وماذا يصدق فيما يلقى إليه؟! إن صدق بعضه وترك بعضه فإن بعض علماء الأزهر سيتهمونه فوراً بأنه “أنكر معلوماً من الدين بالضرورة” ويكون بهذا المعنى مرتداً وعليه أن يستعد للاستتابة المؤبدة أو القتل ، ولا يبقى عليه إلا أن يلغي عقله نعمة الله عليه ويقبل كل هذه المتناقضات معاً وهو صامت قانع بالسلامة ، أو أن يتابع معنا محاولة الفهم..
2 - تحريم أن تفكر!
- عندما خاض الخليفة أبو بكر حروب الردة لم يستند إلى الحديث الذي يستند إليه بعض رجال الدين
- كتب الإسناد اعتمدت على بشر غير معصومين بأخطائهم وسهوهم ونزواتهم وأطماعهم
كلا لن نقف مع حديث “ألاوزاعي” بشأن حد الردة الذي دونه بعده “مسلم” بحوالي قرنين من الزمان في صحيحه ، دون أن يشير إلى “الأوزاعي” نفسه كأحد رجال إسناد الحديث (5 / 106) ، نظراً لأن لجنة العقيدة والفلسفة التي اجتمعت ورفعت توصية بمجمع البحوث الإسلامية لتمديد مهلة استتابة المرتد مدى الحياة بدلاً من ثلاثة أيام لإثبات أن الإسلام ليس ضد الحريات ، وأنه ليس دين إرهاب كما يزعم الممترون ، لم تشر إلى حديث “الأوزاعي” ربما لما لحق الأوزاعي نفسه من منكرات معلومة مشهورة ، وأختار المجتمعون الوقوف عند حديث واحد بهذا الشأن ورد بصحيح البخاري ونصه “من بدل دينه فاقتلوه” ، وذلك حسبما ورد في تحقيق روزاليوسف بالعدد (3871) ، رغم ما يعتور هذا الحديث بدوره من مآخذ واضحة بعد هربهم إليه فراراً من “الأوزاعي” ومناكيره.
والملحظ الأول الذي لابد أن يلفت نظر أبسط العقول سذاجة هو صياغة “الحديث الحجة” الذي اعتمدوه واعتمده من عارض اجتهادهم أيضاً ، فصياغة الحديث لا تنم عن دقة نص قانوني وفقه تشريعي ، فمن غير المقبول ولا المتصور أن يلقى نبي الأمة كلامه هكذا على عواهنه في أمر يتعلق بحياة العباد ، لأن معنى الحديث سينطبق على كل من بدل دينه أيا كان هذا الدين ولا يخص الإسلام وحده ، وهو ما ينقض دعوة الإسلام إلى الإسلام من أساسها. إضافة إلى كونه من أحاديث الآحاد الواجب التزام الحذر في قبولها إذا تعلقت بحقوق العباد فما بالك بسفك دمائهم.
والأكثر إفصاحاً بهذا الشأن أن الخليفة “أبا بكر الصديق” عندما قرر شن حربه المعروفة بحروب الردة ، وعارضه “عمر بن الخطاب” وفريق من الصحابة ، لم يحتج عليهم بحديث من هذا النوع ، كان وحده كفيلاً بحسم أي خلاف ، ولو كان هذا الحديث – حتى ذلك الوقت – لم يكن قد تم اختراعه بعد.
وما لا يفوت مدقق هو الأسس الفقهية التي أسست عليها لجنة العقيدة والفلسفة في المجمع توصيتها بتمديد مدة الاستتابة ، فقد بنت اجتهادها على أسس تجب الحكاية برمتها من جذورها ، من هذه الأسس أنه ليس هناك حكم قاطع قام عليه الإجماع بالنسبة للمرتد ، ومنها أيضاً أن النصوص التي جاءت بشأن الارتداد قابلة للتأويل والترجيح. فإذا كان الأمر كذلك فلا تدري السر العجيب في تاريخية هذا النص الأعجب ، ولا السر في هذه الرغبة الحميمية في سفك الدماء بموجبه عبر التاريخ.
هذا ناهيك عن كون الدكتور “رأفت عثمان” وهو يقف وراء حد قتل المرتد منافحاً رافضاً أي تأجيل لمشهد الدم
اء الجميل ، يدعم موقفه الشديد القسوة دعماً شديداً بقوله: “إن هذا حديث غير ضعيف ، ويكفينا أنه قد ورد في صحيح البخاري أصح كتاب بعد القرآن.. هكذا ؟!“. متصوراً أن ألقم الجميع حجراً ليخرسوا ولا ينسبوا ببنت شفة ، وأنهم مما قال سيرتجفون فرقاً وهلعاً !
أليس غريباً أن تسمع كل هذا الضجيج والطنين بين مؤجل للقتل وبين مؤيد للعكس ، مع المآخذ الجسام على السنة القولية / الحديث سواء وردت في صحيح البخاري أو صحيح غيره ، وما جرى حولها جرحاً وتعديلاً وإسناداً منعا لها من السقوط. ومدى تنازع الفقهاء والدارسين عبر التاريخ حولها على اختلاف فرقهم من سنة إلى شيعة وفروعهما إلى علماء كلام وفلاسفة ، وكيف تنوعت درجاتها بين حسن وضعيف وغريب. ومع المعرفة المؤكدة أن كتب الإسناد قد اعتمدت على بشر غير معصومين بأخطائهم وسهوهم ونزواتهم وأطماعهم وأهوائهم ومنافعهم ، انتقلت الرواية عبرهم وجرت عبر زمن متغير تغيرت فيه سياسات أصحاب السلطان ومطالبهم من الرواة ، في سلسلة من العنعنات عبرت سنين طوالاً انقضت بين زمن الرواية المفترض وزمن جمعها
في الصحاح.
وثقة في علم سادتها المشايخ عجب أن يصروا مع كل هذا على إقامة بعضها حجة لتشريعات قاتلة مرعبة مرهبة ، ونعجب للدكتور “رأفت عثمان” ، الذي يبلغ كمال الحجة في كون الحديث قد ورد في حديث البخاري؟ ، وهو العارف عن البخاري قد جمع 600 ألف حديث ألقي منها في غياهب التاريخ 596 ألف حديث واصطفى فقط أربعة آلاف ، واعتمد في اختياره لم أبقاه على كان ينشرح له صدره بعد الصلاة والاستخارة فيما رد به علينا يوماً الدكتور “المطعني” ، وهو الأمر الذي لا يمكن وصفه بالعلمية ، كما لم يكن للبخاري علاقة بالسماء ولم يكن يتلقى وحياً حتى نعتمد استخارته واختباره وحده دون عقل الأمة كلها ، لنذبح الناس ونرهبهم بموجب هذه الانشراحات المزاجية ولمجرد مأثور جرى مجرى الحقائق الربانية ، هو “أن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله” ، حتى كاد البخاري “الشخص” يقف بين مقدسات المسلمين العليا تصديقاً لما دونه وفق حالاته الانشراحية.
وقد سبق وأفضنا في مناقشة حجية السنة القولية على صفحات روزاليوسف “الأعداد من 3695 : 3700″ ، تكفي هنا الإشارة للرجوع إليها منعاً للإطالة والتكرار مع إشارة واجبة “لها سببها” إلى تأثر الدكتور مصطفى محمود بشدة بما كتبنا حتى تبنى المسألة ونقل عنا بالنص ما نشرناه حتى بأخطائه المطبعية ، وما سقط منه دون أن يراجعه على أصوله ، وبالطبع دون أن يشير إلينا فمن سيلتفت والمساقة فارقه بين النجوم والباحثين في بلادنا ، وربط ما قلنا بما أثرناه حول مسألة الشفاعة وذلك بدءاً من موضوعه “ليس إنكاراً للسنة 12 / 6 / 1999 الأهرام” ، فأثار زوبعة لم تهدأ حتى الآن ، أما سبب هذه الإشارة فهو أن زوبعة الدكتور مصطفى أدت إلى ظهور تهمة جديدة في قاموس الإرهاب الديني ، وهي أننا ومن هو مثلنا من “القرآنيين” أي من يعتمدون القرآن وينكرون السنة ، ولوجه الحق فإن صاحب هذا القلم لا يتعامل مع المأثور من منطق الإنكار أو عكسه ، لأن السنة القولية أو التاريخ الإسلامي أو كتب السير والأخبار هي بالنسبة لنا مادة للمعرفة والبحث نطالع من خلالها على أصول ذلك الزمان وأساليب التفكير فيه وأحواله المجتمعية والسياسية وتفاصيل ومنمنمات كل ما يتعلق بالبحث العلمي ، فهي مادة للمعرفة وليست وسيلة للمعرفة يمكن التشاجر حول أحقية من يملكها أو ينكرها أو يصدقها. والمقصود هو بيان الألوان المختلفة الممكن اختراعها دوماً لتلفيق التهم التي تستتبع حد الردة ، لأن “القرآني” بإنكاره السنة ستطاله فوراً تهمة “إنكار معلوم من الدين بالضرورة ” وهو ما يفصح عن كون حد الردة وحكاية إنكار المعلوم بالضرورة ، قد أصبحت سلاحاً بأيدي أصحاب المعالي من مشايخنا عند أي مخالفة لما استقر عليه السلق منذ آلف عام مضت ، لأنهم حراس هذا المستقر الذي حوله يستقرون وينافحون ليس لوجه الله ولا الدين ولا الحق ولا الناس ولا الوطن ، ولكن لإسكات أي صوت مخالف ينتقص من وحدانية حقهم في امتلاك الدين.
وهكذا لم يعد معنى الردة قاصراً على إعلان المسلم خلع نفسه عن الإسلام والدخول في دين غيره “رغم أني لا أرى أن هناك ديناً يستحق أن تترك ديناً آخر لأجله” ، بل أصبحت الردة أن تطرح من داخل الإسلام جديداً مخالفاً لما جمدت عنده عقول اكتفت بوظيفة الحراسة دون وظيفة العقل ، مع احتمال مرجح أن يكون هذا الجديد عن نية خالصة تقصد وجه الوطن والناس والدين ، رغبة في اللحاق بحداثة الزمن لتلحق أمتنا بأمم تجاوزنا وبزمن أبعد من زماننا القروسطي. وأصبحت أية طروحات جديدة تعني التعدي على مساحة التقديس التي استولى عليها مشايخنا وتصوروها مناطق محرمة حلالاً عليهم حراماً على غيرهم ، كما أصبحت تعني التعدي على ما تصوره مناطق نفوذ سلطوية يستمدون منها وظائفهم وتحقيق ذواتهم ووجهاتهم الاجتماعية ، وأحياناً السيادية ، أو تصوروه ممتلكات خاصة ممنوعاً الاقتراب منها أو التصوير لأنها وحدهم من بيدهم الإسلام ، أو هم الإسلام ذاته.
ومن ثم تجاوزت مسألة الردة تجريم حرية الاعتقاد وعقابها بالدم ، إلى تجريم وتحريم أن تفكر ، “ثم يتساءل البعض مندهشاً عن سر تخلفنا بين الأمم”؟!!
تحريم أن تعمل عقلك فيما يخص روحك وقلبك ، وهو أخص الخصوصيات ، وعلينا أن نقبل كل ما يلقى إلينا ونحن كالخشب المسندة حتى لو احتوى كل المتناقضات ، وحتى لو كانت تقف وراءه حسابات مصالح لا حسابات إسلام ، وأن تلغي تفكيرك لأنك إن أعملته استلوا عليك إنكار المعلوم من الدين بالضرورة ويتلوه الاتهام بالردة.. أو ليس هذا هو الإرهاب بعينه وبذاته؟ هذا رغم ما يتم التعتيم عليه من اجتهادات فقهاء عظام أدركوا معنى حركة الزمن وضرورة تحديث ما بأيديهم فقالوا : “لا يكفر المسلم بقول يحتمل الكفر من تسع وتسعين وجهة ، ويحتمل الإيمان من وجهة واحدة / ابن عابدين / بد المحتار / 292″.
وللتأكد من الاستثمار الانتهازي لهذا الحد من جانب فقهاء الدم لإسكات صوت العقل في الأزمة ، أضرب هنا الأمثلة الثلاثة الآتية :
- المثال الأول : وهو الأفدح في نتائجه ، والذي انتهى فيه أصحاب شهوة الدم إلى قتل مسلم فاضل أحب وطنه ودينه فقام يقدم ما باستطاعته لتحديث الدين ودفع الأذى عن الوطن ، هو طيب الذكر الدكتور “فرج فودة” بفتوى من جماعة مشايخ التكفير المعروفة بجبهة علماء الأزهر ، ويكفينا هنا قول واحد للدكتور “محمود مزروعة” بشأن الدكتور “فرج فودة” وأشك أنه فهم من كلام فرج شيئاً “إن الذي يدعو إلى تعطيل العمل بشرع الله ويطالب بتطبيق القانون الوضعي المرتد.. ويجوز لآحاد الأمة أن ينتخبوا من بينهم من يقوم بتطبيق الحد عليه” ، وحتى تاريخه لم تتم محاسبة هذه الجماعة بتهمة التحريض على القتل وتشريعه والشراكة فيه في قضية واضحة هزت وجدان الوطن ، ومن يومها لم يتحرك أحد في الوطن؟
- المثال الثاني : ويخص صاحب هذا القلم المتواضع بعدما نشره في روزاليوسف في 98/ 1999 فشنت عليه حمله تشويه واغتيال معنوي واسعة نقتطع منها بإيجاز شديد ما يلتقي وموضوعنا ، بعض ما كتبه رئيس تحرير صحيفة الحقيقة الإسلامية في أعمدة طويلة بالصفحة الأولى بتاريخ 8 / 5 / 1999 “دأب الدكتور سيد القمني على إثارة الشكوك في الأحكام الشرعية ، فيما يسمى المعلوم من الدين بالضرورة التي لا يشك فيها مؤمن وإلا صار مرتداً ، فقد أنكر السنة المحمدية ، ومنكرها كافر بإجماع الآراء”. وفي مناخ كمناخنا يكفي أن يصدر هذا القول لتتطوع إلى تنفيذه آلاف الأيدي متوضئة أو نجسة أو قذرة بعد الإفتاء لآحاد الأمة بمشروعية تنفيذ حد الردة.. الحد الذي لم يقض فقط على مبدأ حرية الاعتقاد المقدس ، بل أيضاً على حرية التفكير أو حق المواطن في يقول ما يراه في صالح وطنه.
- المثال الثالث : ويتعلق بشيخ أزهري مجتهد يسري عشق الإسلام في عروقه هو الدكتور “صبحي منصور” ن وقد اجتهد بشروطهم ، وهو رجل منهم ، وتنطبق عليه كل الشروط التعجيزية الواجب توافرها في المجتهد ، وهو رجل نختلف معه كثيراً ، بل لا نقف معه على أرضه بالمرة ، لكن لا يمكننا أن ننكر جهده وما بذله في سبيل ما اهتدى إليه عقله وبحثه ، وحقه في أن يقول ما اهتدى إليه ويعلنه لأبناء وطنه لمن شاء التصديق ولمن شاء الرفض ، فكانت مكافأته على البحث وسهر الليالي في سبيل ما رآه في صالح الدين والبلاد أن هبط عليه رجال الأمن يقبضون عليه ويأخذون أوراقه وأقلامه باعتبارها أسلحة فتاكة تهدد أمن البلاد ، بعد أن اتهمه الأزهر بتهمه إنكار السنة ، وبعد حمله تجريس خرج الرجل من حبسه ليبدأ سعياً موجعاً للحصول على قوت عياله ، بينما يعيش أصحاب القرارات الأزهرية العالية في نعيم البلهنية.. فما أقسى قلبك على أبنائك المخلصين يا وطن !
وقد قصدنا مثال الدكتور منصور عن عمد لما قدمه من اجتهاد بشأن حد الردة في الحديث “من بدل دينه فاقتلوه” ، وهو ما يفضح
أسانيد الكبار وجمودهم عند نصوص منكورة تطال رقاب العباد ليأكلوا طعامهم الهنيء مغمساً بالدم البريء ، كما هو ديدن سدنة الدين عبر التاريخ ، ذلك الحديث الذي لم يستخدم مرة إلا وكانت وراءه أغراض دنيوية ونزعات ثأرية منذ فجر الإسلام مروراً بالطبري السهروردي حتى فرج فودة.. ومنعاً للإطالة سأسمح لنفسي بإيجاز ما كتب منصور على طريقتي في تفنيده لسلامة الحديث المذكور.
في سند هذا الحديث سنجد الراوي الأول الذي تعود إليه عنعنات الحديث هو “عكرمة” ، كان عبداً عند “عبد الله بن عباس” ، وعنه روي الحديث المذكور ، فماذا عن “عكرمة” هذا؟ “إنه كذاب” هكذا بالفصيح الواضح وصفه “ابن سيرين” ، ومع ابن سيرين شهود عيان معاصرون لعكرمة نستمع لشهادة الأول “ابن أبي ذئب” وهو يقول “رأيت عكرمة وكان غير ذي ثقة” ، أما الثاني فهو “سعيد بن جبير” فكان يعبر عن شديد انزعاجه مما يروي “عكرمة” للناس قائلاً : “إنكم لتحدثون عن عكرمة بأحاديث لو كنت عنده ما حدث بها” ، لذلك كان رأي “سعيد بن المسيب” لإيقاف “عكرمة” عن كذبه “أن يلقي في عنقه بحبل ويطاف به” ، وكان ينذر عبده “برد” ويتوعده بقوله :
“لا تكذب علي كما كذب عكرمة على أبن عباس” ، حتى انتهى الأمر بعكرمة مقيداً بالأصفاد ملقى على بابا كنيف “علي بن عبد الله بن عباس” ، فإذا سأله أحد عن قسوته على عبده رد قائلاً : “إن هذا الخبيث يكذب على أبي”.
أما الراوي الأخير الذي أخذ البخاري من فمه وعليه كل المصداقية “أبو نعمان محمد بن الفضل” ، وقد اعترف البخاري عليه بأنه “قد تغير عقله” أي أنه أصيب بالخرف وهو ما شهد به “أبو حاتم” في قوله عنه “اختلط عقله في آخر عمره” ، وأجمع على ذلك معهم أسماء لامعة كأبي داود والدار قطني ، وأبن حبان الذي قال عنه : “اختلط عقله في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث فوقع في حديثه من المناكير الكثير”.
وهكذا أنت مع هؤلاء بين أمرين ، إما أن تقبل أحاديث القتل على علاتها حتى لو كانت معورة بالكامل وفاسدة الأصول ، وهو أمر لا شك يعلمونه ومع ذلك يقيمونه سيفاً بأيديهم مما يشير إلى أن الأمر رغبة خاصة لا مسألة دينية حقاً وصدقاً ، وإما أن تقول للناس ما علمت من المخفي في سراديبهم المغلقة فيخرجونك من الملة ويتهمونك بالردة بذات الحديث المنكور الذي قمت تثبت لهم ما يعلمونه من خفاياه سلفاً … هذا إذا كانوا حقاً يعلمون فإن كانوا لا يعلمون فتلك مصيبة ، وإن كانوا يعلمون ويقتلون به العباد منذ فجر تاريخنا غير الجميل.. فالمصيبة والجريمة أعظم !! ومازال لنا مع موقفهم من حرية الاعتقاد والتفكير مواقف وحديث.. ربما قد يطول
3 - حروب الردة..
أم حروب مانعي الزكاة؟!
تأتي الآن إلى الحجة الأعظم المشهرة بيد من يطلبون دم المرتد فوراً. ألا وهي حروب الردة التي أصر عليها وقادها (أبو بكر بن أبي قحافة).. وهو من هو؟!.. هو الصديق خل النبي الوفي – صلى الله عليه وسلم – أبرز المبشرين بالجنة.. ثاني أثنين إذ هما في الغار.. وصهر النبي عن طريق أبنته عائشة أم المؤمنين الحميراء التي عنها نأخذ نصف ديننا ، وخليفة رسول الله الأول ، والمعروف في التاريخ الإسلامي برقته ودماثته وهدوئه ورجاحة عقله وحسن مشورته.
والمعلوم أن أحداث السقيفة العاصفة قد انتهت بوضع الأمر بيد (أبي بكر) ، وأنها في رأي كثير من الباحثين ما استقرت له إلا لغياب (علي بن أبي طالب) وبني هاشم حول جثمان النبي ، ولخلاف قديم بين الأنصار عاد واستقر وتم استثماره مع حسد بعضهم بعضاً على تولي الإمارة ، عندما ترك المصطرعون على كرسي الإمارة جثمان نبيهم مسجى في بيته لأقاربه وذهبوا إلى السقيفة يتبارون حول المنصب المأمول ، تنابذوا فيها بعضهم مع بعض واستخدموا العنف الكلامي والجسدي ضد بعضهم البعض ، وانشغلوا عن نبيهم يومين وهم في آمرهم لاهون ، حتى إن أبا بكر وعمر لم يشهدا لا غسله ولا تكفينه ولا حتى دفنه الذي قام به أهله في جوف الليل (انظر أبن هشام 4 / 336 ، والمقدسي في البدو والتاريخ 5 /65 وشرح المنهج 2/2 واليعقوبي 2/103 وكنز العمال 3 /140 وتاريخ الخميس 1 /189 وأبو الفدا 10 /152 وتاريخ الذهبي 1/321).. لقد ذهب صاحب الدين.. وبدأت الدنيا !!
ومعلوم أيضاً أن بعض الأنصار وجميع بني أمية وجميع بين هاشم قد رفضوا هذه البيعة وامتنعوا عنها ، وتصل بعض المصادر بهذا الامتناع إلى ستة أشهر كاملة ظلت فيها شرعية أبي بكر تتأرجح ، حتى حصرهم (عمر بن الخطاب) وهم في اجتماع ببيت (علي بن أبي طالب) ومعه رجاله مشاعل النار والحطب منادياً المجتمعين : “والله لأحرقن عليكم البيت أو لتخرجن إلى البيعة”.. “الطبري / التاريخ / 3/202″ أما زعيم الخزرج الصحابي الجليل (سعد بن عبادة) أحد النقباء الاثنى عشر المؤسسين للدولة اليثربية الطالعة ، فقد رفض الاعتراف بإمارة أبي بكر ورفض أن يبايع بل أعلنها حرباً على الخليفة لولا مرضه الذي أقعده (الطبري / 3 /323) ، ومن بعده لم يعترف بخلافة (عمر بن الخطاب) حتى تم اغتياله ، ونسب مؤرخونا هذا الاغتيال إلى الجن ، دون أن يذكروا لنا أي توضيح بشأن الخلاف الثأري بين (أبن عبادة) وبين الجن ولا سببه.
ومثل هذه المعلومات البسيطة المعروفة في التاريخ الإسلامي ذكرناها على عجالة ، لأنها ترتبط أشد الارتباط بالأحداث التي ترتبت عليها وأدت إلى نبض موضوعنا (حروب الردة) التي جرت مع بداية حكم (أبي بكر).
وهنا يجدر التنبيه إلى أن المعارضة المهزومة عادة ما لا تجد من ينصفها من كتاب يكتبون من على مقعد سيطرة الغالب ، وأن ما وصلنا من مدونات تاريخية قد كتب معظمها من وجهة نظر المتغلبين ، لذلك تحتاج إلى جهد وبحث وتدقيق للخروج بمعلومات منصفة للمعارضة ، وهو أمر متكرر في التاريخ ولدى مختلف الشعوب ، ظلم فيها كتاب المنتصر الفائز من حاقت به الهزيمة ، حتى امتهنوهم أحياناً وجعلوا منهم علامات سوداء في التاريخ ، رغم أن الأوضاع ربما لم تكن هكذا حقاً ، ومن ثم يلزمنا هنا وبعد مضي ما ينوف على ألف وأربعمائة عام أن نتحرى الدقة والحياد فيما وصلنا حتى لا نظلم الأبرياء مع الظالمين عبر التاريخ.
ثم علينا أن نتوجه بالتذكرة إلى أهل المذهب السني ، وهم يأخذون على أهل المذهب الشيعي إسرافه في التقديسية حتى وصل إلى الأئمة الاثنى عشر ، وإلى كبار الملالى والسادة المزعوم انحدار هم من نسل النبي لأن أصحاب المذهب السني بدورهم قد أسرفوا في التقديس لعباد صالحين حقاً وكبار الفعال صدقاً ، لكنهم نفعوا أنفسهم وزمانهم بصلاحهم وفعالهم ، ولا يعني ذلك رفعهم إلى رتبة القداسة ، كما فعلوا مع كبار الصحابة وأحياناً مع بعض الفقهاء أو جامعي التراث كالبخاري مثلاً ، وهو ما يؤدي إلى السقوط في شبهة شرك الذي نعيبه على أصحاب المذاهب الأخرى والأديان الأخرى ، كما يقولون بشأن المسيحية مثلاُ ، وهو ما لا تقول به أصول الملة بل تنهي عنه بقرارات قرآنية واضحة. حيث يفتقر الجميع بعد النبي – إلى النبوة ومن ثم إلى أي لون من القدسية ، ولا يبقى لهم سوى أعمالهم ، أو أنهم من المبشرين بالجنان الفردوسية أو صلاحهم وتقواهم ، وهي كلها أمور لهم وليست على الناس بشيء ، ولا ترفعهم عن رتبة البشرية ، فإذا كانت آفة الإفراط في التقديس مأخذا سيئاً على الآخرين فلا شك والحال كذلك أن النهي عن أمر وإتيان مثله سيكون عاراً على من يفعله عظيم.
وإذا كان (عمر بن الخطاب) قد وصف خلاقة أبي بكر بأنها “فلتة ، وقي الله المسلمين شرها” فإن البحث الأمين سينتهي إلى أن هذه “الفلتة” تركت بين المسلمين شراً مستطيراً فيما وقع بسببها من أحداث ، وأدت إلى إسالة الدماء أنهاراً حتى أنتنت منها السبل والطرق فلم يتم الإجماع على هذه البيعة (الفلتة) بتخلف الهاشميين والأمويين وبعض الأنصار عنها ، مع عدم إشراك بقية المسلمين في بقاع الجزيرة وأخذ رأيهم ، مع حق أعطاه الله فهم واضحاً فصيحاً في الآية الكريمة “وأمرهم شورى بينهم”.. والأمر حينذاك يعني الحكم بلغة زماننا ، وهو ما أدى بكثير من العرب إلى الاعتراف بشرعية حكم أب بكر ، وعبروا عن ذلك بوضوح مع تمسكهم بإسلامهم وحقهم الشرعي في المشاركة في اختيار الحاكم ، وبأسلوب ذلك الزمان ما كان بيدهم من وسيلة علنية لإعلان هذا الرأي إلا منع الزكاة عن الوصول إلى الخليفة ، وأطلقوا شعرهم وسيلة زمانهم للانتشار يعبر عن موقفهم كما في الأبيات :
أطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيا عجبا ما بال (ملك) أبي بكر
أيورثها بكر إذا مات بعده؟
وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
(أبن كثير التاريخ 6 /311 ، 313) ، وهكذا عبر العرب عن تمسكهم بحق شرعي أعطاه الله لهم في اختيار حاكمهم ، وقد رأوا أن ما تم في تأمير (أبي بكر) هو لون من ألوان الملك ، وإذا كانت هذه هي البداية ، فربما يورثها (أبو بكر) من بعده في مجاز سافر لولده “بكر” كناية عن نسله لولده بكر ، وهي صيغة الحكم التي خوفهم منها القرآن واستنكرها ب”إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها”.
وأفصح الرأي السياسي المعارض عن موقفه بسحرية قبائل أسد وفزارة : “والله لا نبايع أبا الفصيل” تهويناً لشأن (أبي بكر ، وبكر) وتصغيراً لأن البكر هو ولد الناقة أما وليدها الصغير الحدث فهو الفصيل (الطبري 2 /48).
وهكذا عبر عرب الجزيرة عن رأيهم في تلك البيعة الفلتة وعن عدم خضوعهم لها ، فمنعوا الزكاة عن العاصمة وإن ظلوا على إسلامهم يرفعون الأذان في مساجدهم ويقيمونا لصلاة ويقرأون القرآن ويلتزمون أوامر الإسلام ونواهيه ، وهنا لا يمكن وضع أي اعتبار لروايات (سيف بن عمر) التي أخذ عنها كثير من الإخباريين عن كون مانعي الزكاة كانوا يتجهزون لغزو المدينة ، لما هو معلوم من كذب (سيف) واختراعاته ، وأن جميع كتاباته ما كانت إلا لتبرير المنتصر وتبخيس المعارض المهزوم والطعن عليه في دينه.
وأتخذ الخليفة قراره بقتال مانعي الزكاة ، وفيما يروى أبن كثير : (عمر بن الخطاب قال لأبي بكر : “علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها 6 /311). ومن الماوردي في الأحكام السلطانية نسمع رد أبي بكر على حجة عمر وهو يقول : والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لأقاتلنهم على منعها ، إن الزكاة حق المال ، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة”.
ووجه الكارثة التاريخية في هذه الأحداث الجسام أن مؤرخينا ، غفر الله لهم ، قد أطلقوا على جميع الحروب التي خاضتها جيوش أبي بكر ضد العرب اسم حروب الردة ، وأطلقوا على كل من خالفه (خارج المدينة ومعارضيه من الكبار من هاشميين وأمويين) لقب المرتدين ، خالطين بين أتباع سجاح ومسيلمة والعنسي من متنبئين انفصاليين ، وبين مسلمين محتجين بمنع الزكاة. ومن جانبهم يرى الشيعة أن تلك الحرب كانت سياسة لا دينا وأن أبا بكر كان يبغي بها إخضاع الجزيرة لسلطانه والاعتراف ببيعته ولو بالقوة ، كما فعل مع الممتنعين عن مبايعته بالعاصمة ، لكن القوة التي استخدمت خارج المدينة انفلت عقالها وارتكبت فيها مجازر بشعة كان فيها التنكيس في الآبار والإلقاء من شواهق الجبال والحرق بالنار ، وأن ما لم يكن واضحاً في مسألة البيعة والإمارة ، وهو ما وضح في رسائله “ومن أبي أمرت أن يقاتل على ذلك ثم لا يبقى على أحج منهم قدر عليه ، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة ، وأن يسبي النساء والذراري”. وهي الفلتة الثانية التي استخدمها قواد أبي بكر أسوأ استخدام ، ولأغراض شخصية وانتهازية لا علاقة لها بدين ، ولم تبغ وجه الله ، كما سنرى الآن مع أفعال سيف الله المسلول ضد العرب المسلمين في الجزيرة.
كانت وجهة نظر الشيعة إذن هي أن حرب مانعي الزكاة كانت لإخضاع القبائل لسلطانه وتثبيتاً لإمارته ، لكن هناك وجهة نظر أخرى تقوم على رؤية خاصة بنا ومؤسسة على قراءة لعوامل قيام الدولة الإسلامية في جزيرة العرب في أعمال كبرى منشورة ، يمكنها أن تقدم تفسيراً وليس تبريراً لحروب أبي بكر خاصة ضد المتنبئين ، وليس مانعي الزكاة ، نؤجلها منعاً لقطع القراءة الحالية لمسألة الردة وكيف تم استثمارها انتهازياً منذ فجر التاريخ الإسلامي لأغراض أبعد ما أن تكون عن الدين ، وكيف طالت مسلمين أبرياء ولطخت تاريخنا الماضي ولم تزل تلطخ حاضرنا.
نقف هنا مع ما فعله (مالك بن نويرة) الشاعر الفارس المسلم كبير بني يربوع وشريفهم المقدم الذي استعمله النبي على صدقات قومه ، ولما مات النبي جمع صدقات قومه وفرقها في موضعها بين قومه ، وهو الأمر الجائز شرعاً ، وقال في ذلك شعره :
فقلت خذوا أموالكم غير خائف
ولا ناظر فيما يجئ به الغد
فإن قام بالدين المحوق قائم
أطعنا وقلنا الدين دين محمد
وهو شعر وضاح المعاني يشير إلى إيمان بالإسلام ليس فيه شك ، لكن بينما كان يرسل رسائله تجوب الفيافي شعراً ، كان (خالد بن الوليد) بجيشه يحط على مقربه من البطاح اليربوعية عند ديار أسد بن خزيمة ، ويرسل العيون لتعرف موقف اليرابعة من الإسلام في سرية فيها (ضرار بن الأزور) يحمل أوامر خالد ، وفيها أيضاً الصحابي الجليل (أبو قتادة) ، وتسللوا إلى ديار القوم وهم نيام فشعروا بهم وفزعوا ونهضوا يحملون سلاحهم ، وهنا نسمع إلى شهادة (أبي القتادة) وهو يروي بداية الأحداث المؤلمة قائلاً : (إنهم لما غشوا القوم ليلاً راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح. قال : فقلنا إنا المسلمون ، فقالوا : ونحن المسلمون ، قلنا فما بال السلاح معكم؟ فقالوا لنا : فما بال السلاح معكم؟ قلنا : فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال : فوضعوها ثم صلينا وصلوا). لكن كانت مع (أبن الأزور) أوامر أخرى من (خالد بن الوليد) هي أن يأتي بهم مستسلمين أسرى مع نسائهم وذراريهم ففعلوا “فلما وضعوا السلاح ربطوا أسرى فجئ بهم إلى خالد”.
وبدأ (أبو قتادة) يشعر بالانزعاج مما يرى ، والمسلمون مع سيدهم يقادون أسرى بعد الصلاة ، يتابع الموقف ويسمع (خالد) يتهم (مالك) بأنه من المرتدين ، وأن هناك من أبلغه بذلك ، لكن مالكاً ينكر مدللاً بصلاته وقومه وباستسلامهم وإلقائهم السلاح عندما عرفوا أن القادمين من مسلمي العاصمة ، مطمئناً إلى براءتهم أمام إخوانهم في الإيمان ، ويقول خالد : أنا على الإسلام ما غيرت ولا بدلت ، ووقف دونه أبو قتادة وعبد الله بن عمر يشهدان له وعنه وينافحان (كنز العمال 3 /132) واليعقوبي في تاريخه 2/110).
ونطل من بعيد عبر سجف الزمن على المشهد التاريخي العجيب ، على (مالك) مقيداً ومن ورائه امرأته (أم تميم بنت المنهال) ، يؤكد لخالد ومعه الشهود من مسلمي المدينة الذين فاجأوه في بلاده وصلوا معه ، ولم تزل آثار الوضوء بادية عليه ، يؤكد أنه مسلم لا غير ولا بدل ، ولكن ليأمر خالد رجلة ضرار بن الأزور بضرب عنقه” !!؟ ويأتينا السر فصيحاً في روايات أبي الفدا (التاريخ 158 ، وأبن خلكان في الوفيات 5/66 واليعقوبي 2/110).. السر زوجة مالك؟! الموصوفة في المصادر بالجمال العظيم ، وأنه قبل هذه الحملة كان عنده خبرها ووصفها “وكان له فيها هوى”. وأنه لما رآها خالج أعجبته وقال : والله ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك”. وشعر (مالك) بالغدر بعد أن استسلم لأسر أخوة الدين مطمئناً ، ومن ثم التفت إلى خالد قائلاً : “يا خالد فإنك بعثنا إلى أبي بكر فيمون هو الذي يحكم فينا ، فإنك بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا” ، فقال خالد : “لا أقالني الله إن لم أقتلك”.. فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد : “هذه التي قتلتني” وكانت في غاية الجمال ، فقال خالد : “بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام” فقال خالد : “يا ضرار أضرب عنقه فضرب عنقه”
4- نتائج حروب الردة
نواصل هنا الحديث عما سمي بحروب الردة. وهو ما نراه حروب “مانعي الزكاة”.. وكنت قد توقفت في الأسبوع الماضي عند ما رويته من تفاصيل هذه الحروب وما كان لدور خالد بن الوليد فيها.
في الإصابة 3 / 337 أن ثابت بن قاسم روي في الدلائل ، أن خالداً رأى امرأة مالك ، وكانت فائقة الجمال ، فقال مالك لامرأته : قتلتني ، - يعني سأقتل من أجلك – ومنا لطبيعي كي تثبت ردة الرجل أن يقتل من كان معه من قومه الذين نهضوا عن الصلاة منذ هنيهات ، وقبلوا الاستسلام لإخوانهم في الإسلام حتى يستوثقوا من أمرهم “فضرب عنقه وأعناق أصحابه“.
كما روى الطبري عن أبي بكر ، ويؤكد (اليعقوبي) أن خالد لم يستمهل الأرملة الفاتنة أم تميم بنت المنهال لتستبرئ رحمها وتكمل عدتها ، بل إنه امتطاها ودم زوجها لم يجف بعد (2 /110) ، واهتزت مشاعر المسلمين من الحدث البشع حتى قام (أبو نمير السعدي) ينعي مالكاً يحكي ما حدث شعراً برواية (أبي الفدا /158) :
ألا قل لحى أوطأوا بالسنابك
تطاول هذا الليل بعد مالك
قضى خالد بغياً عليه لعرسه
وكان له فيها هوى قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف
عنان الهوى عنها ولا متمالك
فأصبح ذا أهل وأصبح مالك
إلى غير أهل هالك في الهوالك
وبينما خالد يأمر بالتمثيل بالجثث كان (أبو قتادة) يحث الخطى يدفعه الغضب والألم إلى المدينة “فلحق أبو القتادة بأبي بكر فأخبره الخبر ، وحلف ألا يسير تحت لواء خالد لأنه قتل مالكاً مسلماً”.
وأمر خالد برؤوس بعض القتلى لتنصب أثافي ، ومنها رأس “مالك” ، والأثافي هي صخر (الكونكاريت – الزلط) كانت ثلاثاً متجاورة وتوقد النار بداخلها لتسمح بمرور الهواء فتشتعل النار ، ولتحمل قدور الطعام فوقها ، ونضج طعام (خالد) ليأكله مع أم تميم ولم ينضج رأس زوجها بعد ، والسبب فيما يروى الزبير بن بكار عن شهاب في الإصابة “أن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس فما قتل أمر خالد برأسه فنضب أثفية فتضج ما فيها قبل أن تخلص النار إلى شئون رأسه “الإصابة 3 / 337 ، وأبن كثير 6 /322 ، وأبو الفدا 158″.
هذا ما كان يحدث في مضارب بني يربوع بينما كان يحدث في العاصمة حديث آخر ، فقد علم (عمر بن الخطاب) بالحدث العظيم فذهب ينتفض غضباً إلى الخليفة يهتف به “إن خالداً قد زنى فارجمه” ، قال : ما كنت أغمد سيفاً سله الله عليهم / تاريخ أبي الفداء.. هذا بينما كان متمم بن نويرة شقيق مالك قد تمكن من الهرب واللحوق بالمدينة فصلى وراء أبي بكر صلاة الصبح ، فملا فرغ أبو بكر قام (متمم) وسط مسجد رسول الله يرسل نواحه شعراً يمزق نياط الأكباد والقلوب ، مقارناً بين شرف (مالك) وفروسيته وبين غدر (خالد) قائلاً :
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت
خلف البيوت قتلت يا ابن الزور
أدعوته بالله ثم غدرته؟
لو هو دعاك بذمة لم يغدر!
وهنا تبدو المقارنة بين ذمة العرب المرعية المعتبرة التي تلزم أصحابها من فرسان الأشراف إذا دعوتهم بها فلا يغدرون ، وبين دعوة أعلى هي دعوة الله لكن أصحابها رغم دعواهم بها فإنهم قد غدروا ، وهو الأمر المفهوم مع غضب (متمم بن نويرة) وهو يرى الخليفة يصر على عدم محاسبة خالد ولا عزله ، وناسباً ما حدث إلى قرار قدسي جاء على لسان نبيه أن خالداً هو سيفه المسلول ، ومقدماً حجة ليست بحجم الحدث وجسامته بأنه قد تأول فأخطأ.
وبينما يحيل الخليفة استمرار سيف الله إلى الله فإن عمر أبدا لم يقتنع بل أعلن يقينه أن الله من ذلك براء ، ناعتاً خالد بعدو الله قائلاً : “عدو الله عدى على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته – الطبري”.
وعاد خالد إلى المدينة مزهواً بفعاله يلبس دروع الحديد ، وعلى رأسه عمامة غرس فيها أسهم المحاربين الأشراف متجهاً إلى مسجد الرسول للقاء الخليقة ، لكن ليلقاه عمر على الباب فينزع الأسهم عن عمامته ويكسرها قائلاً له : “… أي فخر كاذب بأسهم الفرسان الأشراف؟ ثم أستمر يقول له : “قتلت امرءا مسلماً ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك” ولم يهتم خالد بعمر بل استمر في سيره ودخل المسجد على الخليفة واعتذر له فقبل الخليفة اعتذاره ، فخرج خالد مزهواً أكثر مما دخل ليمر على فمر فيناجزه القول مستنفراً له مستفزاً قائلاً : “هلم إلى ابن أم شملة”. فعلم عمر أن الخليفة قد عفا عنه وأن إصراره على إنزال العقاب به قد ذهب أدراج الرياح ، فلم يرد على استفزاز خالد الشتام وانصرف إلى بيته وأغلقه عليه.
هذا الحدث من أحداث ، وجسيم من جسام ، وطل من غيث ، وغيض من فيض ، ومثل من نماذج عديدة وعدة لما حدث باسم الله والإسلام في حق عباد الله من أهل الإسلام تحت عنوان (الردة) والإسلام بعد في فجره ، بحق مسلمين كان لهم رأي سياسي عارضوا فيه عدم مشورتهم في اختيار خليفتهم ، خالفوا السلطان ولم يخالفوا الديان ، لكنهم بسيف الله ذبحوا وهم أسرى مستسلمين له ، فماذا اليوم عمن هم مثل خالد على راس العباد ، ومن كانوا في الشرف اقل وفي القيمة أدنى؟ هل تأولوا في شأن فرج فودة فأخطئوا فقتلوا؟! وهل سيظل اسم الله بيد النجار سيفاً مسلولاً فوق رؤوس العباد تحت بند الردة وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ وما هو رأيك يا ولي الأمر؟ هل سيكون كرأي الخليفة مطلقاً علينا به خوالدك وأزاورتك؟
مرة أخرى لا عبرة هنا مطلقاً بأكاذيب سيف بن عمر التي يلجأ لها سادتنا من السدنة لتقديس الصحابة ، وتبرئتهم من الحدث الهائل ، ومثله كثير من الأحداث الفواجع ، وهي حجج أوهى من بيت العنكبوت ، فسيف يبرئ خالداً بغلطة تاريخية لغوية حيث كانت ليلة الأسر في ديار اليرابعة باردة قارصة ، فقام بحنين قلبه على أسراه الذين صلوا وصاموا وأعلنوا إسلامهم أمامه ينادي رجال جيشه “أدفئوا أسراكم” وكانت في لغة كنانة “اقتلوا أسراكم” فقتلوهم.. هكذا؟! وأن خالد لما عرف الخطأ العظيم قال : “إذا أراد الله أمراً أصابه” كل مصيبة تنسب إلى الله وكل تزوير ينسب إلى الحق تعالى وكل غرض خبيث يتذرعون وراءه بالله وكلماته ، ويخالف الراوي غير المحترم ، لا المخلص للناس ولا الدين ، يخالف الجميع ، ويقول أن خالداً لم يطأ الأرملة الجميلة إلا بعد أن استبرأ رحمها.. ورحماك يا الله … عندما نعلم أن الخطأ قد تم علاجه بأن أرسل الخليفة لأهل القتلى ديات قتلاهم !! وانتهت المشكلة البسيطة الهينة؟!
فإذا كانوا غير مسلمين فماذا الديات؟ وإذا كانت خطأ لسانياً فماذا اعتبرها الخليفة تأولاً خاطئاً ، ولماذا أصر عمر على القصاص؟ وإذا كان الخطأ لنطقه بلغة الكنانة فكيف جاز ذلك و “خالد” محزومي من أسدي ، وكيف فهمها “ابن الأزور” كنانية وهو ثعلبي أسدي ، وكيف تآمرت أسماع وإفهام الجيش كله مع تلك اللغة الكنانية النشاز على الجميع ، وكلهم إما مهاجر قرشي أو أنصاري مدني؟ وإذا كان الأمر خطأ في اللغة ، وأن الزمن قد تآمر فأصيب الجميع بغتة بلغة كنانة في الألسن وفي الإفهام ، فلماذا تم وضع رؤوس القتلى أثافي لقدور طعام اللذة ومتعة الجسد بنار رأس القتيل ونار جسد أرملته؟
هذه نتائج ما سمي بحرب الردة التي أصر عليها الدكتور “رأفت عثمان” كحجة بيده يطلب بها رد أي مختلف اليوم أو أي خارج ، وهي الحروب التي يتم تزويرها على أبنائنا في المدارس وعلى المسلمين في التمثيليات التلفازية وأحاديثه المشيخية اعتماداً على كذب سيف بن عمر أمام منطق واضح وأحداث أوضح ، فيعلمون المسلم الكذب والخداع أو هم يخدعونه من حيث لا يدري أم يخدعون الله؟ وما يخدعون إلا أنفسهم ! دون أن يقدموا مرة على فضيلة الصدق مع الذات ومع الناس ومع التاريخ ومع الدين ومع الله الذي هو تواب وهو أيضاً أعلم العالمين ، ودون أن يتراجعوا أنملة عما هم فيه من غواية التقديس لأشخاص غير مقدسين ، بخطاب متفق يغطي على حقائق واضحة لكل من يملك ضميراً صادق اليقين بدين لا بالسلطان على العباد. وهو ما يشكك في هذا الضمير المراوغ ولغة المخاتلة حتى لو أخطأ السيف مئات المرات بحق عباقرة الأمة منذ هذا التاريخ الأول مروراً بالحسين ابن الحلاج والسهروردي المقتول حتى يومنا هذا ، وحتى لو أخطأ هذا السيف مئات المرات في حروب مذهبية طاحنة علت كل منها آيات الله تتهم الآخر بالردة والخروج عن المعلوم من الدين بالضرورة..
كان منها هذا الموجز المكثف الذي رويناه لحديث عن مسلمين عبروا عن رأيهم السياسي يمنع الزكاة وظلوا مسلمين ، ووصموا في تاريخنا زوراً وبهتاناً بالارتداد عن الدين كله ، ومازلت الوصمة تلاحقهم عبر التاريخ حتى اليوم دون أن يقوم من مشايخنا رجل رشيد يسجل موقفاً يسحبه له الناس والتاريخ ليعلن اعتذاراً واضحاً عما حدث لهم ولغيرهم عبر تاريخنا لتنظيف هذا التاريخ من عاره ووصماته.
مرة أخرى ندقق فيما نشر عن توصية لجنة العقيدة والفلسفة لتمديد مهلة استتابة المرتد من أيام ثلاثة إلى مدى العمر ، نحاول مع القارئ أن نفهم ما نشر في قولهم : “إذا ارتد وفارق الجماعة فإن أمره متروك لولي الأمر.. له أن يستتبه مدى الحياة أما إذا كانت ردته خطراً على الأمن العام وأصول الدين وأصول المجتمع يحق لولي الأمر قتله” ، هذا مع تأكيدهم أنهم بذلك ليسوا مشرعين جدداً بل مرجحين بين الآراء وأنهم لم ينكروا بترجيحهم هذا نصاً معلوماً من الدين بالضرورة. ونذكر أن الدكتور “رأفت عثمان” قد عارض مطالباً بالدم الفوري ، وذلك “لأن تقسيم المرتد إلى مرتد يضر ومرتد لا يضر ليس وارداً في اعتبار العلماء القدامى أصلاً.. إنما تكلموا عن المرتد المحارب الذي يلحق بالدولة المعادية وهذا يقتل ولا يستتاب”.
وهنا ملحوظات لابد أن يطرحها أي مسلم على نفسه. ما المقصود هنا بقولهم “فارق الجماعة؟” وما هي الجماعة المقصودة؟ هل هي الجماعة الوطنية التي تضم مواطني الوطن ، وهي المعول عليه اليوم في مفهوم الجماعة المعاصر والتي تشمل مسلمين وغير مسلمين يجمعهم وطن واحد ومصير واحد وتاريخ واحد ولغة واحدة وجيش واحد ويموت في سبيل هذا الوطن الواحد المسلم وغير المسلم وتختلط دماؤهم على ثراه الطاهر؟ أم المقصود هنا لغة طائفية تشف الوطن شقاً فتتحدث فقط عن طائفة المسلمين وتصبح هي الجماعة الواجب الولاء لها وليس الوطن ، وهي طائفة متناثرة في مختلف بلدان العالم تشكل في بعضها أكثرية كما في باكستان مثلاً وفي بعضها أقلية كما في البوسنة أو بلاد تركب الأفيال؟
أليست تلك بلغة طائفية ممجوجة إزاء وطن مأزوم بفضل مثل تلك الأفكار الآتية بريحها من أكفان موتى التاريخ؟ وازدادت أزمته بما فعله السفهاء منا في جريمة سبتمبر 2001 دونما ذنب واضح لبقية المواطنين البسطاء الذين ما عادوا يفهمون لغة هذا الماضي !!
و يا ليتها لغة طائفية استطاعت التطور والتكيف مع العصر ومبادئه وقيمه. فالفاتيكان مثلاً مؤسسة دينية طائفية بالكامل ، لكنه تمكن من تطوير مفاهيمه فيصبح المدافع الأول عن حقوق الإنسان مطلقاً بغض النظر عن دينه أو عنصره في إعلانات فصيحة ومواقف عديدة ، آخرها احتجاجه على عزم أمريكا حث مجلس الأمن للسماح بضرب العراق لأنه خالف ستة عشر قراراً للأمم المتحدة بينما إسرائيل خالفت ألفا وستمائة قرار دون أن يضربها أحد أو حتى يلومها. هذا رغم أن مواطني العراق ليسوا من أتباع دين الفاتيكان ولا ملته.
أما نحن فلغتنا الطائفية تجعلنا لا نرى سوى طائفتنا فنكيل أمام الدنيا بأكثر من مكيال رديء يقل في ردها علينا بمكاييلها رداءة فنحن نستنكر تدخل أية دولة في شئوننا الداخلية لكننا بالطائفية كنا نتدخل في شئون البوسنة وأفغانستان ، ونحن نستنكر الاستعمار وفي الوقت ذاته نتحدث عن فتوحات آتية نغزو فيها البلاد ونأخذ الأموال ونقتل الرجال ونسبي الزراري والنساء ، ونبكي سنوياً بحرقة على الأندلس التي تحررت من استعمارنا ، ونقوم بالدعوة لديننا في مختلف البلدان ونقيم مدارسنا ومساجدنا فيها بحكم قوانينها الديمقراطية ، ونقبض على من يبشر بدينه بيننا ، ونحن ضد أي تقسيم أو استقلال لأي جزء من الوطن لأية حجج طائفية أو عنصرية لكننا مع استقلال كشمير عن هندها ، ومع حرب الشيشان الاستقلالية عن بلادها.
والمأساة في صياغة لجنة العقيدة والفلسفة أو معارضيها أنها ليست فقط صياغة طائفية إنما صياغة زمن لم تعد صالحة للاستخدام في زماننا ، فالجماعة المتعددة تتفق وظرفها التاريخي إبان تكون الدولة الإسلامية الأولى في جزيرة العرب ، والتي كان الإسلام هو أيديولوجيتها التوحيدية لقبائلها المتشرذمة فكان الإسلام هو عقدتها الجامعة ، زمنها كان يجوز القول بالجماعة ومن يفارقها لأن الجماعة كلها قد وحدتها على دين بعينه لا تقبل بالطبع أية أديان أخرى لأن ذلك كفيل بتمزيق وحدتها ، وهو أمر يبدو في ظاهره أمر دين رغم أنه بهذا المنطق شأن سياسة.
ومما يؤكد أن تلك الصياغة للتوصية الجديدة مكتوبة في كهوف الأسلاف وسراديب الماضي هو أنها تفرق بين نوعين من المرتدين حتى يمكنها أن تقيم اجتهادها الجديد ، فتقول بمرتد لا تمثل ردته خطراً على المجتمع ، وهذا هو الذي يستتاب مدى الحياة بالسجن المؤبد حتى يعود إلى الدين ، ومرتد من نوع آخر يستوجب القتل فوراً وهو من تشكل ردته خطراً على الأمن العام وأصول الدين وأصول المجتمع.
والمعلوم أن الخطر على المجتمع والأمن العام اليوم لا يأتي من انتماء مواطن لدين بعينه بالذات من عدمه ، إنما يكون ذلك بالخروج على قوانين هذا المجتمع ، ولو أخذنا مصر نموذجاً مع حساب الاحتفالات اعتبار فارق النسبة العددية بين المسلمين والمسيحيين ، فإن النتيجة المترتبة على ذلك أن يكون عدد من يشكلون خطراً على المجتمع والأمن العام من المسلمين أكثر بكثير من المسيحيين أو المرتدين “إن وجدوا أصلاً”.
ولا أظن هذه التفرقة إلا مقصودة قصداً لإعمال النص القانوني الغريب المتعلق بازدراء الأديان ، والذي يحاكم بموجبه بعض المفكرين المجتهدين وينسب إليهم هذا الازدارء ويكونون بذلك المعنى مرتدين ، يشكلون خطراً على المجتمع وعلى الأمن العام ، وهو ما يفسره استطرادهم حول هذا المرتد الذي يجب قتله إذا شكل خطراً على أصول الدين وقواعده ، وهو أمر لا يمكن فهمه إلا في ضوء تفسيرنا هذا ، لأن قواعد الدين ليست منشأة عسكرية قابلة للقصف بالقنابل ، إنما هي أمور منشورة معلنة ، معلومة ليس بها أسرار يمكن أن يشي بها من يوصم بالردة للأعداء.
المقصود بالضبط هو أية محاولة فكرية خارج كهوفهم بشأن أي أمر في هذا الدين ، ليظل فهمهم وحدهم هو الأوحد الصحيح المنتشر ، والذي تحول مع مرور الوقت ليصبح هو ما يقولونه في تفاسيرهم وفتواهم وقراراتهم السيادية على الناس ، وكما لو كانوا وحدهم مع أسلافهم من علماء وقدامى من اطلعوا وحدهم على المقصد الإلهي من نصوصها المقدسة في خطاب مخادع مخاتل ، أنه لو كانت هذه النصوص تنطق بذاتها والمراد منها ما انقسم المسلمون فرقاً وشيعاً وطوائف حول فهم هذه النصوص وتطبيقها ، لأن قراء النصوص المقدسة لهم عقول مختلفة ومفاهيم متباعدة بحسب الأوضاع الاجتماعية للقارئين ، واختلاف البيئات والفروق الزمنية والمعرفية ، ولأن كل قارئ يفهم النص بإعادة تشكليه وفق زمنه وبحسب لغته ومستوى ثقافته ، وتاريخ المسلمين يحدثنا عن الاختلافات الحادة حول النصوص المقدسة بعدد المدارس الكلامية من معتزلة إلى أشاعرة إلى ماتريدية إلى مجسمة إلى مشبهة إلى منزهة إلى معطلة إلى مرجئة إلى صفانية ، كما اختلفت المذاهب في القراءة والفهم والتفسير والتطبيق والتأويل باختلاف المذاهب الفقهية ، بل هناك إسلامات معلنة لها أتباع كثر تتباعد رؤيتها وفهمها لدرجة النقيض إزاء النص الواحد ، فهناك السني والإثنا عشري والإسماعيلي والإباضي والزيدي ، مما يعني أنه من حق أي مسلم أن يفهم النص أو أن يطور هذا المفهم بلغة العصر ومطاليبه ، ولكنه إن فعل يصبح ممن يزدرون الدين أو من المنكرين لمعلوم من الدين بالضرورة وحسب هذا الاجتهاد الجديد يجب قتله. ولا يبقى سوى أن المقصود بوصف المرتد الخطر على أصول الدين هو صاحب أي رأي مخالف لسدنة شئون التقديس ، بينما سيكون تجريم هذا الزمان وقياساً على اختلاف المذاهب بمقاييس هذا الزمان وقياساً على اختلاف المذاهب والمدارس عبر التاريخ هو الجريمة عينها ، لأن فعله لا يتعدى القول وإبداء الرأي ، الذي يجب أن يقابل بالقول والرأي وليس بالإعدام
نشرت بروزاليوسف - أكتوبر 2002